كلمة التحرير
امتنا الاسلامية
رئيس التحرير
لقد اولت شريعتنا الحنيفة الناحية الاجتماعية عناية فائقة
وقدمت تصورا خاصا حول البنية الاجتماعية النموذجية من
حيث الاساس والمبنى الذي ترتكز عليه ومن حيث جدول
العلاقات المتبادلة بين الافراد ومن حيث التطلعات والاهداف
التي ترنو اليها وتنشدها مستقبليا وسنطل اطلالة سريعة
على هذه الحيثيات الثلاث: 1- الاساس النظري: من القضايا المهمة التي لابد من بيانها هو ان الشريعة تؤمن بان النشاة البشرية نشاة واحدة قال تعالى: (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم) وليس هناك اي مبرر موضوعي لتصنيف الناس الى اصناف وتنويعهم الى طبقات نظرا لتنوع واختلاف الظروف والعوامل الجغرافية او الاقتصادية او غير ذلك من العناصر الخارجة عن الحقيقة الانسانية من حيث هي فان هذه العوامل عوامل طارئة وعارضة وبالتالي فانها لا تصلح فارقا ومائزا بين بني البشر.. اجل ان الحقيقة البشرية بدات تاريخيا من نقطة واحدة وهي ابوة آدم وامومة حواء وكل بني البشر ينحدرون من اصل واحد ومن اسرة وفصيلة واحدة وكلهم يعدون اقرباء واخوة بالمعنى الواسع ومن الواضح ان هذا التصورالنظري وهذه الرؤية يتركان انعكاسات نفسية ومشاعرية كبيرة وفي ابعاد مختلفة ولهما محركية وباعثية للانطلاق ومانعية ورادعية عن الانكفاء.. وتسترسل الشريعة في تعميق هذه الرؤية التوعوية من خلال تمتين العلاقات الانسانية اكثر فاكثر والتقدم نظرياخطوة الى الامام فتضيف عنصرا مؤثرا وفاعلا وهو عنصر الاخوة العقيدية والايدلوجية بين المسلمين (انماالمؤمنون اخوة) وتظل تواصل الشريعة مسيرتها وتاخذ بزمام المجتمع لترتقي به الى القمة من المثالية والاخلاقية فتقرب بين الاحاسيس وتؤلف بين القلوب بنشر نسيم الاخوة الفواح الذي يملا شذاه كل زوايا الحياة ومطباتها..
2- جدولة العلاقات الاجتماعية: وعلى الرغم من التشابك والتعقيد الذي يكتنف العلاقات الاجتماعية وتفاصيلها فان الشريعة رسمت خارطة متقنة ودقيقة لطبيعة العلاقات داخل المجتمع المسلم من خلال تقنين جملة من القواعدالعملية تبين كيفية التعامل المطلوب اسلاميا وهذه القواعد تارة تصل الى حد الالزام والاهمية القصوى واخرى تكون بمستوى الحث والترغيب ولا تتجاوز دائرة الاستحباب وهي بمجموعها تشكل الصيغة الاجتماعية للعلاقات الاسلامية داخل المجتمع المسلم.. وتشتمل هذه الصيغة على جانبين: جانب ايجابي وجانب سلبي فالجانب الايجابي من هذه الصيغة التشريعية يمثل مجموعة الاوامر والواجبات والحقوق المراد ايجادها عملياكما ان الجانب السلبي منها يمثل مجموعة النواهي والزواجر عن الممارسات المرفوضة.. وقد نظمت هذه العلاقات الاجتماعية بكلا شقيها الايجابي والسلبي بمنتهى الدقة والشفافية بحيث يمكن رؤية الدوافع والمنطلقات الكامنة وراءها بسهولة وقد اشربت هذه الرؤية بالروح الاخلاقية وبالوجدان الانساني ومزجت بالمشاعر والاحاسيس والعواطف وربطت هذه الشبكة من العلاقات بالعالم الاعلى وطبعت بالطابع الالهي المقدس (ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون)..
3- المجتمع الاسلامي الهادف: ان الكيان الاجتماعي الذي عنيت به الشريعة وحرصت على بنائه اريد له ان يتحرك باتجاه اهداف معينة لا ان يعيش الحياة الرتيبة في سبيل بناء نفسه والانكفاء على ذاته بل ارسيت دعائم الكيان الاسلامي على اساس الشعور بالمسؤولية والهدفية «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» وهذه الحقيقة تعبر عن عنصر قوة تنطوي على طاقة مذهلة لا يمكن التنبؤ بمدى الاشعاعات التي تتركها.. الا ان هناك مناطق حرجة قد تمر بها امتنا الاسلامية تقتضي بروزا وتجليا لهذه الحقيقة وهي المسؤولية والهدفية بشكل بين وواضح للعيان سيما ابان الازمات الصعبة التي قد تبتلى بها الامة داخليا او خارجيا فعندما تتعرض الامة الاسلامية لهزة مصيرية ترى الوجدان الاسلامي سرعان ما يستجيب لهذه الهزة بردة فعل مناسبة بل قد تكون احيانا فوق ما يتوقع تصديا وفاعلية.. فنحن نلاحظ حينما يتعرض بلد اسلامي ما الى عدوان وتجاوز من قبل معسكر الكفر فان الحس الاسلامي النبيل يبدا يتحرك وتنطلق المحاولات للمساهمة في صد ورد هذا العدوان والحضور الميداني للامة بقطاعاتها كافة في الوسط السياسي او الجهادي وهذا ما يجسد واقعيا البيان النبوي الشريف بان المسلمين كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. وبمقدار ما تدعونا هذه المواقف المسؤولة الى الامل والايمان بحياة الوجدان الاسلامي العام نتنبا في الوقت نفسه بمستقبل زاهر للامة الاسلامية ونتوقع المزيد من الحضور الميداني الفاعل في المجالات كافة طبقا لبرنامج وتخطيط دقيقين يكونان بموازاة الاحداث المحتدمة وعلى مستوى العالم الذي يغلي بالتطورات والمفاجات.. ولقد آن الاوان ان نتمثل الحالة المركزية والوحدوية بعيدا عن التصورات الموضعية والجزئية اذ انه ليس من العقلانية ولا من الرسالية في شيء ان نترك هذا الوجدان الاسلامي الجماهيري بيد المصادفات والانفعالات القلقة بل لابد من استثمار عنصر القوة هذا في امتنا من اجل تحقيق الحضارة الاسلامية المنشودة..
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا
من لدنك رحمة انك انت الوهاب)
دراسة استدلالية مقارنة على ضوء الفقه والقانون
آية الله السيد محمود الهاشمي
تعريف الاجارة على ضوء الفقه: الاجارة: تمليك عمل او منفعة بعوض. المناقشة الاولى: ما افاده بعض اساتذتنا الاعلام(ره) من ان المعنى المذكور انما هو فعل المؤجر حينما ينشئ الايجاب بقوله «آجرتك»، وهذا احد المعنيين للاجارة، والمعنى الاخر هو العقد المركب من الايجاب والقبول،والتمليك والتملك، وهذا التقسيم جار في البيع، بل في جميع المعاملات والعقود، وما هو موضوع للاثار من الصحة واللزوم ونحو ذلك انما هو المعنى الثاني، وهو المراد بهذه الاسامي، حينما ترد في كلمات الفقهاء بل وفي لسان الادلة، لا المعنى الاول((1)). والجواب: ان الاجارة في الاستعمالين الاخباري والانشائي بمعنى واحد، فان التمليك ايضا لايتحقق الا بفعل الاثنين، لان المراد منه التمليك العقدي، وبشكل عام اسماء المعاملات وعناوينها موضوعة للمسبب الحاصل بالتعاقد والاتفاق بين طرفين سواء اريد المسبب الشخصي او العقلائي او الشرعي فانها واحد مفهوما على ماحققناه في مبحث البيع، والاختلاف في منشا الاعتبار ومصدره، والموجب حينما يستعمل مادة بعت او آجرت ايضا يستعمله في نفس المعنى، باعتباره يحققه ويتسبب الى ايجاده بنفس الايجاب ولو في طول القبول، نظيرقوله «آمرك او انبئك» الذي يحقق فيه مادة الامر والانباء بنفس الفعل والانشاء غاية الامر يكون ذلك بفعل الواحدفي المثال وبفعل الاثنين في المقام، ولا فرق بينهما من هذه الناحية. والحاصل: ليس المقصود من التمليك بعوض التمليك الذي هو فعل الواحد، بل التمليك العقدي الذي يكون في طول الايجاب والقبول، ومتقوما بالتعاهد والتوافق بين الطرفين، سواء وقع عنوان البيع او الايجار في مقام الانشاء اوالاخبار، على ماحققناه في بحوث البيع من المكاسب. المناقشة الثانية: ما ذكره بعض المحققين من ان الاجارة ان كان بمعنى تمليك المنفعة لاقتضى ذلك اضافته اليها، فيقال: وفيه: ان هذا خلط بين مجالين، مجال المنشا المعاملي في باب الاجارة ثبوتا وانه التمليك للمنفعة او التسليط على العين وهما اعتباران مختلفان وهذا هو البحث عن حقيقة الاجارة كعقد من العقود وتعريفه فقهيا وقانونيا،ومجال آخر هو البحث عن مدلول مادة الاجارة لغة، وانه هل يكون بمعنى التمليك ام لا؟
والتعريف المذكور تعريف في المجال الاول لا الثاني، لوضوح
ان مادة الاجارة اللغوية لاتعني التمليك اصلا، لامطلق
التمليك ولا الحصة الخاصة منه - وهو تمليك المنفعة - كما
قيل في حل الاشكال المذكور، لوضوح ان الاجرلغة هو المكافاة
والثواب على عمل وفي قبال خدمة، ومنه «آجرك الله». فلابد
وان يضاف وتتعلق مادة الاجارة بالاعيان او الاشخاص، لان
الاجر والثواب يكون على عمل، اي في قبال خدمة شخص او
عين، وبهذا التفسيرلمفهوم الاجارة اللغوي يظهر امكان ارجاع
معنى هذه المادة في باب آجرتك او استاجرتك او استاجرت
الدار الى معنى واحد جامع في البابين، وهو جعله ماجورا
ومكافئا اي جعل اجر بازائه سواء كان في قبال خدمة شخص
اوعين خارجية، وان كان اللازم في الاعيان وجود طرف يملك
ذلك الاجر ويستحقه، وهو مالك العين، الا ان الاضافة والتعلق
بلحاظ مايكون الاجر في قبال خدمته لا من يملكه.
والمقصود انه لا ربط بين المسالتين، ولا ينبغي ان يستند في
تشخيص ما هو المنشا الاعتباري في موارد عقدالاجارة الى
كيفية استعمال مادة الاجارة لغة من حيث اضافته الى الاعيان
دون المنافع، فان هذه النكتة لغوية ادبية، بينما البحث الاول
بحث ثبوتي غير مربوط بلغة دون لغة، بل يرد حتى في الاجارة
المعاطاتية التي لالفظ فيهاولا استعمال اصلا. وعلى هذا
الاساس لابد من بحث ان حقيقة الاجارة هل هي تمليك
المنفعة او التسليط على العين للانتفاع مستقلا عن استعمالات
مادة الاجارة. المناقشة الثالثة: ما ذكره بعض اساتذتنا الاعلام(ره) وجعله عمدة الاشكالات، ان الاجارة قد تتحقق وليس في موردها تمليك للمنفعة، لانه لامالك لها، كما في استيجار ولي الوقف العام او الزكاة لان يكون من الغلات مثلا حيث لا مالك عندئذ لمنفعة الدار المستاجر لها، فلا تمليك في البين بل حال تلك المنفعة حال نفس الزكاة والوقف تصرف في سبيل الله.
واجاب عليه: ويلاحظ على ماذكره في مقام حل الاشكال بان ولاية الولي على التصرف لا تعني تملكه للمال الموقوف عليه حتى بوصفه العنواني وبما هو ولي، ومن هنا يكون بيع الولي للصبي او للمجنون لا لنفسه فهو ينشئ التمليك للمولى عليه من دون فرق في ذلك بين الولي العام او الخاص او الوقف العام اوالخاص.
فالحاصل: ليس الولي للوقف العام او الزكاة مالكا لا لهما ولا
لبدلهما لا بما هو شخص ولا بما هو ولي، وليست ولايته الا
بمعنى ملكه للتصرف القانوني في ذلك المال للمولى عليه لا
اكثر بحيث لو حصلت اضافة الملكية بين البدل وبينه ولو بما هو
ولي اوجب ذلك خروج الزكاة او الوقف عن حكم الوقف والزكاة،
فيجوز اعطاؤها للهاشمي مثلا وصرفه في غير مصرفه، وهذا
ممالا يمكن الالتزام به، بل لا دليل على صحة تصرف الولي
بتغيير جهة الاضافة في بدل الوقف او الزكاة جزما، فلو قصد
ذلك كان باطلا ايضا.
والصحيح في حل الاشكال ان يقال: وثانيا: ان الصحيح في باب الوقف العام والزكاة ايضا وجود جهة مالكة كشخصية قانونية عنوانية لا حقيقية خارجية من قبيل عنوان الفقراء او مصلحة الاسلام او الموقوف عليهم او غير ذلك، فيكون التمليك معقولا ايضابلحاظ تلك الجهة وليس الولي الا مجرد متصرف ومنشىء لتمليك البدل لتلك الجهة، فهو يملك التصرف لا الزكاة او الوقف او بدلهما. المناقشة الرابعة: ما افاده جملة من المحققين وهي مناقشة ثبوتية من ان المنفعة غير قابلة للمملوكية، اما لماتوهم من انها معدومة حال الاجارة والمعدوم لايملك، واما لان منفعة الدار سكناها، وهي عرض من اعراض الساكن لا الدار، فلا يمكن ان يكون ملكا لصاحب الدار((4)).
وفيه: ان المراد بالمنفعة مايكون شانا وفائدة في العين،
كصلاحية الدار للمسكونية، وهي قائمة بها لا بالساكن.كما ان
هذه الفائدة لها وجود خارجي بوجود منشا انتزاعه، اذ فرق بين
الدار الصالحة للانتفاع والدار غيرالصالحة خارجا، ولو فرض انه
لاوجود حقيقي لها خارجا كفى الوجود الاعتباري، لصحة تعلق
التمليك به،كالوجود الاعتباري للمال الذمي، وليس التمليك
من الاعراض الحقيقية كي يحتاج الى معروض حقيقي
في الخارج. المناقشة الخامسة: وهي مناقشة اثباتية لا ثبوتية، وحاصلها: ان المنفعة وان كان يعقل مملوكيتها ثبوتا الا ان الارتكاز العقلائي يابى عن ذلك اثباتا، بشهادة انهم لا يجعلون بازاء المنافع ملكية مستقلة عن الاعيان، فلا يكون للمالك مالان احدهما العين الخارجية والاخر منفعتها، كما انهم حين ينقلون العين من مالك الى آخر لا يرون ان ذلك يتضمن تمليكين، احدهما تمليك رقبة العين والاخر تمليك منفعتها، كيف والا لزم ان يكون البيع بيعا واجارة معا، او بيعا للرقبة فقط مع بقاء المنفعة على ملك مالكه، وهو كما ترى. فليس البيع الا تمليكا واحدا للعين، واماتملك منافعها فهي من احكام وآثار ملكية العين بالتبع، ومن هنا ذكر الفقهاء تبعية المنافع للعين في الملكية، بحيث من ملك العين باي سبب عقدي او غيره ملك منفعته قهرا، وهذا شاهد على ان المنفعة لا تلحظ عند العقلاء والشرع كمملوك مستقل عن العين، وانما مملوكية العين تعني حق الانتفاع بها والسلطنة عليها، فليس هناك الا مملوك واحد وهو العين عقلائيا، والمنفعة او الانتفاع تحت سلطان المالك من جهة ان السلطنة من آثار الملك.
وبهذا يعرف الوجه في انتقال بعض الفقهاء كالسيد اليزدي
الى التعريف الاخر، وهو ان الاجارة تسليط على العين من اجل
الانتفاع بها، فانه بعد ان لم تكن المنفعة مملوكة مستقلا
في النظر العرفي والعقلائي، وانما حق الانتفاع والسلطنة عليه
من احكام ملكية العين، فتارة: المالك ينقل ملكيته للعين الى
الغير وهذا هو البيع واخرى:ينقل سلطنته على الانتفاع بالعين
الى الغير، وهذا هو الاجارة.
وفيه: ان غاية مايثبته هذا التحليل ان المنفعة لم تجعل لها
الملكية عقلائيافي عرض ملكية الرقبة، لا ان المنفعة لاتجعل
لها الملكية حينما يراد التفكيك بينها وبين الرقبة في المالك،
والسر في ذلك ان الملكية المجعولة للرقبة حيث انها بمعنى
السلطنة المطلقة عليها فهي تتضمن ملكية المنفعة، فتكون
ملكية المنافع مندكة في ملكية الرقبة التي هي سلطنة مطلقة
ومن جميع الجهات، فلا حاجة مع جعل ملكية الرقبة بلا قيد
فيها الى جعل ملكية اخرى للمنفعة في عرضها، وهذا بخلاف ما
اذا اريد التفكيك بينهما في الطرف المالك، فانه يقتضي عندئذ
جعل الملكية للمنفعة ولحاظها مستقلا.
نعم، عقد الاجارة قد اخذ فيه لحاظ المنفعة وتمليكها مستقلا
وبشرط لا عن العين، ومن هنا لايصدق على البيع بيع وايجار لا
لغة ولا اصطلاحا كما لا يخفى.
وان شئتم قلتم بان ملك المنفعة شان من شؤن الملك
المطلق والسلطنة المطلقة على العين، ومن هنا لاتلحظ
ملكية المنفعة مع الملكية المطلقة للعين لانها مندكة فيها،
ومالك العين تارة ينقل تمام تلك السلطنة الى الغير وهذا
هوالبيع ونحوه، واخرى ينقل بعضها وشيئا منها وهو سلطنته
على المنفعة او حقه في الانتفاع بالعين فقط وهذا هوالاجارة،
وثالثة ينقل ملكه وحقه في الرقبة دون المنفعة للغير وهذا هو
بيع العين مسلوبة المنفعة.
واما تعريف الاجارة بالتسليط على العين فلا اشكال في عدم
ارادة التسليط والاستيلاء التكويني الخارجي بل يرادبه انشاء
السلطنة الاعتبارية للمستاجر، وحينئذ ان اريد به اعطاء
السلطنة المطلقة على العين فهي عبارة اخرى عن تمليك
العين، لان الملكية هي السلطنة المطلقة الاعتبارية، وهذا
خلف الاجارة.
وان اريد اعطاء السلطنة على المنفعة والانتفاع فقط لا
السلطنة المطلقة ومن جميع الجهات فهذا عبارة اخرى
عن تمليك المنفعة بناء على تعريف الملكية بالسلطنة
فيرجع الى التعريف الاول.
وان اريد اعطاء السلطنة بمعنى الجواز التكليفي او الجواز
الوضعي بمعنى نفوذ التصرفات قانونا والذي قد يعبرعنه بعدم
الحجر، فالسلطنة باحد هذين المعنيين حكم قانوني عقلائي او
شرعي، وليس مما يعتبره المتعاقدان وينشنه، نعم قد ينشن
موضوعه وهو الاذن والرضا بالتصرف للغير، فيكون جائزا تكليفا
او نافذا وضعا، الا ان هذا غير المنشا في باب الاجارة مطلقا، لانه
لا اشكال في كونها من العقود العهدية التي فيها نقل ملك او
حق الى الغير، فلابد وان يكون التسليط في الاجارة بمعنى
تمليك المنفعة، فيرجع الى التعريف الاول.
فالحاصل: التسليط اعم من التمليك للمنفعة ويتحقق في
عقود اخرى ايضا كالعارية المشروطة بعوض الا ان
يرادبالتسليط التمليك، فيرجع الى تمليك المنفعة بعوض.
وهذا هو الجواب الفني، لا ماذكره بعض اساتذتنا الاعلام(ره)
من ان التسليط يختص باجارة الاعيان، ولا يتم في اجارة
الاعمال((5))، اذ يرد عليه: اولا: امكان التفكيك بين الاجارتين في التعريف. وثانيا: لا يراد بالتسليط الاستيلاء الخارجي ليقال بعدم توقف استيفاء عمل الاجير على التسلط عليه، وانما المرادالاستيلاء والتسليط الاعتباري، وهو يعقل بل ثابت في حق الاجير ايضا، حيث يكون المستاجر مسلطا اعتبارا على الاجير بحمله على العمل الذي ينتفع به. المناقشة السادسة: قد يقال: ان هذا التعريف يشمل ما اذا باع شيئا بعوض هو منفعة شيء، كما اذا باع فرسه بمنفعة داره سنة مثلا او في قبال ان يخيط له ثوبه، فلا يقال انه ايجار بل بيع مع انه بلحاظ الثمن يصدق عليه انه تمليك المنفعة بعوض. والجواب: انه يشترط في الايجار ان تكون المنفعة او العمل ملحوظين كمعوض لا العوض، اي الطرف المقصودبالاصالة في التعاقد بين الطرفين، لا بما هو مال وعوض عن ماليته المعبر عنه بالثمن كما هو كذلك في عنوان البيع ايضا، فلا يصدق على ثمن الاجارة اذا كان عينا انه بيع لانه ليس مقصودا بالاصالة وبخصوصيته، وهذا يستفادمن تعريفهم بانه تملى المنفعة او العمل بعوض حيث يفهم منه ان المنفعة او العمل ملحوظان كمعوض لاكعوض.
كما ان المراد من التمليك التمليك العقدي اي الايجار عقد
ينشا فيه التمليك للمنفعة او العمل بعوض.
ومنه يعرف خروج ما اذا تملك المنفعة بغير عقد كالارث او
بايقاع كالوصية على القول بكونها ايقاعا.
كما انه ظهر انه من عقود المعاوضة، فخرج مثل عقد النكاح اذا
كان المهر منفعة او عملا. وهكذا يتضح ان التعريف المشهور
للاجارة من انه تمليك عمل او منفعة بعوض صحيح لا غبار
عليه. الاجارة على ضوء الفقه الوضعي:
ثم ان هنا امورا مهمة متعلقة بحقيقة الاجارة، تعرض لها الفقه
الوضعي، ينبغي الاشارة اليها ولو اجمالا وتمحيصها. الامر الاول:
الا ان الصحيح: ان المدة والزمان ليس مقوما ولا ركنا للاجارة،
حتى في اجارة الاعيان فضلا عن اجارة الاعمال،وانما قد يجب
تعيين المدة لدفع الغرر والمجهولية، كما اذا كانت المنفعة
زمانية من قبيل سكنى الدار، بخلاف ما اذاكانت المنفعة عملا
معينا كنقل البضاعة مثلا او الخياطة، او كان لها تحديد كمي لا
زماني كما في اجرة الحمام مثلا، فان الانتفاع به مقدر بالمرات
لا الزمان، وكما في اجارة الشجرة لثمرتها، او اجارة المركب
كالسيارة مثلا آحسب مقدار مسافة السير به، وهكذا.
وهذا يعني ان الزمان والمدة قد يكون دخيلا في بعض الموارد
في تحديد مقدار المنفعة المستحقة بالاجارة،فيكون تعيينه
شرطا في الصحة لا ركنا مقوما للانعقاد، بل حاله حال اشتراط
معلومية مقدار المبيع والثمن الذي هو شرط في صحة البيع
ايضا ودفع غرريته، وليس مقوما لحقيقته.
وبهذا يعرف ان اعتبار الاجارة مطلقا من العقود الزمانية
المؤقتة كما صنعه الفقه الوضعي في غير محله، وانما قديكون
الزمان دخيلا في تحديد مقدار المنفعة.
نعم، الايجار حيث انه تمليك للعمل او المنفعة وهما تدريجيان
من هنا يصح ان يقال: ان عقد الايجار يختلف عن البيع ونحوه
في انه تدريجي لا فوري الا ان هذا غير اخذ الزمان المعين قيدا
في تعريف الاجارة. الامر الثاني:
وقد وقع البحث بينهم بعد ذلك في ان الحق والالتزام الشخصي الناشىء بالاجارة سلبي او ايجابي؟ اي ان ماتعهدبه
المؤجر هل هو اداء عمل وهو جعل المستاجر ينتفع بالعين
فيكون ايجابيا، او الامتناع عن عمل، اي ترك العين للمستاجر
لينتفع بها فيكون سلبيا؟ وهذا الخلاف اشبه ان يكون لفظيا، اذ
لا يراد بترك العين الا التمكين ورفع الموانع، وهو المراد بجعل
المستاجر ينتفع لا الاجبار الخارجي له على ذلك. والمهم ملاحظة اصل المطلب، وهو ان مفاد عقد الايجار وما ينشا منه هل هو الحق والالتزام العيني او الشخصي ؟فانه قد يترتب على ذلك آثار مهمة كما سوف يظهر، فلابد من تحليل الارتكازات العقلائية والتامل فيها لنرى هل تساعد على التفسير المقدم من قبل الفقه الوضعي لحقيقة الاجارة ام لا؟ والصحيح: ان هناك عدة منبهات على ان الالتزام الناشيء من عقد الايجار عيني لا شخصي وقد شرحنا مصطلح الحق العيني والشخصي والفرق بنيهما في بحث نظرية العقد العامة: منها: انه بناء على كون الحق عينيا يملك المستاجر منفعة العين، فيمكنه ان ينقلها الى شخص ثالث بايجار آخربلا اشكال لو لم يكن قد اشترط عليه المباشرة في الانتفاع بخلاف ما اذا قلنا بان الحق شخصي وليس عينيا، فانه عندئذ نواجه صعوبة في كيفية تخريج نقل هذا الحق الشخصي الى الشخص الثالث، فان الحق الشخصي متقوم بالشخص الطرف للحق بحيث بتغير الطرف بتغير الحق ويكون حقا آخر مباينا مع الاول.
وقد حاول الفقه الوضعي تصوير ذلك على اساس انه ايجار
لنفس الحق الشخصي، فالمستاجر الاول يلتزم للمستاجر الثاني
ان يمكنه من الانتفاع بحقه الشخصي على المؤجر الاول. وهذا
يجعل متعلق الايجار الثاني هوالحق بحسب الحقيقة لا العين،
او قل الانتفاع بالحق الشخصي لا بالعين، وهو على خلاف
الارتكاز العقلائي الذي لايرى فرقا بين الايجارين من حيث
تعلقهما بمنفعة العين على حد سواء، بل فكرة ايجار الحقوق
الشخصية اوالعقد عليها فكرة غير عرفية بنفسها. نعم يمكن
فرض ان الايجار الثاني تعهد والتزام شخصي من قبل
المستاجرالاول بتمكين المستاجر الثاني من الانتفاع بالعين،
الا ان هذا يجعل الايجار الثاني مستقلا عن الاول وغير
متوقف على تحققه وصحته، وهذا ايضا على خلاف الارتكاز.
ومنها: انه بناء على كون الحق الناشىء شخصيا لا عينيا، لو
فرض ان المؤجر او غيره منع العين عن المستاجرمدة من
الزمن لم يضمن له قيمة منفعة العين في تلك المدة، لان
المنفعة لم تكن للمستاجر، وانما كان له حق على المؤجر ان
يمكنه من الانتفاع ولم يمكنه، فلابد من القول ببطلان الاجارة
مثلا او حق فسخها من دون وجه عقلائي لضمان قيمة المنافع
الممنوعة للمستاجر، لعدم كونها راجعة اليه، وعدم كون الحق
الشخصي الذي فات بما هوحق مالا له قيمة سوقية، او كون
ذلك على الاقل تحليلا عقلائيا متاخرا لم يكن ثابتا وواضحا
سابقا، مع ان الاجارة من العقود الواضحة الراسخة في التاريخ
البشري منذ البداية وقبل تطور التقنينات العقلائية القانونية.
وهذا بخلافه على القول بان الحق الناشىء بعقد الايجار عيني
وهو ملك المنفعة، فانه عندئذ يكون الضمان للمستاجر على
القاعدة، حيث اتلف على المالك ماله فيضمن قيمته السوقية،
وقد تكون اكثر من الاجرة المسماة. فاذا استظهرنا ان الارتكاز
العرفي حاكم بالضمان كان ذلك منبها آخر على عدم صحة
التفسير الوضعي لعقدالايجار.
ومنها: اذا فرض للمنفعة المستقبلية وجود عيني، كما في
اجارة الشجر لثمرتها او الشاة للبنها، فبناء على كون الحق الناشىء بالاجارة شخصيا لا عينيا لو منعه المالك ولم يمكنه
من الانتفاع بقيت المنافع الحاصلة من الثمر اواللبن على ملك
المالك، وكان للمستاجر فسخ الاجارة او الضمان لقيمة الحق
الشخصي المذكور لا تملك اعيان الثمر واللبن، وهذا بخلافه
على القول الاخر فانه مالك لها ويكون المؤجر ضامنا لها
ولقيمتها على تقدير التلف للمستاجر، وهذا هو المطابق مع
الارتكاز العقلائي ايضا.
ومنها: ان الحق الشخصي يختلف عن الحق العيني في ان
متعلقه من نوع الاعمال والافعال بخلاف الحق العيني،وعلى
هذا الاساس لايشترط في صحة التعهدات والالتزامات
الشخصية اكثر من القدرة على اداء ذلك الفعل خارجا، واما
التعهدات العينية فيشترط في صحتها زائدا على ذلك ان يكون
متعلق الحق العيني موجودا ومملوكاله وتحت سلطانه بالفعل،
ولا يكفي فيه مجرد القدرة على ايجاده او تملكه، واذا اتضحت
هذه النكتة فنقول: اذافرض ان الاجارة كانت من عقود الادارة،
والتي لاينشا منها الا الحق الشخصي والتعهد بتمكين
المستاجر من الانتفاع امكن للمؤجر ان يؤجر العين ثانية لغير
المستاجر الاول، فيما اذا كان قادرا على فسخ الاجارة الاولى،
اوكان قادرا على ارضاء المستاجر الاول بتمكينه من العين لكي
يعطيها للمستاجر الثاني مدة معينة، مع ان الارتكازالعرفي
والعقلائي يرى بطلان الاجارة الثانية اذا صحت الاجارة الاولى،
وانه لا موضوع للثانية مع الاولى، وليس هذا الا من اجل ان
متعلق الايجار نقل ملكية المنفعة، وهو فرع تملكها، فاذا ملكها
بعقد الايجار للغير فلا موضوع لايجار العين ثانية لمستاجر ثان،
كما هو واضح.
ومنها: ارتكازية ان التعهدات الشخصية انما تقع وتكون في
الموارد التي يطلب فيها نفس الفعل من المتعهد،كالكفالة التي
يكون المطلوب فيها نفس احضار المدين لا اكثر.
ومن الواضح انه في باب الاعيان والاموال سواء كان الغرض
متعلقا برقباتها او منافعها يكون الغرض حصول الحق فيها، وان
فعل التمكين من المؤجر لايطلب بنفسه وبما هو فعل، وانما
يطلب بما هو استطراق لتحصيل ذلك الحق، ومن هنا لو كانت
العين تحت يد المستاجر من اول الامر فلا يحتاج الى تمكين
اصلا، لوجود التمكن، فتمام المقصود حصول حق في الانتفاع لا
في فعل التمكين، بل مجرد التعهد بفعل التمكين لايوجب ان
يكون الانتفاع جائزا لو لم يفترض وجود حق عيني له في
مورده، وهذا هو معنى لزوم وجود حق عيني في البين في هذه
المواردبقطع النظر عن التعهد والحق الشخصي.
وبهذا يعرف الجواب على ماقد يقال: بانه حتى اذا فرضنا ان
الارتكاز العرفي في باب الاجارة يقضي بكونها منشاءللحق
العيني اي نقل ملكية المنفعة، الا انه ما المانع من صحة العقد
على التعهد الشخصي ايضا في مورده، وليكن عقدا جديدا لا
يسمى بالاجارة، اي من العقود غير المسماة ويكون مشمولا
لعمومات الصحة والنفوذ. وحاصل الجواب: ان المطلوب في المقام حصول حق في الانتفاع بالعين وهو لايحصل بالالتزام المذكور، نعم لوفرض ان انسانا كان مالكا لعين او لمنفعتها، وكانت العين تحت يد غاصب بحيث لا يتمكن المالك من الانتفاع بها، وكان يمكن لشخص ان يمكنه من ذلك ويدفع عدوان الغاصب عنه، امكن التعاقد على ان يتعهد ذلك الشخص بدفع الغصب والعدوان وتمكين المالك من ملكه عينا كان او منفعة خارجا، فيكون نظير عقد الكفالة او الضمان بمعنى العهدة. ولا باس بالقول بصحته ولزومه، ويمكن تخريجه على اساس انه اجارة على عمل دفع الغصب والعدوان المطلوب بنفسه هنا فانه عمل محترم عقلائيا وشرعا.
ومن مجموع ما ذكرناه يظهر ان الالتزام بكون الايجار ينشا منه
الحق الشخصي لا العيني، وانه من عقود الادارة لاالتصرف في
باب الايجار على الاعيان غير تام جزما.
واما في باب الايجار على الاعمال، فما يذكره الفقه الوضعي من
ان الايجار ينشا منه حق شخصي معقول في نفسه، الا ان الفقه
الاسلامي درج على تحويل الحقوق والالتزامات الشخصية
الحاصلة في باب العقود الى حقوق عينية، فجعلوا الايجار على
عمل كالخياطة مثلا راجعا الى تمليك العمل الذي هو حق
عيني، فيملك المستاجراولا عمل الاجير، بمقتضى العقد ثم
يجب عليه في طول ذلك الوفاء به، فنفس العمل مملوك للغير
ومتعلق للحق العيني، ودفعه والوفاء به حق شخصي متفرع
عليه. وهذا تماما عكس ماصنعه الفقه الوضعي من جعل المهم
في العقود والالتزامات الحقوق الشخصية، حتى انه فسر الايجار
في الاعيان بذلك ايضا، وجعل الحقوق العينية في طول الحقوق
الشخصية.
وقد يترتب على تحديد محتوى الاجارة على الاعمال، وانه هل
يحصل منها حق عيني، كما هو ظاهر كلمات الفقه الاسلامي،
حيث عبروا عنه بتمليك العمل بعوض، او لايحصل الا حق
شخصي، كما هو صريح الفقه الوضعي،بعض الثمرات العملية.
ولعل من اهم تلك الثمرات انه على القول بحصول الحق
العيني والملك للعمل يحق للمستاجر ان يطالب الاجيربقيمة
العمل اذا لم يقم به بالنحو المقرر، لانه فوت عليه مالا مملوكا
له، فتشمله ادلة الضمان، بخلاف ما اذا لم يكن الا الحق
الشخصي، فانه يوجب انفساخ الاجارة ورجوع اجرة المسمى الى
مالكه وهذا هو فتوى المشهور على ماسياتي في محله فيكون
نظير ما اذا اشترط عليه ضمن عقد لازم فعلا من الافعال، فانه
لو لم يف بشرطه لايكون ضامنا لقيمة ذلك العمل رغم وجود
الحق الشخصي، نعم لو قلنا ان التعهد بفعل يستلزم الضمان
لقيمته على تقدير التخلف لم تثبت هذه الثمرة بين التفسيرين،
الا ان الاستلزام المذكور لايخلو من اشكال، كما انه اذا قلناان
تفويت نفس الحق الشخصي الذي له مالية موجب للضمان
فيكون مضمونا عليه بقيمته لامحالة لم يبق فرق بين
المسلكين ايضا.
هذا كله اذا كان التعهد بالقيام بالعمل بنحو شخصي لا مااذا
كان التعهد بمطلق العمل الاعم من ان يصدر منه اوغيره، فانه
عندئذ يكون متمكنا من ادائه عن طريق الغير وتحمل اجرته،
وليس هذا من الضمان بل من الوفاء كمالايخفى.
فالحاصل: الفتوى المشهورة من القول بالانفساخ يكون تفسيره
على اساس المسلك المختار في الفقه الوضعي ايسر واوضح،
بخلافه على المسلك المختار في الفقه الاسلامي حيث يصعب
تفسيره.
وقد يؤيد مايقول به الفقه الوضعي من عدم حصول اكثر من
الحق والالتزام الشخصي في الايجار على الاعمال، ان الملكية
والحق العيني انما يتعقلها ويعتبرها العقلاء والعرف في باب
الاموال التي هي الاعيان ومنافعها الخارجية لا اعمال الانسان
ومنافعه، فانها تناسب العهدة والمسؤولية والالتزام لا الملكية.
ولهذا لا يقال ان القادر على العمل مالك لاموال كثيرة بخلاف
المالك للاعيان ومنافعها، وليس هذا من جهة اللغوية بالنسبة
لشخص العامل كما في المال الذمي بالنسبة للانسان نفسه
باعتبار خارجية العمل، بل لعدم صدق المال على العمل قبل
تحقق نتيجته في الخارج، فان جزمنا بذلك فلا يصح عطف
العمل على المنفعة في تعريف الاجارة، بل يكون الايجار على
العمل بمعنى انشاء التعهد بالعمل، اي حقا شخصيا لا عينيا.
والمسالة بحاجة الى مزيد بحث وتامل. الامر الثالث:
ثم قسم العقد على العمل الى العقد الوارد على العمل في ذاته
والعقد الوارد على العمل باعتبار نتيجته، فسمى الاول بعقد
المقاولة والثاني بعقد العمل. وقد ذكروا في وجه هذا التمييز،
بانه في عقد المقاولة لايكون العامل تحت اشراف رب العمل
وادارته، بل يعمل مستقلا طبقا لشروط العقد المبرم، ومن ثم
لايعتبر المقاول تابعا لرب العمل،ولا يكون هذا الاخير مسؤولا
عن المقاول مسؤولية المتبوع عن التابع، بخلاف عقد العمل،
فالعامل يخضع فيه لادارة رب العمل واشرافه، سواء كان يؤجر
بمقياس مقدار الوقت او كمية الانتاج، ولا يعمل مستقلا عن
رب العمل، بل يتلقى تعليماته منه وعليه ان ينفذهافي حدود
العقد المبرم بينهما، ومن ثم يعتبر العامل تابعا لرب العمل،
ويكون هذا الاخير مسؤولا عنه مسؤولية المتبوع عن التابع.
ومن هنا نرى ان المقاول يدفع ثمن استقلاله عن رب العمل، اذ
لا يتمتع بالمزايا الكثيرة التي يمنحها القانون للعامل، والتي هي
نتيجة تبعية العامل لرب العمل((8)).
وهذا التقسيم اذا اريد به مجرد تفصيل احكام كل صنف من
هذه الاصناف الثلاثة للايجار، اعني اجارة الاشياءوالعمل
والمقاولة، حيث قد يختص بعض الاحكام والاثار ببعض هذه
الثلاثة دون بعض فلا باس به. وقد وقع نظيره في فقهنا ايضا،
حيث فصل كتاب الصرف والسلم عن البيع مع انهما من اقسام
البيع، لما لهما من الاحكام الخاصة.
واما اذا اريد انها عقود ثلاثة متباينة فيما بينها كالتباين بين
عقد الايجار والبيع فهو غير صحيح بالنحو المذكور،لان
الميزان في التباين بين العقود هو اختلاف سنخ المضمون
الذي يلتزم به او يعتبره المتعاقدان، ولا يكفي مجرد الاختلاف
في بعض الاحكام والاثار القانونية المترتبة عليه في تعدد العقد،
اذ قد يكون ذلك الاثر المختلف والمتفاوت فيه من خصوصيات
مورد العقد ولوازمه، كما في الاجارة للعمل الكلي والاجارة
على العمل الخارجي او الاجارة على عمل يقوم بشخص الاجير
اي مباشري او الاعم منه ومن عمل غيره، مع كون المضمون
الاعتباري الملتزم به معامليا فيها جميعا مضمونا واحدا،
فالمقاولة وعقد العمل لا فرق بينهما من حيث ما هو
المضمون المعاملي والالتزام الناشىء من العقد، وانما الاختلاف
في ان متعلقه قد يكون العمل بما هو وقد يكون نتيجته. كماانه
لا فرق من هذه الناحية بين اجارة الاعيان او المنافع بعد فرض
انهما معا ينشا فيهما الحق العيني او الشخصي،واهتمام القانون
بعمل العامل وحمايته في قبال المستاجر بخلاف الاجارة
للاعيان لا يوجب فرقا في حقيقة العقد،وانما هي من الفروق
القانونية والحكمية التابعة لسنخ عقد واحد على اساس مصالح
خاصة. نعم، لو قبلنا ما اشرنا اليه فيما سبق من ان المضمون ومحتوى الالتزام في اجارة الاعيان تمليك المنفعة اي الحق العيني وفي اجارة الاعمال التعهد بالعمل اي الحق الشخصي امكن اعتبارهما عقدين متباينين، لان المنشاالمعاملي في احدهما غير المنشا في الاخر في نفسه ومع قطع النظر عن مورد العقد.
القواعد الشرعية والقانونية والاخلاقية الاستاذ الشيخ عباس الكعبي
تعريف الشريعة وما يشابهها من المصطلحات الدينية:
1- في اللغة:
قال الراغب في المفردات: الشرع نهج الطريق الواضح، يقال:
شرعت له طريقا، والشرع مصدر ثم جعل اسما
للطريق النهج، فقيل له شرع وشرع وشريعة، واستعير ذلك
للطريقة الالهية قال: شرعة ومنهاجا الى ان قال: قال بعضهم:
سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء. وعلق على ذلك
العلا مة الطباطبائي في الميزان، بقوله((9)): لعل الشريعة
بالمعنى الثاني ماخوذ من المعنى الاول لوضوح طريق الماء
عندهم بكثرة الورود والصدور.
ولو تصفحنا سائر كتب اللغة((10)) لعرفنا: انما في الاصل تطلق
على الطريق الظاهر الذي يوصل منه الى الماء، وتطلق على
مورد الشاربة الذي يشرعه الناس، اي ينحدرون اليه فيشربون
منه ويستقون، والعرب لا تسمي ذلك الموضع شريعة حتى
يكون عدا لا انقطاع له، ويكون ظاهرا معينا لا يسقى بالرشاء،
وهي مشتقة من التشريع،وهو ايراد الابل شريعة لا يحتاج معها
الى نزع بالعلق ولا سقي في الحوض، فيقال في المثل: اهون
السقي التشريع».
2- في المصطلح القرآني:
في مصطلح القرآن: الدين والشريعة والملة بمعنى واحد مع
فرق ان الدين اعم والشريعة، والملة بمعنى واحد مع الفرق
بينهما بالعناية: فالشريعة هي الطريقة الممهدة لامة من الامم
او لنبي من الانبياء الذين بعثوا بها، كشريعة نوح وابراهيم
وشريعة موسى وشريعة عيسى وشريعة محمد(ص)، والدين هو
السنة والطريقة الالهية العامة لجميع الامم، فالشريعة تقبل
النسخ دون الدين بمعناه الوسيع، وهناك فرق آخر فان الدين
ينسب الى الواحدوالجماعة كيفما كانا لكن الشريعة لا تنسب
الى الواحد الا اذا كان واضعها او القائم بامرها يقال: دين
المسلمين ودين اليهود وشريعتهم ويقال: دين الله وشريعته
ودين محمد(ص) وشريعته ويقال دين زيد وعمروا، لكن لا
يقال شريعة زيد وعمروا ولعل ذلك لما في لفظ الشريعة من
التلميح الى المعنى الحدثي، وهو تمهيد الطريق ووضعه،فمن
الجائز ان يقال: الطريقة التي مهدها الله او الطريقة التي مهدت
للنبي او للامة الفلانية دون ان يقال: الطريقة التي مهدها الله او الطريقة التي
مهدت لزيد اذ لا اختصاص له بشيء.
وكيف ما كان فالمستفاد منها ان الشريعة اخص معنى من
الدين. ويفيد قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا
والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى
وعيسى)((11))، ان شريعة محمد(ص) المشروعة لامته هي
مجموع وصايا الله سبحانه لنوح وابراهيم وموسى وعيسى(ع)
مضافا اليها ما اوحاه الله الى محمد(ص)وهو كناية اما عن كون
الاسلام جامعا لمزايا جميع الشرائع السابقة وزيادة، او عن كون
الشرائع جميعا ذات حقيقة واحدة بحسب اللب وان كانت
مختلفة بحسب اختلاف الامم في الاستعداد كما يشعر به او
يدل عليه قوله تعالى: (ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)((12)).
اما الملة: فهي السنة الحيوية المسلوكة بين الناس، وعندما
يقال الملة الاسلامية فالمراد هو السبيل الذي مهده اللهتعالى
لسلوك الناس اليه، والملة تطلق عليها لكونها ماخوذة عن الغير
بالاتباع العملي، ومن هنا فانها لا تضاف الى الله فيصح ان نقول
دين الله او شريعة الله ولا يقال ملة الله.
وتضاف الى النبي مثلا من حيث انها شريعته وسنته او الى الامة
من جهة انهم سائرون مستقون به قال تعالى:(ملة ابراهيم
حنيفا وما كان من المشركين)((13))، وقال تعالى حكاية عن
يوسف(ع): (اني تركت ملة قوم لايؤمنون بالله وهم بالاخرة هم
كافرون واتبعت ملة آبائي ابراهيم واسحاق ويعقوب)((14))
وقال تعالى حكاية عن الكفار في قولهم لانبيائهم: (لنخرجنكم
من ارضنا او لتعودن في ملتنا)((15)).
فقد تلخص ان الدين في عرف القرآن اعم من الشريعة والملة
وهما مترادفان مع فرق ما من حيث العناية اللفظية((16)).
3- في المصطلح الكلامي والفقهي:
على ضوء المصطلح القرآني يمكن لنا ان نقول في بيان
المصطلح الكلامي للدين: بانه مجموعة المعارف
الالهية النظرية والمناهج الاخلاقية القيمية والاداب العامة
والاحكام الشرعية العملية((17)).
ومن هنا صح ان نقسم التعاليم الدينية الى ثلاثة اقسام:
والشريعة يقصد بها في اصطلاح الفقهاء: مجموعة الاحكام
الشرعية التي سنها الله لعباده والتي بلغت عن طريق الرسل،
وتحتوي من الاحكام ما ينظم علاقة الانسان بنفسه وعلاقة
الانسان بربه ثم علاقته باخيه الانسان وبالجماعة التي يعيش
فيها. فالشريعة نظام عام شامل يتناول كافة جوانب الحياة
الانسانية. والشريعة الاسلامية: عبارة عن مجموعة الاحكام والانظمة والقواعد الشرعية التي شرعها الله عزوجل وارتضاهالعباده، والتي بلغت بواسطة خاتم الانبياء محمد بن عبد الله(ص).
المبحث الاول مقارنة خصائص قواعد الشريعة وقواعد القانون
¨
من ناحية تنظيم السلوك الاجتماعي: أولا- كلاهما ينظمان السلوك الاجتماعي للانسان بالتقييم والتوجيه باصدار احكام قيمية وفق تصور معين،والقضاء على تصرفات الانسان بالسلب او الايجاب سواء عن طريق الضغط او التخيير او التوصيف الاجتماعي كما مر، مع فارق الخلاف بين علماء القانون على اطلاق الصفة التكليفية او الفرضية للقواعد القانونية على ماوضحناه. ثانيا- في القواعد القانونية دائرة التخيير الاجتماعي، تتمثل في منطقة واحدة هي منطقة عدم الاهتمام الاجتماعي من ناحية المشرع، ويكون الفعل والترك فيها سواء، بينما نجد ان القواعد الشرعية تقسم دائرة التخيير هذه الى مستحب ومكروه ومباح، فالمستحب والمكروه هو على حد توصيات قانونية في مطلوبية الفعل المستحب ومبغوضية الفعل المكروه بنحو غير الزامي، واتيان المستحبات واجتناب المكروهات يؤثر بشكل بارز في بناءشخصية الفرد وكيان المجتمع المادي والمعنوي بما يسهل عليه تنظيم السلوك الاجتماعي متناسبا مع اهداف المشرع الاسلامي، والمفروض ان كل ما هومطلوب للشارع يؤثر في الكمال والقرب الى الله، وتوجد فيه مصلحة واجبا كان او مستحبا، وكل ما هو مبغوض للشارع يبعد الانسان عن دائرة الايمان والتقوى حراما كان اومكروها.
وبعبارة اخرى على ما في علم الاصول يمكن تقسيم الاحكام
التكليفية كالقدماء الى اقتضائية وتخييرية، والمرادمن
الاقتضائية: ما يكون له اقتضاء للفعل او الترك فيشمل الوجوب
والحرمة والاستحباب والكراهة، والمراد من التخييرية: ما ليس
له اقتضاء ورجحان من حيث الفعل والترك وهي المباحات
كما يطلق في لسانهم على المستحب والمكروه والمباح معا
المباحات بالمعنى الاعم، ويطلق على الترخيص من دون
رجحان للفعل او الترك المباح بالمعنى الاخص.
وربما يتساءل عن قانونية المباحات بمعنى الاخص، وقد اجبنا
فيما سبق بان الاباحة ايضا تقنين للسلوك،ونضيف هنا ان
المقنن تارة ينشئ القانون على نحو الالزام الوجوبي او
التحريمي وتارة ينشئ الجوازوالترخيص، ومن هنا فان الاباحة
فعل وجودي، مثال ذلك: ورود المتاع الفلانية جائز من هذا
التاريخ، وهذا ليس مجرد رفع المنع السابق، بل انه انشاء جديد
وحكم وجودي في مقابل حكم وجودي سابق، لا فسخه
ونسخه فقط((20)). |