ولقد لاحظ المحقق البحراني مدى اهمية الاستقراء في تقعيد القواعد، فذكر ان القواعد الكلية الواردة عن الائمة(ع) في الاحكام الشرعية كما تكون باشتمال القضية على سور الكلية كذلك تحصل بتتبع الجزئيات الواردة عنهم(ع) كما في القواعد النحوية ((270))، ولذا يقرر في مورد آخر ان اكثر الاحكام الشرعية التي صارت بين الاصحاب قواعد كلية انما حصلت من تتبع جزئيات الاحكام وضم بعضها الى بعض كالقواعد النحوية المبنية على تتبع كلام العرب؛ والا فوجودالاحكام بقواعد مسورة بسور الكلية لا تكاد توجد الا نادرا . ((271)) ونستعرض هنا موارد اعتمد فيها الفقهاء على الاستقراء في مهمتهم هذه:

الاول - قاعدة «التنصيف بالنسبة للمملوك وان عليه نصف ما على الحر»:
استدل الاعلام بهذه القاعدة في العديد من الموارد التي لا نص فيها على التنصيف، ومستندهم في تاسيس هذه القاعدة هو الاستقراء ((272))، مثل: ما ثبت من ان عدة الامة نصف عدة الحرة، وان كفارة العبد صيام شهر واما كفارة الحر فصيام شهرين، وان حد القذف فيه نصف ما على الحر.

الثاني - قاعدة «حمل عمل المسلم على الصحة»:
اقام الفقهاء ادلة متعددة لاثبات هذه القاعدة، ومن تلك الادلة ما استدل به النراقي - وهو الاستقراء - قال(قدس سره):«ومما يمكن ان يستدل به على القاعدة المذكورة ايضا الاستقراء؛ فان تتبع احكام جزئيات الافعال - من عبادات الناس ومعاملاتهم واعمالهم واقوالهم وطهاراتهم ومناكحاتهم ومواريثهم وشهاداتهم - يعطي ان الحمل على الصدق والصحة قاعدة كلية من الشارع ثابتة» ((273)).

الثالث - قاعدة «الملازمة بين النماء والدرك؛ وان من له النماء فعليه تدارك النقص»:
ذكر الشيخ الانصاري ان المدرك في هذه القاعدة هو النص والاستقراء ((274)).

الرابع - قاعدة «اصالة الحل»:
استدل على اثبات هذه القاعدة بتتبع الموارد في ابواب الاطعمة والاشربة ((275))، بل ذكر بعض الاعلام ان قاعدة الحل في حقيقتها لا ترجع الى انشاء لقاعدة فقهية وانما هي تطبيق لمجموعة من الاصول والامارات في الموارد المختلفة.وهذه التفاتة مهمة ترشدنا الى ان الامام(ع) في الرواية التي هي مستند اصالة الحل لم يكن يستند الى عملية انشاء لحكم شرعي، بل هو تعليم للسائل الى ان الحل هو الامر المشترك للموارد المتعددة وان كان لكل واحد من هذه المواردمدركه الخاص؛ وذلك لان مفاد الرواية الواردة عن مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله(ع)، قال: سمعته يقول: «كل شيء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، اوالمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه، او خدع فبيع قهرا، او امراة تحتك وهي اختك او رضيعتك»((276))، فالحل في هذه الموارد التي ذكرها الامام(ع) مستند الى الاصول او الامارات الموضوعية؛ كاليد في مثال الثوب والعبد، بحيث انه لولاهذا الاصل الموضوعي لكان الحكم فيها بحرمة التصرف لا بحليته؛ لجريان اصالة بقاء الثوب على ملك مالكه الاول -في مثال الثوب - واصالة الحرية في الانسان المشكوك، او اصالة عدم تاثير العقد الواقع عليه، فان الاصل في المعاملات الفساد - في مثال العبد المشترى - وكاصالة عدم تحقق الرضاع والنسب - في مثال الزوجة - فانه يستلزم الحلية، ولولاهذا الاصل لكان المعين الحكم بالحرمة؛ لاصالة عدم تاثير العقد ((277)). فاذا استقراء الموارد المختلفة التي يحكم فيهابالحل يرجع الى عدم العلم بالحرمة وان كان المدرك في كل مورد يختلف عن الاخر.

الخامس - قاعدة «الفراغ والتجاوز» المشهورة:
ورد باثبات هذه القاعدة العديد من الروايات، وهذه الروايات وان وردت في ابواب خاصة وموضوعات معينة ولكن الفقهاء استفادوا العموم، ومن ادلة التعميم هو استقراء احكام الشرع في ابواب متعددة الوضوء والغسل والاذان والاقامة والتكبير والقراءة والركوع والسجود يوجب الاطمئنان بجريان القاعدة في جميع الابواب الفقهية ((278)).

السادس - اعطاء المشتبه بالشبهة المحصورة حكم النجس والحرام:
ان الشارع كما حكم بالنجاسة والحرمة فيما تحقق كونه نجسا او حراما، كذلك اعط ى المشتبه بكل منهما في الافرادالمحصورة حكم ما اشتبه به من النجاسة او التحريم ايضا، بخلاف غير المحصورة فانه حكم بطهر الجميع وحله؛ دفعا للحرج والمشقة والتكليف بما لا يطاق.
واستدل صاحب الحدائق لهذه القاعدة بالاستقراء وتتبع الجزئيات الواردة في موارد الشبهة المحصورة في مختلف الابواب؛ كمسالة الاناءين المشتبهين او الثوب الطاهر المشتبه بالنجس حيث اوجب الفقهاء الصلاة بهما على البدلية، ومسالة اللحم المختلط بين المذكى وغير المذكى.

الدور الثاني - الاستقراء وتحديد الموضوعات والمفاهيم الشرعية:
للشريعة الاسلامية - كاي قانون وضع لتنظيم حياة الانسان - مجموعة من المفاهيم الخاصة والموضوعات الخاصة ايضا، ومن هذه الموضوعات ما وقع الاختلاف فيه او وقع الاختلاف في دخول فرد من الافراد تحت واحد من هذه الموضوعات. وقد استفاد الفقهاء من الاستقراء لتحديد كلا الامرين، وهذه بعض مواردها:

الاول - دخول النذر تحت مفهوم اليمين المستوجب لجريان احكام اليمين على النذر:
عمل صاحب الرياض ((279)) على اثبات دخول النذر تحت اليمين بالاستقراء والتتبع التام الكاشف عن اشتراك النذرواليمين في كثير من الاحكام. وقد ناقشه من لحقه من الاعلام ((280)) في ذلك محتجين بكون الاستقراء ناقصا، وكون الاشتراك في كثير من الاحكام لا يجدي ما لم يكن الاشتراك في جميعها.

الثاني - تحديد معنى الولي:
دلت الروايات على توقف زواج البكر على اذن الولي العرفي، وهو منحصر عرفا بالاب والجد. والمراد من الولي العرفي هو ما يقابل الولي الشرعي الذي هو الحاكم. والدليل على كون المراد من الولي في الاخبار والروايات هو الولي العرفي تتبع موارد استعمالات الولي في الاخبار الواردة في باب النكاح وباب الطلاق ((281)).

الدور الثالث - الاستقراء والاستظهار من الرواية او معرفة المدلول اللفظي:
ان من وسائل معرفة معاني الالفاظ استقراء استعمالاتها عند العرب، وهذا الاستقراء حجة وان لم يكن تاما؛ لعدم امكان تحقق الاستقراء التام لموارد الاستعمال. قال الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية: «وحجية الاستقراء في مباحث الالفاظ مما لا كلام فيه، وهو عمدة الادلة في اثبات الاوضاع التركيبية ووجوب على الرجوع اليه طريقة اهل العربية» ((282)).
وقد استخدم الفقهاء الاستقراء لاثبات مداليل بعض الالفاظ الواردة في الروايات وحمل هذه الروايات عليها، وهذاالاستقراء قد يكون لاثبات معنى لغوي عرفي عام لتحمل عليه الرواية؛ لان الروايات ملقاة الى اهل العرف، والظهورالحجة انما هو الظهور العرفي، وقد يكون لاثبات عرف خاص موجود لدى الشارع او لدى المتشرعة ان الاعتماد على الظهور لدى العرف العام انما هو في الموارد التي لا يعلم فيها وجود عرف خاص لدى الشارع يعتمد عليه او وجوداستعمال خاص حصل نقله من قبل الشارع او لم يستعمله الا فيه. وهنا يكون دور الاستقراء دورا غير مباشر في اثبات الاحكام الشرعية؛ لانه يلعب دورا في تحديد مدلول رواية تشكل هي الدليل على الحكم الشرعي.
وهذه بعض مواردها:

الاول - حمل لفظ الاقامة في الروايات على اقامة عشرة ايام:
ورد في صحيحة هشام عن الامام الصادق(ع) قوله: «المكاري والجمال الذي يختلف وليس له مقام؛ يتم الصلاة ويصوم شهر ((283))، يقول الفقيه الهمداني: «ان المراد من المقام رمضان» في الرواية هو اقامة عشرة ايام؛ لشهادة التتبع والاستقراء على انها هي المتبادر من هذه اللفظة((284)).
فهنا يثبت لنا الاستقراء قرينة عامة خاصة بالشارع والمقنن يعتمد فيها على ان الاقامة هي اقامة عشرة ايام؛ والتي هي الاقامة الشرعية المحددة بالدقة في لسان الشارع في روايات اخرى.

الثاني - البحث في حرمة المراة الموطوءة بالزنا من قبل الاب او الابن على الاخر وعدم الحرمة:
استدل بعضهم لاثبات حرمة ما كان من طرف الاب خاصة بقوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) ((285)) مقربا الاستدلال بان النكاح اسم للوط ء، فتكون الروايات التي حكمت بالتحريم موافقة للكتاب الكريم. واجابوا عنه بان كلمة النكاح وردت بما يزيد على عشرين موردا في القرآن الكريم، وهي في جميع هذه الموارد استعملت بمعنى التزويج، كقوله تعالى: (وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم) ((286))، وقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ((287))، وقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) ((288))، وقوله تعالى: (ولا جناح عليكم ان تنكحوهن اذا آتيتموهن اجورهن) ((289))، وقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) ((290)).. الى غيرذلك من الايات الكريمة. نعم هي مستعملة في مورد واحد في الوط ء هو قوله تعالى: (الزاني لا ينكح الا زانية او مشركة والزانية لا ينكحها الا زان او مشرك) ((291))، وقد ذهب المشهور الى انها مستعملة في التزويج ايضا؛ ومن هنا فحمل النكاح في المقام على الوط ء من غير قرينة خلاف الظاهر جدا، بل الظاهر منه - ولا سيما بملاحظة استعمالاته في سائرالموارد - هو التزويج ((292)).

الثالث - الاستقراء لاثبات صحة التبادر:
من العلامات التي ذكروها لمعرفة المعنى الحقيقي من المجازي هو التبادر؛ اي انسباق المعنى من حاق اللفظ. واما مشكلة اختلاف التبادر من قبل الاشخاص فقد يدعي مدع ان المتبادر من اللفظ معنى ما ويدعي خصمه ان المتبادرمعنى آخر، وحل هذه المشكلة عبر استقراء غالب موارد الاستعمال وملاحظة المتبادر منها، والاشتباه والخطا انمايحصل من عدم استفراغ الوسع في الاستقراء ((293)).
اذا الاستقراء يلعب دوره كمرجح لتبادر على آخر ومن المعلوم ان تشخيص المعنى المتبادر سوف يحدد ظهور الرواية المجردة عن القرينة الخاصة، فيشكل الاستقراء ركنا غير مباشر في عملية الاستنباط.

الرابع - الاستقراء لاثبات الحقيقة الشرعية:
لقد استعمل الشارع الفاظا كانت مستعملة في اللغة العربية لافادة حقائق ابتدعها هو، ووقع الخلاف بينهم في وقوع النقل لهذه الالفاظ من معانيها اللغوية للمعنى الشرعي. ومن طرق اثبات النقل هو الاستقراء؛ فان من تتبع موارداستعمالات كثير من الالفاظ المستعملة في المعاني الجديدة - كالصلاة والزكاة والصوم والحج والوضوء والغسل ونحوها - وجد استعمال الشارع لها في تلك المعاني على نحو استعمال الحقائق بحيث يحصل الظن من ملاحظة استعمالاتها بالبناء على النقل. والحاصل انه يفهم ذلك من ملاحظة الاستعمالات الشرعية على نحو ما يفهم من اوضاع اللغة ونحوها من ملاحظة استعمالات العرف وارباب الاصطلاح، ويعبر عنه بالترديد بالقرائن، وذلك طريقة جارية في فهم الاوضاع، بل هو الغالب في معرفة اللغات، فيستفاد من ذلك ثبوت الحقيقة الشرعية في الالفاظ التي يحصل الاستقراء في موارد استعمالاتها دون جميع الالفاظ.((294))

ان ثمرة اثبات الحقيقة الشرعية مما بحثه الاصوليون في كتبهم، وعلى اساسه تظهر ثمرة الاستقراء في حمل الالفاظ الشرعية على المعنى الشرعي مع ورودها مجردة عن القرينة في فرض ثبوت الحقيقة الشرعية دون فرض عدم ثبوتها،وبهذا يتدخل الاستقراء لتحديد المدلول والمفاد عند الشارع في الادلة اللفظية التي يوردها.

الخامس - الاستقراء لاثبات الاستعمال في الاعم:
من الامور التي اشتد النزاع فيها بين الاصوليين هو كون الالفاظ موضوعة للصحيح او الاعم. ومن طرق اثبات الاعم هواستقراء المعاني الموضوع لها او المستعمل فيها او خصوص الموضوع لها على نحو يكشف عن ضابط مطرد حتى في المعاني المجازية ((295))، فان اثبات استعمال الالفاظ بتوسط الاستقراء في الاعم يثبت المدلول والمفاد بحيث يحمل عليه كلام الشارع.

السادس - اثبات المراد من اللباس المنهي عنه:
ورد المنع في الروايات عن الصلاة في اللباس اذا كان من غير ماكول اللحم، واختلف الاصحاب في التكة والقلنسوة المعمولتين من وبر غير ماكول اللحم، وقد ذهب الشيخ الطوسي في المبسوط الى الكراهة مستدلا بانه قد ثبت للتكة والقلنسوة حكم مغاير لاحكام سائر الثياب كما في باب النجاسة او الحرير، والفقيه الهمداني يشرح دليل الشيخ هذادافعا عنه تهمة القياس: بان استدلال الشيخ الطوسي يرجع الى جعل جواز الصلاة في التكة والقلنسوة اذا كانا نجسين اومن حرير محض كاشفا عن ان مراد الشارع بكل شيء نهى عن الصلاة فيه على الاطلاق في محاوراته انما هو ارادة ذلك الشيء اذا كان ثوبا يتم فيه الصلاة وحده، لا مثل التكة والقلنسوة، فلا ربط لهذا الاستدلال بالقياس، بل مرجعه الى ادعاءاستكشاف مراد الشارع في خصوص المورد من استقراء النواهي الشرعية المطلقة الواردة في الحرير وفي ابواب النجاسات على كثرتها؛ حيث علم في تلك الموارد بقرينة منفصلة ان مراده بما يصلى فيه ما عدا مثل التكة واشباهها، فيكشف ذلك عن ان هذا المعنى متعارف في محاوراته ((296)).
فاذا اعتمد الشيخ الطوسي على الاستقراء لتحديد المراد والمدلول لكلمة اللباس في كلمات الشارع المقدس؛ اذااستفاد الشيخ الطوسي من الاستقراء لتحديد معنى في عرف خاص هو عرف الشارع المقنن، وخروج مثل التكة والقلنسوة عن المعنى الذي ورد فيه النهي.

السابع - تحديد معنى السحر:
هناك خلاف في تحديد معنى السحر كموضوع شرعي ورد النص بحرمته، لا سيما مع اشتراكه مع موضوعات اخرى كالشعوذة ونحوها. ويعرف السيد الخوئي السحر بانه: «صرف الشيء عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه؛ بحيث ان الساحر يلبس الباطل لباس الحق ويظهره بصورة الواقع» واستدل لاثبات ذلك باستقراء موارد استعمالها ((297)). ويستشهد لذلك باستعمالات كلمة السحر في القرآن الكريم، فاطلاق المشركين كلمة السحر على النبي(ص) باعتبارزعمهم ان النبي يظهر الباطل بصورة الحق.

الثامن - تحديد المراد من اليوم:
عنوان اليوم من العناوين التي وقعت تحديدا للعديد من التكاليف الشرعية كالصوم ورمي الجمرات في الحج، كماوقعت هذه العناوين في موضوعات المعاملات كما لو استاجر اجيرا ليوم؛ فما هو المراد من اليوم؟
وفي تحديد المراد من اليوم خلاف بين الفقهاء، وقد ذكر في بيان ذلك اقوال، منها: ان المراد به من طلوع الفجر الى غروب الشمس، واستند في ذلك الى الاستقراء، حتى اشتهر بينهم التعبير به بانه هو اليوم الشرعي ((298)).

التاسع - تحديد المراد من الرطل:
الاوزان والمقادير تختلف من بلد الى بلد، ولذا كان الرطل: منه ما هو مكي؛ ومنه ما هو مدني؛ ومنه ما هو عراقي.والرطل المدني ازيد من العراقي، ولكن في موارد الاطلاق قالوا: ان المستفاد ان المراد منه العراقي، فيحمل عليه مع عدم القرينة؛ لشهادة التتبع((299)). وقد جعل صاحب الرياض تتبع الاخبار واستقراءها دليلا على حمل الرطل على العراقي عند الاطلاق مدعيا ان هذا الاستقراء يوجب الانصراف اليه((300)). كما ان الفقيه الهمداني يحمل الرطل على العراقي مستدلا باستقراء وتتبع الاخبار اولا، وثانيا باستقراء وتتبع الاثار والامارات التي تدل على ان الرطل العراقي كان متعارفا حتى عند اهل المدينة.((301))

وهذا البحث وقع عندهم في تحديد الكر وانه الف ومئتا رطل، قالوا: المراد منه العراقي؛ لانه الاكثر استعمالا في الروايات.

فاذا الاستقراء هنا يحدد استعمالا شرعيا يحمل عليه اللفظ عند الاطلاق، ولكن لا يخفى ان الاستقراء في مثل هذاالمورد لابد فيه من الدقة، فلابد من استقراء الروايات الواردة عن كل امام من الائمة(ع) بمفرده لملاحظة ما ينصرف اليه الرطل عند الاطلاق لديه.

العاشر - تحديد المراد من قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)((302)):

استدل بعض الفقهاء لاثبات ان الاصل هو البراءة - على الخلاف الدائر بين الاصوليين والاخباريين - بقوله تعالى: (وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا)؛ بتقريب: ان الاية تدل على نفي العقاب للتكليف غير الواصل.

واستشكل على هذا الاستدلال: بان الاية في مقام الاخبار عن الامم السابقة وانه لم يقع العذاب عليهم الا بعد ارسال الرسول، وقرينة ذلك قوله تعالى: (وما كنا)؛ فان التعبير ورد بلفظ الماضي.

والسيد الخوئي يجيب عن هذا الاشكال: بان جملة «ما كان» او «ما كنا» وامثالهما من هذه المادة مستعملة في ان الفعل غير لائق به تعالى، ولا يناسبه صدوره منه جل شانه. ويظهر ذلك من استقراء موارد استعمالها، كقوله تعالى: (ما كان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم) ((303))، وقوله تعالى: (وما كان الله ليذر المؤمنين) ((304))، وقوله تعالى: (ما كان الله ليعذبهم وانت فيهم) ((305))، وقوله تعالى: (وما كنت متخذ المضلين((306)).. الى غير ذلك. فجملة الفعل الماضي من هذه عضدا) المادة منسلخة عن الزمان في هذه الموارد، فيكون المراد ان التعذيب قبل البيان لا يليق به تعالى، ولا يناسب حكمته وعدله، فلا يبقى فرق حينئذ بين العذاب الدنيوي والاخروي((307)).

الحادي عشر - اثبات المراد من الخير في قوله تعالى (ذلكم خير لكم):
من المسائل التي وقع الاختلاف الشديد بين الفقهاء فيها وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة مع وقوع الاتفاق بينهم على عدم وجوب حضور الخطبة، ولذلك يرى السيد الخوئي ان قوله تعالى: (فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع) محمول على الاستحباب مستدلا بقوله تعالى: (ذلكم خير لكم)؛ فان الخير للتفضيل لا انه في مقابل الشر، فلا يستعمل الا فيما اذا كان كلا الطرفين حسنا في نفسه غير ان احدهما احسن من الاخر، فمعنى الاية: ان التجارة وان كانت ذات منفعة مالية وقد يترتب عليها فعل محبوب اخروي؛ الا ان السعي الى ذكر الله وما عند الله من الجزاء الدائم والثواب الباقي خير من تلك المنفعة المالية ومن الله و والالتذاذ النفسي الذي يطرؤه الفناء ويتعقبه الزوال بعد قليل. ويشهد على ان لفظة الخيرمستعملة للتفضيل لا في مقابل الشر تتبع موارد استعمالاتها في القرآن الكريم؛ لانك اذا لاحظتها رايت بوضوح انهاكثيرا ما تستعمل بمعنى الافضل والاحسن عند اشتمال كلا الطرفين على الحسن في نفسه، ولاسيما اذا كانت مستعملة مع الاضافة ك - «خير الرازقين» او «خير الراحمين»، او مع كلمة «من» كما في قوله عز من قائل: (وللاخرة خير لك من الاولى) ((308))؛ لبداهة ان كلا من الحياتين ذات خير ومنفعة غير ان الاخرة احسن؛ لبقائها ودوامها. فاذا كان الخير بهذاالمعنى في الاية المباركة لم تكن فيها اية دلالة على وجوب صلاة الجمعة تعيينا؛ فان هذا التعبير لسان الاستحباب؛ لانه المناسب له دون الوجوب((309)).

الثاني عشر - ورود اللعن على المكروهات:
لقد ورد النهي عن التخلي في موارد معينة كالامكنة العامة ومساقط الثمار وغيرها، وحكم الفقهاء بكون هذا النهي نهيا
تنزيهيا كراهتيا لا تحريميا الزاميا، واستشكل صاحب الرياض في الحكم بالجواز مع ورود مثل هذا النهي الوارد بلسان اللعن، ولكن صاحب الحدائق قال: «ان تتبع الاخبار الواردة عن الائمة(ع) يشهد بانه كثيرا ما قد تكرر منهم - صلوات الله عليهم - في المحافظة على الوظائف المسنونة من ضروب التاكيدات في الاوامر والنواهي ما يكاد يلحقها بالواجبات والمحرمات، كما لا يخفى على من تتبع الاخبار ((310)). وبه ايضا استدل السيد الخوئي لمنع افادة اللعن للحرمة، فوروده في موارد متعددة لافادة الكراهة كاف في هذا المنع» ((311)).

الدور الرابع - الاستقراء لاثبات بعض الاحكام الشرعية:
ومن النماذج على ذلك:

الاول - اثبات حجية شهادة العدلين على الاطلاق:
استدل لكون البينة طريقا شرعيا لاثبات الموضوعات الخارجية على الاطلاق - حتى فيما لم يرد النص فيه على حجيتها - بتتبع الموارد التي حكم فيها الشارع بحجية البينة؛ الامر الذي يوجب الاطمئنان بكونها طريقا شرعيا على الاطلاق ((312)). فاذا الاستقراء يثبت حجية البينة ووجوب العمل عليها.

الثاني - اثبات حجية الاستصحاب:
الحجية من الاحكام الشرعية التي بحثها الفقهاء في علم الاصول، ومن اهم الحجج الاستصحاب؛ اي الحكم ببقاء ماكان كما كان. وقد ساق الفقهاء لاثبات حجيته العديد من الادلة. ومن الادلة التي استدل بها الشيخ الانصاري هو الاستقراء، قال في الرسائل: «انا تتبعنا موارد الشك في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد من اول الفقه الى آخره موردا الا وحكم الشارع فيه بالبقاء، الا مع امارة توجب الظن بالخلاف، كالحكم بنجاسة الخارج قبل الاستبراء، فان الحكم بها ليس لعدم اعتبار الحالة السابقة - والا لوجب الحكم بالطهارة لقاعدة الطهارة - بل لغلبة بقاءجزء من البول او المني في المخرج، فرجح هذا الظاهر على الاصل، كما في غسالة الحمام عند بعض، والبناء على الصحة المستندة الى ظهور فعل المسلم. والانصاف ان هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع، وهو اولى من الاستقراء الذي ذكر غير واحد - كالمحقق البهبهاني وصاحب الرياض - انه المستند في حجية شهادة العدلين على الاطلاق». ((313))

الثالث - الاستقراء لاثبات عموم الحكم بانفعال القليل من كل النجاسات:
من الروايات ما ورد لاثبات مورد ما، واستفاد الفقهاء من الاستقراء لتعميم المورد، ففي البحث عن نجاسة ماء الغسالة اوكبرى انفعال الماء القليل بالملاقاة للنجاسة استدل الفقهاء بمفهوم رواية ان الماء اذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيء؛ حيث ان مفهومها موجبة جزئية وان الماء غير البالغ قدر كر ينفعل بشيء، وليس لها عموم افرادي ولا اطلاق احوالي، فلايستفاد منها في نفسها انفعال الماء القليل بملاقاة كل واحد من افراد النجاسات. نعم اثبت الفقهاء عمومها بمعونة القرينة الخارجية، وهي الاستقراء التام في افراد النجاسات.

الرابع - اثبات عدم تداخل الاسباب والمسببات:
وقع البحث بينهم في ان الاصل هل هو تعدد المسببات بتعدد الاسباب او ان الاصل هو التداخل؟ وفي مقام الرد على من انكر كون الاصل هو تعدد المسببات بتعدد الاسباب يتمسك صاحب الجواهر بالاستقراء، ويرى في انكار اصالة التعدد مخالفة للاستقراء في جميع ابواب الفقه - من الصلاة والزكاة والحج والصيام والايمان والنذور والديون والحدودوغيرها - عدا النذر القليل المستند الى ما جاء فيه من الدليل ((314)).

والمحقق النراقي يقرب ما ذكره صاحب الجواهر من الاستدلال بالاستقراء لاثبات ان الاصل هو عدم التداخل؛لان الفحص والاستقراء وتتبع الجزئيات التي لا تحصى تكشف عن استناد الامر في ذلك كله على شيء جامع مطرد في الجميع وليس هو الا اصل عدم التداخل، وهذا من قبيل الاستدلال بالنصوص المتفرقة الواردة في جزئيات المسائل على ثبوت ما اجتمعت عليه من المطالب الكلية، وذلك ليس من الظن والقياس في شيء ((315)).

الخامس - اثبات مطهرية الماء لكل شيء:
ان من النجاسات ما لم يرد فيه انه يطهر بالماء، واثبات مطهرية الماء له ان ما يتم بالتمسك بالاستقراء، قال السيدالخوئي(قدس سره): «اما الجوامد من الاجسام فمطهرها على نحو الاطلاق انما هو الغسل بالماء؛ وذلك للاستقراءوملاحظة الموارد المتعددة من الثوب والبدن والحصر والفرش والاواني وغيرها مما حكم فيها الشارع - على اختلافها -بتطهيرها بالغسل، حيث سئل عن اصابتها بالدم او المني او البول او غيرها من النجاسات وامروا(ع) بغسلها بالماء. ومن هذا يستفاد ان الغسل بالماء مطهر على الاطلاق؛ فان الامر في تلك الموارد بالغسل - على ما قدمناه في محله - ارشاد الى امرين:
احدهما: كون ملاقاة الاعيان النجسة منجسة لملاقياتها.
وثانيهما: طهارة الملاقي للمتنجس بغسله بالماء.

حيث ان المستفاد من تلك الاوامر - حسب المتفاهم العرفي - عدم اختصاص الطهارة المسببة من الغسل بمورد دون مورد؛ لوضوح عدم مدخلية شيء من خصوصيات الموارد في ذلك، فلا مناص من التعدي والحكم بان الغسل بالماءمطهر للاجسام المتنجسة على الاطلاق. ومن ثمة لا نضايق من الحكم بكفاية الغسل بالماء في تطهير الاجسام المتنجسة التي لم تكن متكونة في زمان صدور الامر بالغسل في الموارد المتقدمة، وذلك كما في البرتقال والطماطم، وليس هذا الامن جهة ان الغسل بالماء مطهر مطلقا» ((316)).

السادس - اثبات مطهرية الاستحالة:
تمسك صاحب الجواهر لاثبات مطهرية الاستحالة لجميع الاعيان النجسة - من دون فرق بين افرادها - باستقراء ما علم طهارته من ذلك بتوسط الاجماع والسيرة والضرورة والنصوص، مثل: رماد الاعيان النجسة ودخانها بل وبخارها، والخمرالمنقلب بنفسه خلا، وكذا العصير، والنطفة والعلقة المتكونتين حيوانا، بل والعذرة ونحوها دودا، وان اوهمت عبارات بعض الناس الخلاف فيه، والدم المستحيل قيحا او جزءا لما لا نفس له، والماء النجس بولا لحيوان ماكول اللحم، بل اوعرقا او لعابا او جزءا من الخضراوات والحبوب والاشجار والثمار، والغذاء النجس لبنا او روثا لماكول اللحم او جزءا له اولطاهر العين، وغير ذلك. بل وباستقراء سائر الاحكام الشرعية غير الطهارة المعلقة على موضوعات فاستحالت اواستحيل اليها، عبادة كان ذلك الحكم او معاملة ((317)).

الدور الخامس - الاستقراء في مباحث اسانيد الروايات:
لقد استفاد الفقهاء من الاستقراء في اثبات اسانيد الروايات او نفيها، او معرفة حال الراوي من جهة روايته عن شخص وعدمها، او تحديد طبقة الراوي. ومما اتبعوه في ذلك:

الاول - اجراء حساب الاحتمالات:
لقد اسس الشهيد الصدر لاثبات صحة الروايات منهجا اعتمد فيه على حساب الاحتمالات، واساس ذلك يعتمد على ملاحظة واستقراء من لم تثبت وثاقته، وملاحظة النسبة بينها وبين المجموع. وطبق السيد الشهيد هذه النظرية في موردين هما: مراسيل ابن ابي عمير ومشايخ الحسن بن سماعة ((318)).

الدور السادس - الاستقراء لترجيح احد المتزاحمين:
الاول - ترجيح جانب الحرمة في صورة اجتماع الامر والنهي:
ذكر الاخوند في الكفاية ان من الوجوه التي ذكرت لترجيح جانب الحرمة هو الاستقراء، مثل حرمة الصلاة ايام الاستظهار، وعدم جواز الوضوء من الاناءين المشتبهين. وقد اجاب عنه الاخوند بعدم حجية الاستقراء ما لم يفدالقطع.

الثاني - تقديم صلاة الفريضة:
ذكر الميرزا القمي في غنائم الايام انه لو وقع التزاحم بين الصلاة في اول الوقت او الصلاة على الميت قدمت صلاة الفريضة؛ وذلك لاستقراء الاخبار الواردة في تقديم الفريضة في اول الوقت ((319)).

الثالث - تقديم الصلاة في الوقت على غيرها:
لو دار الامر بين الصلاة في الوقت مع كونها فاقدة لبعض الشرائط وبين الصلاة خارج الوقت الجامعة للشرائط، قالوا: تقدم الصلاة في الوقت؛ لان التتبع في ادلة الاجزاء والشرائط يدل على هذا التقديم ((320)).

الدور السابع - اثبات تعميم الحكم والغاء الخصوصية بالاستقراء:
ذكر الفقهاء للعموم ادوات موضوعة او مستعملة في اللغة العربية لافادة ذلك، وانحصر بحثهم في تلك الادوات مع ان العموم قد يستفاد من ادوات اخرى، مثل ما ذكره المحقق البحراني حيث قال: «ان العموم كما يحصل بالاداة الموضوعة له كذا بتتبع الافراد والجزئيات» ((321)).

ويدافع الشيخ محمد تقي الاصفهاني عن هذه الفكرة - وان كان لا يرضى بتشبيهها بالقواعد النحوية كما فعله البحراني -مشيدا لها بشكل علمي في حاشيته، فيرى ان الاستقراء هذا وتتبع الاخبار لاستفادة العموم ليس هو من الاستقراء الظني؛ وانما هو عبارة عن ظهور عرفي مجموعي للاخبار لا فردي، وذلك في مسالة وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة - والذي تقدم منا الاشارة اليه - يقول:«وليس ذلك من قبيل الاستقراء الظني كما قد يتوهم بعض العبائرليكون من قبيل اثبات القواعد النحوية ونحوها من تتبع مواردها، بل نقول: انه مستفاد من ملاحظة جميع تلك الاخبار،فهو مدلول عرفي لمجموع تلك الروايات، وكما ان المستفاد من ظاهر خبر واحد حجته شرعا فكذا المستفاد من جميعها بعد ضم بعضها الى بعض؛ لاندراجه اذا تحت المداليل اللفظية» ((322)).

واليك فيما يلي بعض النماذج:

الاول - لا شك في قبول شهادة العدلين والتي هي البينة الشرعية في العديد من الموارد التي ورد النص فيها على الاعتماد على شهادة العدلين، ولكن من الفقهاء من ذهب الى تعميم القول بكون شهادة العدلين مثبتة للحكم لكل الموارد بتتبع الموارد التي ورد النص فيها بقبول شهادة العدلين.
ان الفقيه المتتبع في موارد قبول شهادة الرجلين العادلين اذا امعن النظر فيها ولاحظ وتدبر يقطع بانه لا خصوصية لتلك الموارد، بل تكون حجيتها عامة في جميع الموضوعات الا ما خرج عن تحت ذلك العموم بادلة خاصة ((323)).

الثاني - حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية:
استدل الشهيد الصدر على حجية خبر الواحد في الشبهات الموضوعية عبر استقراء الروايات الخاصة في المواردالمتفرقة بادعاء وجود ظهور عرفي بلحاظ مجموع الروايات؛ بمعنى ان العرف بعد ملاحظة الروايات في المواردالمتعددة يستظهر بلحاظ المجموع مثالية تلك الموارد، وان كان قد لا يستظهر المثالية لو اقتصر على ملاحظة بعض الروايات في مورد واحد او موردين؛ لان احتمال دخل خصوصية مورد واحد او موردين قد يكون احتمالا عرفيا، بينمالا يكون احتمال دخل خصوصيات الموارد المتفرقة جميعا احتمالا عرفيا وان كان موجودا ثبوتا. وهذا مبني على ان حج ية الظهور تشمل الظهور المتحصل من مجموع ادلة متفرقة عند ملاحظتها جميعا كخطاب واحد.((324))

الدور الثامن - دور الاستقراء في معرفة القوانين التشريعية العامة:
في الشريعة الاسلامية - كاي قانون - مجموعة من التشريعات يصطلح عليها بانها قواعد تشريعية، وهي في رتبة اعلى من رتبة القواعد الفقهية. انها عبارة عن اصول قانونية حاكمة على جميع المفردات الفقهية ومتصرفة فيها، وهي مايصطلح عليه بادلة التشريع العليا او الخطوط العامة للتشريعات الاسلامية او مقاصد الشريعة. ان استكشاف هذه القوانين العليا انما يتم بتتبع الموارد واستقراء الاحكام والمفردات القانونية للوصول الى مثل هذه الكليات التشريعية ونماذج هذه العناوين: مبدا العدل والاحسان؛ مبدا حفظ مصالح المسلمين؛ مبدا رفع العسر والحرج؛ مبدا سنة الاجتماع. ولعل اهم نماذج تلك التشريعات العامة:

الاول - قاعدة «لا ضرر»:
من اهم القواعد التي اصطلح عليها الفقهاء بالقواعد الفقهية هي قاعدة «لا ضرر»، ولكن الاصح ان يقال انها من القواعدالتشريعية العامة لا سيما مع توسعة شيخ الشريعة الاصفهاني لها بحيث اصبحت مثبتة للحكم لا مجرد رافعة ((325)).

ومن الواضح للمتتبع ان لقاعدة نفي الضرر شمولا واضحا لجميع الابواب الفقهية، ولعل ادراجها في ابحاث الاصول لعموميتها هذه، ويكفي تتبع مادة الضرر والضرار في الاحكام لملاحظة ذلك، كحل اليمين لرفع الضرر، وكون السفر سفرمعصية اذا كان الغرض منه الاضرار بالغير، وحرمة اقامة الشهادة للكافر على المسلم اذا لحقه منه ضرر، والتظليل للمحرم، والاضرار بالمراة لتطلب الخلع، وثبوت الشفعة معللة بان في عدمها ضررا.

الثاني - قاعدة «العمل اساس الملكية»:
يذكر الشهيد الصدر مثالا لقانون تشريعي عام مستفاد من عملية الاستقراء، وهو قاعدة ان العمل اساس الملكية، فقدنستعرض حالات عديدة من العمل ثبت ان العمل فيها اساس للملكية، فنستنتج من استقراء تلك الحالات صحة القاعدة العامة؛ اذ نرى - مثلا - ان العمل في احياء الارض ينتج ملكيتها، والعمل في احياء المعدن ينتج ملكيته،والعمل في حيازة الماء ينتج ملكيته، والعمل في اصطياد الطائر ينتج ملكيته؛ فنستدل باستقراء هذه الحالات على قاعدة عامة في الاقتصاد الاسلامي، وهي: ان العمل في الثروات الطبيعية اساس للملكية ((326)).

مدخل الى نظرية الاحتمال/1/
مع تطبيقاتها في المدرسة الفقهية
للشهيد السيد محمد باقر الصدر

القسم الاول

الشيخ احمد عبد الله ابو زيد

تمهيد

وقع البحث حول نظرية الاحتمال في ثلاثة حقول معرفية: حقل الرياضة البحتة، حقل الاحصاء وحقل نظرية المعرفة وفلسفة العلم.

وقد يبدو للوهلة الاولى من خلال العرض التاريخي لتطور البحث في نظرية الاحتمال، الخلط بين هذه الحقول العلمية.لكن البحث في هذه النظرية - في واقع الامر - لم ينشا ابتداء متفرعا على هذه الحقول الثلاثة. فقد بدا اول الامررياضيا بحتا ، ثم تمت الاستفادة منه في الحقول الاخرى. ومن هنا نجد ان مناطقة الباحثين واحصائييهم لم يجدوامناصامن البحث حول نظرية الاحتمال في بعدها الرياضي بوصفها اداة من ادوات بحثهم، وذلك من اجل الانطلاق منهانحو ما هو منشود لديهم، في حين انه يصح للرياضي الوقوف عند بعدها الرياضي، لان ذلك يحقق له غرضه المنشود.فالبحث في الرياضيات يتوقف عند تحديد قيمة الاحتمال، بينما يبحث في المنطق وفلسفة العلوم حول امكان الاعتماد على القيمة الاحتمالية التي تحددها الرياضيات في مرتبة متقدمة.

(وسيظهر واضحا في الحقل الرياضي نفسه)، ثم ان جملة من الاسهامات الرياضية لم يات بها اصحابها بعنوان كونهااسهامات في نظرية الاحتمال، لكنها اتاحت في واقع الامر تكون المفاصل الحيوية والمهمة لهذه النظرية، من قبيل البحث في انظمة العد وقوانينها.. كما ان تطور النظرية قد مر بمراحل متفاوتة كما وكيفا على صعيد اثراء البحث فيهاوعدمه.

هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، فان البحث المنطقي لم يكن متوقفا على البحث الرياضي في نظرية الاحتمال، لانه بدااول الامر مع فلاسفة المسلمين الاوئل وفلاسفة الغرب الذين بحثوا في الاستقراء ((327)) ومشكلته المعروفة ب -«مشكلة التعميم»، لكن دون التعرض الى نظرية الاحتمال الرياضية، ثم ما لبثوا ان ضموها الى بحثهم المنطقي بعدتبلورها حيث وجدوا فيها مادة خصبة تغني بحثهم.

فخلاصة الامر اذا ان نظرية الاحتمال بدات رياضية بحتة اول الامر، وكان الى جانبها البحث مستقلا في الاستقراءومشكلة التعميم... وبعد تطور البحث الرياضي وسع البحث المنطقي في الاستقراء اجنحته ليضمها الى معطياته. ومن هنا صح القول بان البحث الرياضي في نظرية الاحتمال اقترن بالبحث المنطقي في «مشكلة الاستقراء» اقترانا اكيدا حتى صار من غير الممكن للباحثين في فلسفة العلوم ومشكلة التعميم الاستقرائية تجاهل النظرية وتخطيها.

وبعد ان كانت الغاية من هذا البحث تسليط الضوء على نظرية الاحتمال في بعدها الرياضي بالقدر الذي يتيح لطلاب العلوم الشرعية - لمن آمن بكبرى القضية منهم - تطبيقها في ابحاث الفقه والاصول والرجال والدراية، فلهذا تم اغفال بعدها المنطقي.. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فان الخوض فيه غير متيسر الا لذوي الاختصاص ممن جد في قراءة واستيعاب ما انتجته القارتان في هذا المضمار.. ومن هنا يقع الكلام في فصول ثلاثة:
1 - الفصل الاول: في ذكر مقدمة تاريخية.
2 - الفصل الثاني: في بيان المدخل الرياضي الى نظرية الاحتمال.
3 - الفصل الثالث: في استعراض جملة من تطبيقات نظرية الاحتمال في مدرسة الشهيد الصدر(قدس سره) الفقهية، مع بيان الوجه الرياضي الفني الذي تم اغفاله في بعض منها بدرجة من الدرجات.

الفصل الاول: المقدمة التاريخية((328))

اما حول الجانب التاريخي لمسالتي «الاستقراء» و «نظرية الاحتمال»، فقد قرت البذور الاولى والاولية لنظرية الاحتمال في ثرى البحث العلمي الغربي في اواخر القرن الخامس عشر، وبالتحديد عام (1494)، حين نشر الرياضي الايطالي «لوسا پاسيولي» «Luca Pacioli»ا (1445 - 1514) عمله «Summa de Arithmatica» والذي ناقش فيه العاب الحظ.

وفي عمله «Liber de Ludo Aleoe»، والمنشور عام (1663)، قدم الرياضي الايطالي «جيرولامو كاردانو» «Girolamo Cardano»ا (1501 - 1576) جملة من القواعد المساعدة في حل مشكلات العاب الحظ، وتبعه في ذلك مواطنه الرياضي «نيكولو فونتانا تارتاجليا» «Tartaglia Fontana Niccolo»ا (1500 - 1557).

ثم كان للفيزيائي الفلكي الايطالي «جاليليو جاليلي» (1564 - 1642) عام (1606) اسهام في حل مشاكل العاب الحظ والقمار كان قد ضمنه في رسالة له الى صديق مقامر استشاره في ثلاث مشاكل حول العاب الحظ ((329)).

وفي اوائل القرن السابع عشر، برز اسم الفيلسوف الانجليزي «فرنسيس باكون» (1561 - 1626) الذي يعد بعد الفيزيائي الانجليزي «وليم جلبرت» (1544 - 1603) والفيزيائي الفلكي الايطالي «جاليليوجاليليي» من ابرز المنادين بالمنهج الاستقرائي وذلك في كتابه «الاورجانون الجديد» (المنشور 1620) الذي ثار فيه على ارسطو وحاول وضع منطق جديد يحل محل المنطق الارسطي.((330))

لكن هذه الاسهامات ظلت اولية وهامشية بالنسبة الى حقيقة البحث في نظرية الاحتمال، والذي لم يتحدد بحدوده العلمية المقننة حتى النصف الثاني من القرن السابع عشر حين ارسل «شيفلييه دي ميريه»((331)) في صيف (1654 م) الى العالم الفرنسي «بليز پاسكال» (1623 - 1662) يساله عن الجواب الرياضي الدقيق لمسالتين نشاتا له اثناء المقامرة، عرفت مشكلتهما فيما بعد ب - «مشكلة النقاط»، والمسالتان هما:
1 - ما هو اقل عدد من الرميات يستطيع المرء بعدها ان يتوقع ان يظهر رقم «6» في زهرتي اللعب معا؟
2 - اذا اوقف اللاعبان لعبهما مختارين قبل نهاية الدور، وبحثا عن تقسيم عادل لما جاء به الحظ لكل منهما، فما نصيب كل منهما تبعا لكسبه الدور في ذلك الوقت؟

بعد ذلك تبادل «پاسكال» الرسائل حولها مع الرياضي الفرنسي «پيير دو فيرما» (1601 - 1665)، وتوصل «پاسكال» - الذي وقف في حله للمسالة عند حد لاعبين اثنين - الى الاجابة عن المسالتين، واجاب «دي ميريه» الجواب الصحيح القائم على اساس رياضي، وتوصل الى اكتشاف طريقتين من طرق حساب الاحتمالات، واكتشف ثالثتهما «فيرما» الذي لم يحصر منهجه بعدد معين من اللاعبين، والذي اعترف له «پاسكال» بسلامة منهجه هذا. وكانت هذه الاجابات عبارة عن اول اشتراك مفصلي للرياضة في نظرية الاحتمالات وطريقة حسابها.

واثناء حله ل«مشكلة النقاط»، اكتشف «پاسكال» اداة لحساب «التوافيق» عرفت فيما بعد في الرياضيات ب - «مثلث پاسكال»، وكان ل«مثلث پاسكال» هذا دور بارز في تحقيق قفزة لصالح نظرية الاحتمال؛ لاعتمادها بشكل اساس على «التوافيق» و «التباديل» كما سيتضح ان شاء الله تعالى لدى الحديث عن جزئياتها الرياضية.

واثر اعمال «پاسكال» و «فيرما» غير المنشورة هذه، تشجع العالم الدانماركي «كريستيان هايكنز»(1629 - 1695) على نشر عمل صغير له حول الاحتمالات في دائرة العاب الحظ والنرد نشره في نهاية كتاب مدرسي في مادة الرياضيات، وقد ضمن عمله هذا (14) نظرية في حل العاب الحظ، تاركا خمسا منها بلاحل ليقوم بوضع حل لها (برنولي) على ما ياتي.

وفي سنة (1679) - اي بعد وفاة «پاسكال» ب(17) عاما -، نشرت ثلاث من الرسائل المتبادلة بينه وبين «فيرما» بعدان كانت قد كتبت سنة (1654). ثم اعيد نشر هذه الرسائل لاحقا ضمن مجموعة مؤلفات «پاسكال» عام (1819).

وفي سنة (1666)، اكتشف العالم الانجليزي «اسحاق نيوتن» (1642 - 1727) نظام العد الخاص به،ولكنه تاخر في نشره الى العام (1687 م).

وقد تمكن الرياضي والفيلسوف الالماني «جوتفريد ويلهلم لايبنيز» (1646 - 1716) سنة (1675) من اكتشاف المباديء الاساسية لحساب اللامتناهيات بشكل مستقل عن «نيوتن»، لكنه نشرها قبل نشر«نيوتن» لاعماله بثلاث سنوات اي عام (1684).

ثم بعد ذلك برز دور العالم السويسري «جايمس برنولي» (1654 - 1705) في ((332)) كتابه «فن التخمين» والذي نشره ابن اخيه «نيكولا برنولي» سنة (1713 م)، اي بعد ثمان سنوات من وفاة عمه، ويقع الكتاب في اربعة اجزاء، يحظى الجزء الاخير منها - على الرغم من انه تركه ناقصا - باهمية كبرى في مجال تطور نظرية الاحتمالات، وقد تضمن الكتاب بالاضافة الى اكتشاف «برنولي» لقانون التوزيع في «الاعداد الكبيرة»، حلا لخمس من المسائل التي كان «كريستيان هايكنز» قد تركها بلا حلول كما تقدم.

وقد ساهم - الى جانب «برنولي» - في تطوير المسائل الرياضية التي ادت فيما بعد الى بلورة وصياغة نظرية الاحتمال، «مونمور» (1678 - 1719) في كتابه عن الحظوظ، والرياضي الفرنسي «ابراهام دو موافر» (1667 - 1754) وهو من اصدقاء «اسحاق نيوتن»، حيث نشر على التوالي سنة (1718)، (1738)، (1756) مساهماته في الاحتمال ضمن كتابه في المصادفة «مبدا الفرص».

وفي هذه الفترة، بدا «دايفد هيوم» (1711 - 1776) بتقويم المنهج الاستقرائي، عبر ما بحثه في مسالتي «العلية» و «القضايا التجريبية».

ثم ياتي دور الرياضي الفرنسي «جين لورون دلمبر» (1717 - 1783) ليثير نقدا على حساب الاحتمالات.

وعام (1763)، نشر كتاب الرياضي الانجليزي «توماس بايز» (1702 - 1761)، وكان «بايز» من رواد نظرية الاحتمال حتى صارت له مبرهنة خاصة في الاحتمال عرفت ب«مبرهنة بايز».

وفي سنة (1785)، نشر السياسي والرياضي الفرنسي «ماري كوندورسيه» (1743 - 1794) اهم اعماله، وهو عبارة عن دراسة له حول نظرية الاحتمال.

وسنة (1794) نشر «انسيون»((333)) كتابه حول حساب الاحتمالات، وكانت ملاحظاته منطلقا لمساهمة «كينز» في القرن العشرين.

وكان للرياضي والفيزيائي الالماني «كارل فريدريك جوس» (1777 - 1855) دور بارز في تحديد اساسيات توزيع الاحتمال حتى لا يزال «المنحنى» البياني للاحتمال يحمل اسمه.

ثم كان للرياضي الفرنسي «سيميون دنيس پواسون» (1781 - 1840) دور في توضيح هذه النظرية، وصار له توزيع في نظرية الاحتمال عرف ب«توزيع پواسون».

وساهم في نظرية تكرار الحدوث، الفلكي والرياضي الفرنسي «پييرسيمون لاپلاس» (1749 -1827) عام (1812 م)، في كتابه «النظرية التحليلية للاحتمالات» حتى عدت اعمال «لاپلاس» الاسهامات الاساس في بلورة نظرية الاحتمال التي دخلت بفضل ابحاثه عصرا جديدا، وتلاه عام(1814) ب«بحث فلسفي حول الاحتمالات».

وفي هذه الفترة ظهرت بعض المحاولات لتقنين نظرية الاحتمال، منها محاولات المنطقي والرياضي الانجليزي «دومورجان» (1806 - 1871) سنة (1837) في كتابه «نظرية الاحتمالات» ومحاولات الرياضي الانجليزي «جورج بول» «حدررآ حخ زرحب» (1815 - 1864) - واضع اول نظام متكامل لمنطق الاحتمال - اللذين عملاعلى التاسيس للمنطق الرمزي.

وفي عام (1843) اصدر الفيلسوف الانجليزي «جون ستيوارت مل» (1806 - 1873) الكتاب الذي اذاع شهرته، وهو «نسق في المنطق»، والذي كان الشيء الجديد فيه بالنسبة الى عصره، معالجته للاستقراء معالجة جادة.

وفي السنة نفسها صاغ الاقتصادي والرياضي الفرنسي «انطوان اوجستان كورنو»(1801 - 1877) نظرية خالصة للمصادفة في كتابه «شرح نظرية الصدف والاحتمالات»، واقام بناء فلسفيا على تصوره الموضوعي للمصادفة.

وفي هذا العام ايضا نشر «اليس» في مجال الاحتمال كتابه «الاسس»، وكان اول من نادى بنظرية تكرار الحدوث المحدودة في منتصف القرن التاسع عشر ((334)).

وقد وضع المنطقي الانكليزي «جون فن» (1834 - 1923) عام (1866) شرحا مطولا لاعمال «لاپلاس» المتقدمة في كتابه «منطق الصدف»، وتوصل «فن» الى وضع مخطط للاحتمالات الممكنة صار يسمى ب«مخطط فن». كما ان نظرية تكرار الحدوث صارت ترتبط باسم «فن» بعد ان كان «اليس» اول المنادين بها.

واضاف الى اعمال «لاپلاس» اضافات هامة فيما بعد الامريكي «تشارلز پيرس» (1839 -1914) في اوائل القرن العشرين في «الاوراق المجموعة».