نتيجة البحث:

ان هيمنة التفسير الارسطي للقضية المتواترة على العقل الاصولي هيمنة مستحكمة، اوصدت منافذ البحث التي كان ممكنا الاطلال منها على تفسير منطقي متكامل للقضية. وقد اشرنا في مطاوي البحث الى ان وجدان الاصوليين كان يوجههم الى انتهاج «حساب الاحتمالات» حتى انهم وقفوا في بحثي «الاجماع» ((121)) و«التواتر»((122)) على نكتة «تراكم الظنون»، غير ان رسوخ التفسير الارسطي نجح في احباط محاولات التقدم جميعها، وجعلهم يفسرون «تراكم الظنون» نفسه على اساس «استحالة التواطؤ على الكذب». وفي ظل هذه التجاذبات، افلت الشهيد الصدر(ره) من اسر الصياغة الارسطية، وتوصل بجهود فكرية فلسفية جبارة الى نظرية معرفية جديدية، انتقل بها الى اجواء «علم الاصول» حيث وظفها في بحثي «التواتر» و«الاجماع» و«السيرة» و«الشهرة» توظيفا دقيقا. وعلى الرغم من ذلك فقد بقي بالبحث في اجواء هذا العلم بحاجة الى تفسر رياضي اكثر تفصيلا، وهو ما حاولنا انجازه وباختصار في هذه الدراسة التي اغفلنا فيها التعرض الى الكثير من التفريعات واقتصرنا على بحث امور:

1- التفسير الرياضي لجريان حساب الاحتمالات في ما اصطلحنا عليه ب «التواتر الطولي» و«العرضي» و«الاعم منهما»، اضافة الى محاولة الكشف عن كيفية التعامل رياضيا مع مجمل «العوامل الموضوعية».
2
- التفسير الرياضي لارتفاع درجة كشف الاجماع في حال عدم تاثر المجمعين ببعضهم البعض، وانخفاضها حال التاثر.
3
- التفسير الرياضي لجريان حساب الاحتمالات في «الاجماع» بشكل ابطا من جريانه في «التواتر».

ولئن كان ما بحثناه صعب التطبيق في بعض مجالاته، الا انه كشف لنا عن حقيقتين مهمتين:

الأولى: ان «التواتر» في ضوء نظرية الاحتمال يصبح وبتعبير الشهيد الصدر(ره) نفسه «حالة شبه مثالية خيالية لا يتفق له مصداق في باب الاحاديث والاخبار مع واسطة»((123)).

والثانية: ان «الاجماع» على ضوء النظريه المتقدمة يفقد مقدارا من هالته المحيطة به، خاصة وانه وبتعبيرالشهيد الصدر(ره) «ثبت عندنا وقوع تسامح نوعي واصطلاح عمومي من قبل علمائنا الاقدمين في نقل الاجماع وادعائه او اعتمادهم لمشارب غير صحيحة في تشخيصه. فلم يبقى للفقيه ثقة كبيرة بمثل دعاوى الاجماع المنقولة في الكتب ما لم تتظافر الدعاوى وتنضم اليها القرائن والشواهد والمؤيدات على صحتها» ((124)).

وعليه، فكأن نظرية الاحتمال حطمت وبحسب الاصطلاح المتداول «المرآة المحدبة» التي طالما وقف امامهاالبحثان المذكوران، واظهرت لهما دورهما الحقيقي والواقعي في الكشف عن السنة والسيرة.

ويبقى الحديث عن تطبيقات الشهيد الصدر(ره) لنظرية الاحتمال في علم الرجال، وهو ما سنبحثه مفصلا في القسم القادم ان شاء الله تعالى.

الفقه الجزائي والسياسة الجنائية

طوبى الشاكري
ترجمة: اياد حداد

القسم الاول

لعل التأملات الفقهية الحديثة الموسعة في الفقه الجزائي خلال العقدين الاخيرين، ولا سيما في الاعوام القريبة،ستستتبع تطورات جوهرية تشمل على الاقل اساليب المحاكمة وادلة اثبات الدعوى. الا ان ما يدعو الى الترددوالقلق تجاه هذه التطورات المستقبلية المحتملة هو انه اذا لم يقترن هذا الاتجاه الجديد بفكرة استخراج سياسة جنائية شاملة ومنهجية من النصوص الجزائية، فانه لن يخفف من عبء مشاكل الاجهزة القضائية على الصعيدالشرعي ولن يجاب عن الانتقادات الموجهة الى الفقه الجزائي من خارج الدين من زاوية نظر السياسة الجزائية الغربية. من هنا فان التفكير بسياسة جنائية شاملة الى جانب مواجهة الانتقادات الموجهة من خارج الدين والتي تمثل سياسة جنائية انسانية عقلانية تجاه الجريمة، يعتبر امرا ضروريا في التاملات الفقهية الحديثة.

وبملاحظة زاوية النظر النقدية هذه، ربما اوضح لنا التمهيد الموجز اعلاه ضرورة هذه المقالة واهدافها، والتي يمكن ابرازها في النقاط التالية:

1- لزوم اثارة التفكير الشمولي في هذا الاتجاه الجديد بالنسبة الى الفقه الجزائي، والايحاء بفكرة رسم الخطوط العامة للتطورات المستقبلية المحتملة في القوانين الجزائية واساليب المحاكمة، الى جانب الدراسة الفقهية للسياسة الجنائية الاسلامية وامكان استخراجها من النصوص الجزائية: الكتاب والسنة والفقه الجزائي.

2- القاء نظرة على السياسة الجنائية في الغرب واصولها واهدافها العلمية والعملية.

3- نقد النتائج العملية للتاملات الفقهية الحديثة، حيث تحدثنا عن التطورات المستقبلية المحتملة في القوانين الجزائية ولا سيما في اساليب المحاكمة الجزائية بالنظر الى التيارات الفقهية الموجودة، كما تناولنا هذه التيارات بدراسة معرفية لاسباب ستتضح اثناء البحث.

وقبل الدخول في الموضوعات اعلاه، لنتناول قبل كل شيء المفهوم العام لمصطلح السياسة الجنائية في الغرب.

مفهوم السياسة الجنائية في الغرب:

لا توجد ثمرة علمية ملموسة في البحث تاريخيا عن عودة فكرة السياسة الجنائية (بمعنى الموقف العقلاني من الجريمة) في الغرب الى «فورباخ» ((125)) الذي عرف السياسة الجنائية: بانها مجموعة الاساليب القمعية التي تعكس الحكومة باستخدامها موقفها من الجريمة ((126))، طارحا بذلك هذا المفهوم للمرة الاولى في بدايات القرن التاسع عشر، او ان ذلك عمليا كان من صنع «بكاريا» ((217)) في القرن الثامن عشر الذي عهد برسالة عظيمة،واجه فيها الانظمة الجزائية التي تقابل الجريمة بالانتقام والكفارة والمجازاة من خلال التبرير العقلاني للعقوبة وتناسبها المنطقي مع الجريمة وبلا دخل بالتاكيد لشخصية المجرم في الموقف المتخذ تجاه الجريمة، كماعرف فيما بعد من مفهوم السياسة الجنائية، وان كان هو نفسه بعيدا عن هذا المفهوم بالذات((218))، او انه يعودالى «مونتيسكيو» الذي سبق «بكاريا»، حيث كان كتابه روح القوانين رسالة في السياسة الجنائية في الحقيقة((129)). وهذا لانه مهما بلغت الدراسات التاريخية في هذا المجال فانها لا تؤثر في الاجماع العملي، على ان ظهور هذا المفهوم هو بمعنى بداية عقلانية لمواجهة الجريمة في الغرب، ونتاج الجهود العلمية لعصر التنوير في اوربا. وهذه المواجهة تستبدل الموقف المتسرع القمعي من الجريمة، والتركيز على التصدي للعنصر المجرم بتعامل متعدد الاصول والابعاد تجاه ظاهرة الجريمة تلاحظ القضايا المتعلقة بشخصية المجرم ويراعي جوانب حمايته الى جانب حماية المجتمع. والهدف من ذلك هو الصياغة العقلانية للموقف تجاه الجريمة.

ويبدو ان الاجماع والقطع العلمي في هذه المسالة هو الذي ادى الى اثارة شكوك جادة تجاه منطقية طرح سؤال: ماهي النسبة بين الفقه الجزائي الاسلامي وهذه السياسة الجنائية العقلانية تجاه الجريمة؟ وكذلك الى رفض منتقدي الفقه الجزائي الاسلامي للاجابات المعقولة في هذا المجال.

الرؤية النقدية من خارج الدين (تباين النسبة):

يرى منتقدو الفقه الجزائي الاسلامي ان النسبة بين الفقه الجزائي الاسلامي والسياسة الجنائية هي نسبة التباين،ودليلهم على ذلك هو:

أولا: تقدم الفقه الجزائي الاسلامي تاريخيا وتاخر موضوعات السياسة الجنائية طرحا، حيث يبدو ان وجودالسياسة الجنائية وتطوراتها التاريخية خلال القرنين الاخيرين هو وليد البحوث والتعاليم الحقوقية لفترة التنويروما بعدها في اوربا.

فتعاليم شخصيات من امثال «مونتيسكيو» و«بكاريا» و«بنتام» ((130)) وغيرهم التي تلاها رد من قبل وضعيين ك «لومبروزو» ((131)) و «انريكوفري» ((132)) و«جاروفالو» ((133))، هي التي فتحت الطريق امام نظريات الحماية الاجتماعية لامثال «ادلف برينس» ومن بعدها للتعاليم المتطرفة المضادة للحقوق الجزائية لآ«جرامانيكا»، واخيرا للاراء المعتدلة لمدرسة الحماية الاجتماعية الحديثة في السياسة الجنائية بزعامة «مارك انسل» ((134))، والتي اثرت بدورها جميعا في ظهور مفهوم ونظرة خاصة حول الانسان وحقوقه وحرياته،ورؤى انسانية في النظام الجزائي، وادت بالتدريج الى مواقف معقولة منظمة تدافع عن المجرم في الغرب ((135)).

كما يرى المنتقدون ان هذا التباين قائم في الماهية ايضا باعتبار ان الحقوق الاسلامية مثال للمدارس الفطرية الطبيعية التي كانت قبل القرنين السابع والثامن عشر، والتي كانت ترى ان الحكم الله، وان الامر والنهي انمايصدران عن ارادته، وان الفقه الجزائي يتسم بطابع الكفارة والعقاب والتحقير، نتيجة النظرة التي حملها الفقهاءتجاه الانسان من استحقاق الفرد العاصي غيرالمطيع للقهر الالهي والتطهير بالعقاب، ايمانا منهم بالعلاقة الكائنة بين العبد والمولى.

فمن وجهة نظر المنتقدين، ما قاله الامام الخميني في الفقه الجزائي حول قتل اليهود من بني قريظة: «كان هذاالقتل في صالحهم (بني قريظة)، وايضا يمكن القول بان قتلهم هو من تمام رحمة خاتم الانبياء(ص)، لانه بوجودهم في هذا العالم كانوا يعدون لانفسهم في كل يوم الوان العذاب، ولا تعادل الحياة كلها هنا يوما واحدا من العذاب هناك»((136))، هو هذا القول بموازاة خطاب «القديس بولس» للرومانيين: «اذا اساتم فخافوا لانه ليس من العبث ان يكون السيف بيد السلطة الحاكمة، فهي خليفة الله في الحقيقة»((137))، وذلك من حيث تعارضه مع تعاليم فلاسفة من امثال «لوك» و«روسو» و«كانت» و«استپنسر» وغيرهم ممن حطموابتعاليمهم الهياكل الالهية والدينية للحقوق الفطرية الطبيعية. فكانهم لم يستطيعوا التغاضي عن ضرورة وجود قواعد ارقى من ارادة الحكومات والحقوق الموضوعة، ولكنهم من بعد ان فصلوها عن الارادة والعقل الالهي، اكدواوجودها عن طريق معطيات عقلية صرفة((138))، فقد اكد روسو انه «من دون شك توجد عدالة اجتماعية منشؤها العقل»((139)) واخذ الاخرون يستلهمون منه، فاصبحت الحقوق الطبيعية في قراءة الفلاسفة الغربيين عبارة عن:

«اصول وقواعد يعتبر اعمها الشعور بمفهوم العدالة، النابع من العقل الانساني السليم والهادف الى حماية الفردوحقوقه وحرياته».

وهذه النزعة الفردية القائمة على اصالة الفرد عند الفلاسفة هي مصدر الهام تلك الاتجاهات الحقوقية التي تفكراليوم من خلال سياسة جنائية انسانية بجعل النظام الجزائي انسانيا وبمكافحة للجريمة تقوم الى جانب مكافحة العقاب، وهذه السياسة الجنائية هي منشا النظرة النقدية للغرب تجاه الفقه الجزائي الاسلامي. فهم يحاولون مكافحة العقاب من خلال التمييزبين الذنب والجريمة والكفارة والعقاب، وملاحظة القضايا الانسانية بالنسبة الى المجرم وتاكيد الشخصية الانسانية والنزعة الفردية ورفض العقوبات الدينية.

التيارات العلمية والفقهية الدينية وموقفها من هذه الانتقادات:

هذه النظرة النقدية للفقه الجزائي من خارج الدين استتبعتها في بداية الامر ردود فعل من علماء الدين، حيث ادت سرعة الرد فيها الى فقدانها العمق والانسجام المطلوب، وردود الفعل هذه جاءت على شكل دفاعات متناثرة،تحدثت تارة عن حكمة تشريع القوانين الجزائية وتارة عن الفوائد والاثار الاخلاقية والتربوية لتنفيذها وما الى ذلك.

الا انه خلال العقدين الاخيرين، تشكلت تيارات فكرية منسجمة ضمن النطاق الديني بخصوص الفقه والعقوبات بسبب تجذر الفكر النقدي من الخارج والداخل واخذه منحى سريعا في الاونة الاخيرة، حيث يمكن تقسيم هذه التيارات الى ثلاثة اتجاهات رئيسية من داخل الدين.

وعلى الرغم من اختلاف هذه التيارات في الماهية وكذا في الاسلوب والمبادئ، الا انها تشترك في امر واحد، وذاك هو عدم مواجهتها عند الاجابة لمنشا هذا التفكير النقدي، هذا المنشا الذي يتخذ شكل السياسة الجنائية والذي يعتبره رجال السياسة الجنائية ولا سيما «مارك انسل» موقفا معقولا في قبال النظام التقليدي القمعي،وحركة مضادة للعقاب او غير عقابية كحد ادنى من احدى النواحي، وموقفا مطالبا بضمان حقوق الفرد وحماية الانسان وتعزيز القيم الانسانية من ناحية اخرى ((140)). وبتعبير آخر، ضمان حماية المجتمع من الجريمة الى جانب احترام القيم الانسانية والاجتماعية((141)).

ونحن لنا طريقتان مختلفتان في معالجة هذه التيارات الدينية الداخلية الثلاثة:

1- باعتبار اختلاف التيار الاول عن التيارين الاخرين في المبادئ المعرفية من الدرجة الاولى تجاه النصوص الجزائية، فلابد من ان نلقي نظرة عامة على اسلوب ومبادئ التفسير داخل هذه التيارات تجاه الشريعة والنصوص الدينية.

وهذا ما يتاكد عندما نعلم ان الابحاث المعرفية الدينية من الدرجة الثانية تعكس عدم وجود اجابة منطقية عقلانية للمعارف الدينية ولا سيما المعارف الفقهية والجزائية تجاه التساؤلات والعلاقات الناشئة عن السنة التاريخية في عصرنا الراهن. والحل العملي لذلك يكمن في الفصل بين النصوص المقدسة والشريعة من ناحية، والمعرفة الدينية وفهم الشريعة من ناحية اخرى، وعدم التقديس والتعبد تجاه الفهم المقيد المشروط لفقهاء، مثل: الشيخ الطوسي، والعلا مة، وصاحب الجواهر، وبكلمة واحد المطالبة بتغيير جوهري في مبادئ المعارف الفقهية.

ويبدو ان صاحب التيار الاول يستند الى هذا الاساس، وكذا الى مبادئه في الهرمونوطيقيا الفلسفية عند معالجة النصوص الجزائية في الكتاب والسنة، معتقدا عدم حملها رسالة خاصة للسنة التاريخية للمجتمع المعاصر، وان فهم الفقهاء السابقين في الفقه الجزائي وقضايا السياسة هو اجابة عقلانية للسنن التاريخية للعصر الذي كانوايعيشونه.

والنتيجة المنطقية لهذا النوع من قراءة النصوص الفقهية هو تاكيد نسبة التباين بين الفقه الجزائي والسياسة الجنائية، وذلك خلافا للتيارين التاليين اللذين يحاولان استخراج اجابات تبريرية معينة من نصوص الفقه الجزائي عن طريق سنة التفقه بعلم الاصول.

اذا قبل تناول الموضوعات الفقهية التي تحاول الاجابة عن السؤال السابق، سيكون لنا بحث معرفي موجز عن هذه التيارات وعن علم الاصول باعتباره المنقح لاصول الاجتهاد.

2- من بعد المعالجة المعرفية للتيارات الدينية الداخلية الثلاثة، سنتناول التحديات الفقهية التي تواجهها هذه التيارات ضمن الموضوعات الفقهية التي تحاول الاجابة عن سؤالنا المذكور (ما هي النسبة بين الفقه الجزائي والسياسة الجنائية؟).

وبعد ان اتضحت بايجاز طريقة معالجتنا للتيارات الدينية الداخلية في ردها على منتقدي الفقه الجزائي الاسلامي، نتناول ادناه هذه التيارات:

1- التيار الذي ينكر وجود رسالة تشريع وسننا للقوانين الجزائية في النصوص الدينية من الكتاب والسنة في ابواب الحدود والقصاص والديات، وبانكاره للدليل الاجتهادي في السياسات والعقوبات الذي يعتبر هذه الامورداخلة في منطقة الفراغ((142)).

يشرح صاحب هذا التيار دعواه هذه بالقول:
«قدر كبير من الفتاوى والاراء الفقهية في باب السياسات يتعلق بالحدود والديات والقصاص والشهادة والقضاءوالبيعة والولاية العامة وامثالها، والسؤال المطروح امام فقهائنا اليوم ما هي نسبة هذه الفتاوى والاراء من الاهداف العقلانية المطروحة في ابواب السياسات في العصر الحاضر، والى اي مدى تستطيع تلبيتها؟

فقهاؤنا الذين يقولون في باب السياسات ايضا بان الفقه عبارة عن عرض الوقائع الاجتماعية والسياسية القائمة للمسلمين على الكتاب والسنة، واستخراج احكامها الشرعية، لابد لهم اولا ان يحددوا ما هي وقائع العصرالحاضر. هذه الوقائع تكشف عن نفسها من خلال اسئلة مطروحة حول المجتمعات الاسلامية، وبالامكان ملاحظة نموذجين اساسيين من هذه الاسئلة في باب نظام الجزاء ونظام الحكم. فمثلا سؤالنا الاساسي المطروح اليوم في باب (الجريمة والعقاب) هو باي نظام جزائي وقضائي يمكن الحيلولة دون وقوع الجريمة وتكرارهاوشيوعها، او الاستجابة للوجدان الاخلاقي للمجتمع وضمان العدالة؟ هذه اسئلة تثار في العصر الحاضر من منطلق فكرة السيادة الكاملة للدولة والمحافظة على الحقوق العامة، ولم يكن لها وجود في صدرالاسلام»((143)).

ويقول المؤلف في موضع آخر من كلامه:

«هذا الواقع يوجه انظارنا الى تلك النصوص التي قامت عليها تلك الفتاوى والاراء. فنسال انفسنا: هل ان تلك النصوص تريد الاجابة عن تساؤلات عصرنا ايضا؟ او انها في موقع الاجابة عن تساؤلات اخرى كانت مطروحة في عصر صدور تلك النصوص واجابت عن تلك التساؤلات مع المحافظة على المصلحة الشرعية والعقلائية للمسلمين»((144))؟ فمن خلال دراسة الافق التاريخي والحالة الاجتماعية والثقافية لعصر النزول ومقارنتها بالتطورات الجوهرية الحاصلة في مجتمعنا الحاضر، يعتقد هذا التيار ان هذه النصوص انما تجيب عن تساؤلات عصر النص، وان دلالتها لا تتجاوز هذا الحد، وانها لا تريد تقديم اوامر ونواهي محددة في مجال السياسات والعقوبات في عصرناالحاضر، ولذلك فان الفقه الجزائي والفتاوى القائمة على هذه النصوص هي خارج نطاق العقلانية، ولا تلبي الاهداف العقلانية لمجتمع اليوم.

ونحن نعتبر هذا التيار من داخل الدين لانه تبلور في نطاق الدين، ولكنه حيث لم ياخذ بعلم الاصول وقواعد الدلالة فهو تيار انتقائي. فالمعرفة الدينية والمعارف من الدرجة الاولى لهذا التيار في مجال الفقه وتفسير نصوصه متاثرة بنظرية المعرفة الحديثة، والهرمونوطيقيا الفلسفية عند جادامر التي تدعو الى التامل في ماهية فهم النص وطبيعة تكونه، لتؤكد مسالة تاريخية الفهم وتقوم بعملية التفسير من خلال ملاحظة اختلاف الافق التاريخي للنص، والافق التاريخي للمفسر من اجل الحصول على اسئلة يبلورها الافق المعنوي للمفسر والسنة التاريخية التي يعيشها.

وما تؤمن به الهرمونوطيقيا الفلسفية هو ان المخاطب والمفسر لا يمكنه التوصل الى فهم نهائي للنص على الاطلاق، وان التفاسير لا يمكنها الاتصاف بالصحة وعدمها، والمخاطب انما يستنطق النص من خلال مفروضاته الاولية النابعة من تقليده الخاص، ويستخرج منه اجوبة لاسئلته وشؤونه الخاصة. من هنا ليس هناك فهم نهائي مقدس ثابت للنص.

ولذلك فان صاحب هذا التيار لا يجد في نفسه الالتزام العلمي والتعبد الداخلي تجاه تعاليم الفقه الجزائي للماضين من الفقهاء، ويرى كما هو الحال عند منتقدي الفقه الجزائي الاسلامي ان الفقه الجزائي وفتاوى الفقهاء في السنة التاريخية لمجتمعنا الحاضر هي خارج نطاق العقلانية.

2- يميل التيار الثاني الى تعطيل الحدود في زمن الغيبة، ويرى ان اقامة هذه الاحكام هي من مستلزمات المجتمع المثالي، حيث يعيش الناس حالة السلوك التكاملي التوحيدي في ظل ادارة وهداية الانسان الكامل، مستندا في ذلك الى ادلة القائلين بان اقامة الحدود هي من صلاحيات الامام المعصوم(ع)، مع عدم انكار التشريع الجزائي ووجودالدليل الاجتهادي في هذا المجال.

فبعد ان يتناول ادلة الفقهاء المؤيدين لاقامة العقوبات الاسلامية وكذلك القائلين بتعطيل الحدود في زمن الغيبة،يقول:

«بغض النظر عن الادلة النقلية التي تقدم تحليلها، فان النقطة التي تجول في خاطرنا، والتي لا تخلو من اهمية وان خلت من طابع تفقهي، هي ان الاسلام مجموعة ذات ابعاد مختلفة: بعد اخلاقي، بعد اجتماعي، بعد اداري، وفوق ذلك كله انه يشتمل على نظام تشريعي وحقوقي يسمى اصطلاحا بالشريعة. وهناك شعور بوجود ترابط وانسجام تام بين هذه الابعاد المختلفة. وقد اتخذت تدابير متنوعة لتربية البشر وتحليهم بمكارم الاخلاق ولتعالي الانسانية ورقيها، ووضعت اشكال الطرق الراقية لطلاب الكمال، والى جانب ذلك تقررت عقوبات تشريعية صارمة تجاه المخالفين الذين تمت عليهم الحجة في تربية انفسهم وتهذيب اخلاقهم.

وبهذا، لو فرضنا عدم اجتماع كامل الشروط، والتي اهمها براي الشيعة الاثني عشرية الصائب هو وجود بشركاملين على قمة ادارة المجتمع ممن له دور اكيد وفاعل في تربية المجتمع، فان احتمال التردد في تنفيذ العقوبات الشرعية سيكون امرا جادا» ((145)).

ثم يتناول نماذج تاريخية من اقامة الحدود اجراها امير المؤمنين(ع)، وكيف تعامل الامام(ع) مع المخاطبين والمجرمين، واضعا نفسه في ظل الظروف الثقافية والاجتماعية والايمانية لعصر النص، ليميل من خلال تامل الظروف الخاصة بالعصر الراهن الى القول بتعطيل الحدود في زمن الغيبة معتقدا وجود ما يبرر ذلك اجتماعيا.

ومن وجهة نظر معرفية، نجد ان المبادئ التي يعتمدها هذا الاتجاه فيها مجال للتامل، بغض النظر عن النتائج الفقهية الحاصلة. فعلى الرغم من ان هذا التيار هو من داخل الدين تماما، ويستند الى سنة التفقه عن طريق علم وقواعد الدلالة، فهو يتخذ طريقا نفسيا وراء اللغة في تفسير النص، ويعيد استكشاف خصوصيات صاحب النص وطبيعة موقفه من المخاطبين، وبشكل عام فانه يعيد استكشاف الحالة التاريخية والاجتماعية والثقافية للعصر الذي ظهر فيه النص. وهذا امر بغض النظر عما يواجهه من نقد يتمتع بايجابيات اسلوب التفسير الرومانطيقي الذي يعتبره «شلاير ماخر» من مستلزمات تفسير النص الى جانب التفسير النحوي واللغوي، كما انه في الفقه الشيعي غالبا ما تستند فتاوى الفقهاء ولا سيما في الفقه الجزائي الى هذا النوع من تعاطي الشارع مع مخاطبيه عند اقامة الاحكام الجزائية باعتبارها فعلا للمعصوم وسنة عملية.

ويظهر انه قد تم الاعراض عن بعض الحالات ايضا باعتبارها حالات واحدة ومنفردة.

فاذا اعتبرنا كل عنوان من ابواب الجامع الروائي في وسائل الشيعة رايا فقهيا للشيخ الحر العاملي، فسنجد ان من حالاته التي تدعو الى التامل هو تمسكه بخبر ابي اسحاق الخفاف عن اليعقوبي عن ابيه في الحكم بكراهة اجتماع الناس عند اقامة الحد. فقد جاء في هذا الخبر: «اتي امير المؤمنين(ع) وهو بالبصرة برجل يقام عليه الحد، قال:فاقبل جماعة من الناس فقال امير المؤمنين(ع): يا قنبر انظر ما هذه الجماعة؟ قال رجل يقام عليه الحد، قال: فلماقربوا ونظر في وجوههم قال: لا مرحبا بوجوه لا ترى الا في كل سوء، هؤلاء فضول الرجال امطهم عني يا قنبر» ((146)).

في ضوء هذا الخبر، نجد انه عندما جيئ بشخص الى امير المؤمنين(ع) لاقامة الحد عليه، تدافع قوم للتفرج على اقامة الحد، فتساءل امير المؤمنين عن سبب ذلك فاجاب قنبر بانهم جاءوا يتفرجون على اقامة الحد، فنظر اميرالمؤمنين باشمئزاز اليهم واعرب بقوله: «لا مرحبا بوجوه لا ترى الا في كل سوء.» عن امتعاضه من اناس لايرون الا في موارد السوء، ثم طلب من قنبر ابعادهم عنه.

وكما يلاحظ، فان هذا الخبر هو مجرد رواية لنوع من التعاطي القائم على ملاحظات نفسية من قبل الشارع تجاه مخاطبيه.

اضف الى ذلك، لو صرفنا النظر عن مشكلات السند، فان نص الخبر يتعارض مع دلالة الاية: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)((147))، واما الجمع بين الخبر والاية بالحكم بكراهة الحضور عند اقامة الحد فهو بعيد جدابالنظر الى اللهجة غير التسامحية للاية. واذا كان العلا مة وغيره قد حملها على الوجوب بالنظر الى ظاهر الاية، فلوتساهلنا في قبولنا راي الشيخ الطوسي في المبسوط بحملها على الاستحباب، فان حملها على الكراهة نظرا للخبرالمذكور هو موضع تامل للغاية من الناحية الاصولية، الا ان ناخذ بنظر الاعتبارصحيحة محمد بن خالد ومرسلة ابن ابي عمير وخبر الاصبغ بن نباتة((148)) وغيرها.

ولنقل ان المراد من الافراد الذين توجهت اليهم الكراهة المذكورة هم من عليه حد الهي بسبب ارتكابه لكبيرة مشابهة (في الجنس اوالنوع).

ومع ذلك، لم يغفل الفقهاء عن التمسك بامثال هذا التعاطي التاريخي للشارع مع مخاطبيه، والنابع من ملاحظات نفسية خاصة لدى الشارع تجاه المخاطبين وتفهم لظروف ومصالح المجتمع الاسلامي وما شابه ذلك.

يعكس التامل الفقهي في بحوث القدماء والمتاخرين عدا كتب الفقه الروائي مثل «المقنع والهداية» للشيخ الصدوق عدم جمود الفقهاء في يوم من الايام على اللفظ في تفسير النص والتفقه فيه، وانهم لم يكونوا يتداولون اسلوب التفسير الكلاسيكي الذي ظل الى القرن الثامن عشر تقريبا الاسلوب المعروف في تفسير النصوص المقدسة في اوربا.

ومن ناحية اخرى، قد عرف فقهاؤنا على مدى تاريخ الفقه تقريبا ابتكارات «شلاير ماخر» في القرن الثامن عشر وطريقته العامة في التفسير، القائمة على التامل التاريخي والاجتماعي والثقافي في ظروف عصر النص،ومحاولة ادراك تعاطي الشارع مع المخاطبين، الى جانب اسلوب التفسير النحوي القائم على فقه اللغة وقواعدالدلالة (المعروف في تقليدنا الفقهي بعلم الاصول).

بل والملاحظ هو ان اعراض فقهائنا في بعض الحالات عن النهج العملي والقضائي للشارع باعتباره قضية واحدة منفردة نابعة عن ذلك الاسلوب التفسيري والفقهي الذي اتخذوه، وليس عن تاكيدهم الجمود على اللفظ في التفقه والفقه.

ولذلك نراهم يعرضون عن بعض هذه القضايا الواحدة المنفردة لاسباب، من قبيل: عدم العمل بما تفرد به الشارع وعدم الاطلاع على الظروف الثقافية والمصالح الاجتماعية الخاصة التي دفعت الى هذا النوع من تعامل الشارع مع مخاطبيه.

3- واما التيار الثالث، فهو لا يعتقد بجواز اقامة الحدود والعقوبات الشرعية للامام(ع) فحسب، بل وللفقيه الجامع للشرائط ايضا، ولكن مع تخصيص بعض الادلة كعلم القاضي بالامام المعصوم(ع)((149)) وكذلك صلاحية الحاكم في الامتناع عن اقامة الحدود في حالات تشخيص ولي الامر مع وجود مصلحة في تعطيل الحدود، مثل حالات التزاحم مع مفسدة اهم، او حالات عدم تحقق الاهداف العقلانية المرجوة من العقوبات التي منها الحيلولة دون وقوع الجريمة واصلاح المجرم او عدم تناسب الوسط الاجتماعي والثقافي مع اعمال العقوبات الشرعية،الامر الذي ينطوي على رسالات اخلاقية وتربوية الى جانب الاهداف المذكورة اعلاه((150)). كما انها تخفف من المشاكل الناجمة عن تنفيذ العقوبات والانتقادات الموجهة التي تنشا كما يبدو عن عدم تطابق العقوبات مع الاهداف المبرمجة للسياسة الجنائية.

يقول صاحب هذا التيار في معرض الحديث عن التعطيل الموقت للعقوبات الاسلامية:

«هل يستطيع حاكم الشرع او ولي الامر في غير الحالات التي مر ذكرها الامتناع عن اقامة الحد في حال وجودمصلحة، سواء اكان الحد من الحقوق الالهية ام من حقوق الناس، او انه لابد من اقامة الحد على اي حال؟ يمكن القول بامكان امتناع الحاكم عن اقامة الحد في الحدود التي هي من حق الله او الناس في احدى الحالات الثلاث التالية:

1- حالة التزاحم: وهي كلما وجد الحاكم في اقامة الحد مفسدة وضررالا يمكن ان يرضى بهما الشارع، من قبيل اعراض الناس عن الدين نفسه وفتح ثغرة ضعف ووهن داخل الحكم وما الى ذلك.

2- ان تؤدي اقامة الحد الشرعي الى ضياع الهدف المرجو منها، فممالا شك فيه ان الحدود الالهية هي روادع يرادبها اصلاح المجرم وكفه مع غيره عن مثل هذه الاعمال، لكي يتدبر عاقبة الجرم، فلو فرضنا ان اقامة الحد ستؤدي الى فساد المجرم وتباعده اكثر من السابق عن الدين، الامر الذي يدفعه بالتالي الى الارتداد عن الاسلام والانخراط في سلك الاعداء والمعارضين، ففي مثل هذه الحالات يقال بامتلاك الحاكم صلاحية المنع عن اقامة الحد اوارجائه.

3- في حالات عدم امكان اقامة الحدود او صعوبتها، وان كانت تلك الصعوبة ناتجة عن حاجة الناس الى تنفيذهادئ وتدريجي للاحكام الاسلامية في المجتمع، وعدم القدرة على تحمل تنفيذ كل الاحكام مرة واحدة»((151)).

كما يقول في خصوص عدم امكان التمسك باطلاق الايات والروايات الجزائية لاثبات حجية علم القاضي في اقامة الحدود والعقوبات الاسلامية:

«شروط تنفيذ العقوبات وحق تنفيذها او كيفية اثبات الجرم على المتهم، هي من المسائل الواقعة خارج نطاق دلالة تلك الايات والروايات، ولذلك لا يمكن الاستناد الى اطلاق تلك الادلة لالغاء كل شروط تنفيذ الاحكام، كشرط البينة او القسم في اثبات تلك الجرائم»((152)).

ان الدلالة المطابقية لهذا الاتجاه من ناحية، وتحديد ادلة اثبات الجرائم من ناحية اخرى، والتعطيل الموقت للعقوبات الشرعية على اساس مصالح، افرزتها التطورات الاجتماعية والثقافية الحاصلة في صميم المجتمعات الاسلامية، وكذا الدلالة الالتزامية للاتجاهين الاخيرين، يعتبر شكلا من اشكال التراجع العلمي قبال الناقدين الغربيين.

ومن حيث الاسلوب المعرفي، فان التيار الثالث يشارك التيار الثاني في ميزاته العلمية، الى جانب انه يركز آوبكثافة اكبر في دراساته الفقهية على الترتيب المنطقي للتقدم والتاخر التاريخي للنصوص، حيث يعد ذلك من مزايا المتابعة الفقهية والعمق الفكري عند صاحب هذا التيار.

والامر الذي يدعو الى التركيز على ذلك في الدراسات والتعاليم الفقهية لصاحب هذا التيار، هو تاثيره في تحقيق فهم فقهي معقول وانسجام النتائج الحاصلة من الناحية العلمية.

فكأن النص هو في حوار مستمر مع المخاطبين على مدى سنن التاريخ المختلفة. وقد تناول الفقهاء الفاصلة الزمنية التي تدعي الهرمونوطيقيا الرومانطيقية ل «شلاير ماخر» معالجتها من خلال اعادة بناء ذهنية صاحب النص والمخاطبين، والتامل النفسي والثقافي والتاريخي في عصر صدور النص وما الى ذلك، في حين تقتصرالهرمونوطيقيا الفلسفية ل «جادامر» على محاولة تقريب الافاق التاريخية للنص والمخاطبين، وحيث ان الافق المعنوي للمخاطب مقيد بخلفياته التاريخية، فانها لا تؤمن بامكان فهم كامل للنص، باعتبار ان هذا التقليد الفلسفي يرى النص وكانه بناء قديم صامت متاثر من مسافة بعيدة عازلة عن المخاطبين، ولما كان المخاطب مقيدا بالخلفيات التاريخية الخاصة به فهو غير قادر على التوصل الى فهم للنص خالص وغير مشوب.

في التقليد الفقهي، النص هو تمثيلات ايحائية لصاحبه، فاذا القي الى المخاطب صارت له حياة مستقلة عن الذهنية الالهية الفريدة لصاحبه هذا، وهذه الحياة تقوم في الوقت ذاته في ذهن هذا الانسان او ذلك من الفقهاء والمخاطبين.

ولذلك فان تقييد فهم المخاطب والفقيه بالخلفيات التاريخية الخاصة لا يؤدي الى عدم الفهم ما دام النص بامكانه ان يحكي عن نفسه من خلال تعاليم الفقه. ففي التقليد الفقهي، لا يكون النص صامتا متاثرا، بل هو في حوارمستمر مع المخاطبين، والمخاطب والفقيه انما يتسنى له فهم النص اذا ما اصغى الى هذا الحوار التاريخي للنص في سنن مختلفة، وهذا هو السر في اصرار الفقيه على فهم آخر واكمل الحوارات التاريخية للنص عن طريق بحوث واجتهادات الفقهاء، على الرغم من انه لا يؤمن براء فقهاء من امثال الشيخ الطوسي والمحقق والعلا مة وصاحب الجواهر والشيخ الانصاري وغيرهم. فكانه لا يستطيع تناسي ضرورة الرجوع المستقل الى النص من الكتاب والسنة باعتبارهما مصدرا للتشريع ومرجعا اوليا لاستخراج الاجوبة المناسبة الحديثة عن التساؤلات والقضايا التي افرزتها السنة التاريخية الخاصة بها، مؤمنا بان تناوب النص في اذهان المخاطبين لا يؤدي الى تحول حقيقته في تعاليم الفقه، وانه يحتفظ بهويته المستقلة لحوارات جديدة في سنن تاريخية مختلفة.

وهذا الامر هو ما يلتزم به بقوة صاحب التيار الثالث، وينبئ على اساسه عن التطورات القادمة ولا سيما في ادلة اثبات الدعوى واساليب المحاكمة في ضوء تعاطي فاعل مع النص وتعاليم الفقه، وهذا ما امتاز به المتضلعون في الفقه والاصول بين القدماء والمتاخرين، كابن الجنيد وابن ابي عقيل في الفقه، والشيخ الطوسي في الفقه والاصول، والوحيد البهبهاني في الاصول والشيخ الانصاري في الفقه والاصول. الا ان الميزة الاضافية لصاحب التيار الثالث والتي نتوصل اليها من خلال المقاربة المعرفية لهذا التيار، هي ان صاحبه الموقر يوحي في بحوثه بان لا تعتري الفقيه والمخاطب عند فهم النص عن طريق تعاليم الفقه طفرة تراجعية قهقرائية واضحة، والا يغفل عن المسار المنطقي لتبلور الحوارات التاريخية للنص.

فكما يلزم رعاية ترتيب طبقات الرجال عند دراسة سند معين في النصوص الروائية، وان الاخلال بذلك على الرغم من وثاقة الرواة وعدالتهم يؤدي الى عدم الاعتماد على النص، كذلك التامل في النصوص وتعاليم الفقه باعتبارها حوارات متناسقة منطقية للنص يستلزم رعاية هذا الترتيب الطبقي.

فهل توصلنا المتابعة الفقهية وان كانت دقيقة وعميقة الى استخراج اجابات فقهية سليمة اذا استندنا اولا الى كلام صاحب الجواهر الذي هو من الطبقة الثالثة والثلاثين من الفقهاء، ثم تناولنا آراء العلا مة وهو من فقهاء الطبقة الثامنة عشرة، ثم تابعنا آراء الشيخ الطوسي في الطبقة الثانية عشرة من الفقهاء والمحدثين، وبعد ذلك قفزناتاريخيا الى آراء صاحب البلغة، فقيه الطبقة السادسة والثلاثين وهكذا؟

فهل هذا ليس الا تحويلا للحوارات المنطقية للنص الى اصوات غير مفهومة لا يمكن استيعابها؟

هذا الامر هو الذي لا يجري التاكيد عليه اليوم في التاملات الفقهية، ويسعى صاحب التيار الثالث الى اجتنابه،محاولا استخراج النسب التاريخي للحكم.

اضف الى ذلك ان معرفة الظروف والسنن التاريخية المختلفة باعتبارها خلفيات لظهور حوارات النص وتعاليم الفقه، ستعين المخاطب والفقيه على ادراك رسالته تجاه تضاريس الزمان في المجتمع، ومعرفة تساؤلاته وشؤونه الخاصة والمطالب المنطقية المعقولة المرجوة من النص.

فلا يمكن الوقوف على سبب رقي واتساع تعاليم الفقه عند الشيخ المفيد وهو من الطبقة الحادية عشرة من العلماء والفقهاء مقارنة بالفقه الروائي عند الشيخ الصدوق وغيره من دون معرفة الظروف الخاصة التي فرضهاالانفتاح الحاصل عن اعتناق آل بويه للتشيع، والذي مهد لارضيات الرقي الفقهي والكلامي لهذا الفقيه الكبير.

وهذا ما دفع بالشيخ الطوسي الفقيه الذي عرف كيف يغتنم الفرص الى توسيع فريد للفقه الشيعي، ومواجهته للفقه السني واجابته عن الاتهامات التاريخية، والاصرار القائم على نزعة القياس والاستحسان المتظاهر بالتجددعن اهل السنة، الذي ادى الى تفريع الفروع وتوسيع الفقه السني.

كما انه وسع مصادر التشريع الشيعي من خلال تاكيد حجية خبر الواحد، وعلم الفقهاء الشيعة جراة وقدرة على تفريع فروع اكثر وقد كانوا لشدة تعبدهم بالسنة لا ياخذون في الغالب الا بالخبر المتواتر، وبالتالي استطاع البلوغ برسالته الى النهاية باخراجه المبسوط في قبال مبسوط السرخسي والخلاف (في الفقه المقارن).

وهكذا بالقاء نظرة على ظهور السلاجقة بهدف احياء سلطة الحكم المركزي، الاخذة بالاضمحلال آنذاك من بعدالاحساس بخطر الهيمنة القريبة للفقه الامامي لقوة آل بويه التي لم يسبق لها نظير من ناحية، والفاطميين والحمدانيين من ناحية اخرى، سيعين على ادراك عوامل السبات العلمي من بعد الشيخ وثبات عصر المقلدة.

وكذا ظهور التعاليم الفقهية للمحقق والسيد ابن طاووس وغيرهما، ولا سيما افكار العلا مة المنظمة في الحكم وتعاليمه المتسقة، الى جانب اطلاعه على سنته التاريخية الخاصة الناتجة عن الميولات الشيعية للمغول آوخاصة محمد خدابنده كل ذلك سيعين الفقيه والمخاطب على ادراك السنة التاريخية الخاصة به والرسالة المترتبة على هذه السنة للاجابة عن التساؤلات والعلاقات الخاصة بالمجتمع الحديث.

واخيرا فان تامل الاراء الفقهية لعلماء وفقهاء من الطبقة السابعة والعشرين والثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين، كصاحب المعالم وصاحب المدارك والشيخ البهائي والمولى محمد تقي المجلسي والملا محمد باقرالمجلسي، مع ملاحظة الخلفيات الخاصة الناتجة عن سيادة اول حكومة شيعية، تبرر لنا توقعات معقولة من الابداع الفقهي، ولا سيما في الفقه الجزائي((153)).

هذا ما يؤكده بقوة صاحب التيار الثالث، ويصر على ضرورته في احاديثه الى جانب ما في مؤلفاته((154)).

الا اننا نجد خللا ملموسا في المعرفة الفقهية من الجانب المعرفي لهذا التيار الفقهي الجزائي، وذاك هو الفراغ الموجود في دراسة النصوص الفقهية السنية، والتي نجد ضرورة منطقية معقولة لها لسببين:

الاول: تبلور النصوص الروائية الشيعية في داخل السنة التاريخية الثقافية السياسية الخاصة لمجتمع عصرالصدور، والتي كانت محكومة لفقه اهل السنة، ولا سيما في الشؤون السياسية والجزائية، وغالبا ما كانت هذه النصوص خاصة في القضايا الجزائية في تضارب او تعاطي سلبي مع الفقه السني.

ويظهر نموذج تضارب النصوص الروائية الجزائية مع فقه اهل السنة في اخبار وروايات القسامة. فطبيعة دلالة الروايات وتاكيدها لكون القسامة (التي تعتبر من الاحكام الامضائية بحسب الراي المشهور) حكما تاسيسيا من خلال عبارة: «ان الله حكم في دمائكم بغير ما حكم في اموالكم، حكم في اموالكم ان البينة. على المدعي واليمين على من انكر، وحكم في دمائكم ان البينة على من ادعي عليه واليمين على من ادعى»((155)).

في صحيحة ابي بصير، وتبرير الحكم وتعليله في صحيحة عبد الله بن سنان بعبارة «.اما انه حق، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضا. وانما القسامة حوط يحاط به الناس»((156)) او في ممدوحة او مرسلة اخرى عن زرارة بعبارة: «انما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشر المتهم» ((157))، هو نوع من التضارب الشديد(اثناء الفرصة التاريخية الحاصلة من ضعف السلطة الاموية، وعدم استحكام السلطة العباسية)، مع اساليب الهيئة الاستشارية العامة للامويين عند عمر بن عبد العزيز.

يقول ابو قلابة وضع عمر بن عبد العزيز في احد مجالسه الرسمية القسامة باعتبارها احد ادلة اثبات الدعوى آفي معرض الاستشارة العامة، وعندما وصل الدور اليه (ابي قلابة) استطاع هو باسلوبه القياسي اقناع عمر ابن عبد العزيز بعدم كفاية وجدوى المحاكمة عن طريق القسامة، فكتب بعد ذلك الى القضاة انه اذا شهد شاهدان عادلان على القتل جرى القصاص وامامع خمسين قسما فلا((158)).

وطبيعي ان هذا التضارب ليس بمعنى الاعتراض على الديمقراطية، بل هو صراع سقراطي مع نزعة التاثر بالعوام التي كانت تضع لشدة ادمانها على الاستشارة تنفيذ عقوبة القتل والاعدام وغيرها امام هيئة استشارية عامة من الفلاحين والتجار وغيرهم، ويشاء القدر ان يكون قرار العوام قتل سقراط هو الرد على خطاباته الثورية المناوئة لهذا الانصياع الصاخب للعوام. تلك الخطابات التي كانت ضد حالة الانصياع للعوام في الوقت الذي لم يكن فيها اثر للدفاع عن حزب الاقلية الحاكمة او الطبقة الارستقراطية المثقفة((159)).

فهل يمكن - اذن - التغاضي عن الخلفيات التاريخية لظهور النصوص الروائية، ولا سيما النصوص الجزائية،وخوض غمار البحث الفقهي بالتامل التجريدي في النصوص اعلاه والتفحص في المضمون التاسيسي للتعابيرالمذكورة حول مدى الاخذ بالقسامة وابعادها للحكم بان القسامة حكم تاسيسي؟ او ان الامر هو كما فعل صاحب الجواهر مع خبر ابي بصير الذي يقول: «سالت ابا عبد الله(ع) عن القسامة، اين كان بدؤها؟ فقال: كان من قبل رسول الله(ص)»((160))، حيث توقف عند عبارة (من قبل) التي يمكن قراءتها بالفتح والكسر مترددا في كون القسامة حكما تاسيسيا او امضائيا((161)).

ثانيا: تعامل المعصوم(ع) سلبا وتقية تجاه الفقه السني الحاكم في اخبار وروايات كثيرة. وهذا ما يتفق عليه الفقهاء، المتقدمون منهم والمتاخرون. الا ان تحديد مفردات هذا التعامل السلبي وروايات التقية يعتمد الى حد كبيرجدا على استيعاب الفقه السني، والاطلاع على الخلفيات التاريخية لعصر النص. وصاحب التيار الثالث لا يتعامل مع الفقه السني لاسباب لا نعرفها على الرغم من وقوفه فقهيا على ابعاد هذا الامر.

والنتيجة التي نخرج بها من البحث المعرفي لتيارات الفقه الجزائي التي مرت، ولا سيما التيار الثالث، هي كمايلي:

1- تاكيد سنة التفقه عن طريق علم الاصول وقواعد الدلالة.
2
- ضرورة تامل تعاليم الفقه باعتبارها حوارات تاريخية للنص مع ملاحظة التقدم والتاخر في عملية تبلور هذه الحوارات.
3
- ضرورة الاطلاع على السنن التاريخية المختلفة التي عاشها النص من عصر الصدور، ثم مع تعاليم الفقهاء على شكل تفاسير دينية، وكذا التفسير النفسي لحالات تفرد صاحب النص وتعامله مع المخاطبين.
4
- خروج التيار الاول تلقائيا، حيث اعتمد في تفسير النصوص المبحوثة على نظرية المعرفة الحديثة والهرمونوطيقا الفلسفية فحسب.

واخيرا نشير الى اننا سنتناول هذين التيارين في اثناء معالجتنا للمشكلات الفقهية من بعد البحوث المعرفية والدخول في الموضوعات الفقهية الصرفة لاستخراج النسبة بين الفقه الجزائي والسياسة الجنائية.

الاثار العلمية والعملية للاتجاهات ونقدها:

لا تنتهي ردود الفعل عند هذه الاتجاهات العلمية من داخل الدين، بل ان موضوعات وتعاليم الفقه الجزائي الحديث(بغض النظر عن التيار الاول) ولا سيما في التيار الثالث، قد فتحت آفاقا عملية جديدة الى جانب تاثيرها في الدراسات الفقهية والحقوقية، سواء في المنهجة او في المحتوى العلمي، وهي تحكي عن بداية عهد جديد من نظامنا الجزائي وتنبئ عن تغييرات جوهرية في التشريع والقضاء، ولكن ما هو اتجاه هذه التغييرات؟ بالنسبة الينا، لا نجد فرقا بين كونها ستؤول الى اصلاحات اساسية في القوانين الجزائية وتثبيت اصل الاحكام المتعلقة بالحدود والقصاص والديات، او انها ستؤدي الى تغييرات في ماهية القوانين ونظام المحاكمات الجزائية.

المهم هو ان يواجه فقهاؤنا هذا السؤال (ما هي النسبة بين الفقه الجزائي والسياسة الجنائية العقلانية تجاه الجريمة؟).

ولابد من العلم هنا ان الاعتقاد بتباين هذه النسبة هو منشا كل الانتقادات من خارج الدين، وان اتجاهاتنا العلمية ومحاولتنا اصلاح القوانين الجزائية اذا تمت من دون مواجهة هذا السؤال ومن دون الحرص على تكوين مشروع سياسة جنائية ترسم الخطوط العامة للاصلاحات والتطورات المستقبلية، فانها لن تخفف من مشاكل الجهازالقضائي، ولا من المؤاخذات على نظام العقوبات ولا بالتالي من الانتقادات.

وعند تناولنا هذا السؤال سيتضح لنا ما هو المصدر الذي يجب ان نستلهمه لاتخاذ سياسة جنائية منهجية فاعلة توجيهية.

فاذا اردنا رفض الاخر بطريقة غير علمية لتثبيت انفسنا وبطريقة غير اصولية عن طريق التعصب والمفروضات والاحكام الفقهية والكلامية المسبقة، ومن دون دراسة متاملة حديثة وشاملة في النصوص الدينية والفقهية، ودراسات مقارنة في السياسة الجنائية للغرب في القرنين الماضيين، فاننا بذلك لن نقلل من مشاكلنا فحسب، بل وسنبتعد عن السنة الفقهية لاسلافنا، كالشيخ الانصاري الذي كان قبل الاخذ بتوضيح رؤاه الفقهية في مسالة من المسائل، يعالج اولا الافكار المخالفة ويحاول تبريرها بالمنطق والدليل، ليقوم بردها علميا، فيزيد بذلك من متانة نظرياته الفقهية.

ولعلنا نحن ايضا قد اقتفينا اثر الناقدين التقليديين منا وانتهينا من الناحية العملية الى الاعتقاد بتباين النسبة بين الفقه الجزائي والسياسة الجنائية، وان عدم مواجهة هذا السؤال هو في الحقيقة تناسي تاريخي مصلحي، واغفال نشا عن ان الشعور بالحاجة الى سياسة جنائية ذات موقف عقلائي ستعلم رجال القانون والقضاة لديناطريقة تعامل الانسان مع المجرم في الابعاد التشريعية والقضائية، تعاملا ينتهي الى ضمان الحقوق والحريات الشخصية للمجرم، والدفاع عن الكرامة الالهية والاخلاقية، وتفتح القيم الانسانية بخطاب ذي نزعة انسانية في نظام العقوبات، في الوقت الذي يدافع فيه عن المجتمع، كما انه يوحي بفكرة رفع العقوبات في التشريع والقضاء.

هذا الى جانب ما يوحيه انتساب هذه المفاهيم والاصول المنهجية الى التعاليم الحقوقية لرجال السياسة الجنائية في الغرب، ولا سيما انتسابه في العقود الاخيرة الى مدرسة الحماية الاجتماعية الحديثة، وتعارض ذلك مع الجزم واليقين في مفاهيم من قبيل: «لا تاخير في الحد» ((162)) و«لا كفالة في حد»((163)) و«لا يشفعن احد في حد» ((164)) والاعتماد على علم القاضي في الاية (ولا تاخذكم بهما رافة) ((165)).

الى جانب وجود حالة من الاباء عن المواجهة العلمية مع النصوص الجزائية من ناحية، ومحاولة التهرب من هذاالجزم واليقين باساليب من قبيل تخصيص صلاحية اقامة الحدود بالامام(ع) او التعطيل الموقت والمصلحي للعقوبات من ناحية اخرى.

الا اننا لا نصحح ذلك الاسلوب غير المنضبط ولا نستسلم لهذا التناسي المصلحي، بل سنواجه النصوص الدينية والفقه الجزائي بتامل وتناول جديد، وسنعالج هذا السؤال بالدقة العلمية التي هي الميراث التقليدي والتاريخي لفقهائنا في الجدل الفقهي العلمي، ومهما تكن النتيجة التي سنصل اليها في هذه المواجهة العلمية، نعتقد انناسنفتح في آخر المطاف ابوابا جديدة وآفاقا حديثة الى الدراسات الفقهية على صعيد الفقه الجزائي فننتزع بذلك رهبة مواجهة هذا السؤال عن غيرنا.