ثالثا-
«الاسلام كما يقول العلا مة الطباطبائي في تفسير
الميزان
((21)) اجتماعي بجميع شؤونه، فالشريعة الاسلامية
توظف جميع قواعدها بجميع ابعادها الفردية والاجتماعية لبناء
المجتمع الاسلامي، والعمران المادي والمعنوي بما لا نجده
في الشرائع الاخرى او القواعد القانونية الوضعية، فنظام
العبادات ليس منفصلا عن الحياة، وانه الى جانب البعد الغيبي
يعطي دافعا روحيا لبناء صرح الحضارة الاسلامية الشامخة،
وحيوية منقطعة النظير للانسان المسلم الملتزم بقواعد
الشريعة.
فالصلاة مع انها تنظم علاقة الانسان بربه الا ان فيها منظورا اجتماعيا ايضا، لذلك
يستحب اقامتها جماعة، وتجب في كل اسبوع مرة جماعة، وفي الجماعة المستحبة جرت السنة
على ادائها بالاجتماع، وقد قال رسول الله(ص) في قوم من
المسلمين تركوا الحضور في الجماعة: ليوشك قوم يدعون
الصلاة في المسجد ان نامر بحطب فيوضع على ابوابهم فتوقد
عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم((22)).
واما الصوم فتمامه مقرون بعيد الفطر، وكذلك بزكاة الفطرة
التي هي للصوم بمنزلة الصلاة على محمد وآل محمد في
الصلاة، فالصوم من دون زكاة الفطرة كالصلاة من دون
الصلوات تبقى ناقصة وبتراء، والحج مع مافيه من اجتماع
فتمامه بعيد الاضحى وهكذا في جميع التشريعات الاسلامية
وهذا ما لا نجده في القواعد القانونية الوضعية. والقرآن في مجال ذمه للذين يفصلون بين الاعتقاد او العمل ببعض القواعد الشرعية دون الاخرى يقول تعالى: (افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)((26))، كما يقول تعالى: (الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسئلنهم اجمعين عما كانوا يعملون فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين)((27))، قوله تعالى: عضين اي فرقه اجزاءواعضاء، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقوله تعالى: فاصدع بما تؤمر: اي اعلن واظهر تبليغ الرسالة، والشريعة بكاملها تعتبر بعض الرسالة التي يجب العمل بكاملها، فان العبادة ( Worship) هي الامتثال بقصد التقرب به الى الله تعالى، هي بعض هذه القواعد الشرعية، ولا يمكن حصر القواعد الشرعية بالعبادة بهذا المعنى فقط، ومن غيرالصحيح ايضا فصلها عن سائر القواعد الشرعية والاكتفاء بالقواعد الشرعية الاجتماعية، فالشريعة كل مترابط متكامل الاجزاء.
ومن هنا فاطاعة الله عن طريق العبادة من القواعد القانونية
الالزامية في الاسلام، ويجب على الدولة الاسلامية الاهتمام
بامرها قال تعالى: (الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة
وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)((28))، ولذلك
نجد مؤسسة حكومية ك «الشورى المركزية لتنظيم السياسات
العامة لاقامة صلاة الجمعة» او «مركز اقامة الصلاة ونشر الوعي
فيما يتعلق بها وباحكامها واقامتها في الدوائر
الحكومية والمدارس والمعسكرات والمصانع والمرافق العامة» او
لجنة «اقامة الزكاة»، وهكذا دوائر الامر بالمعروف والنهي عن
المنكر او منظمة الحج والاوقاف وامثال ذلك في الجمهورية
الاسلامية، وقوننة العبادات في الحكومة والقرارات الحكومية
في هذا الشان ليست قليلة بما تكفل احترام هذه القواعد،
وفقهيا لو امتنع الناس عن الحج فعلى الحاكم ان يجبرهم على
ذلك وعلى الاقامة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، واقامة
صلاة الجمعة بنصب من الحاكم، ولو ثبت ترك الصلاة وامثالها
من العبادات في المحكمة الشرعية للحاكم الشرعي ان يعزره
لتركها.
بقي علينا ان نشير الى امر هو في غاية الخطورة في مسالة
العبادات: اذ يمكن تصنيف سلوك الانسان الى قسمين: أ- التلاحم بين الفرد والدولة:1- الحرص على خدمة الشعب، 2- ورفع العنت والمشقة عنهم. 3- والرافة، 4- والرحمة بهم. (لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)((29)).
ومن آثار هذه الرافة المباركة والرحمة الكريمة النبوية نجد
وللاسف الشديد حرمان بعض الامة عن قبول ما جاءبه كما قال
الله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا
الحديث اسفا)
((30))، وقال تعالى مسليا لرسوله(ص): (فلا
تذهب نفسك عليهم حسرات)
((31))، ونجد هذه
الخصائص تماما يوصي بها امير المؤمنين(ع)مالك الاشتر حين
ولا مصر وقال: «واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم
واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم فانهم
صنفان: اما اخ لك في الدين، او نظير لك في الخلق»((32)).
وجاء في كلام لمعاذ بن جبل: «آخر ما اوصاني به رسول
الله(ص) حين وضعت رجلي في الغرز ان قال: احسن خلقك
للناس يا معاذ بن جبل»((33)).
ومن جانب الفرد: اذا كانت هذه صفات الدولة فما يكون من
المواطنين الا الطاعة والمحنة والمحبة والتكاتف مع الحكومة،
يقول الله تعالى: (انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله واذا
كانوا معه على اءمر جامع لم يذهبوا حتى يستاءذنوه ان الذين
يستاءذنوك اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فاذا استاءذنوك
لبعض شاءنهم فاءذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ان الله
غفور رحيم)((34)) وبكلمة جامعة في تبيين العلاقة الرصينة
بين الدولة والمواطن على اساس قواعد الشريعة لتنظيم
السلوك الاجتماعي، يقول مولانا امير المؤمنين علي بن ابي
طالب(ع): «واعظم ما افترض الله سبحانه من تلك الحقوق، حق
الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي. فريضة فرضها
الله سبحانه لكل على كل فجعلها نظاما لالفتهم وعزا لدينهم،
فليس تصلح الرعية الا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة الا
باستقامة الرعية. فاذا ادت الرعية الى الوالي حقه وادى الوالي
اليها حقها، عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين،واعتدلت
معالم العدل وجرت على اذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان
وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الاعداء،واذا غلبت الرعية
واليها او اجحف الوالي برعيته، اختلفت هناك الكلمة وظهرت
معالم الجور وكثر الادغال في الدين وتركت محاج السنن،
فعمل بالهوى وعطلت الاحكام وكثر علل النفوس، فلا
يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك
تذل الابرار وتعز الاشرار وتعظم تبعات الله سبحانه عند العباد،
فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه»((35)).
ب- التلاحم بين آحاد المجتمع بعضهم لبعض:
ويقول مولانا امير المؤمنين(ع) على ما في النهج، الخطبة
127: «فان يد الله مع الجماعة واياكم والفرقة فان الشاذ من
الناس للشيطان، كما ان الشاذ من الغنم للذئب، الا من دعا الى
هذا الشعار فاقتلوه وان كان تحت عمامتي هذه».
وقال تعالى: (انما المؤمنون اخوة، فاصلحوا بين
اخويكم)((43)). وتصنع الشريعة الاسلامية بقواعدها
مجتمعامتعاضدا متماسكا متراصا، قال عنه الرسول
الاكرم(ص): «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا».
وقال(ص): «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
مثل الجسد، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرالجسد بالسهر
والحمى».
وقال(ص): «المسلمون كرجل واحد ان اشتكى عينه اشتكى
كله، وان اشتكى راسه اشتكى كله».
من خلال هذا البنيان المرصوص التي صرحت به هذه النصوص
المستقاة من مصادر الشريعة (الكتاب والسنة)،تتحقق العزة
والعظمة للانسان المؤمن فردا وجماعة، حاكما ومحكوما، كما
قال الله تعالى: (فالله العزة ولرسوله وللمؤمنين)، وقال تعالى:
(ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين)((44)).
ونجد هذه الابعاد الحيوية بين الفرد والدولة وآحاد المجتمع
فيما بينهم قد وردت صراحة في دستور الجمهورية الاسلامية
لا سيما المادة الثالثة ببنودها الستة عشر باعتباره قانونا
اسلاميا. المبحث الثاني المقارنة من ناحية الالزام والجزاء والعمومية
¨
المطلب الاول
-
من ناحية الالزام:
قد عرفنا سابقا تشابه القاعدة الشرعية والقانونية من ناحية
اشتراط «الالزام» في ذات وجوهر كلا القاعدتين من دون فرق،
الا ان التصور الحقوقي الكلاسيكي مبهم في كلامه من حيث
ادخال الجزاء القانوني في تكوين القاعدة القانونية، بينما الشريعة
الاسلامية صريحة في الفصل بين الالزام والجزاء، وان الجزاء لا
يعتبر جزء من صميم القاعدة التكليفية وان كان هو على حد
نفسه حكما شرعيا آخر، فحرمة شرب الخمر قاعدة
شرعية الزامية يؤدي اختراقها الى جزاء قانوني في جلد الشارب
ثمانين جلدة، وهذا الجلد وان كان جزاء لحكم آخر الا انه على
حد نفسه يعتبر قاعدة شرعية اخرى، وهكذا تتسلسل الاحكام
الشرعية كمنظومة مترابطة ومتشابكة. الخلاف في منشا الالزام:
وفي التعبير «الحقوقي» يصطلح على منشا ولادة القانون تارة
«اساس» القاعدة القانونية واخرى «المصادرالمادية» في قبال
المصادر الرسمية، والتي ياتي دورها في المرتبة التالية وبعد
نشاة القاعدة.
اذا يقصد باساس القانون البحث في جوهر القاعدة القانونية
والمنبع الذي تستمد منه، والمادة الاولية التي تتكون منها،
فالبحث عن اساس القانون لا يعني شكل القاعدة القانونية قدر
عنايته بمضمونها. واعتاد كتاب القانون ان يتطرقوا لهذا
الموضوع تحت عنوان «مدارس القانون».
ان البحث عن الاساس الملزم للقاعدة الشرعية جاء في بحوث
علماء الدين ضمن «علم الكلام» وابحاث اصول الفقه والدراسات
التفسيرية. اما مدارس القانون في صدد معرفة الاساس الملزم
للقاعدة القانونية تنقسم الى قسمين رئيسيين هما: «مدرسة
القانون الطبيعي» و «مدرسة القانون الوضعي والاجتماعي»
وكل منهمايتفرعان الى مذاهب ونظريات اخرى بعد اتفاقهم
جميعا على ان القانون من صنع الانسان.
واما علماء الدين والشريعة فكلهم متفقون على الاساس الرباني
لقواعد الشريعة، وان القانون ليس وضعيا ومن صنع الانسان والا
يفقد نفوذه من جهة العقل ولا يكون الانسان مسؤولا عنه.
وبعد هذه الاشارة التوضيحية العابرة نحيل التفاصيل الى وقتها
عندما نبحث «اساس القاعدة الشرعية والقانونية»، باذن الله
تعالى. ¨ المطلب الثاني من ناحية الجزاء:
صار من الواضح ان الجزاء في الشريعة الاسلامية يشتمل على
صورتي «الثواب» كمكافاة قانونية و «العقاب»كردة فعل
للمخالفة القانونية، يقول الله تعالى: (ليجزي الذين اساءوا بما
عملوا ويجزي الذين احسنوابالحسنى)((45))، وقوله تعالى:
(وان ليس للانسان الا ما سعى
¨
وان سعيه سوف يرى
¨
ثم يجزاه
الجزاء
الاوفى)((46))، ثم هذا الجزاء اما ان يكون ماديا يصيب
الانسان في جسمه كالقتل والرجم والجلد والقطع، او في ماله
كالدية، وقد يكون جزاء معنويا يتمثل في الخوف او الرجاء، او
الحب الالهي وهو اعظم كفيل باطاعة القوانين،وقد يكون
دنيويا يوقع بواسطة السلطة العليا في البلاد، او اخرويا اذا لم
يستوف بالدنيا «اما الجزاء في القواعدالقانونية دائما وابدا دنيوي
مادي مقدر ومنفذ من قبل السلطة الحاكمة»، وقد اقرات
الشريعة الاسلامية جميع الجزاءات المادية سواء منها الجنائية او
المدنية او الادارية او السياسية ايضا على طريقتها
وبمصطلحاتها
الخاصة. اشارة الى نوعي الجزاء الاخروي والدنيوي: أ- الجزاء الاخروي: يتولاه الله جل جلاله في الاخرة ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد)((47))، ويقول تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره اءن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)((48)).وهذا النوع من الجزاء هو الاصل في الشريعة الاسلامية، لانه يتم بعد انتهاء مدة الامتحان واتمام الانسان رحلته على الارض، وطي صحيفة اعماله ثم تقويم هذه الاعمال من قبل رب العالمين، ثم محاسبة الله للناس في الاخرة على اساس هذا التقويم، ولهذا سميت الاخرة بيوم الدين، اي يوم الحساب، وبالتالي ينال المحسن ما يستحقه من ثواب، وينال المسيء ما يستحقه من عقاب، وهذا النوع من العقاب هو من مقتضى عدل الرب ومن لوازم الامروالنهي. ب- الجزاء الدنيوي: وهذا النوع على قسمين:
القسم الاول:
عقاب جرت به سنة الله الكونية، ويقوم على قانون
السبب والمسبب وربط النتائج بالمقدمات،ويصيب الافراد
والجماعات في حالة انحرافهم عن شرع الله، وياخذ هذا النوع
من العقاب اشكالا مختلفة، فقد يكون بالهلاك للامة او بتشتت
كلمتها وتسليط الاعداء عليها او بضرب المهانة والذلة عليها
باصابة الناس بالضنك والخوف والقلق ونقص في الانفس او
الثمرات او بغير ذلك من اشكال العقاب وانواعه.
وقد اشار القرآن الكريم في كثير من آياته الى سنته الثابتة في
هذا النوع من العقاب، وهو على انواع:
أ- انواع العذاب الجاري على اساس سنة الله: 2- عذاب الهلاك لشيوع الظلم: (وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا)((51))، وقوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)((52)) فنتيجة لشيوع الظلم في المجتمع تجري سنة الله في عذاب الهلاك في الدنيا. 3- عذاب الفشل وذهاب القوة: نتيجة للنزاع وعصيان اوامر الله ورسوله، ونتيجة للتفرق وعدم الاعتصام بشرع الله. يقول تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، ويقول ايضا: (واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)((53))، وفي الحديث الشريف: «والجماعة رحمة والفرقة عذاب». 4- عذاب الضنك: فالمعيشة الضنك بمختلف اشكالها وانواعها سواء كان الضنك ماديا او معنويا يصيب الافرادوالجماعات في حالة انحرافهم عن ذكر الله وشرعه. قال تعالى: (ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاونحشره يوم القيامة اعمى)((54)). 5- التبعيض في اقامة الحدود وعدم المساواة امام القانون: في الحديث الشريف عن النبي(ص): «انما اهلك من كان قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه، واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد». ب- خصائص العذاب الجاري على اساس سنة الله: القسم الثاني: العقوبات المنصوص عليها في الشريعة الاسلامية، والتي يجب على الدولة الاسلامية تنفيذها وهي على انواع: أ- العقوبة المقدرة شرعا من حيث الكم، وهي الحدود. واسباب الحدود ستة: اولها الزنا، ثانيها ما يتبع الزنا من اللواط والسحق، والثالث القذف، والرابع شرب الخمر، والخامس السرقة، والسادس قطع الطريق، وزاد البعض حدالمرتد وحد المحارب((58)). ب- التعزيرات. واسباب التعزيرات اربعة: البغي الردة اتيان البهيمة ارتكاب ما سوى ذلك من المحرمات((59)). ج- القصاص، وهو على قسمين: قصاص النفس وقصاص الاعضاء. د- الديات، وهي العقوبة المالية بدل القصاص في القتل العمدي وبدل قصاص الاعضاء في القطع العمدي، وفي القتل الخطائي وقطع العضو الخطائي، كما هو مبوب في الكتب الفقهية.
وهذه العقوبات لا تمنع العقاب الاخروي عمن اقيمت عليه في
«حق الله» منها، كالزنا واللواط الا بالتوبة النصوح لاباقامة العقوبة
الدنيوية، وفي «حق الناس» باستيفاء الحق كالاموال المغصوبة
في السرقة واقامة الحد او العفو، وباستيفاء القصاص او اخذ الدية
او العفو والتوبة، مع ذلك يوجد في وسائل الشيعة باب 9 و 10
من ابواب القصاص في النفس((60))، روايات تدل على ان من
قتل مؤمنا على دينه فليست له توبة والا صحت توبته،
نذكرواحدة منها:
الرواية 1 من باب 9: عن ابن بكير عن ابي عبد الله(ع)، قال:
سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمدا، هل له من توبة؟قال: ان
كان قتله لايمانه فلا توبة له، وان كان قتله لغضب او لسبب من
امر الدنيا فان توبته ان يقاد منه، وان لم يكن علم به انطلق الى
اولياء المقتول، فاقر عندهم بقتل صاحبهم، فان عفوا عنه فلم
يقتلوه اعطاهم الدية واعتق نفسه وصام شهرين متتابعين
واطعم ستين مسكينا توبة الى الله عزوجل.
هذا كله اشارة الى الجزاء الاخروي والدنيوي من ناحية العقاب،
واما الجزاء على اثر موافقة القاعدة الشرعية بماسمي «ثوابا» فهو
ايضا يشتمل على ابعاد في غاية الاهمية نحيل ذلك الى الكتب
في هذا الفن ك «ثواب وعقاب الاعمال» للصدوق، و «جزاء
الاعمال في دار الدنيا» بالثواب والعقاب، للسيد الجزائري،
طبعت منه الى الان ثلاثة عشر جزءا في مخالفة القاعدة
القانونية، اما في الموافقة فطبع اربعة عشر جزءا باسم آثار
الاعمال في دار الدنيا،وكذلك جزاء المعاصي واثر المعصية في
حياة الفرد والمجتمع للسيد هاشم الرسولي المحلاتي باللغة
الفارسية(كيفر كناه ونقش وآثار آن در زندگى فردى
واجتماعى)، فراجع. ¨ المطلب الثالث - من ناحية العمومية والتجريد:
فالقاعدة شرعية كغيرها من القواعد، عامة ومجردة لا تختلف
من هذه الناحية اصلا لقاعدة الاشتراك في التكاليف، ومعنى
ذلك: انه «اذا ثبت حكم لواحد من المكلفين او لطائفة منهم
ولم يكن هناك ما يدل على مدخلية خصوصية لا تنطبق الا
على شخص خاص او طائفة خاصة او زمان خاص كزمان حضور
الامام(ع)، فالحكم مشترك بين جميع المكلفين رجالا ونساء
الى يوم القيامة، سواء كان ثبوته بخطاب لفظ ي او دليل لبي من
اجماع وغيره((61)).
ويدل على هذه القاعدة الاجماع القطعي وارتكاز المتشرعة
على ذلك والروايات الواردة في المقام، منها ما في الوسائل في
حديث طويل في كتاب الجهاد ومن جملته: «لان حكم الله
عزوجل في الاولين والاخرين وفرائضه عليهم سواء الا من علة
او حادث يكون، والاولون والاخرون ايضا في منع الحوادث
شركاء والفرائض عليهم واحدة يسال الاخرون من اداء الفرائض
عما يسال عنه الاولون ويحاسبون عما به يحاسبون»((62)).
ومنها النبوي المشهور: «حكمي على الواحد حكمي على
الجماعة»
((63)). ومنها قوله(ص) المشهور: «حلال محمد(ص)
حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم
القيامة»((64)). ومنها قوله(ص): «فليبلغ
الشاهد الغائب»((65))، وفي آخر: «اوصي الشاهد من امتي
والغائب منهم ومن في اصلاب الرجال وارحام النساء الى يوم
القيامة ان يصلوا الرحم».
وهناك قاعدة اخرى باسم قاعدة اشتراك الكفار مع المؤمنين
في التكليف مبحوثة في الفقه، تجعل الكفار مكلفين بالفروع
كما في الاصول((66))، وما نود التاكيد عليه هنا: ان عمومية
القاعدة لا تتنافى مع وجود قواعد لصنف اوطبقة خاصة
بصفاتهم لا بذواتهم حتى ولو كان شخصا واحدا بصفته،
ومن هنا جاء الحج للمستطيع والزكاة والخمس لمن بلغ ماله
قدرا معينا، والجهاد لمن له القدرة على ذلك، وهناك احكام
خاصة بالمراة او بالرجل او بالمسافر او الحاضر او الولي، وهكذا. المبحث الثالث: والقاعدة الشرعية والقاعدة الاخلاقية ¨ المطلب الاول - القاعدة القانونية والقاعدة الاخلاقية:
يختلف القانون عن الاخلاق في نقاط عديدة، ولكل واحد من
الاثنين ذاتياته الخاصة. اهم الفروق هي: أ- نقاط الافتراق بين الاخلاق والقانون:
2- ان القاعدة القانونية ترتب الجزاء القاهر على من يخالف
الظاهر لا النية والباطن، في حين ان القاعدة الاخلاقية تنظر
الى الباعث على الفعل، وتدرس الدافع والغاية ثم تحكم على
التصرف من خلال تلك البواعث، فالتبرع قد يكون متفقا مع
مقتضى المبادئ الاخلاقية اذا كان القصد منه الاعانة على
الخير، وقد يتناقض مع المبادئ الاخلاقية اذاكان يهدف الى
التباهي والتفاخر، او اذا كان يهدف لمصالح اخرى منظورة.
3- الهدف من القاعدة القانونية تحقيق الامن والنظام والعدالة
والصحة والرفاه على اختلاف المدارس والمذاهب في مبحث
اهداف القانون، بينما الهدف من القاعدة الاخلاقية تحقيق
السعادة والكمال على اختلاف المذاهب والمدارس الاخلاقية،
ولذلك فهي تبحث عن «الضمير»، القيم الاخلاقية، الميول
الطبيعية والالتزامات الباطنية،الفضيلة والرذيلة. مثل الفطنة
او الحكمة، العدل، الشجاعة، العفة، الصدق والامانة، المحبة
والاحسان، التواضع، السخاء، وهكذا تبحث عن اللذة والالم،
النفع والضرر، الزهد والعزلة، او الترف والعشرة، وعن اخلاق
العقل واخلاق الارادة وهكذا((67)).
4- نطاق القاعدة الاخلاقية اوسع من القاعدة القانونية،
فالاولى تشمل العلاقات الفردية والاجتماعية على حدسواء،
بينما الثانية تختص بتنظيم السلوك الاجتماعي، فيصح تقسيم
الاخلاق الى فردي واجتماعي بخلاف القانون.
5- القاعدة القانونية مصحوبة بجزاء يكفل احترامها، وهكذا
القاعدة الاخلاقية، بفارق «القوة الملزمة» ففي الاولى السلطة
الخارجية مثل «الدولة» وفي الثانية: السلطة الداخلية مثل
«الضمير والوجدان والمعتقد».
ب- نقاط الالتقاء بين الاخلاقي والقانوني:
ومن هنا نجد القانون الوضعي يشرع «الاداب العامة» ولا يسمح
بالمساس بها، وليست قليلة القواعد الاخلاقية التي اكتست ثوبا
قانونيا منها: قاعدة الوفاء بالعقد ووجوب رد الامانة وعدم جواز
الحاق الضرر بالاخرين. وهكذاالقواعد التي تحرم الاعتداء على
النفس او العرض، او الاثراء بغير سبب مشروع او تحريم الرشوة
والتزوير
واصدار شيك بدون رصيد((70))، كما ادخلت هذه
القواعد في تشريعات الجمهورية الاسلامية في ايران
ايضا.ونذكر على سبيل المثال لا الحصر:
1-
المادة 6 من قانون اصول المحاكمات المدنية: «لا يترتب اي
اثر في المحاكم، على العقود التي تخل بالنظام العام او الاخلاق
الحسنة». ومن نافلة القول التاكيد على ان قانون الجمهورية الاسلامية في نظرته الى الاخلاق يختلف عما عليه النظم الوضعية، وهو يستقي من نبع القواعد الشرعية، ومن وحي هذه الحقيقة نقرا في الدستور الاسلامي لهذه الدولة المباركة النصوص التالية:
1-
في مقدمة الدستور: ولان الهدف من اقامة الحكومة، هداية
الانسان للسير نحو النظام الالهي (والى الله المصير)كي تتهيا
الظروف المناسبة لظهور المواهب وتفتحها في سبيل نمو
الاخلاق الالهية في الانسان «تخلقوا باخلاق الله»، وهذا لن
يتحقق الا بالمشاركة الفعالة والشاملة من قبل جميع افراد
المجتمع في مسيرة التطور الاجتماعي.
2-
البند السادس من المادة الثانية: الايمان بكرامة الانسان
وقيمته الرفيعة وحريته الملازمة لمسؤوليته امام الله.
3-
البند الاول من المادة الثالثة: خلق المناخ الملائم لتنمية
مكارم الاخلاق على اساس الايمان والتقوى، ومكافحة كل
مظاهر الفساد والضياع (من وظائف الدولة الاسلامية).
4-
المادة العاشرة:
...وتمتين العلاقات العائلية على اساس
الحقوق والاخلاق الاسلامية.
5-
المادة الرابعة عشرة:
...وعلى المسلمين ان يعاملوا الاشخاص
غير المسلمين بالاخلاق الحسنة والقسط
والعدل الالهي((72)). ¨ المطلب الثاني القاعدة الاخلاقية والقاعدة الشرعية:
القاعدة الشرعية لها وجهان: فهي قانونية ذاتا بالوجه الاول،
وبهذا اللحاظ هي قاعدة قانونية تختلف قطعا عن القاعدة
الاخلاقية. واما بالوجه الثاني فهي صنو القاعدة الاخلاقية. فان
الشريعة والاخلاق والعقيدة اجزاء ثلاثة لكل واحد هو الدين
الكامل الشامل والنظام الموحد الكافل للحياة الانسانية، لذلك
لا يمكن الفصل بين هاتين القاعدتين.
أ- الوجه القانوني للقاعدة الشرعية: أولا: ان القاعدة الشرعية في بعض اقسامها نظير الاحكام الوضعية والتوصليات من الاحكام التكليفية تقوم بتنظيم سلوك الانسان الخارجي من دون ان تستهدف النفوذ الى الاعماق والداخل. وفي قسم آخر تنفذ الى القلب والروح، وهي التي تسمى بالاحكام العبادية المشروط فيها «نية التقرب الى الله». والنية في الاحكام العبادية من الاركان، والعمل من دونها كالجسم بلا روح سبق وان اشرنا الى ذلك مع الامثلة فراجع. ثانيا: القاعدة الشرعية ذات اهداف قريبة ومتوسطة ونهائية، فالقريب من اهدافها تحقيق السلامة والرخاءوالاطمئنان وسائر الاثار الاجتماعية والفردية لكل قاعدة شرعية على حدها. ثالثا: لا يضر قانونية القاعدة الشرعية، اذا غطت علاقات الانسان الفردية والاجتماعية وحتى علاقة الانسان بربه.فان هذا الامر يعد من ايجابياتها فتتحد مع الاخلاق في تغطية المساحة الفردية وتختلف عنه في الشروط، مثلاحضور القلب في الصلاة شان اخلاقي، لكن الاخلاص في النية شان قانوني واخلاقي معا. ومن هنا فرقوا بين شروط الصحة وشروط القبول. فقبول الاعمال متوقف على التقوى. وهذا مفهوم اخلاقي لا حقوقي. والصحة متوقفة على الامتثال بالضوابط المقررة بالفقه، بحيث لا تحتاج الى اعادة او قضاء. والصحة مفهوم حقوقي لااخلاقي. رابعا: القوة الملزمة في القاعدة الشرعية هي سلطة خارجية لا داخلية، الامر الذي جوز لنا اطلاق اسم القاعدة الشرعية والقانونية عليها لنميزها عن القاعدة الاخلاقية. غير ان السلطة الخارجية تنحصر دائما ب«الدولة». فان العرف والاجتماع وظروفه والاستحياء منه قوة الزامية خارجية ايضا. وتعد اكبر قوة ملزمة للانسان، بل ينحصر الالزام بها عقلا فهي القوة الاساسية التي تنشا منها القوات والسلطات، وهي في اعتقاد الموحدين قوة الله تعالى: (والله جنود السماوات والارض) و (ان القوة الله جميعا)، فالله خالقنا وهو رقيب علينا وشاهد على اعمالناوموجه لحياتنا، وامرنا ان نطبق شريعته. وقد بين سبحانه لنا مصير المخالفين لاحكامه، بان يشملهم الخزي والعقوبة الصارمة في الدنيا والاخرة. ورسم لنا عقاب العصاة في الشرع الاسلامي بما يكفل احترام القاعدة القانونية الشرعية باحسن وجه.
وقد ورد ذلك في الشريعة والبحوث الكلامية والتفسيرية. وقد
تطرقنا لذلك عند المقارنة بين القاعدة القانونية والشرعية من
ناحية الجزاء القانوني.
ب- الوجه الاخلاقي للقاعدة الشرعية:
ولتوضيح هذا الامر نسجل النقاط التالية: النقطة الاولى: يعتبر العمل بالقاعدة الشرعية وضعية كانت ام تكليفية، فعلا او تركا على حد نفسه مرتبة من مراتب الكمال النفساني، وعلى هذا الاساس تلتقي المسالة الشرعية مع الاخلاقية من جهة الغاية الواحدة. يقول في هذا الشان احد كبار الفقهاء المعاصرين(ره) في كتابه الفقهي((73)): «اول مرتبة جهاد النفس الذي يكتفي به الله عزوجل عن عامة عباده، انما هو اتيان الواجبات وترك المحرمات». ثم يستدل على ذلك بما جاء في جملة من الروايات، منها:
¨
ما رواه الصدوق باسناده عن جعفر بن محمد الصادق عن
آبائه(ع) في وصية النبي(ص) لعلي(ع) قال: «يا علي،ثلاثة من
لقي الله عزوجل بهن فهو من افضل الناس:
¨
وما رواه ابو بصير عن الامام الصادق جعفر بن محمد(ص): «من
اقام فرائض الله واجتنب محارم الله واحسن الولاية لاهل بيتي
وتبرا من اعداء الله فليدخل من اي ابواب الجنة الثمانية
شاء»((75)).
¨
فيما رواه السكوني عن ابي عبد الله عن رسول الله(ص): «اعمل
بفرائض الله تكن اتقى الناس»((76)).
¨ وفي رواية اخرى عن محمد الحلبي عن ابي عبد الله(ع) قال:
«قال الله تعالى: ما تحبب الي عبدي باحب مماافترضت
عليه»((77)). وجاء هذا الحديث في
بعض الكتب بلفظ: «ما تقرب الي عبدي بشيء احب الي مما افترضت عليه»((78)).
¨ وفي رواية اخرى عن ابي حمزة الثمالي عن الامام علي بن
الحسين(ص): «من عمل بما افترض الله عليه فهو من خير
الناس»((79)).
¨ وفي البحار عن الامام الحسن(ع): «ان الله عزوجل بمنه
ورحمته لما فرض عليكم الفرائض، لم يفرض عليكم لحاجة منه
اليه بل رحمة منه اليكم، لا اله الا هو ليميز الخبيث من الطيب
وليبتلي ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم»((80)).
تلخص من ذلك كله بان من يعمل بالواجبات وينتهي عن
المحرمات على ما هو مقرر في الفقه وعلى حسب
قواعدالشريعة يصح اطلاق الصفات الاخلاقية التالية عليه لما
له من اثر معنوي كبير على القلب وكمال النفس:
هذه بعض الجوانب من آثار العمل بالواجبات وترك المحرمات،
وليس بامكاننا ان نذكر جميع الاثار، ثم تزدادالعظمة ويصل
الانسان الى قمة الكمال فيما لو عمل بالمستحبات او انتهى
عن المكروهات، وهكذا ترك ما هو اولى تركه من المباحات،
وهذه الامور كلها فقهية وتستتبع العظمة الروحية: وقد بحثها
الفقهاء في كتب الفقه((81)). النقطة الثانية: لا باس ان نشير هنا الى الاحكام الشرعية ذات الطابع الاخلاقي، حتى تعرف مدى الترابط بين الفقه والاخلاق، مضافا الى ما بيناه في النقطة الاولى، واليك فهرسة من تلك الاحكام، تتلخص في وجوب تهذيب النفس وطهارة الروح، ويندرج تحت هذا الواجب الامور التالية: 1- وجوب اجتناب المحارم. هذه بعض الابواب الواجبة والمحرمة مما يتعلق بتهذيب النفس على ما هو مبوب في وسائل الشيعة((82))، ولواردنا ان نذكر جميع الابواب بطولها لطال المقام((83))، وهكذا توجد نفس المسائل في باقي الجوامع الروائية والفقهية((84)) وبعض الرسائل العملية الجديدة، فراجع((85))!
ومما جعل البعض من اهل التحقيق والفلاسفة والفقهاء
المعاصرين ان يدرج عنوانا في بيان نطاق المسائل الفقهية
ومجالاتها قد اسماه «الفقه الاخلاقي» في كتابه المسمى ب
«فلسفة الدين». وذلك الى جنب تقسيمات اخرى كفقه العرفان
وفقه العبادة((86)).
ويقول في صدد تعريفه للفقه بمعناه الواقعي الشامل: «الفقه هو
عبارة عن العلم باحكام جميع الافعال والتروك للمكلفين
بالنطاقين المادي والمعنوي، مستندا الى الله بوسيلة الكتاب
والسنة والاجماع والعقل، بما يبين المصالح والمفاسد للحياة
المعقولة الانسانية، مما تتوقف سعادة الانسان الدنيوية
والاخروية على ذلك»((87))، ثم يضيف قائلا: ان «المولوي» في
الكتاب الاول من ديوانه الشعري المسمى ب «المثنوي» قد عبر
عن هذا الفقه بنطاقه الواسع باسم «الفقه الاكبر»((88)).
ولصحة عنوان «فقه الاخلاق» الى جنب سائر التقسيمات
الفقهية يستدل العلا مة الجعفري بقوله(ص): «بعثت لاتمم
مكارم الاخلاق»، اذا نشكل «الاخلاق» جانبا من رسالة الانبياء
الحيوية وهي تدخل في دائرة الفقه بمعناه العام((89)). النقطة الثالثة: من شروط الفقيه الذي يرجع اليه في الفتوى «العدالة» وهي عبارة عن ملكة اتيان الواجبات وترك المحرمات، والبعض اضاف: «وان لا يكون مقبلا على الدنيا وطالبا لها مكبا عليها مجدا في تحصيلها»، ففي الخبر: «من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه»((90)).
والشهيد العلامة المطهري(ره) ايضا يرى انه يشترط في
المرجع للتقليد امرا فوق العدالة ويذكر الحديث المروي عن
الامام جعفر الصادق(ع): «انا لا نعد الفقيه منكم فقيها حتى
يكون محدثا»، اي يلهم اليه من الباطن، ويساله الراوي متعجبا:
«او يكون الفقيه محدثا؟»، حيث ان التحديث الباطني عن
طريق الملك هو خاص بالرسول(ص)والامام المعصوم(ع)،
فيجيب الامام(ع): «يكون مفهما والمفهوم محدث»((91)).
وقال بعض الفقهاء في شروط نائب الغيبة:
والرابع من الشروط: وهو الاهم انسلاخه عن الماديات بتمام
معنى الانسلاخ وعلو همته من كل جهة وكثرة اهتمامه بالدين
واهله وجهده في الورع والتقوى، وان يكون متنزها عن الصفات
الرذيلة بل المكروهة عند الناس آوعدم توهم الاعتلاء في
نفسه على احد وكثرة مواظبته على العبادة مع الخلوص،
كالتهجد في الليل والمداومة على النوافل، لياخذ الله تعالى
بيده كما في بعض الروايات ويلهمه بما هو صلاح النوع((92))،
ومراده من بعض الروايات هي الرواية المعروفة ب«قرب النوافل» على ما رواه ابان بن
تغلب عن ابي جعفر(ع)، ان الله جل جلاله قال: «ما
يقرب الي عبد من عبادي بشيء احب الي مما افترضت
عليه، وانه ليتقرب الي بالنافلة حتى احبه،فاذا احببته
كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي
ينطق به، ويده التي يبطش بها، ان دعاني اجبته وان سالني
اعطيته»((93)).
ثم اذا كان الفقيه كذلك، فلا شك ان تطفح رائحة الانوار
المعنوية على المسائل الشرعية من خلال طهارته الروحية،مما
يجعل الفقيه والفقه والطالب والسائل في اجواء التقرب الى الله
والنيل من السعادة والكمال وهي غاية اخلاقية.
ومن هنا صح اطلاق «القدسية» على العلوم الفقهية
ومجتهديها، وقالوا: «ان الاجتهاد ملكة قدسية»، وقد نرى هذه
المسحة الايمانية ظاهرة على العلوم الشرعية برمتها في جميع
كتبها. جعلنا الله من الحاملين والطالبين والعاملين بعلوم آل محمد(ع). وكمثال فعليك بتورق صفحات المكاسب، وكمايقول بعض الاساتذة من الفقهاء المعاصرين: المكاسب فقه مزدوج ومختلط مع الاخلاق والتربية الاسلامية، وهوفي عين كونه كتابا فقهيا تحقيقيا فقد اشرب في مطاويه الاخلاق الانسانية والعرفان الاسلامية، مما يجعل مدرسي المكاسب الاجلاء في غنى عن ذكر النكات الاخلاقية التي يؤكد عليها في الحوزات العلمية اذا وقفوا دون الظرائف الرائعة فيه((94)). |