4 - الفرق بين اصول الفقه واصول القانون او النظرية العامة لعلم القانون:
ربما يتصور البعض ان علم «اصول الفقه» وعلم «اصول القانون» يتحدان من حيث الماهية لانهما مدخل لعلم الفقه اوالقانون، كما انه توجد في كليهما ابحاث مشتركة كثيرة ((258))، وهذا الكلام يعوزه الدقة والتاني لابداء الراي؛ حيث ان علم اصول القانون يفترض آراء مسبقة واحكاما قانونية سارية المفعول في البلاد يريد ان يتعرف على اصولها، بينمافي اصول الفقه لم تكن آراء مسبقة مفروضة من قبل، بل الباحث في هذا العلم يحاول التعرف على مصادر ومبادئ ليستند اليها في استنباط الاحكام، ومن هنا قالوا في تعريف علم اصول الفقه: هو العلم بالكبريات التي لو انضمت الى صغرياتها لانتجت حكما شرعيا.

5 - دعوة لتطوير علم اصول القانون على ضوء معطيات الدراسات الاصولية للشريعة الاسلامية:
وهنا نضم صوتنا الى جانب العلامة السيد محمد تقي الحكيم في سفره الخالد الاصول العامة للفقه المقارن، نسجل الحقيقة من ان: «علم اصول القوانين ما يزال بحاجة ماسة الى يد مطورة تستعين على وظيفتها باقتباس بحوث من اصول الفقه؛ ليقوم بواجبه من تاسيس قواعد عامة تكون هي المرجع في التماس الوظيفة او الحكم عند تعذر وفاء النصوص بالحاجة اما لغموض او تضارب او عدم تعرض للحكم او غيرها من موجبات التوقف عن الاخذ بالقانون؛ ليقطعوابذلك السبيل على تحكم القضاة واجتهاداتهم التي لا ترتكز على اساس» ((259)).

ونضيف الى ما افاد: بان عملية تطوير الدراسات القانونية من ناحية المبادئ والمصادر والقواعد والمناهج والمذاهب والنظم ليست محتاجة الى الاستعانة باصول الفقه فحسب، بل هي محتاجة كذلك الى علم الكلام وعلم الفلسفة وعلم الفقه وعلم التفسير ايضا، وقد اهتم كبار الاساتذة في الحوزة العلمية بقم المقدسة بجانب من هذه العملية في تصانيفهم،فكتب العلامة الفيلسوف آية الله مصباح اليزدي - حفظه الله - «الحقوق والسياسة في القرآن الكريم» ((260))، وكتب الاستاذ الكبير في التفسير آية الله جوادي آملي - دام عزه - «فلسفة الدين وحقوق الانسان» ((261))، وكتب العلامة المحقق آية الله محمد تقي الجعفري(قدس سره) «فلسفة الدين والفقه» ((262))، كما الف الباحثون - ايدهم الله - في مركزالتعاون المشترك بين الحوزة والجامعة «مدخل لدراسة القانون الاسلامي» ولا زالت عملية الكتابة والتحقيق واضفاءالمزيد من البحوث القانونية مستمرة في الحوزة العلمية المباركة في قم المقدسة صانها الله عن كل مكروه، بحق محمدوآل محمد.

6 - المعاني المختلفة للفظ ي «القانون» و «الحقوق» ونظائرهما:
من الملاحظ في هذه المقدمة ان كلمتي «القانون» و «الحقوق» وامثالهما قد تكررت كثيرا في العلوم الاسلامية لذلك قمنابتوضيح المعاني المختلفة لهذه الالفاظ تمهيدا للفصول الاتية.

أ - القانون:
1 - تاريخ الكلمة: في معرض البحث عن تاريخ كلمة «القانون» يلاحظ ان اصل هذه الكلمة ماخوذ من اللفظ اليوناني(ذس ذچپ )، ثم استعارت اللغة العربية هذه الكلمة عن طريق الاتصال مع اللغة اليونانية. وقد ذكر ان هذه الكلمة استعملت في الاصل بمعنى «المسطرة» اي العصا المستقيمة.

2 - المعنى اللغوي: القانون في اللغة بمعنى «القاعدة»، والقاعدة تعني بدورها في اللغة معنى النظام والاستقرار على نمط رئيسي ومطرد؛ فالقاعدة او القانون هي كل علاقة تنتج ظاهرتين بحيث اذا تحققت احداهما تحققت الاخرى بالتبعية؛ فوفقا لهذا المعنى يقال «قانون جاذبية الارض» للدلالة على ظاهرة سقوط اي جسم بفعل القائه في الفضاء، وهكذا يقال «قانون القوة» و «قانون غليان الماء» و«قانون دوران الارض وتعاقب الليل والنهار وتعاقب الفصول» و«قانون بقاء الطاقة» او «قانون الطلب والعرض» واستعمالات من هذا القبيل. وهذه المعاني لكلمة القانون غير مقصودة في دراسة علم القانون.

3 - المعنى الاصطلاحي للقانون: يقيد لفظ «القانون» في الاصطلاح احد المعاني التالية:
أولا: «مجموعة القواعد العامة والمجردة والملزمة والتي تنظم سلوك الانسان الاجتماعي مصحوبة بجزاء على نحوالمكافاة او العقوبة لمن ينفذها او يخالفها من قبل السلطة العامة كفيلة باحترامها»، وسياتي شرح هذا المعنى في الفصل الاول ان شاء الله.
ان لفظة (سچپ ) في الانكليزية و (ژخرزا ) في الفرنسية تاتي بهذا المعنى، وعندما يقال (سچپ ح ر حدس ث ) يقصد«القاعدة القانونية»، والقانون بهذا المعنى يطلق عليه في اللغة الفارسية كلمة «حقوق» كاسم جمع من دون مفرد. وكلمة «الشرع» او «الشريعة» تاتي بهذا المعنى؛ فيقال «شرائع الاسلام» اي قوانين الاسلام؛ جمع قانون بهذا الاطلاق.

ثانيا: يطلق لفظ «القانون» ويراد به مجموعة القواعد القانونية في دولة وزمن معينين، ويقال له «القانون الوضعي» نظرالكونه موضوعا ونافذا بارادة السلطة المهيمنة، وتمييزا له عن الاحكام الاخرى التي ليست لها مراجع تنفيذ او تطبيق معينة، كمبادئ الاخلاق والشرف والكرامة وما اليها. وهذا الاستعمال يكون عند دراسة القانون المعمول به في بلد مافيقال «القانون الماليزي» او «القانون النيجيري» او «القانون الايراني» مثلا، وغالبا ما يستعمل لفظ القانون في هذه الحالة مضافا اليه «لفظ الوضعي» فيقال «القانون الوضعي الماليزي» او «النيجيري».
والقانون بهذا المعنى يقال له في اللغة الانكليزية (
Positive Law) وفي الفرنسية (Droit Positif اذا ذات القاعدة القانونية الواجبة التطبيق في دولة ما يقال لها «القانون» ايضا. ولا يبعد ان يكون مصطلح «المسالة الشرعية» او «الحكم الشرعي» - اي ما توصل اليه المجتهد حسب استنباطه - مرادفا لهذا المعنى من حيث الماهية؛ ففي الفارسية تطلق هنا لفظة «حقوق» ايضا، فيقال مثلا «حقوق ايران».

ثالثا: القانون بمعنى مجموعة الاحكام والقواعد التي تصدرها السلطة التشريعية، وهنا يكون القانون مدونا دائما، وهوبمعنى «التشريع»، ويطلق عليه في الانجليزية (Legislation) وفي الفرنسية (L'egislaton)، ولا يبعد ان يكون القانون بهذا المعنى مرادفا لمصطلح «الفقه» في الاسلام. اما في اللغة الفارسية فيطلق لفظ «قانون» ويراد به في اكثر الاحيان هذاالمعنى. وفي العربية يطلق على القانون بهذا المعنى تارة «تشريع» وتارة «تقنين»فيما لو اتخذ صورة التجميع العلمي المنطقي لغالبية الضوابط المتعلقة بفرع او آخر من فروع القانون؛ كان يقال: «التقنين المدني» او «التقنين التجاري» او«التقنين الجنائي» تعبيرا عن التشريع الذي يضم القواعد المتعلقة بهذا الفرع او ذاك.

رابعا: القانون بمعنى علم القانون بفروعه المتنوعة والذي يدرس في كليات القانون، ويقال له باللغة العربية «علم الحقوق» ايضا، لكن استعمال القانون اكثر شيوعا، ويقال له بالانجليزية (Jurisprudence) وبالفرنسية (Scince du Droit). كما تطلق هذه المصطلحات الاجنبية على العلم الذي يبحث في النظريات والقواعد العامة للقانون او فلسفة القانون او اصول القانون ايضا.
والمصطلح الذي يعادل هذا المعنى من «القانون» في القاموس الاسلامي هو «علم الفقه».

ب - الحقوق:
هذه اللفظة تارة تستعمل بصيغة الجمع على نحو اسم الجمع من غير مفرد؛ فتعادل المعنى الاول والثاني والرابع من استعمالات لفظة «القانون»، فيقال لمجموعة القواعد الحاكمة على المجتمع «حقوق»، ويقال للقاعدة القانونية «قاعدة حقوقية»، ويقال لعلم القانون «علم الحقوق»، ويطلق على كليات القانون والشريعة عنوان «كليات الحقوق والشريعة»،وتسمى المجلة المتخصصة بالقانون «مجلة الحقوق»، بهذا المعنى. ويقال لرجل القانون «حقوقي» او «فقيه القانون» او«عالم قانوني» حسب الاستعمالات المختلفة.

واخرى تستعمل بمعنى جمع «الحق»، فيختلف معناها عن معنى كلمة القانون.

و «الحق» معناه: صلاحية او سلطة او امتياز يمنحها القانون لشخص حقيقي او معنوي دون الاخر. ويعادله بالانجليزية (Right) وبالفرنسية (Dtoit subjectif)ا ((263)).

وكلمة «الحق» تقبل الجمع في كل اللغات، فيقال مثلا (Human rights) بالانجليزية و (Droits de L'homm) بالفرنسية؛ بمعنى «حقوق الانسان»، ومن هذا الباب يقال حق الملكية؛ حق الشفعة؛ حق الحضانة؛ حق الخيار.. وغيرها.

و «الحق» في الفقه الاسلامي ياتي بهذا المعنى، وله اركان ثلاثة: من له الحق، ومن عليه الحق، ومتعلق الحق. ويقابل الحق في الفقه «الحكم» والملكية، فهذه مصطلحات ثلاثة نشير الى تفاصيلها في مبحث نظرية الحق باذن الله تعالى.

وما دمنا نروم دراسة النظام القانوني في الاسلام فمن الطبيعي ان تكون دراستنا مقارنة مع ذلك، وسوف نحاول بحث ظاهرة القانون تجريديا مع شرح وتحليل للضوابط العامة لقوانين الجمهورية الاسلامية في ايران طالما قانونها هو قانون الشريعة؛ ليكون عندنا نموذجا عمليا الى جانب دراستنا النظرية.

الفصل الاول:
ماهية القاعدة القانونية وحقيقة
المسالة الشرعية بصياغتها الحقوقية

اتضح في المقدمة ان ذات «القاعدة القانونية» في تعابير رجال القانون تعادل مصطلحي «الحكم الشرعي» او «المسالة الشرعية» في عبائر فقهاء الشريعة الاسلامية، فمن حيث الماهية لا فرق بين الاثنين وان ظل الاختلاف قائما في المبادئ والمصادر والاهداف والنزعة والنطاق، الامر الذي يجعل المقارنة في هذه الجوانب نافعة للحقوقي والفقيه على السواء:

فالاول يطلع من خلال الدراسة والتامل على آفاق واسعة يحتاجها في تقنينه لتنظيم شؤون الحياة، وتحقيق الامن والسلام والرفاه والعدالة والسعادة.

والثاني يحيط بخر ما توصل اليه العقل البشري من حقول المعرفة الحقوقية، ويتعرف على اسئلة الانسانية الحائرة في ادارة حياتنا المعاصرة ليعطيها الجواب الشافي النافع من تراث الوحي والنبوة، وهكذا يوفق بين ما يسمى بالاصالة والحداثة في جانب اساسي من جوانب المعرفة وهو «الحقوق والشريعة».

وكيفما كان، فلو تعرفنا على ماهية القاعدة القانونية تمكنا ان نتوصل الى حقيقة المسالة الشرعية بصياغتها الحقوقية ايضا؛ لاتحادهما في الماهية. وفي هذا الفصل نتوخى ذلك من خلال بيان خصائص القاعدة القانونية في مباحث اربعة متتابعة:

المبحث الاول: القاعدة القانونية حكم للسلوك الاجتماعي.
المبحث الثاني: القاعدة القانونية حكم ملزم اجتماعيا.
المبحث الثالث: القاعدة القانونية مصحوبة بالجزاء.
المبحث الرابع: القاعدة القانونية عامة ومجردة.

المبحث الاول: القاعدة القانونية حكم للسلوك الاجتماعي
أولا - المقصود بهذه الخصيصة:
يقصد بكون القاعدة القانونية قاعدة للسلوك الاجتماعي انها قاعدة لسلوك الانسان في المجتمع تواجه هذا السلوك بالتقييم؛ اي باصدار احكام قيمية وفق تصور معين وبيان ما ينبغي ان يكون؛ ولذلك فان المفاهيم الحقوقية هي مفاهيم تكليفية وليست وصفية كمفاهيم علم الاجتماع مثلا، فالقانون في تنظيمه لسلوك الانسان الاجتماعي يوجه الانسان نحوالسلوك المطلوب منه باصدار الحكم وبالقضاء على تصرفات الانسان تارة بالمشروع واخرى بغير المشروع.

ثانيا - الفرق بين القاعدة القانونية وقواعد العلوم التجريبية والعلوم الوصفية:
والقاعدة القانونية على هذا النحو تختلف عن قواعد العلوم التجريبية - كالعلوم الطبيعية من الفيزياء والكيمياء - اوالعلوم الانسانية الوصفية كالاقتصاد والاجتماع، فالقاعدة في هذه العلوم تقتصر على تسجيل الواقع في المجال الذي يتناوله كل منها، والتعبير عنه تعبيرا امينا. اما القاعدة القانونية فتتجاوز تسجيل الواقع الى الزام الانسان الواعي بما ينبغي ان يكون عليه.

فالقاعدة المعروفة في العلوم الطبيعية من غليان الماء المقطر عند تسخينه لدرجة المئة تقتصر على تقرير واقع معين هوغليان الماء بالضرورة تحت هذه الشروط، والقاعدة المعروفة في الاقتصاد بقانون العرض والطلب في سوق السلع والعمالة تقتصر على بيان الواقع من تاثر الاسعار والاجور بحجم العرض والطلب في السوق لا اكثر. بينما القاعدة القانونية المتعلقة بالميراث مثلا لا تعبر عن واقع السلوك الانساني بصدد توزيع التركة اذا ما ترك لذاته، وانما تبين مايجب ان يكون عليه هذا السلوك، وكذلك القاعدة التي تامر بالوفاء بالعقود مثلا لا تعبر عن الواقع من التزام اطراف العقدبما تم التعاقد عليه دائما وفي جميع الاحوال، وانما تضع السلوك الواجب اتباعه بهذا الصدد.

ثالثا - الصفة التكليفية لقواعد القانون:
يذهب بعض رجال القانون الى ان قواعد القانون ليست احكاما تكليفية وانما هي مجرد احكام «فرضية»، فمثلا القاعدة التي تقضي بالاعدام جزاء على القتل، لا تكلف الناس بالانتهاء عن القتل، وانما تقتصر على بيان ان فعل القتل يستتبع اعدام القاتل، وتترك لكل فرد حرية الامتناع عن القتل وتجنب الاعدام، او الاقدام عليه وتحمل هذا الجزاء.

غير ان الاتجاه السائد في الدراسات القانونية على ان المخاطبين بالقانون يكون مطلوبا منهم دائما وابدا مطابقة سلوكهم للنمط السلوكي التي تضعه القاعدة، ويكون الجزاء بمثابة «العقاب» الذي يوقع على المخالف جزاء له وردعا لغيره، لابمثابة احد الخيارين المطروحين على المخاطبين بالقانون. ففي عقوبة اعدام القاتل مثلا يجعل من الحكم بالاعدام وسيلة لزجر المخالف وردع غيره، فيكلف جميع المخاطبين بالقانون بالامتناع عنه، وهذا ما يفسر امكان استخدام القوة لمنع المخالف من الاستمرار في المخالفة، والا لكان من المتعى ن ترك المخالف يتمادى في المخالفة مهما كانت جسامتها والاقتصار على توقيع الجزاء عليه.

رابعا - هل دائرة «المباحات» والمنطقة الحرة في السلوك الاجتماعي تعد حكما للسلوك الاجتماعي ومن القواعدالقانونية؟
في بادئ الامر يبدو ثمة تناقض بين تكليفية القاعدة القانونية والمباحات المتروك للافراد تقديرها، وهذا ما يذهب اليه بالفعل معظم رجال القانون، غير ان بعض علماء القانون يمد احكام القانون الى السلوك المباح ويجعل من سلوك الانسان بجميع اشكاله محلا لاحكام القانون سواء كان السلوك مشروعا او غير مشروع او كان سلوكا مباحا؛ لان الاباحة هي الاخرى تقنين للسلوك. وهذا ما عليه فقهاء الشريعة الاسلامية من تقسيم الاحكام التكليفية الى واجب وحرام ومستحب ومكروه ومباح، فالمستحبات والمكروهات والمباحات هي ايضا احكام للسلوك الاجتماعي. ولتوضيح هذاالامر اكثر نقول:

ان القاعدة القانونية تنظم السلوك الاجتماعي بالانضباط، وهذا الضبطيكون على ثلاثة انحاء:
1 - الضغط الاجتماعي: وهو يتمثل في مجموعة التوجيهات الايجابية وذلك عن طريق توجيه الافراد للقيام بالدورالمتوخى منهم، كمنح مكافت للطلبة المتفوقين، والسلبية وذلك عن طريق الحيلولة دون مخالفة الاشخاص لواجبهم والدور الذي يجب القيام به، كتدخل شرطي المرور لمنع سائقي السيارات من السير في الاتجاه المعاكس في شارع معين، او عن طريق «العقاب» كاعدام القاتل.
2 - التخيير الاجتماعي: ويتمثل في مجموع الخيارات المفتوحة امام الاشخاص والتي تكون دائرة الحرية او منطقة عدم الاهتمام الاجتماعي، فهناك ادوار اجتماعية حرة يختارها الشخص فيلعبها او يرفضها؛ لان قيامه بها او عدم قيامه سيان بالنسبة للمشرع، فالرجل البالغ في المجتمع الاسلامي مثلا حر اساسا في ان يتزوج او لا يتزوج؛ لكنه ان تزوج فعليه ان ينفق على زوجته.
3 - الوصف الاجتماعي: ويتمث ل في مجموع التكييفات المضفاة على الاحوال الاجتماعية سواء كانت احوال اشخاص او احوال اشياء، كوصف حال الشخص بانه عزب او متزوج، ووصف حال المال بانه عام او خاص.

اذا دائرة المباحات القانونية هي نمط من انماط الحكم على السلوك الاجتماعي لحالات معينة يضبطهاالقانون.

المبحث الثاني: القاعدة القانونية حكم ملزم اجتماعيا
احكام السلوك الاجتماعي تكون قانونية فيما لو خاطبت الانسان على سبيل الالزام الخارجي او الاجتماعي وليس على سبيل الالزام الداخلي او النصح مثلا. والمراد من الالزام الخارجي او الاجتماعي هو الانضباط التام في جميع ابعادالسلوك الاجتماعي، سواء كان ذلك بالضغط او التخيير او الوصف كما مر، وذلك يكون باصدار القرارات المحددة بالامروالنهي. ثم الالزام هو غير الجزاء للمخالف، وينبغي ان نفصل بين الالزام والجزاء. ثم هل علم المخاطب بالقانون شرط لالزامه به؟ وهذا كله يقتضي ان نبحث مسالة «الالزام في القاعدة القانونية» في ثلاثة مطالب:

المطلب الاول: ماهية «الالزام في القاعدة القانونية».
المطلب الثاني: الالزام والجزاء على مخالفة القاعدة القانونية.
المطلب الثالث: الالزام والعلم بالقاعدة القانونية.

المطلب الاول: ماهية «الالزام في القاعدة القانونية»:
المراد من «الالزام» في القاعدة القانونية هو حتمية القاعدة وضرورة تنفيذها ووجوب الطاعة لها وانه لابد للانسان من ان يكيف علاقاته الفردية والاجتماعية على اساسها، وهذه «اللابدية» سواء حصلت من قناعة وجدانية وبحكم العقل والفطرة او عن طريق الخشية من العقاب المترتب على المخالفة او عن اي طريق آخر، هي قوة ذاتية تكمن في القاعدة ذاتها ولا ترتبط بعناصر خارجة عنها. فالعقاب او الجزاء امر خارج عن القاعدة وهو غير الالزام، فضمان احترام القاعدة النابع من الزاميتها ربما يحصل اختيارا وعلى اساس القناعة الارادية الحرة لضرورة تلك القاعدة، او اجباريا عن طريق التهديد بالجزاء لكل من يمتنع عن تنفيذ تلك القواعد، فلغة القانون ليست هي لغة النصيحة والرجاء ان شاء الافراداتبعوها وان شاؤوا اهملوها، ومن هنا ياتي الخطاب القانوني دائما وابدا بصورة اوامر صادرة من سلطة عليا، فالامر -وهو طلب العالي من الداني على سبيل العلو او الاستعلاء - واجب التنفيذ، بخلاف الالتماس؛ وهو طلب المثل من المثل على سبيل المساواة، اذا الخطاب القانوني خطاب امري وليس خطابا استدعائيا، وهذا هو حقيقة الالزام في القاعدة القانونية.

والالزام في القاعدة القانونية على قسمين:
1 - اذا كان الالزام دائما وبشكل مطلق بحيث لا يمكن او لا يجوز استبعاد حكم القاعدة القانونية باي حال من الاحوال ولا يجوز للافراد الاتفاق على خلافها، فتسمى القاعدة القانونية بالقاعدة الامرة (
Rule Imperative).
2 - اذا كان الامر والالزام القانوني في القاعدة على نحو يجوز للافراد الاتفاق على خلافها حسب الارادة والاختيار فاذالجا الافراد الى التطبيق فهي الزامية، فتسمى القاعدة القانونية بالقاعدة المكملة او المفسرة او المقررة (Suppletive Rule).

فالمشرع في القاعدة الامرة لا يسمح للاشخاص الاتفاق على خلاف القاعدة، كالقواعد المحرمة للقتل او السرقة مثلا، او المحددة للنساء اللاتي يحرم الزواج بهن، او المقدرة للضرائب، او حرمة الربا في المعاملات. واما في القواعدالمكملة فقد اعطاهم المكنة والرخصة في الاتفاق على خلاف ما قرره القانون، مثل قاعدة دفع الثمن عند استلام المبيع او قاعدة تحمل المؤجر الترميمات الضرورية في العين المؤجرة. وقد سميت هذه الاخيرة بالقواعد المفسرة على اساس انه اذا سكت الافراد عن النص على حكم مخالف لها فهذا السكوت يفسر على ان نية المتعاقدين انطوت على تطبيق حكم هذه القواعد. وسميت بالمكملة نظرا الى انها تضع تنظيما لعلاقات الافراد حالة اغفالهم تنظيم مسالة من المسائل في اتفاقاتهم؛ فتكون بذلك مكملة لهذه الاتفاقات. وتسمى مقررة على اساس ان المتعاقدين عندما لم يتعرضوا لبعض الاحكام يفهم انهم قرروا تطبيق القواعد النموذجية التي وضعها المشرع ليستعين بها المتعاقدون على سبيل الاختيار. وفي لغة الشريعة تسمى القواعد الامرة ب - «الحكم»، وفي مقابلها تسمى القواعد المكملة ب « -الحق»،مثل: «حق الخيار» او «حق الحضانة».

معيار التمييز بين القواعد القانونية الامرة والقواعد القانونية المكملة:
1 - المعيار اللفظي والشكلي: اي التعرف على نوعي القاعدة من خلال اللفظ وشكل صياغة المادة القانونية، فقد تفرض القاعدة عقوبة على مخالفها كما هو الحال في قواعد قانون العقوبات، وقد تنص على بطلان كل اتفاق مخالف لها؛ ففي هذه الحالات تكون القاعدة آمرة، وقد تتضمن النص على عدم تطبيقها اذا وجد اتفاق مخالف؛ فتكون مكملة.

2 - المعيار الموضوعي او معيار النظام العام والاداب: المقصود من النظام العام (Public Order): مجموع الاسس التي يقوم عليها بنيان المجتمع وكيانه المادي بحيث لا يتصور قيام هذا البنيان او الكيان واستمراره عند تخلفها، وهي تشمل الاسس السياسية التي تحدد نظام الحكم وسلطاته، ونظام المجتمع الاقتصادي من راسمالي او اشتراكي اواسلامي، والاسس الاجتماعية كنظام الاسرة ونظام العمل. وعلى هذا الاساس نرى ان قواعد القانون العام كالقانون الدستوري والاداري والعمل والجنائي تكون في اكثر الاحيان قواعد آمرة، وعلى عكس ذلك قواعد القانون الخاص حيث تكون في غالب الاحيان قواعد مكملة الا ما يتعلق بنظام حقوق العائلة وامثال ذلك.

والمقصود من الاداب العامة (Public Manners): مجموعة القواعد الاساسية للاخلاق والتي يقوم عليها بنيان المجتمع وكيانه المعنوي والتي يؤدي تخلفها الى انحلاله، كالقواعد الخاصة بمنع القمار او الدعارة اوالعلاقات الجنسية غير المشروعة مما يعتبرها المشرع اساسا لتنظيم القانون في الدولة.

المطلب الثاني: الالزام والجزاء على مخالفة القاعدة القانونية:
اولا - الفصل بين الالزام والجزاء:
الاعتقاد بوجود قواعد قانونية غير متوفر فيها جزاء مادي معين على نحو ما راينا بالنسبة لما يسمى بالقواعد المكملة من شانه ان يؤدي الى الفصل بين الزام قواعد القانون وبين الجزاء، وهذا ما توصلت اليه الدراسات الحديثة من ان الجزاءالمادي يعتبر امرا خارجا عن حقيقة القاعدة القانونية التي يتصل بها ومضافا اليها.

ثانيا - علاقة الجزاء بالتكليف:
والحق ان الجزاء ليس جزءا من القاعدة التكليفية ذاتها يدخل في تكوينها على نحو ما كان عليه التصور الكلاسيكي، بل انما هو اثر يترتب على مخالفتها ولا يدخل في تكوينها، والفقه الاسلامي قد فصل بين الجزاء والتكليف، واعتبران مخالفة القاعدة القانونية يستتبع جزاء معينا دنيويا او اخرويا وان كان الجزاء بحد ذاته حكما آخر، فمخالفة الحكم الاول يستتبع ايقاع الحكم الثاني على نحو يبدو النظام القانوني كسلسلة متتابعة ومتشابكة من الاحكام يرتبط بعضهابالبعض الاخر.

ثالثا - قصور الجزاء القانوني عن التنفيذ الالزامي لاحكام القانون:
المفروض ان الجزاء القانوني بما له من اثر فوري يكفل الاحترام الواجب لقواعد القانون، ولكن الحقيقة التي يكشف عنها علماء الاجتماع القانوني غير ذلك تماما، فهذا الجزاء لا يكفل الطاعة الواجبة لقواعد القانون؛ ذلك ان توقيع مثل هذا الجزاء منوط - على اي حال - بالبشر القاصرة قدراتهم عن اكتشاف ما يقع من مخالفات، وتحيد بهم اهواؤهم في كثير من الاحيان عن الاعلان عما يصلهم من مثل هذه المخالفات او توقيع الجزاء بشانها. فالناس على حسب اطباعهم يسيرون عادة وفق اهوائهم ومصالحهم الذاتية الفردية وهم في مامن من القانون وما يفرضه من الجزاء. ويكفي ان نضرب مثلا لذلك بما نلاحظه من شيوع ظاهرة التهرب من الضرائب او ظاهرة السوق السوداء رغم ما تفرضه قوانين الضرائب اوقوانين التسعير الجبري من عقاب صارم. من اجل ذلك نجد علماء الاجتماع ينظرون الى القانون كمجرد وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي تقف الى جانب وسائل الضبط الاخرى كالدين والاخلاق والتربية والتعليم، ويقررون ان هذه الوسائل الاخرى للضغط الاجتماعي اهم بكثير من حيث الفاعلية اذا ما قورنت بالقانون الذي يعتمد الجزاء المادي الدنيوي وحده وسيلة لضمان تنفيذ اوامره ونواهيه.

ومن هنا يبدو تفوق الشرائع ذات الاصل الديني بصفة عامة، فالجزاء الدنيوي فيها مجرد جزاء اضافي يقف الى جانب الجزاء الاخروي. والانسان الذي يدين بعقيدة يقبل طائعا مختارا على اطاعة ما تفرضه هذه العقيدة من احكام؛ خوفا من العقاب او طمعا في الثواب في الحياة الاخرة، بل ان مجرد الايمان بالله وبانه هو واضع هذه الاحكام لمصلحة البشروان خفيت هذه المصلحة عليهم، كثيرا ما يجعل الانسان يقبل عليها دون تفكير في العقاب او الثواب.

المطلب الثالث: الالزام والعلم بالقاعدة القانونية:
القاعدة القانونية سارية المفعول في حق المخاطبين بها، ولا تفتقد الزاميتها فيما لو جهلها البعض بل تجري عليهم ايضا،ولا يحق لهم ان يتشبثوابجهلهم بالقانون. وهذا المبدا عرف باسم «عدم جواز الاعتذار بجهالة القانون». وطبقا لهذا المبدايمتنع الافلات من احكام القانون؛ حيث يفترض على الجميع العمل بالقانون بعدما ينشر في الجريدة الرسمية، وبعدمضي مدة محددة لنفاذه بعد نشره فانه يصبح نافذا ويطبق على كل الافراد سواء من علم به منهم ومن لم يعلم، وبناءعليه لا يستطيع احد ان يحتج بعدم علمه بالقانون؛ اذ يعد نشر القانون قرينة على علم الجميع به.

أولا - مبررات قاعدة عدم جواز الاعتذار بالقانون:
الواقع ان المبرر الحقيقي لهذه القاعدة هو احترام مبدا عمومية القاعدة القانونية واحترام مبدا المساواة بين المخاطبين بحكم هذه القاعدة؛ اذ لو اجزنا لبعض الافراد الاعتذار بجهل القانون لكان في هذا اخلال بمبدا المساواة؛ اذ سوف يطبق القانون على فئة دون اخرى، علاوة على ما في هذا من فتح باب التحايل امام الاشخاص للافلات من حكم القانون مع ما في هذا من اشاعة عدم الثقة والفوضى في المجتمع.

ثانيا - الاستثناء من قاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون:
1 - الغلط في القانون: يجوز الاعتذار بالجهل في فهم القانون فيما لو كان الهدف من القانون حماية الاشخاص الذين ارتكبوا اخطاء غير مقصودة في اعمالهم الادارية، او الهدف منه حماية مصالح الذين ارتكبوا اعمالا غير مشروعة مع حسن النوايا، وفي هذه الصورة لو لم يغض النظر عن الغلط والاشتباه لاختل هدف التشريع. ونذكر موردين على سبيل المثال:

أ - لو اجرى الوصي وصية ولم يكن يعلم ان الوصية بما يزيد على الثلث غير نافذة، ففي هذه الصورة يستمع الى كلامه وترد الاموال الزائدة على الثلث الى الورثة بعدما يثبت جهله بالقانون.
ب - في مورد الوطء بالشبهة والجهل بعدم جواز الزواج غير الشرعي مثلا تجري آثار النكاح الصحيح؛ من الحاق الولدللفراش وحقه الكامل في الارث وامثال ذلك.
والواقع ان التمسك بالغلط في القانون لا يهدف الى استبعاد حكم القانون، بل على العكس يهدف الى تطبيق حكم القانون على نحو صحيح، فالغلط عيب من عيوب الارادة يسمح لمن وقع فيه ان يطلب ابطال العقد.

2 - القوة القاهرة: يستثنى من قاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون حالة القوة القاهرة التي يرتب عليها عدم العلم الفعلي بالقانون، كان يعزل جزء من اقليم الدولة بسبب حصار العدو مثلا او بسبب الفيضانات، ويترتب على هذا عدم وصول الجريدة الرسمية الى هذا الاقليم المنكوب، ففي هذه الحالة يعتبر تطبيق القاعدة المذكورة على هذا الاقليم رغم ظروفه اخلالا بمبدا العدالة. وقد عمل بهذا الاستثناء في القضاء الفرنسي ومن اخذ عنه.

3 - الابهام في فهم القانون: ربما يؤدي ابهام المادة القانونية عدم فهم مراد المقنن كما فهمته محكمة النقض او التمييزمثلا، عند ذلك تكون مؤاخذة الفهم العادي على اساس الفهم القانوني الدقيق خلاف الانصاف والعدل.

ثالثا - الجهل بالقانون في الشريعة الاسلامية:
في الشريعة الاسلامية توجد شروط عامة لكي يصبح الفرد مخاطبا بالقاعدة القانونية يصطلح عليها ب«الشروط العامة للتكليف»، وهي: البلوغ والقدرة والعقل، فالصبي والعاجز والمجنون غير مخاطبين بالقاعدة القانونية قطعا؛ فهي ليست الزامية علهيم. اما العلم فقد اعتبره الاشاعرة شرطا من شروط التكليف العامة، والاحكام الشرعية عندهم مختصة بالعالمين بها، واما الشيعة الامامية فلا يعتبرون العلم من الشروط العامة للتكليف، بل التكاليف الواقعية - وبعبارة اخرى الخطابات القانونية - مشتركة بين العالم والجاهل على حد سواء. نعم العلم شرط في استحقاق العقاب على مخالفة القاعدة القانونية، والجاهل المقصر يعد بمنزلة العالم ولا يقبل عذره، والجاهل القاصر لا يستحق الجزاء على مخالفة القاعدة القانونية؛ فان الخطاب القانوني الالزامي لا ينجز في حقه.

المبحث الثالث: القاعدة القانونية مصحوبة بالجزاء
قلنا في المبحث الثاني: ان الجزاء القانوني امر خارج عن ذات القاعدة القانونية ومع ذلك يعد اليوم من اهم الطرق الكفيلة باحترام القانون، وذلك عن طريق العقاب او المكافاة المقررة بواسطة السلطة العليا في اي بلد؛ ومن ثم فيستحق ان نفرد بحثا خاص ا بالجزاء مضافا الى ما مر سابقا.

المطلب الاول: تعريف الجزاء وخصائصه:
أولا - في علم القانون الكلاسيكي: جرت عادة القانونيين عند اطلاق كلمة «الجزاء» ان يقصدوا بها: ذلك الاثر المترتب على مخالفة القاعدة القانونية والذي يوقع بواسطة السلطة العامة.
والجزاء بهذا المعنى له الخصائص التالية:
1 - دنيوي، اي يوقع في الدنيا لا في الاخرة.
2 - مادي خارجي ملموس؛ اي انه ليس معنويا، فقد يصيب الانسان في جسمه او شخصيته او ماله، وهذا ما يميزه عن انواع الجزاءات الاخرى التي تتمثل في تانيب الضمير او استنكار المجتمع للسلوك المخالف للاخلاق او المجتمع.
3 - منظم تنظيما وضعيا بواسطة السلطة العامة التي تحدده من حيث الطبيعة والنوع والمقدار، وذلك بعكس جزاءقواعد الاخلاق والتقاليد.

ثانيا - نظرة شمولية للجزاء وخصائصه بالنظر الى علم الاجتماع والشريعة الاسلامية: لو نظرنا الى الجزاء نظرة شمولية لامتد الى مختلف انحاء الضبط الاجتماعي لاسيما الضغوط الاجتماعية؛ فانها تمثل ردة فعل قانوني من قبل السلطة العليا، ولامكن ان نقول في تعريف الجزاء: «ذلك الاثر المترتب على موافقة القاعدة القانونية او مخالفتها والذي يوقع بواسطة السلطة العامة». فموافقة القاعدة القانونية والسلوك على طبقها يمنحان للشخص مكافاة قانونية تحرضه على السلوك المرضي السليم، كما هو الحال مثلا في مجال الانتاج، ومجال التصدير، والاعفاء عن الضرائب المعينة لمن يدفع الضرائب بشكل منظم، وامثال ذلك في سائر المجالات. ومن هنا نجد ان الشريعة الاسلامية في تعبيرها عن الجزاءتركز على مصطلحي «الثواب» و «العقاب» ليشملا الجزاء بصورتيه الايجابية والسلبية. والجزاء بهذا المعنى الواسع له الخصائص التالية:

1 - دنيوي واخروي: فمن يتحايل على القانون ويفوته في الدنيا لا يفوته في الاخرة؛ بحيث يكون في المحكمة الالهية «الشاهد هو الحاكم» (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) ((264)).
2 - مادي يصيب الانسان في جسمه وشخصه وماله، ومعنوي يصيب الكيان والشخصية الانسانية بكاملها؛ مما يجعل الشخص يتفاعل دائما وابدا مع الخطاب القانوني لما يخلف من آثار فردية واجتماعية بالحال او بالاجل.
3 - منظم تنظيما ربانيا على اساس الوحي ويبلغ عن طريق السلطة العامة الشرعية، فالقانون ثابت والجزاء من حيث الطبيعة والنوع والمقدار محدد ايضا؛ مما يسد ثغرة قصور الجزاء القانوني الكلاسيكي عن كفالة الاحترام اللازم، كمامرسابقا.

المطلب الثاني: انواع الجزاء:

بالنظر الى نوع مخالفة القاعدة القانونية يمكن رد صور انواع الجزاء الى اربعة رئيسية:

1 - الجزاء الجنائي: هو الاثر المترتب على مخالفة القانون الجنائي، ويتمثل في العقوبة بانواعها المختلفة، فقد تكون عقوبة تقع على الجسم كالقتل والقطع، ومنها ما يصيب الحرية كالسجن، ومنها ما يقع على المال كالمصادرة والغرامة.

2 - الجزاء المدني: هو الاثر المترتب على مخالفة قواعد المعاملات المدنية او الاعتداء على حق خاص او انكاره،ويتمثل في الجزاء المباشر - اي التنفيذ العيني - او الجزاء غير المباشر - اي التعويض - او البطلان:
أ - الجزاء المباشر: ويكون بمحو اثر المخالفة كلما كان ذلك ممكنا، كاجبار المستاجر بعد انتهاء مدة الاجارة على ترك العين المؤجرة، او الحكم بتسليم الطفل لمن له حق حضانته شرعا، واجبار البائع الذي تسلم الثمن على تسليم المبيع.
ب - التعويض: الاصل ان يكون الجزاء مباشرا باجبار الفرد على تنفيذ عين ما التزم به، الا ان الجزاء المدني قد يتمثل في تعويض يدفعه الشخص المرتكب للمخالفة كمن لحقه الضرر من جراء هذه المخالفة، فمن يغتصب سيارة شخص آخروتعطب في يده فعليه قيمتها او مثلها.
ج - البطلان: وهو جزاء خاص بالتصرفات القانونية التي تفقد شرطا من شروط انعقادها، كما لو كان مخلا بالنظام العام،او كان غير مشروع، او وقع بالاكراه ومن دون رضا.

3 - الجزاء الاداري: هو الاثر المترتب على مخالفة قاعدة من قواعد القانون الاداري، وتتنوع الجزاءات الادارية: كالفصل من الخدمة، والوقف عن العمل، والخصم من المرتب، وتاخير الترقية، والحرمان من العلاوات، والانذار، ولفت النظر.

4 - الجزاء السياسي: هو الاثر المترتب على مخالفة قواعد القانون الدستوري، ويتمثل في اعمال المسؤولية الوزارية للحكومة امام السلطة التشريعية، وفي حل السلطة التشريعية بواسطة الحكومة، وفي الغاء السلطة القضائية للقانون الصادر عن السلطة التشريعية بالمخالفة لاحكام الدستور او في الامتناع عن تنفيذها. كما يتمثل ايضا في رد الفعل الاجتماعي والسياسي والشجب الجماهيري او الحزبي على مخالفة القاعدة الدستورية.

المبحث الرابع: القاعدة القانونية قاعدة عامة ومجردة

1 - التعريف:
عمومية القاعدة القانونية تعني انها لا تخص فردا معينا بالذات ولا واقعة محددة بعينها، بل تقصد اشخاصا معينين بصفاتهم ووقائع مشخصة بصفاتها، وكل فرد او واقعة استجمعت المواصفات اللازمة تطبق عليها القاعدة. اما التجريدفيقتضي ان تصدر القاعدة في صيغ مجردة لا تتعلق بشخص بعينه ولا واقعة بذاتها، ولذلك فالقاعدة القانونية لا ينتهي دورها بتنفيذها مرة واحدة بل تجري كلما وجدت الشروط والمواصفات. مثال: كل من بلغ الثامنة عشرة من العمر من الرجال يجب عليه خدمة العلم.

ومن هنا فالقرارات الادارية او الاحكام القضائية او الاوامر الرئاسية حيث انها تعني اشخاصا معينين بذواتهم واسمائهم فلا تعتبر قواعد قانونية، كالقرار الصادر بتعيين موظف، او الحكم الصادر بالتعويض عن حادث عمل، او القرار الصادرلمنع الجنسية لشخص معين. فهذه القرارات والاحكام ينتهي مفعولها بتمام المقصود منها، اما القاعدة القانونية فتبقى بعد تطبيقها على الاشخاص او الوقائع لكي تطبق على اشخاص آخرين ووقائع اخرى لا يمكن ان نخضعها لحصر، فصفتا العمومية والتجريد صفتان متلازمتان بالنسبة للقاعدة القانونية؛ يتعلق التجريد بتكوينها والعموم في مجال تطبيقها.

2 - مصاديق للعمومية والتجريد:
أ - القواعد القانونية المتعلقة بطائفة معينة - كالتجار او الزراع او المهندسين او الاطباء او العمال او غيرهم من الطوائف -يصدق عليها انها عمومية ومجردة ما دام الافراد محددين بالصفات لا بالذات.
ب - القاعدة التي تحدد سلطات رئيس الدولة او اختصاصات رئيس مجلس الوزراء ما دام انها تتناول هذا الفرد بصفاته وليس بذاته فهي قاعدة قانونية.
ج - لا يؤثر عدم تطبيق القاعدة على بعض اقاليم الدولة في عموميتها ما دام ذلك وفقا لظروف قانونية.
د - الاحكام العرفية التي تطبق في فترات معينة كالحروب والثورات وان كانت لفترة محدودة لا تؤثر ايضا على عمومية القاعدة وتجريدها.

3 - سبب العمومية والتجريد في القاعدة القانونية:
ان صفتي العمومية والتجريد هما وسيلة القاعدة القانونية في تحقيق العدالة والمساواة داخل المجتمع. فاخضاع كل طوائف الوقائع المتشابهة وكل الاشخاص - بغض النظر عن ذواتهم - لاحكام موحدة، كفيل بان يقيم الى حد كبيرالعلاقات بين الافراد في المجتمع على اساس من العدالة والمساواة.

الخاتمة

وفي نهاية هذه الدراسة في مباحثها الاربعة ومن خلال دراسة الخصائص المتوفرة في القاعدة القانونية يمكن لنا ان نعرف القاعدة القانونية بانها: «قاعدة عامة ومجردة وملزمة تنظم السلوك الاجتماعي للانسان مصحوبة بجزاء على نحوالمكافاة او العقوبة لمن ينفذها او يخالفها من قبل السلطة العامة كفيلة باحترامها».

ويعادل هذا المعنى في الشريعة «المسالة الفقهية» او «الحكم الشرعي» وهو - كما عرفه الشهيد الصدر(قدس سره) -«التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الانسان». فالمسالة الشرعية ايضا كالقاعدة القانونية تماما؛ عامة ومجردة على اساس قاعدة الاشتراك في التكاليف، ثم هي ملزمة وتستمد الزاميتها من حكم العقل بطاعة الله واوامره ونواهيه، وتنظم سلوك الانسان الفردي والاجتماعي، والجزاء الكافل لاحترامها هو «الثواب» و «العقاب» الدنيوي والاخروي. وهذا مايسوقنا نحو بيان اوجه الشبه والاختلاف بين قواعد الشريعة الاسلامية وقواعد القانون في دراسة اخرى، ان شاء الله.

الاستقراء الفقهي
ودوره في عملية الاجتهاد

السيد علي عباس الموسوي

تمهيد

وقع البحث بين الفقهاء في حجية الاستقراء، واتفق الكل على حجية الاستقراء التام لافادته القطع، فهو حجة؛ لان حجية القطع ذاتية، واما الاستقراء الناقص فحجيته متفق على عدمها.

ولكن دور الاستقراء في عملية الاستنباط معترف به من قبل الفقهاء:

فقد ذكر صاحب الجواهر اننا لا يمكننا المنع من حجية الاستقراء ان لم يفد العلم، معللا ذلك باستفادة حجيته من الادلة بل وبناء كثير من القواعد الشرعية على ذلك ((265)). ومن المؤسف ان صاحب الجواهر لم يتوسع في بيانه ذلك،والالكان افاد واجاد.

بل عمد الشيخ كاشف الغطاء الى ادراج بعض مصاديق الاستقراء تحت المفاهيم، فجعل تتبع الموارد موجبا للمفهوم،فهذا يعني دخوله تحت نوع من الظهور وان كان ظهورا ضعيفا ((266)). كما حاول التنبيه على دور قيام الفقيه باستقراء الادلة الشرعية في تحصيل انقداح ذهني لدى المجتهد ينبعث من ذوق سليم وادراك مستقيم بحيث يكون مفهوما من مجموع الادلة، فان ذلك من جملة المنصوص؛ فان للعقل على نحو الحس ذوقا ولمسا وسمعا وشما ونطقا((267)).

بل - كما سنرى ونلاحظ - ان الاستقراء وان لم يفد افادة مباشرة في تحصيل الحكم الشرعي ولكنه سوف يفيد في اثبات احكام شرعية بطريقة غير مباشرة؛ حيث ان الفقهاء عملوا على استفادة مدلول التزامي من استقراء مجموع ادلة.وهذا الامر وان كان استدلالا يرجع في حقيقته الى استفادة الحكم من المدلول الالتزامي وادراجه كصغرى لكبرى حجية الظهور ولكنه يعتمد بشكل اساسي على استقراء الادلة ومداليل الاحكام المتعددة. وكمثال نستبق به البحث يكفي للباحث ملاحظة ما اعتمده الشيخ الانصاري في كتابه المكاسب من امثال هذه الموارد، فمثلا استفاد الشيخ حرمة مايوجب - ولو بعيدا - تهييج القوة الشهوية بالنسبة الى غير الحليلة من مجموع احكام، مثل: ما دل على المنع عن النظرلانه سهم من سهام ابليس، والمنع من الخلوة بالاجنبية لان ثالثهما الشيطان، وكراهة جلوس الرجل في مكان المراة حتى يبرد المكان، وبرجحان التستر عن نساء اهل الذمة لانهن يصفن لازواجهن، والتستر عن الصبي المميز الذي يصف مايرى.. الى غير ذلك من المحرمات والمكروهات (النواهي بشكل عام) التي يعلم منها حرمة ذكر المراة المعينة المحترمة بما يهيج الشهوة عليها ((268)). ان من الواضح ان الشيخ الانصاري لم يعمد الى استفادة ذلك من ظهور الروايات او الادلة الواردة في تلك الابواب،بل عمد الى استفادة مدلول التزامي واحد من مجموعة من الاحكام الشرعية المتفرقة، ولاجل ذلك اعتمد حتى على ملاحظة النواهي التنزيهية لا خصوص التحريمية. ان الالتفات الى ان الشيخ كان يعتمد في هذاعلى طريقة ملاحظة المجموع يعفي الشيخ من الاشكالات التي اوردت على مفردات ما ذكره، وان النظر في الاشكال لابد وان ينصب على ملاحظة المجموع العام للاحكام.

لا نريد ان ندخل في هذا البحث من الجهة التي تبحث عادة والتي هي عبارة عن عملية تاسيس لحجية الاستقراءبملاحظة ادلة الحجية التي تثبت او تنفي حجيته كالكتاب والسنة والاجماع والعقل، بل ندخل في البحث من جهة تطبيقية لنبحث كيفية استفادة الفقهاء من الاستقراء في الاستنباط بملاحظة التطبيقات الفقهية، او فقل لنلاحظ الممارسة الفقهية للاستقراء لنرى هل يتجرد الاستقراء عن اي دور في عملية الاستنباط ولا يكون له اي تاثير فضلا عن الحجية، اوان الامر ليس كذلك؛ بل حتى لو تجرد الاستقراء من الحجية والدليلية يبقى له دوره الذي لا ينكر في عملية الاستنباط، واذا كان كذلك فاي دور هذا هو الذي سيقوم به؟

على اننا لابد لنا من لفت النظر الى ما يرتبط بالاستقراء بشكل عام وكلي قبل الخوض في تطبيقات الفقهاء له، وهو تفرقة الفقهاء بين الاستقراء وبين قاعدة اخرى دارجة على السنتهم، وهي قاعدة الاعم الاغلب؛ لان ذلك يسلط مزيدا من الضوء على حقيقة الاستقراء.

للفقهاء قاعدة وردت على السنتهم في ابواب متعددة؛ هي قاعدة الحاق المشكوك بالاعم الاغلب، ولعل من افضل صيغ التفريق بينها وبين الاستقراء ما ذكره الشيخ الاصفهاني رائد المدرسة العقلية بين الفقهاء، حيث ذكر ان حقيقة الفارق ترجع الى انه يشترط في الاستقراء العلم بان ما لم يحصل ملاحظته من الافراد لابد وان يكون مشتركا مع الافرادالتي حصل استقراؤها والا يحصل التخلف ولو في فرد، واما قاعدة الاعم الاغلب فعلى العكس من ذلك؛ فانها تجامع القطع بمخالفة الافراد النادرة للافراد الغالبة. ويشير اشارة مبطنة الى الامر الاساسي الذي يوجب هذا الاختلاف؛ بانه في الاستقراء نحن نحاول استكشاف ماهية مشتركة لا يعقل التخلف عنها، وهذا لا نبحث عنه في قاعدة الاعم الاغلب((269)).

وهذا الاختلاف يثمر في فارق آخر: وهو ان الظن الذي يحصل من قاعدة الاعم الاغلب يكون اقل درجة من الظن الحاصل من الاستقراء الناقص، ولذا ناقشوا حجية قاعدة الاعم الاغلب من جهة ضعف افادتها الظن عن الاستقراء الذي لا حجية له.

اذا الفارق يرجع الى اختلاف الدور المرتقب من الاستقراء مع الدور المرتقب من قاعدة الاعم الاغلب؛ فليس المرادمن قاعدة الاعم الاغلب التعميم، بينما المراد من الاستقراء انه تعميم المعلوم للمجهول، وهو بهذا يكون له دور اوسع دائرة من القاعدة، ويترقب ان تكون افادته للظن اشد واقوى.

دور الاستقراء في عملية الاستنباط:

نعمد الان الى ذكر مجموعة من الادوار التي يقوم بها الاستقراء في عملية الاستنباط؛ اما بشكل يؤدي الى كونه عنصرامستقلا لاثبات الحكم الشرعي، او بنحو يجعله ركنا اساسيا لدليلية الدليل.

الدور الاول - الاستقراء وتقعيد القواعد الفقهية:
القواعد الفقهية عبارة عن كبريات فقهية قد لا تشمل جميع الابواب الفقهية ولكنها تشمل فروعا فقهية متعددة. وقدبحث الفقهاء في التفريق بين القواعد الفقهية والمسائل الاصولية في مواطن متعددة من كتبهم، سواء من صنف منهم في القواعد مستقلا او من كتب في الاصول، لا سيما مع اشتهار ادراج قاعدتين في ابحاث الاصول قاعدة «الميسور» وقاعدة «لا ضرر».

وعندما يبحث الفقهاء عن القاعدة الفقهية وفي مقام تاسيسهم لتلك القاعدة يعتمدون على عنصر الاستقراء لاجل اثبات تلك القاعدة، فضلا عما لو كانت القاعدة قد وردت بنص خاص فتكون قاعدة منصوصة، فاذا ما لم يكن منصوصامن القواعد يعتمد الفقهاء في تقعيده حينئذ على عملية تصيد للنصوص والاحكام في الموارد المتعددة لاستخراج القاعدة واثباتها.