مدخل الى نظرية الاحتمال القسم الثاني الشيخ أحمد عبدالله أبو زيد الفصل الثالث: تطبيقات نظرية الاحتمال
نظرية الاحتمال تدخل علوم الشرعية: ونتيجة لاسهامات السيد الصدر(ره) هذه، صار لزاما على المعنيين بدراسة علوم الشريعة ضم هذا البحث الى بحوثهم، ولا يبرر اهماله على الاطلاق سلبية النتيجة التي قد يخرج بها الباحث، شانه في ذلك شان الكثير من المسائل الاصولية او الفقهية التي يصرف الفقيه على البحث فيها اياما بل اشهرا، مع عدم ضمان ايجابية النتيجة المنتهى اليها، فقد يتمخض عن البحث فيها اتخاذ موقف سلبي ازاء جدواها، مما يعني انها لن تصلح حينئذ لتكون اداة من ادوات الفقيه المستفاد منها في مقام التطبيق والاستنباط. وبغض النظر عن الموقف الكبروي المتخذ ازاء نظرية الاحتمال سلبا ام ايجابا، وامكان التمسك بها في العلوم الشرعية، فاننا سنتعرض فيما ياتي الى اصول تطبيق هذه النظرية الرياضية في بعض العلوم الشرعية، لتكون لمن آمن بكبرى النظرية عونا في مقام تطبيقه لها. وقد وردت عبارة «حساب الاحتمالات» و«حساب الاحتمال» في آثار السيد الصدر(ره) المتوفرة 266 مرة، تقل عن ذلك اذا ما اخذنا بعين الاعتبار التقريرات المشتركة، او اذا تحدثنا عن مورد استخدامها، حيث قد يرد التعبيرالمذكور في المورد الواحد عدة مرات، وبشكل عام فانها تتوزع على الشكل التالي:
كما وقد افاد منه بعض تلامذته، حيث ورد في كتاب «الخمس» للسيد الهاشمي((96))، وفي «كتاب القضاء» للسيد الحائري 5 مرات((97))، وفي «فقه العقود» مرتين((98)).. درجتان من جريان «حساب الاحتمالات»: يعتقد المتبنون لنظرية الاحتمال بان حساب الاحتمالات الرياضي من الاليات التي يعمل وفقها الذهن البشري في حقيقة الامر، وان كانت طريقة سيره خافية علينا في بعض الاحيان. فان المواد التي يستقيها هذا الحساب تارة تكون ارقاما واضحة بحيث يكون جريانه في ظرفها جريانا رياضيا واضحا للذهن واخرى تكون مستبطنة خفية بحيث يكون جريانه في ظرفها رياضيا في واقع الامر لكنه يكون جريانا خفيا لا يقوى الذهن على تلمس مفرداته وتعيينها بشكل واضح وجلي. ومن هنا تتنوع التطبيقات بحسب وضوح جريانه وعدمه. وكنا قد عقدنا هذه الدراسة اساسا من اجل تطبيقات «نظرية الاحتمال» في علم الرجال، الا اننا سنشير قبل ذلك وباختصار الى تطبيقها في بحثي «التواتر» و «الاجماع»، خاصة وان بعض الباحثين من تلامذة السيد الصدر(ره) يعتقد بان استخدام استاذه للدليل الاستقرائي هو العطاء التاسيسي الوحيد له في اطار علم الاصول، وان كانت اغلب بحوثه ومناقشاته سوف تكون بذورا تاسيسية شاملة((99)). وان الصدر يمثل وباتفاق اغلب المحققين نهاية تطورالفكر الاصولي الحديث في مدرسة الشيعة الامامية((100)).
أولا: التواتر في ضوء نظرية الاحتمال: لكن قبل كل شي، ينبغي التنبيه الى ان المنطق «الذاتي» الذي شيده السيد الشهيد الصدر(ره) في «الاسس»، يختلف مع المنطق الارسطي اختلافا مبنائيا في تفسيره لجملة من القضايا، ومنها القضية المتواترة. ففي حين يعتقد الاخير بان اليقين في القضية المتواترة التي جعلها احدى القضايا الاولية الست في كتاب «البرهان» آيقين موضوعي استنباط ي قائم على التصديق بقضية عقلية قبلية هي عبارة عن استحالة الاتفاق الدائمي، وجعلهاكبرى في قياس صغراه اقتران حادثة باخرى في مرات عديدة وذلك على غرار تفسيره للقضية التجريبية، يرفض المنطق الذاتي المصادقة على هذا التفسير رفضا قاطعا، مرجعا اليقين بالقضية المتواترة الى يقين موضوعي استقرائي، معتقدا بان استحالة الاتفاق الدائمي قضية استقرائية يولدها تراكم الاحتمالات، لا انها عقلية قبلية. وقد هيمنت الصياغة الارسطية لتفسير القضية المتواترة على المصنفات الاصولية من البدايات الاولى لعصرالتدوين الاصولي حتى فترة زمنية متاخرة، فلم تغب عن عبارات الشيخ المفيد(ره) في «التذكرة» والسيد المرتضى(ره) في «الذريعة» والشيخ الطوسي(ره) في «العدة» والشيخ البهائي(ره) في «الزبدة» و «البداية»والشهيد الثاني(ره) في «الرعاية» وغيرهم. وما ذكروه من شروط للخبر المتواتر، كما في بعض محاولات السيد المرتضى(ره) في «ذريعته» والتي تبعه عليها الطوسي(ره) في «عدته» اضافة الى ما في «تهذيب» العلامة(ره) و «معالم» نجل الشهيد(ره) وغيرها من محاولات، يرجع كله في حقيقته الى نكتة تراكم الاحتمالات وافضائه الى اليقين، ولا يقف عند الصياغات الظاهرية التي صاغها هؤلاء الفطاحل. وقد بقي الوضع على حاله ولم يتغير الا في زماننا المتاخر، حين افتتح السيد الشهيد(ره) بنظريته المعرفية الجديدة افقا اصوليا بكرا، كاشفا اللثام عن لب الموضوع الذي حام حوله العلماء لقرون، فالغى الكثير من الامورالظاهرية الطريقية التي اشترطوها على نحو الموضوعية، متحدثا عن جملة من العوامل «الذاتية» و«الموضوعية» والتي تلعب دورها في سرعة وبطء حصول التواتر. ويعتبر هذا البحث من البحوث الشيقة في جانبيه الرياضي والتطبيقي. وبالرغم من ان السيد الشهيد(ره) قد احدث فيه قفزة نوعية، الا ان التعامل الرياضي مع ما افاده(ره) لا زال بحاجة الى صياغة يسهل على ضوئها تطبيق النظرية في المجالات الحديثية. ومراعاة للتدرج في العرض، فاننا سنصطلح على بعض التقسيمات من اجل الوصول الى روح المطلب الذي رامه الشهيد(ره). ومن هنا نقسم البحث في «التواتر» مبدئيا الى: «التواتر العرضي»: حيث ينقل عدة رواة عرضيين مضمون خبر واحد. و «التواتر الطولي»: حيث ينقل عدة رواة طوليين اي عن بعضهم البعض مضمون خبرما. ثم نخلص الى «التواتر الاعم» حيث نصبح قادرين على تطبيق الحالتين السابقتين معا.
1- «التواتر العرضي»: وفي هذه الحالة نواجه عددا من المخبرين الذين يخبرون جميعا عن واقعة واحدة، ويخرج عن كلامنا الحالة التي يروي فيها احدهم عن الاخر والتي نبحثها في البحث الاتي ان شاء الله تعالى. اما بخصوص ما نحن فيه، فلو افترضنا ان عشرة اشخاص شهدوا واقعة ورووها لنا، وكانت نسب كذبهم في الاخبار متفاوتة: 1/1 (وهو الكاذب في اخباره جميعها) 2/1، 3/1، 4/1، 5/1، 6/1، 7/1، 8/1، 9/1، 10/1.
ففي المقام يكون احتمال كذب الخبر: وهو احتمال في غاية الضلة لا يحتفظ به الذهن البشري، فيقوم اليقين على خلافه اي على صدق الخبر، فيحصل التواتر.
جريان حساب الاحتمالات في المقام بلحاظ الكذب: 1- الصياغة الاولى: وهي للسيد علي اكبر الحائري حيث يقول في مقام التعليل: «وانما يفترض ضرب القيم الاحتمالية بعضها في بعض بلحاظ جانب الكذب لا بلحاظ جانب الصدق، لان كذب القضية المتواترة يستدعي كون المخبرين قد اخبروا بدافع من مصالح خاصة لهم في هذا الاخبار، لا بدافع من الصدق، فلكي نعرف قيمة احتمال كذب القضية المتواترة لابد من حساب قيمة احتمال اجتماع مصالحهم الخاصة جميعا على مثل هذاالاخبار، وهذا يستدعي ضرب احتمالات الكذب بعضها في بعض. واما صدق القضية المتواترة فهو لا يستدعي كون المخبرين جميعا قد اخبروا بدافع من الصدق، بل يكفي في ذلك كون واحد منهم على اقل تقدير قد اخبربدافع من الصدق، وان كان الباقون قد اخبروا جميعا بدافع من مصالح خاصة لهم في هذا الاخبار، فلكي نعرف قيمة احتمال صدق القضية المتواترة لا يصح ان نتبع حساب قيمة احتمال اخبارهم جميعا بدافع من الصدق حتى يستدعي ضرب احتمالات الصدق بعضها في بعض»((102)). ثم يحيل لمزيد من التفصيل الى تفسير القضية المتواترة في «الاسس المنطقية للاستقراء». 2- الصياغة الثانية: ولدينا صياغة اخرى هي عبارة عن تقريب للمسالة وللتعليل المتقدم. وحاصلها انه لو كان من جملة المخبرين من يستحيل في حقه الكذب كالمعصوم(ع)، فلا شك اذن بحصول اليقين بصدق مفاد الخبر بنسبة 100 %. ولنفرض ان الصحيح هو العكس، اي جريان حساب الاحتمالات بلحاظ الصدق، فان حاصل ضرب قيمة احتمال صدق المعصوم(ع) بقيمة غيره من المخبرين لن يصل الى درجة اليقين المطلق بل سيبقى دون ذلك. فلو كانت قيمة احتمال صدق المخبر الاخر: 10/9، فان احتمال صدق الخبر سيكون 10/9×1/1 (وهو احتمال صدق خبرالمعصوم(ع)) =10/9، وهو مقطوع البطلان. اما لو فرضنا ان الصحيح هو اجراء حساب الاحتمالات بلحاظ الكذب و هو الصحيح فان احتمال كذب المعصوم(ع) يساوي صفرا، وعليه يكون حاصل ضرب قيمة احتمال كذب المعصوم(ع) × قيمة احتمال كذب غيره يساوي صفرا دائما سواء ازدادت قيمة احتمال كذب الاخرين او قلت. وعليه يكون احتمال صدق الخبر يساوي «1» اي 100%، وهو الموافق لما ندركه جميعا من خلال اخبار المعصوم(ع) بمفاد ما. والخلاصة: ان كذب الرواية في التواتر العرضي لما كان متوقفا على كذب رواتها جميعا، جرت «بدهية الاتصال» بلحاظ جانب الكذب لمعرفة احتمال كذب الجميع. أو قل انه لما كان يكفي لصدقها صدق احد رواتها جرت «بدهية الانفصال» بلحاظ جانب الصدق لمعرفة احتمال صدق واحد من رواتها على الاقل. تتمة: وظاهر النكتة التي يرجع اليها هذا الامر في حقيقته لم يكن خافيا على القدماء من علمائنا، وان لم يصلوا الى صياغته صياغة واضحة. وهذا ما دعا صاحب المعالم(ره) الى جعل «كثرة الرواة» من المرجحات السندية «اذالعدد الاكثر ابعد عن الخطا من الاقل»((103)) وما ذلك الا للسبب المذكور من جريان حساب الاحتمال. ونظيره ماذكره السيد الخوئي(ره) حول «تراكم الظنون» في الخبر المتواتر، ولكنه مع ذلك فسره على اساس «استحالة التواطؤ على الكذب»((104)). هذا كله مبني على عدم التاثر بين المخبرين كما هو الغالب في حالة التواتر العرضي، اما حالة التاثر التي تجري فيها «بدهية الاتصال» في الاحتمالات المشروطة، فللبحث فيها مجال آخر.
2- «التواتر الطولي»: يقول الدكتور زكي نجيب محمود : «اذا روى رجل رواية عما شهده، وكنا نعلم عن هذا الرجل ان نسبة الصدق في كلامه هي 4/3، كانت روايته صادقة بهذه النسبة عينها، فافرض ان رجلا آخر روى نفس الرواية نقلا عن الرجل الاول، وان نسبة الصدق في كلام هذا الرجل الثاني هي ايضا 4/3، فان صدق الرواية كما يرويها تصبح نسبته 4/3×4/3=16/9، اي انها تقل عما كانت عليه في الرواية الاولى، وهكذا اذا ظلت رواية معينة يتناقلها الرواة واحداعن واحد، فان نسبة صدقها تاخذ في القلة ما لم نفرض ان صدق الرواة دائما نسبته 1، فعندئذ صدق الرواية سيظل عبارة عن 1×1×...×1=1 لكن افتراض الصدق التام في الرواة جميعا قليل الاحتمال»((106)).
جريان حساب الاحتمالات في المقام بلحاظ الصدق:
ويمكننا في المقام ذكر الصياغتين المتقدمتين لكن بصورة معكوسة: اما لو فرضنا - كما هو الصحيح - جريان حساب الاحتمالات بلحاظ الصدق لا الكذب فان كون المعصوم(ع) احدالرواة سيحافظ على نسبة صدقها باعتبار ضرب قيم صدق باقي الرواة ب 1، قيمة احتمال صدق المعصوم(ع) في الرواية، دون رفع هذه القيمة الى الصواب المطلق الذي لا ينسجم مع وقوع من يحتمل في حقه الكذب من غيرالمعصومين(ع) في السند، والذي يمكن ان يكذب على المعصوم(ع). اذن، فالصحيح ما ذكره «لاپلاس» من ان حساب الاحتمالات يجري في المقام بلحاظ الصدق لا الكذب. والخلاصة: ان صدق الرواية في التواتر الطولي لما كان متوقفا على صدق رواتها جميعا، جرت «بدهية الاتصال» بلحاظ جانب الصدق لمعرفة احتمال صدق الجميع. او قل انه لما كان يكفي لكذبها كذب احد رواتها جرت «بدهية الانفصال» بلحاظ جانب الكذب لمعرفة احتمال كذب واحد من رواتها على الاقل. تتمة: وهذا الامر كذلك هو الذي دعا صاحب المعالم(ره) الى جعل «قلة الوسائط» او «علو السند» من المرجحات السندية، ونقل عن العلامة(ره) قوله: «علو الاسناد وان كان راجحا من حيث انه كلما كانت الرواة اقل،كان احتمال الغلط والكذب اقل»((107)).
«المراسيل» و «روايات مجهولي الحال» على ضوء نظرية
الاحتمال: ومثاله: لو كان بايدينا رواية يرويها «ثقة 1» عن «ثقة 2» عن «مجهول الحال» عن «ثقة 3» عن المعصوم(ع)،فان درجة الكشف في اخبار الثقات لو كانت (100%) على افضل التقادير، فان درجة الكشف في الرواية ستصبح وبلحاظ جانب الصدق كما قلنا: 1×1×2/1×1=2/1، وهي دون درجة الاطمئنان. ان قلت: ان من المحتمل كون درجه الكشف في اخبار مجهول الحال اكثر من (50%)، وعليه فان النتيجة ستتغير. قلت: ان ذلك وان كان محتملا، الا ان احتمال انخفاض درجه الكشف الى الصفر ممكن ايضا، وقد قلنا ان موضوع الاخذ بالرواية احراز وصول درجة الكشف الى رتبة الاطمئنان او اليقين، ولا يكفي مجرد احتمال ذلك. اما «المراسيل»: فانها وان اشتركت من هذا الجانب مع روايات مجهولى الحال، الا ان لنا احيانا الى احرازكاشفيتها طريقا يعتمد على حساب «التوافيق» الرياضي وبدهيتي «الاتصال» و «الانفصال»، نشرحه مفصلالدى الحديث عن مراسيل ابن ابي عمير(ره) في القسم الثالث ان شاء الله تعالى.
وقفتان: غير ان اجراء «قاعدة الجمع» في المقام لا وجه له، بل يؤدي الى لزوم ما لا يلزم، وهو بلوغ درجة الصدق 100/101 في حالة بلوغ عدد المخبرين «101» راويا، وهو مقطوع البطلان. والصحيح اجراء «قاعدة الضرب» بلحاظ جانب الكذب، لان محل الكلام - اعني خصوص المثال - من موارد«التواتر العرضي».
2- الثانية: وتحت العنوان نفسه، قام البعض الاخر((109))
بتفسير جريان حساب الاحتمالات «طوليا» بواسطة قاعدة
الضرب وبلحاظ جانب الصدق، وقال ان احتمال صدق الراوي
الاول ان كان 2/1، وكذلك احتمال صدق الثاني والثالث، ثم روى
الاول عن الثاني عن الثالث، فسيصبح احتمال صدق
الرواية 2/1×2/1×2/1=8/1، وهذا الكلام صحيح ولا غبار عليه.
الا ان الشارح قام بتفسير منشا النسبة 8/1 قائلا انها «احتمال
حصول الصدق من الرواة الثالثة» على حد تعبيره، وذلك لان
لدينا «8» حالات متصورة من ناحية الصدق والكذب: والصحيح انه قد وقع خلط في تطبيق التبرير المذكور على محل الكلام، فان كلامنا حول درجة الكشف في الاخبارمع الواسطة، والتبرير المذكور اجنبي عنه. ومنشا الخلط ان «مقام»((110)) (denominator) الكسر الاول - وهو8 - لا يعدو كونه مشتركا مع «مقام» الكسر الثاني اشتراكا اتفاقيا. وذلك لان «مقام» الكسر الاول عبارة عن حاصل ضرب «2×2×2=8»، اما «مقام» الكسر الثاني الموجود في التبرير فهو عبارة عن حاصل جمع «3+3+1+1=8». ولو كان الشارح قد استخدم في الكسر الاول نسبة غير2/1، لاتضح الحال ولما وقع الخلط المذكور. ويمكن توضيح منشا الخلط نقضا وحلا: أما نقضا: فلو افترضنا ان نسبة صدق كل من الرواة الثلاثة هي 3/1 بدل 2/1، فان احتمال صدق الرواية سيصبح 3/1×3/1×3/1=27/1. ومع ذلك فان عدد الصور سيبقى «8» وسيبقى احتمال حصور الصدق منهم ثلاثتهم يساوى 8/1. وهذه النسبة ستبقى على حالها طالما ان عدد الرواة «3»، فهي اذن مرتبطة بعدد الرواة ولا علاقة لهابدرجة كاشفية خبر كل منهم. واذا اتضح ذلك، اتضح عدم تناغم التبرير مع ما يراد تبريره. اما حلا: فان التبرير المذكور ينتمي الى «حساب التوافيق»، وقد استخدمه السيد الشهيد(ره) في «الاسس» في ذيل نظرية التوزيع ل «برنولى» وعند حديثه عن «القضية المتواترة»((111))، حيث كان ناظرا الى ما اصطلحناعليه ب«التواتر العرضي». وهذا التبرير وان كان يجري ايضا في «التواتر الطولي»، الا انه في حد نفسه اجنبي عن مرحلة تحديد درجة الكشف التي هي محل كلامنا. ولعل الشارح طبق ما افتتح به الشهيد(ره) بحث «القضية المتواترة» في «الاسس» على بحث «القضية المتواترة» في «الحلقة الثالثة» مع انهما بخصوص ما نحن فيه اجنبيان. وما ذكره انما يقع جوابا للسؤال التالي((112)): لو اخبرنا ثلاثة اشخاص عن مفاد ما، ولم نكن نعلم هل هم صادقون ام كاذبون، فما هو احتمال ان يكون واحد منهم على الاقل صادقا حتى نستطيع الحكم على مفاد الخبر بالصدق؟ وما هو احتمال ان يكونوا جميعا كاذبين حتى نحكم عليه بالكذب؟ وهذا يشبه تماما مثال الطابات التي يمكن افتراضها في «حساب التوافيق»، فلو كانت لدينا سلة فيها ثلاث طابات نحتمل في حق كل واحدة ان تكون اما حمراء واما صفراء، فما هواحتمال ان تكون جميعها حمراء؟ والجواب عن المسالة على ضوء «حساب التوافيق» هو انه يحتمل ان يكون هناك راو فقط من الثلاثة صادقا، ويحتمل ان يكون هناك اثنان صادقين، ويحتمل كونهم جميعا صادقين. ويحتمل كونهم جميعا غير صادقين، فهذه احتمالات اربعة. والاحتمال الاول له ثلاثة فروض هي عدد توافيق واحد(عدد الصادقين) في ثلاثة (مجموع الرواة) Crn=n!/r!*(n-r)!=3!/1!*(3-1)! والاحتمال الثاني له ثلاثة فروض ايضا هي عددتوافيق اثنين (عدد الصادقين) في ثلاثة (مجموع الرواة) Crn=n!/r!*(n-r)!=3!/2!*(3-2)!=3 والاحتمالان الاخران لكل منهمافرض واحد (وهو فرض اجتماع الجميع على الصدق في الاحتمال الثالث وفرض اجتماع الجميع على الكذب في الاحتمال الرابع)، وبهذا يصبح مجموع الفروض او الصور : 3+3+1+1=8. فيكون احتمال صدقهم جميعا : احتمال كذبهم جميعا 8/1. ومن الواضح ان هذا في حد نفسه شيء وما نبحث عنه في بحث «التواتر الطولي» شيء آخر، لاننا نبحث في «التواتر الطولي» عن درجة الكشف في الرواية التي يرويهابشكل طولي ثلاثة رواة نعلم ان درجة الكشف في خبر كل واحد منهم 2/1 مثلا، لا اننا نجهل هل هم صادقون ام كاذبون ونبحث عن احتمال كونهم جميعا كاذبين او كون احدهم على الاقل صادقا. وياتى الحديث عن نظائر هذه الصورة في مرسلات ابن ابي عمير(ره) في القسم الثالث ان شاء الله تعالى.
3- «التواتر» الاعم:
1- الخطوة الاولى: في تحديد القيمة الاحتمالية للراوي نفسه:
أ- ليست هذه العوامل حصرية، وتحديدها في كل مورد يرجع
الى جدارة الفقيه وخبرته وتمرسه. ونظير ذلك ما اعتمده الشهيد(ره) في «الحلقة الثانية»((115)) تبعا للخارج لدى رده للطائفة الاولى من الروايات الناهية عن الرجوع الى ظواهر القرآن الكريم، اذ وجد ان رواتها في الغالب من ذوي الاتجاهات الباطنية المنحرفة. هذا والغرض من ذلك تبسيط العملية الحسابية، والا فان ذكر العوامل جميعها لا يضر طالما انها تجري بلحاظ الصدق وان القيمة الاحتمالية مع فرض عدم المصلحة ستكون (1) اي (100 %).
2- الخطوة الثانية: في تحديد القيمة الاحتمالية للرواية
الواحدة:
3- الخطوة الثالثة: في تحديد القيمة الاحتمالية لمفاد ما تخبر
عنه مجموعة من الروايات:
تطبيق حساب الاحتمالات
1- تنفيذ الخطوة الاولى: القيمة الاحتمالية لكل من الرواة:
القيمة الاحتمالية ل(ر1)=
2- تنفيذ الخطوة الثانية: القيمة الاحتمالية لكل من الروايتين:
3- تنفيذ الخطوة الثالثة: القيمة الاحتمالية لمفاد الروايتين: ملاحظة: وقد لاحظت كيف ان القيمة الاحتمالية لكل من الروايتين تؤثر في قيمة الاخرى. فبعد ان كانت نسبة الكشف في الرواية الاولى تساوي 65% ونسبته في الثانية تساوي 85.5%، فقد اصبحت بعد اجتماع الروايتين تساوي 95%. وهذا هو معنى قول صاحب المعالم(ره): «لان كل واحد يفيد ظنا، فاذا انضم الى غيره قوي حتى ينتهي الى التواترالمفيد لليقين»((117)).
ثانيا: الاجماع في ضوء نظرية الاحتمال: قال(ره): «كما ان تعدد الاخبارات الحسية يؤدي بحساب الاحتمالات الى نمو احتمال المطابقة وضلة احتمال المخالفة، كذلك الحال في الاخبارات الحدسية، حتى تصل الى درجة توجب ضلة احتمال الخطا في الجميع جدا، وبالتالي زوال هذا الاحتمال عمليا او واقعيا»((118)). ثم فرق(ره) بين سرعة حصول اليقين عبر الاجماع وسرعته عبر التواتر، حيث يسير الاحتمال الموافق في التواتربشكل اسرع. وذكر في مقام تعليل هذا الامر جملة من العوامل، منها: «ان احتمال تاثير الخبر الاول في الخبرالثاني موجود في مجال الاخبار الحدسية، وغير موجود عادة في مجال الاخبار الحسية، وهذا يعني ان احتمال الخطا في الخبر الاول يتضمن في مجال الحدسيات احتمالا للخطا في الخبر الثاني، بينما هو في مجال الحسيات حيادي تجاه كون الثاني مخطئا او مصيبا»((119)). وفي مقام توضيح ذلك، علق السيد علي اكبر الحائري على المسالة بان «اخبار كل مخبر في مجال الاخبارالحسية معتمد عادة على احساسه الخاص وليس خطا كل واحد منهم عاملا مساعدا على خطا الاخر، ولا عاملارادعا عن خطا الاخر، وهذا يعني انه على تقدير خطا احدهما سوف لا تختلف درجة احتمال خطا الاخر زيادة ونقصانا، فاذا كانت قيمة احتمال خطا الاول 50% وقيمة احتمال خطا الثاني 50% ايضا فاحتمال خطا الثاني على تقدير خطا الاول يظل على حاله بدرجة 50% وتسمى الاحتمالات في مثل ذلك بالاحتمالات المطلقة وفي مثل ذلك لو اردنا التعرف على قيمة احتمال خطئهما معا كان علينا ان نضرب قيمة احتمال خطا كل منهما في قيمة احتمال خطا الاخر، والنتيجة في المثال المذكور تساوي 25%. واما في مجال الاخبار الحدسية فان خطا بعض المخبرين يشكل عاملا مساعدا لخطا البعض الاخر، فمثلا اذا اخطاالشيخ الطوسي(ره) في مسالة معينة من حيث الفتوى كان ذلك عاملا مساعدا لخطا من بعده من العلماء في تلك المسالة، فاذا كانت قيمة احتمال خطا الشيخ الطوسي(ره) في نفسه 50% وقيمة احتمال خطا المجتهد الاخر في نفسه 50% ايضا، فاحتمال خطا المجتهد الاخر على تقدير خطا الشيخ الطوسي(ره) سوف يبلغ 80% مثلا، وهذامعنى قوله: «ان احتمال الخطا في الخبر الاول يتضمن في مجال الحدسيات احتمالا للخطا في الخبر الثاني» آوتسمى الاحتمالات في مثل ذلك بالاحتمالات المشروطة وفي مثل ذلك لا يصح ضرب 50% في 50% لمعرفة قيمة احتمال خطئهما معا، بل لابد من ضرب 50% التي هي قيمة احتمال خطا الشيخ الطوسي في 80% مثلا التي هي قيمة احتمال خطا الاخر على تقدير خطا الشيخ الطوسي(ره) والنتيجة تساوي 40% اي اكثر من نتيجة الضرب في مجال الاخبار الحسية بخمس عشرة درجة مئوية. وبهذا يظهر ان احتمال خطا الجميع في مجال الاخبار الحسية اسرع الى الهبوط منه في مجال الاخبارالحدسية»((120)).
تحليل كلام السيد الحائري:
منشا «النسبة المذكورة»: قال السيد الحائري فيما تقدم: «اذا اخطا الشيخ الطوسي(ره) في مسالة معينة من حيث الفتوى كان ذلك عاملا مساعدا لخطا من بعده من العلماء في تلك المسالة».
ونحن نجد انفسنا بدوا امام تفسيرين لهذه النسبة: وسنفترض في ما يلي مجموعة من الفرضيات، ونحاول تحليلها على ضوء التفسير الاول المذكور. وسنفترض مبدئيا ودرءا للتشويش ان قيمة احتمال خطا الشيخ الطوسي(ره) تساوي 20% وقيمة احتمال خطا «زيد»تساوي40%. أ- الفرضية الاولى: نفترض في الحالة الاولى تاثر «زيد» بالشيخ(ره) اشد التاثر الى درجة اتباعه حذو القذة بالقذة. فاذا كان تفسير هذا الامر هو انه : «كلما اخطا الشيخ الطوسي(ره)، اخطا زيد»، فهذا يعني ان احتمال خطا«زيد» على تقدير خطا الشيخ(ره) يساوي 100%. وعليه تكون قيمة احتمال خطئهما معا : قيمة احتمال خطا الشيخ الطوسي(ره) × قيمة احتمال خطا «زيد» على تقدير خطا الشيخ الطوسي(ره)=20%(بحسب الفرض)×100%=20 %، وهي قيمة احتمال خطا الشيخ الطوسي(ره) نفسها. وعليه تكون قيمة احتمال كشف الاجماع =100%-20%=80%. ومن هنا فان الاجماع في هذه الحالة لم يلعب دورا ايجابيا في زيادة درجة الكشف التي كان ينطوي عليها راي الشيخ الطوسي(ره) نفسه طالماان المجتهد المتاخر عن الشيخ(ره) متاثر برائه اشد التاثر. ب- الفرضية الثانية: نفترض في الحالة الثانية ان «زيدا» ليس متاثرابراء الشيخ الطوسي(ره) مطلقا.وسنفترض مبدئيا بان هذا يعني ان احتمال خطا «زيد» على تقدير خطا الشيخ الطوسي(ره) يساوي صفرا، فهذا يعني ان احتمال خطئهما معا =20%×0%=0%، فتكون درجة كشف الاجماع =100%-0%=100%. ومن الواضح ان في النفس شيئا من هذه النتيجة لانه لا يعقل كشف اجماعهما بنسبة 100 %. ومرد هذا الامر في الواقع الى ان نسبة 0% التي قلنا بانها احتمال خطا «زيد» على تقدير خطا الشيخ الطوسي(ره)ليست الا ترجمة رياضية لقولنا: «اذا اخطا الشيخ الطوسي(ره) فانه يستحيل ان يخطىء زيد»، او بعبارة اخرى: «يستحيل اجتماعهما على خطا». فلو فرضنا والحال هذه انهما اجمعا على امر وضممنا اليه استحالة اجتماعهماعلى الخطا، فلابد من القول حينئذ بان نسبة الكشف تساوي 100% للقطع بصواب رايهما. ومن هنا تعلم ان هذا الفرض ليس مرادا لنا، لاننا لا نريد من القول بعدم تاثر «زيد» بالشيخ الطوسي(ره) استحالة اجتماعهما على خطا، بل غاية ما نريده ان «زيدا» قد يخطىء، لكن خطاه ليس ناجما عن تاثره بالشيخ الطوسي(ره). والصحيح اخراج هذه الحالة من حالات «الاحتمالات المشروطة» الى «حالات الاحتمالات المطلقة» او «غيرالمشروطة» نظير الاخبار الحسية، فتكون قيمة احتمال خطئهما معا: قيمة احتمال خطا الشيخ الطوسي(ره) في نفسه × قيمة احتمال خطا زيد في نفسه =20%×40%=8%. فتكون 80% التي هي درجة كشف الاجماع حال تاثر «زيد» بالشيخ الطوسي(ره) اشد التاثر.
|