ويظهر لنا ان ذلك سيشكل بداية جديدة للفقه الجزائي، ولكننا
خلافا لثوابت الهرمونوطيقا عند من ينتقد القراءة الرسمية
للدين، سنعالج ذلك باسلوب التفقه عن طريق علم الاصول
وقواعد الدلالة الذي يمثل الاسلوب المرسوم عند الفقهاء في
تتبعاتهم الفقهية.
وباعتبار ان البحث في السياسة الجنائية يدور حول التعامل مع
المجرم وملاحظة الكرامة الانسانية والدفاع عن حقوقه
الشخصية، حيث تثار مسالة رفع العقوبة ولا سيما في البعد
القضائي، فان التفسير النفسي للنص وملاحظة ما وراء اللغة،
ودراسة تعاط ي صاحب النص مع المخاطبين من اجل الوقوف
على السلوك القضائي للشارع هي مسالة ضرورية، كما لم يغفل
التيار الثاني والثالث عن اهمية ذلك.
النسبة بين الفقه الجزائي الاسلامي
مبدا قانونية الجرائم والعقوبات:
منشا هذا المبدا في المدارس الحقوقية المختلفة:
وتبعا لهذه السنة التاريخية، سننطلق نحن ايضا من هذا المبدا
في الاجابة عن سؤالنا الاول، والكشف عن النسبة بين الفقه
الجزائي والسياسة الجنائية.
ولكن قبل تناول الموضوعات الفقهية الصرفة، سندرس بايجاز
منشا هذا المبدا في مختلف المدارس الحقوقية،
والذي يمثل
في الوقت ذاته المنشا العلمي للتطورات والتغييرات التاريخية
لهذا المبدا خلال القرنين السابقين،بالاضافة الى ضرورة ذلك
في التاملات الفقهية للاجابة عن سؤالنا المذكور.
مبدا قانونية الجرائم والعقوبات في المدارس المختلفة:
ا-
المدرسة الكلاسيكية:
1-
منع القضاة عن التسيب والتعسف في اصدار العقوبات بحق
المجرمين. يقول «مونتيسكيو» في تاكيد ضرورة وجود قانون:
في «لاسيديمون»، كان احد عيوب هذه الجمهورية هو ان قضاة
اسبارطة كانوا يحكمون كما يحلو لهم بلا قوانين ترشدهم . في
الحكومات الاستبدادية حيث لا يوجد قانون يكون تفكير
القاضي وميوله هو القانون((167)).
2-
ضرورة حماية الامن في المجتمع ومنع الجريمة، والاهتمام
بالدور الرادع للعقوبات مع ملاحظة التناسب المنطقي بين
الجريمة والعقاب.
من هنا فان حتمية الجزاء هي احد فروع مبدا قانونية الجرائم
والعقوبات في تعاليم «بكاريا»، وان واجب القاضي عنده ليس
سوى اثبات جرم المتهم وتطبيق العقوبات المقررة وتنفيذها،
وان اي شكل من اشكال التفسير الموسع الذي من شانه تحسين
وضع المجرم والاخلال بحتمية المبدا المذكور، فهو ممنوع.
لذلك فان تعاليمه تخلو من افكار الفلاسفة من قبله، ك
«فولتير»
((173))، ممن كان يوحي للقضاة بالعفووالتغاضي وهو
يدافع عن حقوق المتهم.
واما «بنتام» فهو وان كان يلاحظ مسالة حتمية العقاب وسرعة
تنفيذه، الا انه كان يعتقد ان من المناسب منح القضاة شيئا من
الحرية في العمل، وليس هذا بهدف تشديد العقوبة، بل
لتخفيفها في حالات يظن فيها ان خطر اومسؤولية فرد هي
اقل من فرد آخر((174)).
وكما نلاحظ فان آثار الميل والعدول عن مبدا حتمية العقاب
التي هي من فروع مبدا قانونية الجرائم والعقوبات في تعاليم
«بكاريا»، اخذت تظهر تدريجا في افكار «بنتام» والمدرسة
الكلاسيكية.
ب- المدرسة الوضعية:
ثم جاء «انريكوفري» رجل القانون وعالم الاجتماع الايطالي
الذي بدا عمله بدارسة الاحصائيات الجنائية في فرنسا، فكانت
حصيلة دراسات هذا الطبيب ورجل القانون هي بالترتيب
ايجاد فرعي علم الانسان الجنائي،
وعلم الاجتماع الجنائي.
ومن بعده قدم «جاروفالو» احد القضاة الايطاليين دراساته في كتاب باسم علم الجريمة
استكمالا لعمل «لومبروزو»
و«انريكوفري»
((175)).
وهؤلاء يبحثون عن الموقف الاجتماعي من المجرم في تدابير
تامينية واجراءات وقائية، ويعارضون مبدا قانونية الجرائم
والعقوبات الذي تتعارض قطعيته بنظرهم مع حرية القضاة
في اتخاذ القرار اللازم في الحالات الخطرة، وهم يقترحون منح
القضاة صلاحيات اكبر لمكافحة الحالات الاجرامية الخطرة
الكامنة، ويعتقدون ان المكافحة يجب ان تاخذ شكل العامل
الوقائي. اي ان العقاب هو حالة خطرة ساذجة وسلوك مولد
للجريمة قد يحمل المجتمع الخسائر، كما انه ليس من غير
المعقول ان نعتبره عملا اجراميا على اي حال.
وهم يعترضون حتى على المبدا الكلاسيكي للتناسب الكمي
بين الجريمة والعقاب. فهم يرون ان الاجراء
ات الوقائية يجب الا
تكون لفترة محددة، لان مدة العمل بهذه الاجراءات لا تنتهي
الا مع توقف حالة الخطر((176)).
وبالتالي فان انصار هذه المدرسة يعارضون مبدئيا استخدام
مفردات من قبيل الجزاء والعقاب التي تعكس ذهنية الاقتصاص
والعقوبة، ويستخدمون مفاهيم منهجية كالتدابير التامينية
والاجراءات الوقائية وما الى ذلك.
ولانه لا وجود لمسالة الاقتصاص والعقوبة في الموقف
الاجتماعي تجاه الجريمة بحسب رايهم، فلا وجود لمبداقانونية
الجرائم والعقوبات القائم على هذه المفاهيم.
ج- مدارس الحماية الاجتماعية:
وبرايهم، يلزم التوجه الى شخصية المجرم من اجل اعادة بنائه
اجتماعيا الى جانب الحماية الاجتماعية((177)).
وعلى هذا، اذا اخذنا شخصية المجرم بنظر الاعتبار، فان
الاجراءات المحتمل تنفيذها بحقه يجب ان تتخذ اشكالامتنوعة
لكي تسمح للقاضي باختيار افضلها في كل حالة من الحالات
(مبدا فردية العقوبات)، حتى انه من اللازم متابعة شخصية
المجرم على مدى مراحل التحقيق (تقطيع المحاكمة
الجزائية). وهذا ما يستدعي التعاون مع متخصصين آخرين في
الشؤون الطبية والنفسية والطب النفسي وعلم الاجتماع
وغيرها. ولذلك، فان الحقوق الجزائية في تعاليمهم ليست
الوسيلة الوحيدة، ولا افضل الوسائل لمكافحة الجريمة (رفع
العقوبة)، وبالتالي فان مختلف اشكال مكافحة الجريمة في
مدرسة الحماية الاجتماعية الحديثة هي من اساليب الموقف
العقلاني تجاه الجرم. ولكن «مارك انسل» يميل بالطبع الى رفع
العقوبة اكثر من ميله الى رفع الجريمة بالمعنى الدقيق لهذه
الكلمة((178)).
من هنا فان مدارس الحماية الاجتماعية ولا سيما الحماية
الاجتماعية الحديثة تلتزم مبدا قانونية الجرائم والعقوبات
بمنشئه الاولي، وتؤكد ضرورة هذا المبدا، ولكنها في الوقت
ذاته لا تبحث عن حلول الحماية الاجتماعية في ضمان تنفيذ
العقوبات وتدخل المراجع القضائية، بل في حركة واسعة لرفع
العقوبة تتخذ شكل السياسة الجنائية الحديثة التي ترفع حكم
الاعدام، وتميل الى رفع او تحديد العقوبات التي تسلب الحرية
وتفكر ببديل مناسب لها. ومن ناحية اخرى، فانها تدافع عن فردية العقوبات راغبة في دور اكبر وصلاحيات اوسع للقضاة من اجل التكييف الكمي والكيفي للمواقف الاجتماعية من شخصية المجرم. من هنا نجد في السياسة الجنائية الحديثة ان مبداقانونية الجرائم والعقوبات ياخذ وهو يحافظ على منشئه الاولي منحى خاصا باتجاه رفع العقوبة وفردية العقوبات في سبيل حماية الكرامة الانسانية لشخصية المجرم واعادة بنائه اجتماعيا، وفي المقابل نجد مسالة حتمية العقاب المتفرعة عن المنشا الثاني من مبدا قانونية الجرائم والعقوبات في التقليد البكاريائي، هي في طريقها الى الخروج عن القبول العلمي.
نظرات نقدية في الشيخ زين العابدين شمس الدين مقدمة
لا شك ان موضوع الفائدة البنكية قد اخذ مكانا كبيرا من
السجال الدائر على المستوى التشريعي منذ ان وجدت فكرة
البنك في البلدان الاسلامية، ومن الطبيعي ان هذه الفكرة قد
لاقت قبولا عند بعض ورفضا عند آخرين، وان كان الذين رفضوا
هذا النظام المالي قد افترضوا المعاملات الشرعية في الاسلام
هي الحل الوحيد والبديل الفريدلنظام البنك في وضعه الحالي،
لكن قسما من هؤلاء اكتفى بعرض بعض التعديلات على قوانين
البنوك بما لايتنافى مع ما هو واضح وصريح في الشريعة
الاسلامية، لكن يبقى من امضى هذا النظام واعتبره غير متناف
مع الشريعة الاسلامية قد حاول ان يبرز بعض الفوارق
الموضوعية بين الربا المحرم في الشريعة وبين نظام
الفائدة البنكية في وضعها الحالي.
من هنا كان هذا المقال عرضا لراي بعض من اعتبر ان فكرة
الفائدة في النظام البنكي الجديد لا يتعارض في روحه مع
التشريعات الاسلامية، مبرزا بعض ما يمكن ان يكون فارقا
موضوعيا بينهما، مع بيان بعض الملاحظات على كل منهم،
دون ابداء رؤية نظرية متكاملة حول هذا الموضوع، الذي يحتاج
الى دراسة اشمل واعمق من هذا المقال.
وقد تم استعراض عدة آراء مفارقة بين الربا والفائدة البنكية:
1- الفارق الاول: أ- انتاجية راس المال:
اما الان فقد اصبح لراس المال اثر مهم في الانتاج والاقتصاد
العالمي خصوصا في مجال الصناعات والتجارة الدولية، الى
جانب الاستثمارات الانتاجية فضلا عن عقود التامين. بل يمكن
ان يدعى ان راس المال المدخر لم يكن له اي دور يذكر في
انعاش الاقتصاد في المجتمعات السابقة، بخلاف الواقع
الموجود في عصرنا الحاضر، فان البنك الذي يقوم على اساس
رؤوس الاموال المودعة والمدخرة لديه - خصوصا رؤوس
الاموال الصغيرة والمتوسطة التي لا تصلح وحدها للقيام
بمشاريع حيوية بعيدة الامد انما - يحول هذه الاموال من
مجرد كونها مالا مدخرا الى وسيلة انتاجية مهمة، وبواسطتها
يستطيع ان يحرك عجلة السوق المالية في حياة اي مجتمع.
وبعبارة اخرى ان النقد وراس المال لم يعد كما كان سابقا
- مقتصرا على كونه وسيلة تبادلية فقط، بل صار يعتبر - مضافا
الى كونه كذلك عاملا انتاجيا خطيرا له آثاره الايجابية او
السلبية في حياة اي مجتمع.
ب- الفائدة خاضعة لنظام خاص:
بينما نلاحظ ان الفائدة البنكية خاضعة لنظام اقتصادي دقيق
مرتبط بكثرة الاستثمار وقلته، فهي ترتفع مع ازديادالطلب
على راس المال فيما اذا كانت الاموال المدخرة قليلة لا تتناغم
مع ازدياد الطلب، وتنخفض مع وفرة الاموال الجامدة المودعة
في البنوك، فيما اذا كان الطلب عليها قليلا، كما ويؤثر في
ارتفاعها وانخفاضها توفر فرص الاستثمار او عدم توفرها، وهكذا.
وبعبارة اخرى ان الفائدة البنكية محكومة لنظام السوق،
وخاضعة لقانون التناسب العكسي، كما هو الحال في قيمة اي
سلعة اخرى في عملية التجارة، فانها ترتفع وتنخفض تبعا
للطلب والعرض، ووفقا لتوفر السلعة اوندرتها، وهذا بخلاف ما
كان موجودا في العصور السابقة في عصر تحريم الربا حيث
كان المحتاج للمال يقع ضحية جشع المقرض، فياخذ الزيادة
منه بالشكل الذي يحلو له دون اية ضابطة وبلا اي رقيب.
ج- تضارب مصالح المرابين مع البنوك:
وبعد ان تطورت فكرة البنك الى شكل الايداع واعطاء الفائدة
عليه، فاول من حارب هذه الفكرة الجديدة وابدى انزعاجه
وعدم رضاه من هذا النظام المصرفي الجديد هم المرابون
والمقرضون بزيادة، لانهم فقدوا اهم حلقة وصل فيما بينهم
وبين التجار، وهي احتياج التجار اليهم والى اموالهم للاقتراض
منهم بزيادة، حيث اخذ التجارو المحتاجون يقترضون من
البنك مباشرة، دون الرجوع الى المرابين وجشعهم، وهذا
يكشف عن ان فكرة الفائدة مغايرة لفكرة الربا، والا فلماذا
اعترض المرابون على هذا النظام الجديد؟، وبما ان الفكرتين
متغايرتان لابد من القول بوجود التغاير الحكمي بينهما، وبالتالي
فيجب ان لا يكون لهما نفس الحكم شرعا. د- اختلاف نظرة العقلاء:
من هنا قام كبار الفلاسفة القدماء بتحريمه من خلال نظرتهم
السلبية له ولما يفضي اليه من آثار سيئة تعودبالضرر على
المجتمع الانساني، فنرى ان ارسطو مثلا حين حرم اخذ الربا
والزيادة في المال المقترض، انماحرمه من باب الظلم ومنافاته
للعدل في اخذها، وايضا بملاك المنافاة الواضحة للقيم
الانسانية.
والحال ان الزيادة التي تؤخذ في ظل النظام المالي الجديد
- البنك والفائدة البنكية - لا تعتبر بنظر العقلاء انها ظلم وباطل،
بل ان نظرتهم اليها والى ما تجنيه من فائدة على المجتمعات
كافة وبما فيها من نفع يعود على افراد المجتمع فضلا عن
صاحب المال، قد تحولت في وقتنا الحاضر الى نظرة ضرورة
وحاجة، فلو فرضنا ان ارسطوموجود الان بيننا وفي عصر
الانظمة البنكية، لم يكن يحكم على الفائدة المعطاة من قبل
البنك بالحكم الذي اطلقه على الربا، بل كان سيبيح هذه
الزيادة دون تردد، للاسباب السابقة، خصوصا اذا لاحظنا ان
الانتفاع في الربا كان مقتصرا على صاحب الثروات والنقود
المكتنزة، اما في الفائدة البنكية فالمستفيد منها هم اصحاب
الاموال القليلة والمتوسطة، الذين يدخرون الفائض عنهم في
البنوك، واما اصحاب الاموال الكبيرة فهم في غالب الاحوال
الذين يقترضون بزيادة، فان نظرة العقلاء في مثل هذه القروض
التي ينتفع منها الفقراء ليست كما كانت بالنسبة للربا.
نعم هناك بعض علماء الاقتصاد - مثل كينز وبعض العلماء الذين
اخذوا بنظريته - يرون في الفائدة البنكية اثراسلبيا على الحياة
الاقتصادية، حيث يعتبر كينز ان ارتفاع قيمة الفائدة يؤدي الى
انحسار في فرص العمل والاستثمار، والعكس بالعكس فان
انخفاض قيمتها يكون سببا في توفر الاستثمار والمنع من
ارتفاع نقص المال.
الا ان كينز قد وقع في تناقض ودور واضح، عندما طرح نظريته
هذه، فمن جهة يرى ان زيادة طرح المال تكون سببا في
انخفاض الفائدة، ومن جهة اخرى يرى ان الفائدة ناتجة عن
نقص راس المال.
النتيجة: ملاحظة منهجية:
من هنا يلاحظ على الكاتب انه لم يتعرض للجانب الفقهي من
مسالة الربا، وهي من اهم الموضوعات الفقهية المبحوثة في
الاحكام الشرعية، ولم يات بتعريف للربا من وجهة نظر الشرع،
كما انه لم يحاول ان يكيف نظريته آالمفارقة موضوعا بين الربا
وبين الفائدة البنكية على طبق المعطيات الفقهية المتعلقة
بها.
كما ويلاحظ عليه ايضا غياب الخطابات النصوصية والروائية، او
الشواهد التاريخية التي لا يمكن ان تنفك عن بحث مسالة
كهذه، وليس لدى الكاتب اي مبرر للتغاضي عن ذلك سوى
عدم عثوره على ما يؤيد فكرته في بطون الكتب التاريخية او
النصوصية، ان لم نقل انه عثر على عكس ما يدعم فكرته، فان
الموجود في الكتب الروائية والتاريخية يشير الى خلاف ما
افترضه الكاتب امرا مسلما، كما سوف نوضح ذلك، وهذا مما
يزيد في وهن دعواه وضعف مطلبه من الجانب الموضوعي، لذا
نراه قد اعرض عن الدخول في هذه التفاصيل والتزم الاشارة
فقط الى بعض الفوارق البسيطة التي لا تؤثر في جعل فارق
حكمي بين كلا الموضوعين، كما سوف نرى في
المناقشات الاتية.
لذا كان لزاما علينا قبل الدخول في المناقشة، ان نشير الى
تعريف الربا في الكتب الفقهية وفي المصادر الروائية،لنرى
مدى التفاضل بين حقيقة الربا الموجودة في تعريفهم له، وبين
الفائدة البنكية: تعريف الربا:
وعرفه في معجم الفاظ الفقه الجعفري بانه: «الربا ما يكون في
القرض، وهو الاقراض مع اشتراط زيادة في القدراو
الصفة»
((183)).
وقد عرف العلامة الطباطبائي الربا بانه: «تبديل المثل بالمثل
وزيادة، كاعطاء عشرة الى اجل، او اعطاء سلعة بعشرة الى اجل،
واخذ اثنتي عشرة عند حلول الاجل وما اشبه ذلك»((184)).
نعم اذا كان المال الذي يعطيه المقترض لصاحب المال لا على
نحو الشرط والالزام، بمعنى ان لا يكون مذكورا في العقد، فلا
يكون داخلا تحت الربا القرضي، بل ان دفع الزيادة للمقرض
تبرعا من قبل المقترض، يعد من المستحبات الاكيدة
للمستدين، وسوف نشير الى بعض الروايات التي تفيد هذا
المعنى، عند التعرض لذكرالروايات. ب- تعريفه في المجاميع الروائية: ورد في بطون الكتب الروائية الكثير من الروايات التي تشير الى عدم جوازاشتراط الزيادة على راس المال المقترض في عقد القرض، ونحن سنذكر هنا بعض تلك الروايات التي يضيق المقام عن الاشارة اليها تفصيلا، وهذه الروايات تفيد ان المدار في الحرمة هو «اشتراط» اخذ الزيادة، لا مطلق الاخذ من قبيل ما ورد:
عن حفص بن غياث عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «الربا
رباءان: احدهما ربا حلال والاخر حرام، فاما الحلال فهو ان
يقرض الرجل قرضا طمعا ان يزيده ويعوضه باكثر مما اخذه بلا
شرط بينهما، فان اعطاه اكثر ممااخذه بلا شرط بينهما فهو
مباح له، وليس له عند الله ثواب فيما اقرضه، وهو قوله عزوجل:
(فلا يربو عندالله)((185))، واما الربا الحرام فهو ان الرجل
يقرض قرضا ويشترط ان يرد اكثر مما اخذه فهذا
هو الحرام»((186)).
وهذه الرواية تشير الى المعنى الذي ذكرناه سابقا من ان حرمة
الربا تدور مدار الاشتراط وعدمه، فليست مطلق الزيادة في
القرض حراما، فلو فرض ان المقترض قد اوفى الدين بزيادة من
دون اشتراط، لا تكون هذه الزيادة محرمة، بل المحرم فيها هو
خصوص كونها عن الزام واشتراط مسبق، ولذا لم يحرم احد من
الفقهاء اخذ الفائدة البنكية فيما لو لم يشترط اخذها، فحكمهم
بجواز اخذها في هذه الحالة انما كان من باب جواز اخذ الزيادة
بغيرشرط، وهذه الفرضية خارجة عن موضوع بحثنا كما اسلفنا.
وقد روي عن اسحاق بن عمار، عن ابي الحسن (عليه السلام)
قال: «سالته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضافيعطيه
الشي ء من ربحه مخافة ان يقطع ذلك عنه فياخذ ماله من غير
ان يكون قد شرط عليه؟ قال: لا باس بذلك، ما لم يكن
شرطا»((187)).
وروي ايضا عن محمد بن قيس، عن ابي جعفر(ع) قال: «من
اقرض رجلا ورقا فلا يشترط الا مثلها، فان جوزي اجود منها
فليقبل، ولا ياخذ احد منكم ركوب دابة او عارية متاع، يشترط
من اجل قرض ورقه»((188)).
وفي رواية عن الامام ابي جعفر الباقر(ع) انه قال: «كل قرض جر
منفعة فهو ربا»((189)).
وهناك الكثير من الاخبار والروايات التي تفيد هذا المعنى، لا
مجال لاستيفاء سردها لكثرتها وتشعبها((190)).
مناقشة: المقدمة الاولى: أولا: ان مسالة الاستفادة من رؤوس الاموال بالشكل المتعارف عليه حاليا من قبيل المصانع والشركات المتعددة الجنسية، او من قبيل سندات الخزينة والاعتمادات وغيرها من المعاملات التي يقوم بها البنك الان وان لم تكن في الزمن السابق والمجتمعات البدائية اقتصاديا حائزة على هذا الانتشار الان، الا ان ذلك لا يعني ان رؤوس الاموال لم يكن لها اي دور بتاتا في تنمية الاقتصاد السائد آنذاك، او لم تكن تستخدم في مجالات انتاجية واستثمارية في المجتمع، فان الاثر الكبير في دفع عجلة الحياة الاقتصادية نحو الامام في اي نظام من الانظمة الانسانية كان ولا زال مدانا لاستخدام رؤوس الاموال وتوظيفها.
ولم تكن المجتمعات العربية السابقة والمعاصرة للنص بمناى
عن هذا القانون الاقتصادي، بل كانت تتعامل مع رؤوس الاموال
على انها من وسائل الانتاج المهمة، وكان لها دور اساسي في
رقي المعاملات التجارية وتقدمها، من قبيل تمويل الرحلات
التجارية، بل وفي فتح مجالات انتاجية جديدة
عبرالاستثمارات الزراعية، كاستصلاح الاراضي الزراعية وزراعة
بساتين النخيل وخدمتها فترة زمنية طويلة، مما كان يحتاج
المزارع معه الى الاموال دون انتاج في المرحلة الاولى. وهذا كله
يؤكد على الاهمية الكبرى التي كانت توليها تلك المجتمعات
لرؤوس الاموال على الصعيد الانتاجي.
وينقل لنا التاريخ ان بعض القوافل التجارية التي كان العرب
يديرونها كانت تضم الف جمل، تمخر عباب الصحاري والسهول،
من الهند الى افريقية الوسطى مرورا بشبه الجزيرة العربية،
فضلا عن التجارة المزدهرة التي كانت قائمة فيما بينهم وبين
مصر وبلاد الشام وفلسطين((191)).
لذا يمكن ان نقول: ان التجارة التي كانت الوسيلة الوحيدة
لحياة اكثر العرب كانت مزدهرة جدا عندهم، وهذا مايستدعي
استخدام رؤوس الاموال في مثل هذه الرحلات التجارية.
وبعبارة اخرى ان فكرة استخدام الاموال ضمن طرق انتاجية
كانت سائدة عند العرب في العصر الجاهلي، فضلاعن عصر
الدولة الاسلامية التي انتشرت تجارتها انتشارا واسعا، واشتهرت
برحلاتها التجارية عبر القارات حتى وصلت فيما بعد الى الصين
والاندلس.
هذا مضافا الى ان مسالة مشاركة رؤوس الاموال الصغيرة
والمتوسطة في الرحلات التجارية كانت مسالة رائجة بين
العرب عموما، وتجار مكة على وجه الخصوص، التي كان لديها
في السنة رحلتان تجاريتان تجوب بهما الاسواق من الشام الى
اليمن، وقد اخبر القرآن بهذه الخاصية لاهل مكة في سورة
قريش: (لايلاف قريش ايلافهم رحلة الشتاء والصيف)((192))،
مضافا الى ان التجارة كانت المصدر الوحيد لدخل اهل مكة،
حيث كانت محطا للحجاج والتجار من كافة انحاء الجزيرة
العربية، وكانت هذه المشاركة في الغالب تتم عبر طريقين:
فالتاريخ ينقل لنا ايضا ان التجار الذين كانوا يسيطرون على
هذه القوافل التجارية، كانوا يؤلفون فيما بينهم شركات، يقتسم
الربح فيها بشكل محاصة، كل حسب مشاركته فيها((193)).
مضافا الى انه نقل ان العديد من هؤلاء التجار، والمشاركين في
الحملات التجارية كانوا يقومون بنفس الوظيفة التي يقوم بها
البنك الان، حيث كانوا يقترضون من اشخاص بزيادة، ثم
يقومون باستثمار هذا المال في التجارة لحسابهم الخاص، او
انهم كانوا يعيدون اقراضه من جديد الى تجار آخرين بزيادة على
الاولى.
وفي ذلك يقول ابن الجوزي في زاد المسير عند ذكره سبب
نزول قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذرواما بقي من
الربا ان كنتم مؤمنين) انه قال: «في نزولها ثلاثة اقوال: احدها
انها نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف، وفي بني
المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة ياخذون الربا من
ثقيف، فلما وضع الله الرباطالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم
عليهم، فنزلت هذه الاية والتي بعدها هذا قول ابن عباس.
والثاني انها نزلت في عثمان بن عفان والعباس كانا قد اسلفا في
التمر، فلما حضر الجذاذ قال صاحب التمر: ان اخذتما مالكما لم
يبق لي ولعيالي ما يكفي، فهل لكما ان تاخذا النصف واضعف
لكما؟ ففعلا، فلما حل الاجل طلباالزيادة فبلغ ذلك النبي صلى
الله عليه وسلم فنهاهما، فنزلت هذه الاية. هذا قول عطاء
وعكرمة.
والثالث انها نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا شريكين
في الجاهلية وكانا يسلفان في الربا، فجاء الاسلام ولهما اموال
عظيمة في الربا فنزلت هذه الاية، فقال النبي(ص): «الا ان كل
ربا من ربا الجاهلية موضوع واول ربااضعه ربا العباس»((194)).
هذا الشاهد مع طوله يفيدنا ان الاقراض لاجل الاستثمار كان
متعارفا عند العرب الجاهليين، خصوصا بناء على القول الثاني
الذي يصرح ان الغرض من الاقراض هو الاتجار بالتمر، وعليه
فيكون الاسلام بتحريمه للربا قد اخذبعين الاعتبار هذه الانواع
منه. وثانيا: ان هذه المقدمة تبتني على ان السبيل الوحيد لتجميع رؤوس الاموال الصغيرة يعتمد على اعطاء الفائدة على الايداعات، ومن ثم جعلت البنك هو المحفز لتجميع هذه الاموال. وهنا يمكننا ان ننقض ذلك بالقول: ان الطريق لاستجلاب رؤوس الاموال الصغيرة والمتوسطة فضلا عن رؤوس الاموال الكبيرة ليس منحصرا بالنظام البنكي وباعطاء الفائدة على القروض، بل هناك الكثير من الطرق والاساليب التي بواسطتها يتمكن المستثمر ان يستميل اصحاب الاموال، ويقنعهم بالمشاركة في المشاريع الكبرى التي يقوم بها، والتي تحتاج الى راس مال كبير، وذلك عبر عقد شركة بين اصحاب الاموال والمستثمرين، او اجراء عقود مضاربة شرعية يقتسم فيها الارباح بين المستثمر وبين صاحب المال، دون الرجوع الى البنك وتوسيطه في هذه المعاملة، او ايكال الامر اليه في تهيئة راس المال.
وبعبارة اخرى يمكن ان نقوم بنفس اعمال البنك من تجميع
رؤوس الاموال الصغيرة والمتوسطة واشراكها في عمليات
الاستثمار الكبرى، عبر انظمة اخرى غير البنك واعطاء الفائدة
على المال المودع، كان نجري على عملية التجميع عقد
المضاربة الشرعية، واعطاء النصيب المخصص لكل من الشركاء،
وهذا قد يكون افضل لاصحاب الاموال المتوسطة والصغيرة،
باعتبار ان نسبة الارباح قد تكون اكثر من قيمة الفائدة.
واذا فرضنا امكانية الحصول على راس مال لتمويل المشاريع
الكبرى من طريق آخر غير القروض البنكية ذات الفائدة، امكن
القول بان الفائدة البنكية ليست الداعي الوحيد والمحفز
الاساسي لمشاركة رؤوس الاموال الصغيرة والمتوسطة في
الاستثمارات الكبيرة والعملاقة، والتي تؤدي الى النهوض
الاقتصادي للبلد.
واذا كان الامر كذلك فلا يكون ما ذكر سببا فارقا بينها وبين
الربا، وبالتالي الحكم بشرعيتها كما افاده الكاتب. وثالثا: ان المعاملات البنكية ليست مقتصرة على النشاطات الاستثمارية والمشاريع التجارية والانتاجية الكبرى، فان الكثير من المعاملات التي يجريها البنك تقوم على اساس الاقراض لاشخاص لا يقومون باي عملية انتاجية،بل يقترضون من البنوك لاجل سد حاجاتهم، والوفاء بمتطلباتهم الحياتية فقط.
فقد ورد في كشوف حسابات اكثر البنوك في السعودية ان ما
نسبته ستون بالمئة 60 % من حجم الودائع في البنوك هي
ودائع غير مكلفة للبنك، حيث ان البنك يعيد اقراضها للافراد او
للمؤسسات التجارية، ويكون واسطة فقط في عملية الاقراض،
دون ان يقوم باي نشاط استثماري يحتوي
على مجازفة((195)).
واذا كان من جملة نشاطات البنك الاقراض للافراد بفائدة، فما
هو حكم هذه الزيادة التي ياخذها البنك من المقترض، ثم
يعط ي حصة منها الى المودع وصاحب المال؟ هل يصدق على
هذا انه دفع لعجلة الاقتصاد في البلد؟او يصدق عليه المساعدة
في التطور الاقتصادي؟ او انه يقف عائقا امام التقدم والازدهار
الاقتصادي؟.
مضافا الى ان على البنك بناء على هذه الدعوى ان يفصل
في اجراء قانون الفائدة بين المقترض للاستثمار وبين المقترض
لامور اخرى، من قبيل القروض التي تصرف على النفقة
والتوسعة المعيشية، وهذا ما لا نلاحظه في معاملات البنوك.
واما المقدمة الثانية:
فقد يقال في الجواب عليها:
اما في غير هذه الحالات الخاصة التي لا يمكننا ان نطلق
احكاما كلية على ضوئها فان عامل المنافسة بين المرابين
انفسهم كان عاملا مساعدا في انخفاض قيمة الزيادة في الربا،
حيث قد تصل في بعض الاحيان الى حدبسيط جدا، كما هو
الحال في ارتفاع قيمة الفائدة او انخفاضها، فانها تكون في حال
ازدياد الطلب على المال، وتوفرالاستثمارات مرتفعة جدا، واما
اذا كان العرض كثيرا والطلب على الاقتراض قليلا فانها
ستنخفض لا محالة، وهذانظام قهري في المنظومة الاقتصادية
وحاكم على نظام السوق، وهو خارج عن ارادة المرابي او
المقرض او حتى البنك نفسه.
نعم هذا لا ينفي ان المرابين كانوا يستغلون اوضاع بعض
المحتاجين في موارد معينة للاقتراض منهم حتى ينقضوا
عليهم، ومثل هذا الامر لا نجده في الفائدة البنكية، بل مهما
ارتفعت الفائدة فانها تبقى محكومة لنظام اعلى، لا يمكن
تجاوزه، بيد ان هذا الفارق بينهما ليس فارقا مطردا يوجب
اختلاف الحكم بينهما مع كونهما من روح واحدة.
والنتيجة هي ان اعتبار ارتفاع الزيادة او انخفاضها في القرض
الربوي كان ايضا تابعا لنظام العرض والطلب،وخاضعا لعامل
المنافسة في اغلب الاحيان، كما هو الحال في ارتفاع او
انخفاض قيمة الفائدة البنكية، او اي سلعة اخرى في الاسواق
الخاضعة للمعاملات التجارية.
واما المقدمة الثالثة: أولا: ان مجرد قيام المرابين واعلانهم الحرب على اصحاب المصارف لتاسيسهم هذا النظام المالي الجديد، لايمكن اعتباره دليلا على ان القيمين على المصارف كانوا ضد الربا، وانهم انما انشاوا البنوك لاجل التصدي للمرابين، ولجعل بديل عن القروض الربوية، في محاولة لمحاربة ظاهرة الربا وانهائها من المجتمع. بل ان ذلك اقصى ما يدل عليه هو ان المرابين قد قاموا على الصيارفة، وحاربوهم لاجل ان مصالحهم قد تعرضت للخطر،ولانهم افقدوهم عملاء وزبائن كانوا يعتمدون عليهم في استمرار عملهم، ووفرة ارباحهم، فالتجار بعد انجازفكرة البنوك لم يعودوا مضطرين لان يقترضوا من المرابين، وان يكونوا تحت رحمتهم، ويضعوا انفسهم باختيار قلوبهم القاسية، كما كانوا يفعلون من قبل، بل عوضا من الاقتراض منهم صاروا يقترضون من البنك بشكل مباشر. وثانيا: ان الذي استلم كفة النظام البنكي وسيطر على البنك وتولى امره بعد الصيارفة، هم المرابون انفسهم.فالبنك بحاجة الى رؤوس اموال كبيرة للقيام بوظائفه، والمرابون كانوا من اصحاب الاموال المكدسة، فاخذوايودعون اموالهم فيها بغية الاستزادة.
بل انهم اكثر من ذلك، ذهبوا الى انشاء بنوك خاصة بهم،
واستمرت مصالحهم عبرها، فانهم وجدوا ان نظام البنك يلبي
لهم رغباتهم بشكل اكثر، ويوفر لهم عملاء جدد، اضافة الى انه
يضمن لهم ارجاع راس المال، بواسطة الضمانات والرهان التي
ياخذونها من المقترض.
وهذا يكشف عن ان الصراع الذي قام بين الصيارفة والمرابين
اول الامر كان صراعا آنيا، هدفه حماية المصالح والسيطرة على
التجار واصحاب السوق، لا انه صراع منهجي يكشف عن
اختلاف جوهري بينهما في طريقة العمل، ويفصح عن تغيير
مسلكي في خلقيات كل من الطائفتين، فان مرد عملهما
جميعا الى اساس واحد وهو:«الاقراض بزيادة»، سواء اطلقنا على
هذه الزيادة اسم «الربا» او اطلقنا عليها عنوانا اكثر تحضرا
واقل اشمئزازا «الفائدة»، فالنتيجة بالنسبة للمرابين كانت
واحدة، وان اختلفت التسمية.
واما المقدمة الرابعة: أولا: ان حرمة الربا ليست تشريعا عقلائيا محضا، بحيث يكون الحكم الالهي فيه حكما ارشاديا، او امضائيافحسب، مما يجعل الحكم سعة وضيقا محددا بما يدركه العقلاء، فاذا حدد العقلاء انه ظلم وحكموا بحرمته ياتي الحكم الشرعي مؤيدا ومرشدا اليه، واذا راوا انه لا يتنافى مع العدالة وحكموا باباحته كان الحكم الشرعي كذلك.
بل حرمة الربا حكم الهي واضح وصريح، بمعنى انه قد يكشف
عن ملاك اوسع دائرة من الملاك المعتمد لدى العقلاء، وهو
وان كان فيه مصلحة واضحة لهم، الا ان ذلك لا يجعل ملاك
هذا الحكم هو نفس ما توصل اليه العقلاء، وخاضعا لمدركاتهم،
فضلا عن عدم جعل اصل هذا التشريع تشريعا عقلائيا، او جعل
هذه المصلحة المدركة من العقلاء على نحو العلة التامة للحكم،
بحيث ينتفي الحكم بانتفائها، ويدور مدارها. اذ قد يكون ما
ادركه العقلاء من قبيل الحكمة المنكشفة عندهم لهذا التشريع،
او قد يكون من قبيل جزء العلة للحكم، ويبقى جزء العلة الاخر
غيرمعروف لديهم. ونحن مع عدم تيقننا بالعلة التامة، او عدم
ادراكنا لملاك الحكم الاصلي، لا يمكننا المساس بالحكم الاول،
فضلا عن عدم امكانية تبديل هذا الحكم الى ضده. وثانيا: ان هناك الكثير من علماء الاقتصاد وهم من العقلاء طبعا، واهل الخبرة في هذا المجال. كما ان الامر ليس منحصرا ب«كينز» الذي رفض الكاتب شهادته، واعتبره مخطئا في حكمه السلبي على الفائدة يرون في الفائدة البنكية خطرا اقتصاديا مهما، له تاثيره السلبي على الاقتصاد في كافة المجتمعات، ويعتبرونه العامل المهم لفقدان العملة قيمتها، او المؤدي الى الركود الاقتصادي، بل انه يعتبر السبب الاساسي للتضخم المالي عبر مرورالوقت في كافة الدول، فقد وصلت قيمة التضخم المالي عبر عدة سنوات الى اضعاف ما كان يتوقع، والسبب في ذلك كما يقول السيد البهشتي:
«ان عوامل التضخم كثيرة جدا، ولكن اهمها يتمثل في ذلك
الربح الناتج عن راس المال المتداول، ولو اننا قضينا آفي نظام
اقتصادي معين على الربح الناتج عن راس المال المتداول،
لما وجدنا بعد ذلك نسبة تضخم جديرة بالاهتمام، ولو تفحصنا
هذا الامر من جميع جوانبه فمن المحتمل ان تكون جميع
اسباب التضخم الاخرى نتيجة لهذا السبب»((197)).
«وفي دراسة قام بها ليبلنج للتجربة الامريكية وجد ان
ارتفاع اسعار الفائدة كان مانعا كبيرا من الاستثمار»((198)).
وتنقل الدكتورة النبراوي في كتابها: «ويعد سعر الفائدة في راي
عدد ليس بالقليل من الاقتصاديين من اهم عوامل عدم
الاستقرار في الاقتصاديات المعاصرة، فقد تساءل فريدمان في
بداية الثمانينات عن اسباب السلوك الطائش الذي لم يسبق له
مثيل للاقتصاد الامريكي، ورد على تساؤله بقوله: ان الاجابة
التي تخطر على البال هي السلوك الطائش المساوي له في
اسعار الفائدة»((199)).
واشار الاستاذ حسين توفيق رضا الى ان الفائدة البنكية تلقي
اثرا سلبيا على الحياة الاقتصادية بقوله: «عرض الاقتصاديون
الاسلاميون لاثر الربا في النظام الاقتصادي الحديث الفائدة
البنكية وراوه السبب الاساسي لعدم الاستقرار الذي يتميز به
ذلك النظام، حيث يحدث الربا تفضيل سيولة لاغراض المضاربة
على الاسعار، ويؤدي هذا التفضيل الى اكتناز مقدار كبير من
النقود انتظارا لارتفاع سعر الفائدة، فيشجع بذلك المضاربة
التي هي السبب الاساسي للاختلال في النظام المعاصر، وبين
كثيرون ان ثم رابطة سببية بين نظام الفائدة وحدوث الازمات
الدورية((200)).
هذه نماذج من اقوال وآراء علماء اقتصاديين في مضار ومخاطر
الفائدة البنكية من وجهة نظرهم، وتاثيرهاالسلبي على الحياة
الاقتصادية، وهذه الكلمات تكشف عن ان العقلاء انفسهم غير
متفقين على خلو الفائدة البنكية من المشكلات على الصعيد
الاقتصادي، بل يذهبون الى ان لها آثارا سلبية في المنظومة
الاقتصادية للدول بنظرهم، وهذا تعبير آخر عن رفضهم لهذه
الفكرة على الصعيد النظري، وعدم رضاهم بها كنظام عادل.
هذا فضلا عن آراء الكثير من علماء الاجتماع، الذين يعتبرون ان
للفائدة ضررا يعد من اهم الاضرار التي ترزح تحت عبئها الحياة
الاجتماعية، والتي تحدث شرخا واضحا بين فئات المجتمع،
وتعود باثر تربوي سيئ في نفوس الناس.
واذا كان العقلاء غير متفقين على صلاحية الفائدة او عدم
صلاحيتها، بمعنى ان العقلاء كانوا مختلفين على رايين بمسالة
الفائدة البنكية: راي مؤيد وآخر معارض، فقول من نقدم من
العقلاء، المؤيدين لها او المعارضين؟ وما هوالمرجح لتقديم
احدهما على الاخر؟ واذا كان الامر كذلك لا يكون قول العقلاء
دليلا على شرعية الفائدة في المقام.
والنتيجة: انه حتى لو تنزلنا وقلنا بان دليل حرمة الربا هو حكم
عقلائي، وليس حكما الهيا، لا يمكن اعتبار قول العقلاء دليلا
على جواز الفائدة البنكية، باعتبار انهم غير متفقين على ارتفاع
عنوان الظلم عنها، فيكون حكمهاكحكم الربا عندهم. وثالثا: ان ما اعتمد عليه الكاتب اخيرا من ان المنتفع في الفائدة البنكية هم الملاك الصغار، واصحاب الاموال الصغيرة، لا يساعده على تاييد دعواه، وذلك لان الزيادة التي ياخذها المقرض صاحب المال لقاء عملية الاقراض، تدخل تحت الربا المحرم، لانه «قرض جر نفعا»، كيفما كانت هذه الزيادة وهذا النفع، ومن اين حصلت ولصالح اي من الاطراف؟ فالحكم الشرعي في ذلك مطلق غير مقيد بان يكون المستفيد منه هم الملاك الكبار،بحيث اذا انعكست الصورة صار الحكم مباحا، كما فرض الكاتب.
وقد تقدم عند تعرضنا للروايات المعرفة للربا بانه لا يوجد
تصريح في اي من الروايات المتعرضة لحكم الرباوتحديده
موضوعا، اشارة من قريب او بعيد لمسالة المفاضلة بين ما اذا
كان المنتفع في الربا او الفائدة هو المالك الصغير على حساب
المالك الاكبر او لا.
مضافا الى انه يمكن ان يدعى ان المودع الذي ياخذ الفائدة قد
يكون مغبونا بنظر العقلاء الذي اعتبر الكاتب انهم هم المقياس
في الحكم فان الارباح التي يجنيها المقترض من اصحاب
الاموال المتوسطة عبر تجارته، قد تفوق بكثير الفائدة التي
يعطيها لهم، كان نفترض ان تكون الفائدة عشرة بالمائة الى
سنة، وكانت الارباح التي جناهاالمقترض خلال هذه السنة قد
فاقت المائة بالمائة، فيبقى ما نسبته تسعون بالمائة او اكثر من
نصيب صاحب الثروات، وهذا ما يشكل ظلما بنظر العرف
والعقلاء للمقرض، مضافا الى انه قد يشعر بالغبن وضياع
حقه، وبالتالي فتكون هذه الزيادة التي يعطيها المقترض الى
صاحب المال المقرض قبيحة بنظر العقلاء، وان كان المقرض
بزيادة هو الفقير، وصاحب راس المال الصغير.
2- الفارق الثاني: |