«بصفة عامة نقول ان درجة احتمال وقوع حدثة ما، هي كسر بسطه واحد ومقامه عدد الممكنات» ((412)). لكن بشكل  اعم، يمكن الاستعانة بقاعدة عامة تجري غالبا وهي:
احتمال (أ)= عدد الحالات المتوفرة ل«أ» / عدد الحالات الممكنة ل«أ».

2 - قياس الاحتمال في الحوادث المركبة او الاحتمال الشرطي: ((413)) ان قياس الاحتمال في الحوادث المركبة يتخذ احدى صيغتين تقدمتا معنا مفصلا، و هما عبارة عن بدهيتي «الاتصال» و«الانفصال».

2 - بلحاظ طريقة الجريان
اما بلحاظ طريقة الجريان، فاننا على ما تقدم استعنا تارة بقاعدة الجمع، واخرى بقاعدة الضرب:

1 - قاعدة الجمع ((414)):
تستخدم قاعدة الجمع لقياس قيمة احتمال احدى الحوادث بالنسبة الى الاخرى وهي تعتمد اساسا على بدهية الانفصال ((415)). وقد ذكرنا انها تجري فيما لو كنا نريد قياس احتمال احد الحدثين او الحوادث على الاقل،
وقلنا بان:

احتمال وقوع الحدثين يرمز له ب«».
احتمال وقوع احد الحدثين احتمال وقوع الحدث الاول + احتمال وقوع الحدث الثاني - احتمال وقوعهما معا (امااحتمال وقوعهما معا فتتكفل بدهية الاتصال بتحديده). او قل بعبارة اخرى:
احتمال وقوع احدى الحوادث= مجموع احتمالات وقوعها - احتمال انضمامها.

وان الحدثين لو كانا منفصلين، فان احتمال وقوعهما معامستحيل (يساوي صفرا)، الامر الذي يعني ان احتمال وقوع احد الحدثين= احتمال وقوع الحدث الاول + احتمال وقوع الحدث الثاني.

2 - قاعدة الضرب ((416)):
تستخدم قاعدة الضرب لقياس قيمة احتمال اجتماع حدثين معا، وهي تعتمد اساسا على بدهية الاتصال ((417)).و قدذكرنا انها تجري فيما لو كنا نريد قياس احتمال وقوع الحدثين معا.

وقلنا بان:
1 - احتمال وقوع الحدثين.
2 - احتمال وقوع الحدثين معا
= احتمال وقوع الحدث الاول× احتمال وقوع الحدث الثاني بعد الفراغ عن تحقق الاول.
3 - وان الحدثين لو كانا مستقلين، فلا معنى لتحقق احدهما بشرط تحقق الاخر الامر الذي يعني ان احتمال اجتماعهما :احتمال تحقق الاول ؛ احتمال تحقق الثاني.

الابعاد الدولية للحج
اطروحة جديدة على ضوء الحقوق والقانون

القسم الثاني

الاستاذ السيد محمد الخامنئي

المبدا السادس: مبدا المساواة:

احد المبادئ الحقوقية للحج مبدا المساواة بين جميع الافراد والفئات والقوميات والالوان وبالتالي جميع الشعوب والدول في اداء مناسك الحج.

وهذا المبدا الحقوقي الدولي هو فرع من (مبدا المساواة) في العقيدة والايديولوجية الاسلامية الذي هو من مبادئ الاسلام الاولية والمعروفة والمشهورة والمشهودة في مختلف ابعاد المجتمع الاسلامي بما فيها الحقوق الدولية، والتي يجب مراعاتها في سائر الممارسات الاجتماعية.

ان المساواة في منظومة الحج ليست عبارة عن مبدا وقانون يظهر كمجرد (مفهوم مجسم) فحسب، بل نرى ان مبداالمساواة يبدو في الحج كرمز.

وبعبارة اخرى: ان الحج هو معبر عن مساواة بني الانسان ومعبر عن ابراز وتطبيق لهذه المساواة.

وقد راينا في اول مرحلة من العمرة والحج المسماة بالميقات ان جميع الناس - الرئيس منهم والمرؤوس؛ الفقيروالغني؛ القوي والضعيف؛ من اي شعب كان ومن اي قوم ومهما كانت ثقافته - يجب ان يخلعوا جانبا لباسهم المحلي الذي يمثل هويتهم الشخصية او الوطنية، ويرتدوا ثيابا غير مخيطة «ثوبي الاحرام»؛ وهو قطعتان من القماش الابيض رخيص الثمن؛ غير مخيط وغير مزين وغير معطر.

وكذا الاحذية لابد وان تستبدل باحذية عادية ورخيصة وغير مخيطة، ويجب عليهم جميعا ان يروا انفسهم امام اللهسبحانه وجها لوجه ملبين دعوته: «لبيك اللهم لبيك».

ان وحدة السياق التي تحكم حركة وصوت ومسيرة هؤلاء الافراد نحو الكعبة لترفع فوق رؤوسهم مظلة المساواة الحقيقية بين البشر، فان كل هؤلاء على اختلاف شعوبهم وقومياتهم من شتى بقاع الارض عندما يصلون الكعبة - بيت الله وفي الحقيقة بيت الناس ((418)) - يطوفون حولها على وتيرة واحدة وعلى نحو واحد، ولابد ان يكونوا كذلك.

وايضا السعي بين الصفا والمروة - وهي التظاهرة التي يقوم بها جميع الشعوب - يكون بنحو واحد، ولا يمكن لاحد في كل هذه المشاهد ان يميز بين ذي القدرة وصاحب الثروة وبين الضعيف والفقير.

وكذلك على صعيد صحراء عرفات والمشعر ومنى؛ الجميع متساوون، فكلهم يجلس تحت الخيام وعلى حر الرمضاءمن دون اي فرق وامتياز بين احد وآخر، وهم مشغولون بعبادة الله سبحانه.

ان هذه المشاهد مضافا الى كونها تذكر بالمساواة بين البشر، هي تمرين واختبار لهم.

وهي ايضا استعراض رمزي لباقي شعوب العالم؛ بحيث ليس باستطاعة اي جهة ان تقدم وتعرض المساواة بين الناس وتعلم وتدرب الشعوب عليها وتذيقهم حلاوتها وبذلك المستوى من العمق والروعة، لا لائحة حقوق الانسان ولا اعلان منظمة الامم المتحدة ولا لائحة ولا اعلان ولا ميثاق اية منظمة اخرى.

ومما يناسب بحثه هنا من زاوية الحقوق الدولية، مبدا المساواة بين الدول. ففي دائرة الحج لا يوجد اي امتياز وليس ثمة فرق لشعب من الشعوب ولا لدولة من الدول، وليس باستطاعة اية دولة - حتى الدولة التي تحكم ارض الحجاز - ان تجعل لنفسها امتيازا او اولوية في الحرم والارض المقدسة او القيام باعمال خاصة او اي شيء آخر، فان الجميع متكافئون امام احكام وقوانين الحج والكل ياتون بها على حد سواء.

ان كافة الدول والشعوب تتمتع بحقوق متساوية في اطار الحج واداء وظائفه الشرعية، كما ان التكاليف التي في عهدة بعضهم تجاه البعض الاخر متساوية الا ان تكون تلك الظروف محكومة لاصل اسلامي او دولي آخر او يحكم عليها ذلك.

فقد وردت في القرآن الكريم الاشارة الى هذه المساواة في الحج واداء الفرائض: (... والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد) ((419)).

وكذلك وردت الاستفادة من المشعر والمرافق والطرق - كمثال -مباحة للكل: (ثم افيضوا من حيث افاض الناس)((420)).

حيث يستنبط من هاتين الايتين من الزاوية الفقهية والحقوقية انه لا امتياز ولا ترجيح ولا اولوية للبعض دون البعض الاخر، ونتيجة ذلك المساواة المطلقة بين جميع الاشخاص الحقيقيين والحقوقيين على الصعيد الداخلي او الخارجي،وليس بمقدور اية دولة - حتى الدولة المضيفة - ان تجعل لنفسها امتيازا في تلك المنطقة.

وينبغي الالتفات الى انه لا منافاة بين مبدا المساواة وبين حقوق وتكاليف الدول وبين مبدا آخر باسم (مبدا المواساة)والذي يعني التعاطف واعانة الافراد والدول المبتلاة بالضعف الاقتصادي او الثقافي ونحو ذلك. وبمقتضى هذا المبداان كل شخص - او دولة - يمتلك قدرة اكبر يتحمل تكليفا ومسؤولية اكثر.

المبدا السابع: مبدا الاستقلالية الذاتية للحرم:

وبحسب هذا المبدا الاسلامي والقرآني ان منطقة الحرم - اي المساحة الجغرافية الشاملة للكعبة والمسجد الحرام ومدينة مكة المكرمة والمناطق المقدسة التي تؤدى فيها اعمال الحج والعمرة وطرقها المستخدمة - لها استقلالية تامة من الزاوية الحقوقية والادارية والقضائية والجزائية وغيرها وقد جعلت هذه الاستقلالية ذاتية ومبدا ثابتا لا يقبل التغيير.

وهذا المبدا يعتبر من المبادئ المهمة والاساسية للحج والحقوق الدولية المتعلقة به، وله بالغ الاهمية، ويعكس من الناحية الحقوقية ابعادا جديدة ويثبت موضوعات جديدة في قضايا الحقوق الدولية في العالم.

ونتيجة هذا الاستقلال الذاتي وجود نوع من (الحاكمية الذاتية) والمعينة مسبقا من قبل الاسلام. وهذه الحاكمية حاكمية خاصة بهذه المناطق المقدسة وتختلف عن اشكال الحاكمية الاخرى.

والمراد بكون الاستقلالية - او الحاكمية - ذاتية هو ان استقلالها ليس ناشئا من الاتفاقيات او الاحكام او القرارات الدولية او على اساس رغبة وارادة شعب تلك المنطقة او المنافع والمصالح المشخصة من قبل البشر، بل كما ان الحاكمية والسلطة الشرعية لتلك الاراضي حاكمية الهية فكذلك استقلالها ايضا يكون بصورة تكوينية وطبيعية وبارادة الهية، فانها تعتبر مستقلة ولا يمكن لاية سلطة بشرية وتحت اي عنوان ان تنقض هذا الاستقلال او ان تبسطيدها عليها.

وكدليل على ذلك ان القرآن الكريم يسمي الكعبة المشرفة ب - (البيت العتيق) اي البيت الحر، وورد في الحديث الشريف ان سبب هذه التسمية هو عدم سلطة احد عليه، فعن الامام الباقر(ع) - لما سئل: لم سمي البيت العتيق؟ - قال: «لانه بيت حر عتيق من الناس، ولم يملكه احد» ((421)).

ان كون الكعبة عتيقة او حرة - وكذلك الحرم والطرق المؤدية اليها - هو عبارة اخرى عن الاستقلال وعدم القابلية للملك من قبل آحاد البشر او حكوماتهم ودولهم، وليس لاي مرجع دولي صلاحية تعيين حكم للكعبة ولا ان يقرر حقا غير ماعينه الاسلام نفسه.

والدليل الاخر على الاستقلال الطبيعي للبيت هو ان منطقة الحرم والمسجد الحرام والكعبة باجمعها تعد من(المشتركات)؛ بمعنى كونها مباحة للاستفادة والانتفاع لجميع البشر، فكما ان للبحار المفتوحة نوعا من هذه الاستقلالية في الحقوق الدولية المعترف بها اليوم، فكذلك يثبت بصورة طبيعية للاراضي المقدسة - مكة وما حولها - حرية واستقلالية ذاتية وطبيعية. وهذه الاستقلالية اشد من حرية البحار بمراتب؛ لانه قد اكد عليها في الحقوق الاسلامية وصرح بها بنص القانون، لا من خلال معاهدة واتفاق طارئ.

والدليل الثالث على هذه الاستقلالية وجود المقررات الخاصة الجارية على تلك المنطقة، وانها تختلف عن سائر مناطق العالم: من جهة الحاكمية والحقوق الاساسية، ومن جهة المقررات القضائية وقواعد المحاكمة، ومن جهة القوانين المدنية والجنائية، وانها غير تابعة لاية ارادة ومصلحة وتقنين عدا ما كان معينا لها من قبل.

وهذه الاستقلالية حتى لو كانت غير معروفة في المجتمع الدولي اللاديني او بالنسبة لغير المسلمين، فانها بالنسبة للشعوب الاسلامية وحكوماتها ليست معروفة ومشهورة ومعترفا بها فحسب، بل انها مبادئ غير قابلة للانكار؛ لوضوح هذه الاحكام في الاسلام، وربما يدعى بداهتها وضرورتها، وعليه فيكون - بهذا اللحاظ - انكارها انكارا للضروري الذي يعد ارتدادا وخروجا عن الاسلام ويستلزم تبعات جزائية شديدة.

المبدا الثامن: الحج مجمع رسمي دولي:

اذا كان من الممكن تشخيص ماهية وحقيقة اية شخصية حقيقية او حقوقية من خلال صفاته وخصائصه او من خلال دوره الممنوح له طبيعيا او على اثر ما يحصل من معاهدات، فينبغي اعتبار الحج احد (المجامع الدولية الاسلامية)؛ لانه يتمتع بجميع الخصوصيات المطلوبة في المجمع والمرجع الدولي، فان تلك الخصوصيات متحققة فيه على عدة اصعدة، كالصعيد السياسي والاقتصادي والتجاري والثقافي والعلمي والتربوي وغيرها كاي مجمع دولي آخر.

ان منطقة الحرم ومناسك الحج هو لقاء دولي لمسلمي العالم ويعتبر مؤتمرا كبيرا ويصلح ان يعد مجمعا عموميا يتفرع منه عدة مؤتمرات تخصصية في مجال الاقتصاد والتجارة والصناعة والثقافة والمسائل العلمية والتربوية والامنية والصلح وسائر المجالات.

ولا شك في ان للحج منافع اشار اليها القرآن اشارة اجمالية بقوله: (ليشهدوا منافع لهم) ((422)) وان كان لم يتصد لبيان اقسامها ولا تعدادها؛ ولعل السر في ذلك هو ان هذا العمل المحدود الذي لا يستغرق اكثر من اسبوع يشتمل على بحرمن المنافع الصغيرة او الكبيرة بحيث لو لوحظت من اية زاوية لتمكنا من العثور على ربح سياسي او اقتصادي اواجتماعي او ثقافي او غير ذلك.

ومن الجدير بالذكر ان هذه المنافع لا تختص بالناس المجتمعين في تلك المنطقة فقط، بل ان انعكاساتها تمتد حتى الى باقي المسلمين ان لم نقل المجتمع البشري والمجتمع الدولي.

فلو اتبع الاسلام بالشكل الذي يريده هو فستظهر لنا على الاقل قارة باكملها بمستوى ثقافي عال وبدرجة راقية من الاخلاق وذات اقتصاد مزدهر ومقتدر، كما وعد الاسلام بذلك، وستصبح لدينا منطقة تنعم بالامن وتكون محلا لاقامة الصلح والسلام.

فيا ترى الا يكون ذلك بنفع القارات والبلدان والشعوب الاخرى وغير المسلمين ايضا؟!

ولو فرض ان رسالة الحج العالمية والانسانية - والتي يتم الاعلان عنها في كل عام في مكة وفي منطقة الحرم المقدسة -تصل الى قلوب سكان العالم - وستصل حتما - ويتحدث حولها المفكرون والمحققون والكتاب ووسائل الاعلام، ويعرفون الناس وشعوب العالم - سواء كانوا من دعاة الحرب او السلام - على حقائقها التربوية والاخلاقية العميقة ويرغبونهم في السلام الدائم، فياترى الا يؤدي ذلك الى تقليل الاضطرابات الاجتماعية والفتن والحروب القومية والعقائدية والعنصرية والاقليمية والسياسية والحدودية والاقتصادية والمذهبية؟!! ان هذه الخصائص الطبيعية والتاثيرات الذاتية الكامنة في اعمال الحج قد جعلت من الحج ظاهرة ذات بعد دولي بالمعنى الواقعي. وان آثار وبركات هذا المؤتمر البشري العظيم قد بلغت سعته الى حد بحيث لم تعم فوائده المسلمين فحسب بل والشعوب الاخرى ايضا.

ان اطروحة الحج التي تمتلك بحسب طبيعتها آثارا واصولا دولية لابد وان يفسح امامها المجال حتى تستطيع ان تتجلى بجميع خواصها وآثارها ومميزاتها. وعلى الامم المتحدة ان تتابع وترغب في تشكيلها سنويا، وتدعو الدول الاسلامية لحل مشاكلها الوطنية والدولية من خلال هذا المؤتمر العظيم الذي تساهم فيه الشعوب بالروح والقلب وعن ارادة وعقيدة وتتحمل بنفسها جميع تكاليفه ومصروفاته.

ان من ضمن الاجراءات الاساسية للشعوب المسلمة - بل وحتى للامم المتحدة - هو تاسيس مركز خاص للمؤتمرات الاسلامية الطارئة في مدينة مكة والحجاز ليتم فيه عقد مؤتمرات السلام وحل الاختلافات الحدودية والسياسية بين البلدان الاسلامية وسائر القضايا الدولية الاقليمية او العالمية، نظير دولة سويسرا او الولايات المتحدة؛ الدولتين المضيفتين لمنظمة الامم المتحدة.

ان المسائل الدولية للكتلة الاسلامية لو يتم طرحها وحلها في فضاء ديني وتحت حاكمية القانون الالهي، لا في فضاءسياسي ودبلوماسي جاف، فستكون النتيجة اعمق واكثر تاثيرا بمراتب، وستصبح روح الشعوب هي الضمانة على حسن تنفيذ الاتفاقيات التي يتم عقدها هنا.

ومن زاوية الحقوق الدولية واعلان منظمة الامم المتحدة وسائر قرارات المنظمة الدولية التي تتولى مسؤولية تنظيم العلاقات بين الدول، يجب اعتماد كل وسيلة للحيلولة دون وقوع الحرب؛ لغرض حل الاختلاف الحاصل بين دولتين،وفي سبيل احلال الامن والسلام الدائمين.

ولذا فان مؤتمر الحج وهذا الاجتماع السياسي والعبادي ينبغي ان يكون احد الوسائل لاقرار الصلح والامن في المناطق الاسلامية، وينبغي التصدي بصورة مباشرة او في حالة طلب احدى الدول الاسلامية طبقا لبرنامج لمتابعة شؤون الحج في سبيل الافادة منه في الابعاد الدولية ((423)).

وليس بخفي ان اعضاء لجان المتابعة سيتم انتخابهم من بين المسلمين والحقوقيين الدوليين.

المبدا التاسع: الحج من مظاهر الجهاد:

ان كثيرا من الناس يتصور ان الحج لا يعدو ان يكون مجرد مجموعة من الحركات والافعال العبادية الالزامية، ولا يمكن ادراك ما فيها من ملاك ومصلحة، ويسعى البعض الى تركيز هذه الفكرة في اذهان الناس لكي لا يفكر احد في متابعة الفلسفة الواقعية للحج وما يمثله من رمزية لبناء الفرد والمجتمع، وما يوفره من فرصة سنوية امام الدول الاسلامية للتخطيط في سبيل تطوير المستوى الثقافي والعلمي ورفع مستوى التعاون والتنسيق في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

في حين ان احدى منافع الحج المهمة هي تزويد المسلمين بخبرة فكرية وروحية لتشخيص العدو. والمسلمون بدورهم ومن خلال تعلمهم لهذا الفن يتعلمون ايضا طريقة الدفاع واعداد المضادات الروحية والفكرية.

ومن جملة الحقائق القديمة التي ترجع الى اربعة عشر قرنا من تاريخ الاسلام: ان اعداءه - المتسترين بالكتب المقدسة من التوراة والانجيل - لم يالوا جهدا في تعطيل الاسلام ومنهجه الفطري، ولم يتوانوا في الحيلولة - او الصد - دون النضج والتكامل الفكري والمعنوي للشعوب، ولم يتوقفوا في حربهم الفكرية والاعلامية والعملية ضد تعاليم الاسلام التحررية والنابضة بالحياة.

وفي الحج ومن خلال التبري - اي اعلان الانزجار - والكفاح الفكري والقولي والعملي ضد اعداء البشرية وقطاع طرق الحرية ومانعي نشر الفكر، فان كل فرد مسلم يحقق مكسبا عقيديا، وهذا يؤول بالنتيجة الى تمكنه من تحديد وتعيين وضعه في المستقبل وما لديه من برنامج في حياته العملية.

لقد سعى اعداء الاسلام ومنذ قرون عديدة في سبيل تبديل صورة الحج من كونه وسيلة بناء وحرب مقدسة ضدالاعداء الى مجر د قالب جامد وخال من محتواه وفلسفته؛ وذلك بتغييره من صيغته الابراهيمية - اذ ان اول مقيم للحج هو النبي العظيم ابراهيم(ع) - الى صيغة مرادة ومطلوبة للخصوم.

وليس جزافا ما ورد في الحديث من اعتبار الحج نوعا من الجهاد، - اي الجهاد ضد الشيطان واعلان البراءة منه قولاوعملا - فان احد الاركان العملية الاعتقادية في الاسلام هو تبري المسلم من اعداء الاسلام والمسلمين، وقد ورد ذلك في القرآن مكررا لئلا يتجه صوب الاعداء، ويجب الا يعتمد عليهم ويتبرا منهم.

ان الصنم الذي هو وسيلة قطاع طريق التوحيد ومضلي الانسانية عن جادة السعادة والهداية يتجلى في كل عصر بشكل يتناسب مع ذلك العصر.

ففي زمان يظهر في صورة قطعة منحوتة من الحجر، وفي زمان بصورة اشخاص طواغيت، وفي زمان في صورة عقيدة ومذهب وفكرة منحرفة مخالفة للفطرة؛ في قالب حزب او قومية او شعوبية او طبقية او شيوعية او اشتراكية وامثالها،وجميع هذه الصور والاشكال تجر الانسان نحو الانحراف عن الطريق الطبيعي السهل وعن عبادة الله التي هي طريق الحياة الموفقة والناجحة.

ان وظيفة الشريعة الفطرية والدين الابراهيمي هي ان يكافح الصنم باي شكل كان، وان يكسر الاصنام في كل مكان.

وفي الحقيقة ان تحطيم الاصنام يعد مرحلة من مراحل الانتماء للاسلام وصيرورة الشخص مسلما، والتبرؤ نحو من تحطيم الاصنام، وكلاهما من مصاديق الجهاد ((424)).

ان الجهاد في هذه الساحة يكون بمواجهة (الفطرة) وكفاحها الدائب مع(ما هو ضد الفطرة)، والحج هو تجربة الذات لكل مسلم، وتنمية الطاقات الروحية والعسكرية من اجل المواجهة العملية مع الشياطين والمؤسسات الشيطانية.

ويمكن القول:
ان الجمرة الاولى - وهي الموضع رقم (1) في رجم رمز الشيطان - لتذكر بالاصنام الحجرية والخشبية المصنوعة من قبل البشر، ويجب رجمها سبع مرات، اي بمقدار ذلك العدد المقدس المشترط في الطواف والسعي، وهو عددالسماوات ايضا.

واما الجمرة الثانية - او الموضع رقم (2) - فهي تذكر بالاصنام الحية ذات الروح، ويجب رميها سبع مرات بحيث ترى الاصابة وتسمع صوت اصطكاك الحصى بها وصوت ضجيح الجمرة.

واما الجمرة الثالثة - او الموضع رقم (3) - فهي تذكر بالمدارس العقائدية والفكرية وما صنعوه من اتجاهات باطلة ومخالفة للفطرة - تلك المذاهب التي خانت البشرية على طول التاريخ ولم تقدم لها اية خدمة - ويجب ان تقذف بالحصى باحكام سبع مرات ايضا.

ولو لم تؤد هذه الاعمال فكانه لم يؤد الحج، ويعد حينئذ ناقصا وغير تام ومشطوبا عليه، وعلى الحاج ان يعيد اعمال الحج مرة اخرى مع البراءة والرجم.

ويروى عن النبي الاكرم(ص) انه لما رجع من بعض حروبه وقد خاض جهادا مريرا وعسيرا التفت الى بعض قادة وامراءجيشه مبينا: بان هذا الجهاد الذي خضتموه هو جهاد اصغر، وبقي عليكم السعي اكثر لاداء الجهاد الاكبر.

وهذا البيان من النبي(ص) قد ادهش المسلمين، فسالوه: ما هو ذاك الجهاد الذي يكون اخطر واصعب من هذه الحرب الى حد بحيث تعد هذه في قباله اصغر؟! وتصدى النبي(ص) للجواب مبينا ان ذلك الجهاد هو الكفاح والمبارزة مع الرغبات الحيوانية وجموح النفس.

من هنا فقد اعتبر في الرؤية الاسلامية ان الكفاح في مواجهة طغيان الغرائز الحيوانية نوع من الجهاد بل ومن اصعبها،وفي الحج تتحقق هذه المواجهة بصورة جماعية، وفي خلال فترة الحج ومناسكه وما فيه من اعمال واجبة ومستحبة مايفتا الحاج يواصل المواجهة مع عاصفة ميوله الغريزية، ولا يستجيب حتى لميوله القانونية والمشروعة.

بناء على ذلك، فان الحج هو مظهر من مظاهر الجهاد مع النفس او هو تحطيم للغرائز المخلة وتذليل وترويض مركب الميل والهوى الجامح.

ونحن اذا اردنا ان نبين مظهرا للجهاد فنستطيع ان نطرح كنموذج لذلك جهاد الانسان ونضاله تجاه السنن والعادات القومية والوطنية.

وكما ذكرنا فان جميع المسلمين مكلفون في الحج بان يرتدوا ثوبي الاحرام، وان يخلعوا جانبا جميع البستهم ومظاهرالتجميل وتقاليد وعادات قومية ووطنية، وعليهم ان يتناسوا اوضاعهم الخاصة وشانياتهم، وان يجلسوا باجمعهم حول مائدة الرب - المضيف الحقيقي لكل الحجاج - على صعيد واحد؛ لا يمتاز احدهم عن الاخر، وان يمدوا ايديهم بالدعاء، وان يتوجهوا للعبادة.

المبدا العاشر: الحج منظومة من الشعائر الاسلامية:

ان (الشعائر) - جمع شعيرة - لفظ فسر بمعنى مجموعة من العلامات والاشارات والاعلام التي تنصب وتثبت في المناطق الحربية او المناطق التي تتطلب اتخاذ احتياطات.

ومن الالفاظ القريبة منها لفظ (الشعار) الذي ياتي بمعنى الاشارات والعلائم التي يستعملها العسكريون فيما بينهم لمعرفة العدو من الصديق ولتشخيص المحل الامن في مناطق الخطر.

و (المشعر) ايضا - الذي وضحناه فيما تقدم - مشتق من الجذر نفسه، وهو اسم مكان وزمان. والمشعر هو تلك الصحراءالمجاورة لمكة التي يبيت فيها الحجاج في الليلة التي قبل العاشر من ذي الحجة - وهو يوم الانزجار الرمزي من الشيطان - وينبغي لهم ان يستثيروا مشاعرهم ويستخدموا وعيهم ليحفظوا انفسهم من مباغتة العدو الفرضي.

واللفظ الاخر الماخوذ من الجذر نفسه (الشعور)؛ بمعنى الوعي واليقظة والاحساس والفهم الدقيق والاستيعاب السريع للاشارات والدلالات ((425)).

والمشعر موضع لاستثارة الشعور وادراك الشعارات والشعائر.

ولعل السر في تسمية هذه المنطقة الواقعة بين عرفات ومنى من جهة ان الحجاج حين انتقالهم من ارض عرفات (اي ارض المعرفة والعرفان، وبعبارة اخرى: ميدان الرؤية الكونية التوحيدية الالهية، الوجدانية والعقلية والحسية) وحين تطااقدامهم ارض المشعر المجاور لمنى - خط الهجوم والكفاح - يجب عليهم تحريك الشعور والاقدام والعمل في محل واحد.

وكما يجعل الفلاسفة مرحلة العقل والحكمة العملية في مقابل مرحلة العقل والحكمة النظرية، فانه يجب على السالك في طريق العشق ان يعمل تشخيصاته الخارجية وتعييناته المصداقية امام معارفه الكلية مباشرة وفي قبال ما لديه من معلومات ذهنية عن عدوه اللدود.

ان صحراء المشعر وان كانت بحسب طبيعتها الظاهرية ما هي الا صحراء واسعة يمكن الاستتار فيها ببساطة وعلى الحجيج طبقا لقانون الشريعة ان يظلوا هناك من غروب اليوم التاسع من ذي الحجة حتى الصباح، اي طوال ظلام الليل،ولكن ذلك يعبر عن رمز الوعي؛ لان السائر في الليل بحاجة الى مقدار مضاعف من الوعي والانتباه يعادل اضعاف مايحتاجه في النهار، نظير الجندي الذي يتقدم وسط حقول الالغام، فانه يرى امامه فخا وخطرا في كل خطوة يخطوها، وعليه ان يشخص العلامات الموضوعة للنجاة، فيسخر ما لديه من نباهة كوسيلة للخلاص والنصر.

وقد اشربت كل تلك المعاني في هذه الكلمات الصغيرة، فانها جميعا تدل على ان الحج وافعاله الرمزية ليست سوى نحو من البيان والتكلم بلغة الاشارات غير اللفظية من اجل اراءة المسلمين الوضعية الحقيقية للاسلام والامة الاسلامية،ويذكرهم بجبهات الحرب الدائمة بين الحق والباطل وبين التوحيد والشرك وبين الاسلام والشيطان، ويحذرهم بصورة مستمرة.

ولذلك اعتبر القرآن الكريم تعظيم ورعاية شعائر الله من التقوى، والتقوى هي الوقاية والحذر من الاخطار، وهذه الاخطارهي: اولا - اخطار العذاب الالهي، وثانيا - اخطار الشيطان.

ولو القينا نظرة على اعمال الحج لراينا ان الحج ليس عبادة جافة، بل هي ساحة قتال؛ فلو كان المحراب - محل عبادة المسلم - موضعا فرديا للمواجهة مع الشيطان فمن الملاحظ ان ساحة المواجهة مع الشياطين تتسع للامة الاسلامية المحمدية، وكلما كان الشيطان اكبر كلما استلزم ذلك دقة اكبر وحذرا وشعورا مركزا.

لقد صرح القرآن بالشعائر الاسلامية - والتي يعبر عنها بالشعائر الالهية - في موضعين:
الاول: عند بيان اهمية السعي بين الصفا والمروة، وهي المسيرة الجماعية للحجاج خلال تلك الفاصلة المكانية.
الثاني: عند الحديث حول ذبح الحيوان الذي سيق هديا، وهي البدنة - الابل - او الغنم او غير ذلك.

ولعل سبب التصريح بهذين دون المصاديق الاخرى هو التاكيد على اهمية هذين العملين اللذين يبدوان بالنظرة الاولية وبحسب الظاهر عملين تافهين، الا انه من الممكن ان السر في ذلك ما يلي:

اما في السعي بين الصفا والمروة فقد اعتبر (الكدح) اصلا مهما في تحقق ماهية الاسلام لدى الشخص. ومن الواضح ان السعي والكدح من اجل البقاء هو اصل فطري وطبيعي لدى جميع موجودات الكون.

واما في التضحية [= بذل الدم] والصدقة [= بذل المال]، فان التضحية والبذل للمساكين يعدان من جملة حكم وفلسفة ذلك، ومظهر ذلك هو اهداء وتقديم دم ولحم الحيوان.

ولعله توجد في هذين النموذجين خصوصيات اخرى.

او لعل السبب في انتخاب هذين النموذجين هو الاسئلة المطروحة على النبي ممن كان حديث العهد بالاسلام.

وعلى اية حال، فان القرآن - ضمن كلامه حول السعي والهدي - قد بين موضوعين:
الاول: وجود اصل (شعائر الله) في الحج بل في الايديولوجية الاسلامية بشكل عام.
الثاني: التضحية والسعي؛ فانهما علامتان مهمتان لتشخيص العدو من الصديق، ولتمييز الاوفياء لسنة ابراهيم من ناقضي العهود، ولفرز المسلم عن غير المسلم.

وهنا نقطة يلزم الالتفات اليها؛ وهي ان الحاج الفطن الذي عاش ميدان الكفاح وبناء الذات عليه ان يبحث عن الشعائرالاخرى، ومن خلال هاتين العلامتين عليه ان يكتشف ويستهدف العلامات الاخرى؛ اذ ان لفظ (الشعائر) جمع، وبحسب مقتضى قواعد اللغة العربية انه يشمل ويدل على اكثر من عشرة، ولذا فعلى الحاج النبيه ان يبحث بنفسه عن باقي الشعائر.

وقد ورد في القرآن الكريم ان الصفا والمروة من شعائر الله وكذلك الهدي، ويفهم من التعبير بحرف الجر (من) بحسب المعنى اللغوي لها ان الشعائر ليست منحصرة بهذين، فلماذا لا يعد الاحرام والطواف والتلبية والحضور [= الوقوف] بعرفات والمشعر ومنى من هذه الشعائر؟!

فان كل واحد من هذه الاعمال عن طريق (البيان العملي المجسد) - والذي هو من اقسام الفن وبيان الفكر وتجلي الروح الانسانية - يعطي وعيا ودرسا وتعليما خاصا بلا حاجة الى مقولة (الالفاظ)، وكل واحد منها في بنية الحج يكون منبهاللحاج الذي تعلم الحج حديثا.

ان الحج قصيدة عصماء لكن من غير لفظ؛ تتضمن ارجوزة حماسية وحربية، فكل مقطع فيها وكل بيت يعطي بصورة مستقلة درسا تعليميا مفيدا للسالك المسلم.

ان هذه الشعائر ليست لفظا ولا قولا ولا كلاما ليختص بقوم ما، بل ان لغة الطبيعة ودلالة الفطرة يستطيع ان يدركها كل ذي عقل سليم فطن.

ولكل واحدة من هذه الشعائر - التي يطلق الحج على مجموعها - لها فائدة واثر معين، وتمثل عنصرا من عناصر الثورة والتقدم في الاسلام.

ان عدم الاهتمام بجميع اسرار ورموز ومنطق هذه الممارسات وما تنطوي عليه من فلسفة وحكمة ليس فقطيجعل من الحج عملا غير منطقي، بل يعكس انها مجموعة من التقاليد البشرية الراجعة الى القرون الاولى ويشوه وجه الاسلام.

المبدا الحادي عشر: الحج لاعلان البراءة من الشرك:

ان مبدا اعلان الوفاء للتوحيد وعبادة الواحد الاحد - الذي هو اول مبدا لجميع الاديان السماوية وان كان معروفا عن نبي الله ابراهيم(ع) اكثر من غيره - واعلان الرفض [6 البراءة] من الشرك وعبادة الالهة المتعددة هو احد المبادئ الاساسية للاسلام والحج، وكذا اعلان البراءة من المشركين.

والذي نريد بحثه هنا هو مدى ارتباط هذا المبدا ب -(شعائر الله) - والذي تحدثنا عنه في المبدا السابق - وما هو دخله في صحة وكمال اعمال الحج.

ان اول اعلان للبراءة من المشركين كان في العام التاسع للهجرة بنزول سورة بهذا الاسم - سورة براءة - حينما بعث النبي(ص) الامام علي(ع) لقراءة هذه المذكرة على المشركين وغير المسلمين ممن اشترك في مراسم حج ذلك العام.

ان مبدا البراءة من المشركين جزء لا ينفك عن الاعتقاد بالتوحيد ووحدانية الله. وفي الكلمة المعروفة بكلمة التوحيد -اي جملة: لا اله الا الله، والتي هي اول شعار اسلامي وان من قالها عن اعتقاد يعد مسلما - يوجد عنصران مهمان مقترنان؛ اولهما: (لا اله)؛ اي نفي الشرك وتعدد الالهة، والاخر: (الا الله)؛ اي اثبات واعلان التوحيد.

ومن البديهي جدا ان مثل هذين العنصرين اللذين بهذه الدرجة من الاهمية والاولوية ولهما محل الصدارة في كلمة الاسلام والعقيدة الاسلامية، لابد وان يعتبرا من الاجزاء والعناصر المهمة في الحج.

ومن هنا يمكن استفادة لم وكيف ان النبي(ص) قد تلا ذلك على اسماع خصوم الاسلام بعنوان منشور الدين الجديدرغم كل المخاطر المتوقعة من اعلان ذلك في يوم (الحج الاكبر) لذلك العام.

وفي الواقع ان الاسلام وخلافا لطبيعته السلمية وميله للصلح وحبه للسلام لم يرد ولم يستطع قط تحمل الشرك والمشركين، ولم ياب ان يستغل كل فرصة في الاعلان عن براءته منهما، ولم يعمد مطلقا لمداراتهم.

من هنا فان هذا المبدا هو احد الاجزاء والعناصر الاساسية المهمة في الحج والتي لا يمكن الغض عنها، واحد (شعائرالله) التي تقدم الحديث حولها؛ لان اهم انذار مصيري يحمله الاسلام للناس والرمز واللغز الذي لابد منه لتحقيق الاستقلال العقائدي للمسلمين هو الشعار والعلامات المنصوبة في ميادين العمل والكفاح؛ لكي لا تختلط صفوف الاصدقاء مع الاعداء، ولكي لا يجد الخصوم الى صفوف المسلمين سبيلا.

لقد تعرض القرآن بصراحة الى رفض الشرك واعلان البراءة، الا انه في سورة الحج - المتعلقة ببيان النظام الاساسي للحج وسائر قوانينه - قد وضح بنحو خاص العلاقة بين رفض الشرك والبراءة وبين شعار (شعائر الله) الى جنب الشعائرالاخرى مثل الاضحية، حيث بدا في الاية السابعة والعشرين من سورة الحج باصدار الامر باعلان الحج ودعوة الناس وكل من يعبد الله، وفي الاية التالية اشار الى فلسفة الحج او (منافعه)، قال تعالى: (واذن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق - ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير - ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق - ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه...).

ثم يقول سبحانه: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور - حنفاء لله غير مشركين به...).

ثم يقول: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب).

ثم يقول عز من قائل: (ولكل امة جعلنا منسكا... فالهكم اله واحد فله اسلموا وبشر المخبتين - الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما اصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون).

بعد ذلك يقول جل وعلا: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله... فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر).

واخيرا يقول تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم...) ((426)).

ومن خلال تحليل مختصر لهذه الايات وربط معانيها بعضها بالبعض يمكن بسهولة استفادة دور واهمية اعلان البراءة من عباد الاوثان والمشركين مهما كان نوع الوثن ومهما كان نوع الشرك.

ففي الآيتين الحادية والثلاثين والثانية والثلاثين ذكرت العلاقة بين رفض الشرك وبين تعظيم وتبجيل شعائر الله، وفي الاية السادسة والثلاثين اعتبرت الاضحية من شعائر الله.

وقد قلنا فيما مضى: ان كلمة (شعائر) جمع، وطبقا لقواعد اللغة العربية فان هذه الصيغة تدل على عدد اكثر من العشرة،ولا ينحصر في حدود هذه الموارد، لكن يستفاد من الايات ان المهم منها هو اعلان البراءة من الشرك والمشركين، وهذه البراءة من المشركين التي وردت في سورة التوبة لها علاقة وارتباط بالشعائر التي ذكرت في سورة الحج.

المبدا الثاني عشر: اقامة الحج لابراز منافعه الهامة:

كما ذكرنا قبل ذلك ان الحج له فلسفة وفوائد تتسع لجميع الابعاد المهمة: الفردية والاجتماعية، بل والسياسية والاقتصادية والتربوية.

وقد راينا في المبدا السابق ان القرآن الكريم قد دعا الناس الى الحج ليروا بام اعينهم فوائده الجمة، ويبين ان من جملة فلسفة الحج هو مشاهدة هذه المنافع، قال سبحانه: (ليشهدوا منافع لهم)((427))، وقال ايضا: (لكم فيها منافع الى اجل مسمى...)((428)).

وهذه المنافع مهما كانت فانها تكتنفها حقيقتان:
الاولى: وهي انها منافع معتد بها وتستحق المشاهدة والملاحظة، سيمابعد كل هذا السفر الطويل والمتعب وتحمل المشكلات والاخطار.
الثانية: ان استعراض هذه المنافع لا يتسنى الا في دائرة الحج ومكانه وزمانه الخاصين، ولا يمكن ملاحظتها في مكان وظرف آخر.

من هنا فان هذا البيان الصريح وتاكيد القرآن على (مشاهدة المنافع) يوقفنا على حقيقة ونكتة دقيقة؛ وهي ان من جملة فلسفة الحج ومنافعه هو الفحص والتعامل العلمي الدقيق مع منافع الحج التي لا تعد ولا تحصى، ومن جملة مبادئ الحج المتوفرة على الحيثية العالمية هو كون الحج فرصة لعرض وتجلية المنافع.

وستكون نتيجة ذلك: انه لو اقيم الحج مجردا من تلك المنافع او كانت تلك المنافع خفية ومستورة وغير ظاهرة للعيان،فان مثل هذا الحج لا يحبه الله ولا يكون مطلوبا.

ان المبدا السابق يتطلب على المتصدين لادارة الحج ومضيفي حجاج البلدان المختلفة ان يدركوا جيدا روح الحج ورسالته الحقيقية كما صرح القرآن بذلك، وان يبرزوا الحج - سواء في داخل مكة او المسجد الحرام نفسه او في المناطق الاخرى لمناسك الحج - على شكل معرض لتجلية واستعراض المنافع التي وعد الله سبحانه.

ان التقصير في تحقيق هذا الامر - الذي جعله القرآن هدفا للسفر الى مكة على ما فيه من مشاق حقيقية او وهمية،واعتبره مكافاة على اتعاب هذا السفر - ليدل على عدم الكفاءة لادارة المراسم الدولية للحج، ويوجب عدم اللياقة لنيل سمة الادارة والضيافة للحاج.

في رحاب المكتبة الفقهية

رسالة في حساب الكر في الاحجام المختلفة
للشيخ البهائي (رحمه الله)
(المتوفى سنة 1030 ه)

اعداد: السيد محمد جواد الجلالي

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين

نحمدك يا من ملا حياض قلوبنا بماء ولاء النبي والال ((429))، ونشكرك يا من طهر نفوسنا عن الانغماس في غدران الزيغ والضلال، ونصلي على نبيك الصادع بامرك ونهيك، والمبلغ لاعباء وحيك، وآله الذين طهرتهم عن الرجس بنص الكتاب((430))، وجعلتهم السقاة على الحوض يوم يقوم الحساب.

وبعد، فيقول الفقير الى الله ((431)) الغني بهاءالدين محم د العاملي عامله الله بلطفه واحسانه واذاقه حلاوة غفرانه:ان احق ما صرف اليه المكلف همته، وبيض في الخوض فيه لمته ((432))، وانفد في مزاولته عمره، واراض في مداولته فكره ((433))، هو علم الفقه الذي هو - لعمر الله - ارجح المطالب واعلاها، وانجح المكاسب واغلاها؛ اذ بممارسته يتحصل ((434)) الفوز باتم المفاخر، وبمدارسته يتوصل الى النجاة من كان يؤمن بالله واليوم الاخر. واني - ولله المنة -لم ازل منذ نشات متشبثا باردانه ((435))، متنزها بين رياضه وغدرانه، فبينما الخاطر يرتشف من رحيق حقائقه ويقتطف من ثمار دقائقه اذ عثر سبوحه بمسالة الكر وتحقيق تقديره وكيفية مساحته وتكسيره، فجال بخاطري ان ارتب مقالة اذكرفيها ما قامت عليه الدلائل الصحيحة من مقداره، وقادت اليه الحجج الصريحة من كمية اشباره، وان المح فيها الى المشهور من اشكال الانية وكيفية مساحتها على ما قامت عليه الدلائل الهندسية، فان فقهاءنا - رضوان الله عليهم اجمعين - انما بينوا مساحة المكعب من الاشكال تسهيلا على الطالبين وتقريبا الى افهام المبتدئين. واما استعلام مساحة باقي اشكاله، كالمستدير والمثمن والمثلث والمعين، فقد جعلوها موكولة الى القواعد الحسابية والدلائل الهندسية.

وقد اوردت في هذه الرسالة من ذلك ما لابد منه ولا غنية للطالب عنه، ليكون محيطا بكيفية مساحته على ((436))، عالما بطريقة ((437)) تكسيره على اختلاف انواعها تباين اوصافها ((438))، سالكا في ذلك اقرب طريق وايسره، ذاكرا فيه((439)) اسهل وجه واخصره، ممثلا لما عساه يحتاج الى المثال على حسب ما اقتضاه الحال، مع تشتت البال بمقاساة امور تحدث في الطبع كلالا، وتورث النفس من الحياة ملالا، ولما حان حين ختامها وبرزت ازهارها من اكمامها احببت ان يسمو قدرها، ويلوح على سماء العز بدرها، فرسمتها باسم من سمت باسمه رؤوس المنابر في الافاق، وسما في سماء السمو على سرير الملك بالارث والاستحقاق، مزيح ظلم الظلم عن بساط البسيطة بكواكب مواكبه ((440))، ومزيل غمام الغموم بغرائب الرغائب من سواهب ((441)) مواهبه، الملك الذي منتهى مطلبه تشييد قواعد شرائع الاسلام على قانون آبائه الطاهرين، ونهاية مقاصده احياء علوم الدين بالارشاد والهداية الى منهاج الائمة المعصومين، وقصارى منيته كشف الغمة عن الامة بايضاح الحق ونهج اليقين، وغاية بغيته تجريد مسالك الملك ((442)) عن اهل الخلاف اجمعين،اعظم ملوك الارض شانا، واعلاهم منزلا ومكانا، واشملهم عدلا واحسانا، الذي يفتخر اعظم الخواقين بتقبيل سدة بابه،ويتبجح اكابر السلاطين بتعفير الوجوه على تراب اعتابه، السلطان ابن السلطان ابن السلطان، ابو المظفر شاه طهماسب بهادرخان خلد الله سبحانه على مفارق العالمين ظل سلطنته القاهرة، وشيد لاعلاء معالم الدين اركان دولته الباهرة، ماتوالت الاعصار والشهور، وتعاقبت الاعوام والدهور، ومن الله اسال حسن التوفيق واصابة الحق بالتحقيق.

مقدمة ((443)):

قد يعرف الكر بانه: ماء بلغ تكسيره باشبار مستوي الخلقة اثنين واربعين وسبعة اثمان، او بانه: ماء لا ينفعل بما يرد عليه من النجاسة ما لم يتغير احد اوصافه.

ان قلت: يرد على الثاني ماء الاستنجاء عند من لا يقول بانه عفو((444))، وماء الغسالة عند السيد المرتضى واتباعه((445))، وماء غسلتي ((446)) الولوغ عند الشيخ ((447)).

قلت: قيدنا في التعريف «بما يرد عليه»، وكل من هذه الثلاثة يرد هو على النجاسة، لا انها ترد عليه ((448)).

نعم يرد عليه الماء الجاري دون الكر عند من لا يشترط فيه الكرية وهم اكثر الاصحاب، وكذا الماء الملاقي لما لا يدركه الطرف من الدم عند الشيخ ((449))، فينبغي ان يزاد فيه «مقدر شرعا» ليستقيم منعا، ولا يقيد حينئذ بما يرد عليه لعدم الاحتياج اليه، فصار هكذا: «ماء مقدر شرعا لا ينفعل بالنجاسة ما لم يغيره»، وظني انه سالم طردا وعكسا.

توضيح: مساحة الجسم: استعلام ما فيه من امثال المكعب الممسوح ((450)) به وابعاضه((451))، اعني امثال جسم يحيط به ستة مربعات ذلك الخط بحيث يتوازى كل متقابلين منها، والمساحة المبحوث عنها هاهنا هي استعلام ما في الماء من مكعب الشبر وابعاضه ليعرف بلوغه النصاب الشرعي، فالماء المحكوم بكريته عند الاكثر هو المشتمل على اثنين واربعين مجسما مائيا كل منها مكعب الخط الشبري، وآخر هو سبعة اثمان مكعبه، وهو معنى كون الكر اثنين واربعين شبرا وسبعة اثمان شبر.

تبيين: سينجر ((452)) الكلام الى ذكر الارطال، والدائر منها على السنتهم ثلاثة: العراقي، والمدني، والمكي.

فالرطل العراقي مئة وثلاثون درهما، والدرهم ستة دوانيق، والدانق ثمان شعيرات، فالدرهم ثمان واربعون شعيرة((453)).
وحيث ان المثقال الشرعي درهم وثلاثة اسباع درهم، فهو ثمان وستون شعيرة واربعة اسباع شعيرة، فالرطل العراقي احد وتسعون مثقالا((454))، فهو ستة آلاف ومئتان واربعون شعيرة ((455))، والتسعة منه صاع ((456))، والاثنان وربع مد((457))، فالصاع الف ومئة وسبعون درهما ((458)) وثمانمئة وتسعة عشر مثقالا ((459))، فهو ست ((460)) وخمسون الفاومئة وستون شعيرة ((461)).

واما
الرطل المدني فمئة وخمسة وتسعون درهما ، فهو رطل ونصف بالعراقي ((462)).
والرطل المكي ضعف الرطل العراقي ((463)).

نقل: حد القائلون بانفعال الماء القليل بالنجاسة الكر بتحديدين: المساحة والوزن ((464))، وبكل منهما وردت الاخبارعن الائمة الاطهار صلوات الله عليهم، فالاقوال فيها اربعة:

[اولها:] المشهور: وهو ما مر ((465)).
وثانيها: لابن بابويه وباقي القميين ((466))، وهو ظاهر السيد ((467)) وصريح المختلف ((468))، واليه جنح المرتضى بعض محققي المتاخرين ((469))، ولعله الاقوى، وهو انه سبعة وعشرون شبرا مكسرا؛ لاسقاطهم اعتبار النصف في كل من الابعاد.
وثالثها: لابن الجنيد ((470))، وهو انه نحو مئة شبر مكسر
((471)).
ورابعها: للقطب الراوندي ((472))، وهو انه ليس المراد الضرب، بل الكر ما بلغ مجموع ابعاده عشرة اشبار ونصفا.

واما الوزن: فالف ومئتا رطل، وبه قال من عدا الراوندي من الاصحاب.

ثم اختلفوا في ارادة العراقي او المدني، فالشيخان واتباعهما على الاول ((473))، والسيد المرتضى وابن بابويه على الثاني((474))، ولم يذهب احد الى انه المكي حتى ابن الجنيد، مع انه انسب بالمساحة على مذهبه، والعجب من ابن بابويه كيف لم يعتبر العراقي واعتبر المدني، مع ان الكرة عنده قريب من نصفه عند من اعتبر العراقي!.

تبيان: القولان الاخيران من اقوال المساحة شاذان، واما الاولان فمستند اولهما: ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد ابن يعقوب، عن محمد بن يحيى، [عن احمد بن محمد بن يحيى] ((475))، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن ابي بصير، قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال: «اذاكان الماء ثلاثة اشبار ونصفا، في مثله ثلاثة اشبار ونصف، في عمقه من الارض، فذلك الكر من الماء» ((476)).

ومستند ثانيهما: صحيحة اسماعيل بن جابر عن الصادق(ع) قال: الكر من الماء «ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار» ((477)).

وهذه ترجح على الاولى بصحة السند؛ للطعن في عثمان بن عيسى بالوقف ((478))، ولتاييدها بما رواه محمد بن يعقوب عن الحسن بن صالح عن ابي عبدالله(ع) قال: «الكر ثلاثة اشبار عرضها في ثلاثة اشبار عمقها» ((479)).

وقد ترجح الاولى عليها بالشهرة. وفيه: ان الشهرة مشتركة، والتفاوت فيهما ممنوع ((480)).

تذنيب: هذه الروايات الثلاث مشتركة بحسب الظاهر ((481)) في الخلو عن بيان قدر بعض الابعاد، اما الاخيرة فعن بيان الطول، واما الاوليان فالظاهر خلو ثانيتهما عن بيان العمق، واولاهما عن بيان العرض، ولعله(ع) احال تقدير ما لم يذكره من الابعاد على ما ذكره منها لدلالة سياق الكلام عليه، فاغنى ذلك عن ذكره، والحذف مع وجود ما يدل على المحذوف شائع ذائع.

تكميل: قطع بعض المحققين ((482)) بخلو الرواية الاولى عن بيان قدر العمق. وفيه نظر؛ لان قوله(ع): «في عمقه من الارض» اما حال من «مثله» او نعت ل«ثلاثة اشبار» الذي هو بدل من «مثله»، وعلى كلا التقديرين فالمسكوت عنه انماهو العرض، واما العمق فمبين؛ ولولا الحمل على هذا لكان قوله(ع): «في عمقه من الارض» كلاما منقطعا متهافتا،وحاشا مثلهم عن التلفظ بمثله.