الامر الاول: ان الربا المحرم والذي كان في عصر النص هو
الزيادة التي كانت تطرا على القروض الحاصلة بين اشخاص
حقيقيين، لا بين اشخاص وهميين او جهات اعتبارية، وقد كان
الضرر في فرض هذه الزيادة يعود على خصوص الشخص
المستدين، كما ان النفع كان يختص بصاحب المال كذلك. اما
الان فاننا لا نرى في المعاملات البنكية اي دور للاشخاص
بشكل مستقل، بل المعاملات فيه تابعة للبنك نفسه، ومن
الواضح ان البنك لا يمثل شخصا بعينه، بل ليس هناك فرد
محدد يتحمل دفع الفائدة بشكل مباشر حيث ان الذي يدفع
الزيادة هو البنك دون غيره، والذي يمثله البنك هو الجهة لا
لاشخاص حتى يلحق بالربا المحرم.
الامر الثاني: انه لم يكن يتصور في القروض الربوية مسالة
الاستثمار بالشكل الموجود حاليا، حيث ان البنك في الوقت
الحاضر يكتسب صيغة قانونية تمكنه من تحويل الاموال السائبة
والعاطلة الى عمل منتج عبر الاستثماروتوظيف الاموال،
وبالتالي يقوم البنك بتامين الكثير من فرص العمل التي
يستفيد منها العاطلون عن العمل، ممايؤدي الى دفع العجلة
الاقتصادية نحو الامام، وتعود الفائدة من عمليات الاستثمار
هذه الى اكثر افراد المجتمع دون ان يكون مختصا بصاحب
المال.
مناقشة:
اما الامر الاول: فيجاب عليه: فعلى سبيل المثال نرى الاية القرآنية تقول: (الذين ياكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بانهم قالوا انما البيع مثل الربا واحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وامره الى الله ومن عاد فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون)((202)). فهي تحرم كل انواع الربابعمومها، ضمن عبارة «وحرم الربا»، فالمحرم هو كل انواع الربا بدلالة الالف واللام في «الربا» الدالة على العموم. وكذلك غيرهامن الادلة الدالة على حرمة الربا.
لكن قد يعترض على هذا الجواب ويقال: ان المالك الاعتباري
والجهتي لم يكن متصورا قبل الان، اذ ان البنك من مختصات
هذا العصر، ولم يكن له وجود في عصر النص، وعليه فمن اين
لنا ان ندرك ان الحكم بالحرمة كما هوالمدعى شامل
باطلاقه او عمومه لهذا الفرد؟ فان التمسك بذلك لا يتم الا اذا
فرض وجود هذا الفرد، وكان الامام ناظرا له في حكمه بالحرمة.
والجواب ان نقول: ان المالك «الجهتي» غير الشخص الحقيقي كان متصورا في السابق وفي
عصر النص،
فمثلا نرى ان عقد الشركة الشرعية كان موجودا في ذلك العصر، وهذا العقد لا يتصور فيه
مالك شخصي بعينه،
باعتبار ان من اركان الشركة اشاعة المال، كما ورد ذلك في تعريف الشركة في الكتب
الفقهية، فقد عرفها المحقق الحلي: بانها «اجتماع حقوق الملا ك في الشيء الواحد على
سبيل الشياع»((203)).
وعرفها العلامة بان «الشركة هي اجتماع حقوق الملا ك في الشيء الواحد على سبيل الشياع، او استحقاق شخصين فصاعدا
على سبيل الشياع امرا من الامور»
((204)). وكذا عرفها غيرهما
من الفقهاء، وتعريفهم هذاللشركة نابع من مضامين المتون
والنصوص الشرعية، لا انها تعاريف بعيدة عنها.
والمال في النظام البنكي مال مشاع بين كافة المودعين، حيث
لا يعلم صاحب هذا المال بالخصوص، وكذا الزيادة التي
ياخذونها، اذا فالمال المشاع في الشركة لا يختلف عنه في
البنوك.
وبناء عليه، فاذا فرض ان المالك الاعتباري كان موجودا في
عصر النص، ولم يحصل تفصيل في حرمة الربا بين المالك
الحقيقي والمالك الجهتي، كان اطلاق الحكم بحرمة اخذ
الزيادة في القرض، وعدم ذكر تفصيل في الحكم بينهما دليلا
وكاشفا عن اشتراك جميع ما فيه زيادة بالحكم، وبالتالي عدم
كون ما ذكر فارقا في الحكم.
نعم لا شك في ان المالك الجهتي وعقود الشركة التي كانت
موجودة في عصر النص تختلف عن الموجود في البنك في هذا
العصر، وهناك تباين واضح بينهما، بيد ان هذا الفرق لا
يستدعي وجود فارق حكمي بينهما، وذلك لان الدليل الذي
اتى به الشيخ على التفريق بين الزيادة في الربا وبينها في
الفائدة البنكية قد ارتكز على فكرة عدم وجود مالك حقيقي
في البنك، والحال ان الادلة الشرعية على حرمة الربا قامت
على اساس ان المنتفع من الربا هوالمالك الحقيقي لا
الاعتباري، فنحن لاجل رد هذا الدليل يكفينا اثبات وجود
المالك الاعتباري في عصر النص لتصحيح التمسك بالاطلاق
والعموم.
واما الامر الثاني: فقد تقدمت الاشارة الى ان عمليات الاستثمار
باستخدام رؤوس الاموال كانت امرا متعارفا عليه في عصر ما
قبل الاسلام فضلا عما بعده، وذلك ضمن الاجابة على المقدمة
الاولى من الفارق الاول، كما ان فكرة تجميع رؤوس الاموال
الصغيرة والمتوسطة، وتوظيفها عبر استخدامها في عمليات
اقراض اخرى كما هي وظيفة البنك في هذا العصر كانت
موجودة في العصر الجاهلي ايضا، وحكم عليها الاسلام بحكم
الربا، كماتقدمت الاشارة الى ذلك سابقا.
3-
الفارق الثالث: الربا المضاعف:
وبناء على ذلك يكون المحرم بنص الاية خصوص الربا المضاعف
الذي كان متعارفا زمن الجاهلية، اما الزيادة القليلة على راس
المال ومنها الفائدة البنكية التي لا تتجاوز في افضل الاحوال
ما نسبته عشرون في المئة 20%سنويا فلا يصدق عليها انها
اضعاف مضاعفة، حتى تكون مشمولة لعنوان الربا المحرم.
بل انه يمكن للامام والحاكم الشرعي ان يضع حدا لفائدة
القرض، حتى لا يصدق عليه العنوان المحرم، فيضع القوانين
والشروط بالشكل الذي لا تكون الزيادة الماخوذة على القرض
زيادة مضاعفة عدة اضعاف، وبالتالي لاتنطبق عليها اوصاف
الربا المحرم المذكورة في القرآن((206)).
والجواب عليه:
وثانيا: ان الاستدلال بهذه الاية على المطلوب يعتمد على
القول بحجية مفهوم الوصف، فبيان الاستدلال بها على ذلك هو
ان الاية بناء على تمامية الدليل تريد ان تقول بان كل ما لم
يكن من الربا والزيادة منطبقا عليه وصف «الاضعاف المضاعفة»،
فهو ليس محرما، بل ليس من الربا المحرم في القرآن اصلا،
وانما المراد بالحرمة فيه،هي تلك الزيادة المختصة بالربا الحائز
على هذا الوصف دون غيره.
لكن من الواضح ان مفهوم الوصف بناء على ما افاده اكثر
الاصوليين غير حجة كما هو ثابت في علم الاصول،فعلى
سبيل المثال اذا اتى الخطاب: «اكرم العالم الزاهد»، فلا يمكن
القول بانه يفهم من هذا الخطاب عدم وجوب اكرام غير الزاهد
من العلماء. فقد يكون وجوبه ثابتا بدليل آخر غير هذا الدليل،
وعليه فلا يمكن استفادة اختصاص الحرمة بالفرد المذكور في
الاية دون غيره، بواسطة مفهوم الوصف.
وقد يعترض ويقال ان هذه الاية تعارض آية حرمة الربا
المتقدمة، باعتبار ان هذه تحرم خصوص الربا المضاعف، وتلك
تحرم الربا مطلقا، سواء كان مضاعفا او غير مضاعف، وعندئذ
يصار الى حل هذا التعارض بحمل اطلاق تلك الاية على مقيد
هذه، بحيث يصير المراد من تلك الاية المطلقة حرمة خصوص
الربا المضاعف دون غيره من افراد الربا، جمعا بينها وبين هذه
الاية.
لكن يجاب عليه ان الاية الذاكرة للربا المضاعف ليست في مقام
بيان اصل الحرمة الشرعية كما اشرنا الى ذلك آبل هي في
مقام بيان شدة الحرمة المنصبة على الربا المضاعف، دون ارادة
بيان اصل الحكم، حتى يصار الى جعلها قرينة مقيدة للاية
الاولى.
وثالثا: ان الفائدة البنكية الموجودة حاليا يصدق عليها في
بعض الموارد انها اضعاف مضاعفة، كما في الفائدة على
الايداعات والقروض التي جعلت لفترات زمنية طويلة، حيث ان
الفائدة تزيد كلما زادت فترة الايداع، فقدتتجاوز الفائدة الحد
الذي كان يتقاضاه المرابون في عصر ما قبل النظام البنكي.
مضافا الى انه اذا حسبت الفائدة المركبة، وهي ما يضاف على
راس المال المودع من الفائدة، فتصير جزءا من راس ماله
المودع، فاذا فرض ان الفائدة الاصلية كانت بنسبة عشرة
بالمائة في السنة، فانها سوف تصل الى الضعف في مدة زمنية
بسيطة، قد لا تتجاوز الثلاث سنوات في بعض الحالات. فكيف
الحال فيما اذا طالت فترة الاقتراض وحسبت فوائد الفوائد؟.
فمن الواضح ان حساب مثل هذه الفوائد سيحتاج الى برامج
معقدة، كما انناسوف نحتاج الى احدث البرامج الحسابية لاجل
ذلك.
4-
الفارق الرابع: ان المقرض في الربا هو القوي:
وفي الفائدة البنكية فاننا نرى ان الامر قد انعكس، حيث اصبح
الفقير وصاحب راس المال القليل هو المقرض، وهوالذي
يستفيد من عملية القرض. والمقترض الذي يدفع الزيادة هو
الجانب الاقوى والاغنى وصاحب الثروات البنك كما هو
المفترض فهنا لا تكون الزيادة الماخوذة على راس المال
المقترض من مصاديق الربا المحرم، لان المنتفع من الفائدة
البنكية هو الجانب الاضعف على حساب الجانب الاقوى، والحال
ان الربا المحرم مختص بما اذاكان المنتفع هو الاقوى، دون
العكس((209)).
والجواب عليه:
ثانيا: ان البنوك ليست دائما هي الجانب الاقوى في عملية
القرض والايداع، بل قد يكون البنك هو الاضعف في
هذه المعاملة، فان البنك نفسه قد يقع ضحية دفع الزيادة
ويعلن افلاسه نتيجة عجزه عن الوفاء باصل الديون فضلاعن
تسديد الفوائد المترتبة على الايداعات التي لديه، وعدم قدرته
على القيام بخدمة ديونه، وهناك امثلة ونماذج كثيرة لافلاس
البنوك حتى في اكثر البلاد استقرارا من الجهة
الاقتصادية
((210)).
5- الفارق الخامس: ان المنتفع هو المرابي فقط:
والفائدة البنكية من قبيل الصورة الثانية التي تعود المنفعة
فيها الى كل من الدائن والمدين، باعتبار ان المقترض آوهو
البنك يستثمر هذه الاموال وتعود عليه بارباح، وبطبيعة
الحال سوف يكون لصاحب المال جزء منها تحت عنوان
الفائدة((211)).
والجواب عليه:
وثانيا: ان البنك في بعض الحالات قد لا يحصل على اي ربح
يقتسمه مع صاحب المال المودع، بل انه قد يخسراحيانا حتى
اصل المال المودع عنده او بعضه، ومع ذلك يبقى البنك ملزما
بتسديد الفائدة المترتبة على المال المودع، فضلا عن ضمان
نفس راس المال، فالنظام البنكي لا يفرق في تعامله بين
حالتي الربح والخسارة، بل يتعامل معهما معاملة واحدة، فحتى
لو تنزلنا وقلنا: بان ادلة حرمة الربا مختصة بصورة ما اذا كان
المنتفع فيهاهو المقرض خاصة، ينقض عليه بما اذا خسر البنك
في بعض معاملاته، او لم تحصل لديه ارباح مهمة تفي
بنسبة الفائدة المتوجب عليه دفعها، فهل يعفى البنك في هذه
الحالة من دفع الزيادة، حيث لم تحصل هناك فائدة
ليقتسمها مع صاحب المال؟ او ان البنك يبقى ملزما كما هو
موجود في العقد بدفع الزيادة مهما كان، سواء كان هناك
ربح او خسارة؟ وكذلك الكلام بالنسبة الى الزام المستثمر
المقترض من البنك بدفع الزيادة المفروضة، فانه ملزم
بدفع الزيادة، سواء كان المقترض قد ربح او خسر، وعليه فما هو
المبرر الشرعي الذي يتيح فرض دفع زيادة على
احدالمتعاقدين البنك او المقترض منه مع عدم وجود
ارباح؟ حيث من المفترض ان يحكم عليه بالحرمة تماشيا
مع هذه المحاولة.
6-
الفارق السادس: ان الزيادة كانت بيد المرابي:
اما في نظام الفائدة البنكية فالزيادة انما تفرض من اول الامر وحين اجراء عقد القرض
والايداع، بحيث تكون الزيادة مفروضة ومذكورة بوضوح في اصل العقد، وهذا الفارق يذهب
اليه محمد رشيد رضا حيث يقول: «ان الحق في الربا الذي نهى الله تعالى عنه في كتابه
وتوعد فاعله بما لم يتوعد بمثله على ذنب آخر انه ربا النسيئة الذي كان معروفا في
الجاهلية، وهو ما يؤخذ من المال لاجل تاخير الدين المستحق في الذمة الى اجل آخر،
مهما يكن اصل ذلك الدين من بيع او قرض او غيرهما، فلا يدخل في مفهومه ما يزاد في
اصل الدين عند عقده على مايعط ى للمدين ربحا له، وانما ما يعط ى لاجل تاخير الدين
المستحق»
((213)).
والجواب:
وثانيا: ان الربا الذي كان متعارفا في الجاهلية وعند صدور
النص، هو الربا الذي كانت الزيادة فيه مشروطة من اول عقد
القرض، كان يقول المقترض: اقرضني مائة دينار على ان اوفيها
بعد مدة مائة وعشرة دنانير مثلا، اويقول اعطني مبلغا من
المال على ان اسدد في كل شهر جزءا منه، بحيث يكون مجموع
ما يسدده المقترض اكثرمن اصل المال المقترض، هذا النوع
من الربا هو الذي كان مشهورا في عصر النص، وهذا العقد بعينه
يجري الان في المعاملات البنكية والفائدة، الا ان الذي يعين
فيها هو النسبة المئوية من المال مع الاخذ بعين الاعتبار
المدة المحددة للقرض، دون الدخول في تسمية نفس المال
الزائد وتعيينه، فلا يعود الفرق بين ما كان يجري في
السابق وبين ما يجري الان، سوى تعيين نفس المال الزائد في
الربا، والاقتصار على تعيين النسبة في الفائدة. بيد ان هذاالفرق
لا يمكن ان يعتبر سببا فارقا في المقام، يستوجب اختلاف
الحكم في الموضوعين.
ومن هنا يقول الفخر الرازي في تفسيره للربا الذي كانوا يتعاملون به:«ان ربا النسيئة
هو الامر الذي كان مشهورامتعارفا في الجاهلية، وذلك انهم كانوا يدفعون المال على ان
ياخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون راس المال باقيا،ثم اذا حل الدين طالبوا المديون
براس المال، فان تعذرعليه الاداء زادوا في الحق والاجل، فهذا هو الربا الذي كان في
الجاهلية يتعاملون به»((216)).
نعم، هذا الفرد من الربا كان من جملة القروض الربوية
الموجودة والمتعارفة في الجاهلية، حيث كانت الزيادة تحصل
بعد تمام المدة المضروبة في العقد مقابل تاخير الوفاء بالدين، او
كان يضاف على المبلغ زيادة اخرى غيرتلك المضافة اولا،
وذلك مقابل التاخير الزمني، لكن هذا لا يستدعي اختصاص
الحرمة بهذا الفرد مع كون الافرادالاخرى للربا القرضي شائعة
ايضا في ذلك العصر، بحيث يقطع بكون النصوص المحرمة
ناظرة الى جميع مصاديق الربا، وشاملة باطلاقها لهذه الافراد
منه.
7-
الفارق السابع: ان الربا مختص بالقروض الاستهلاكية:
ان الربا المحرم هو ما كان يؤخذ من الزيادة على القروض
الاستهلاكية لا القروض الانتاجية، بمعنى ان المتعارف من الربا القرضي في عصر النص،
هو الزيادة الحاصلة على القرض الذي ياخذه الفقير لاجل اعالة اطفاله وعائلته،على ان
يسدد المبلغ مع الزيادة عند حلول موسم التمر، او العودة من السفر او مجيء
الحجاج او غير ذلك، وعندماجاء حكم تحريم الربا، كان هذا
الفرد هو الشائع والمنصرف من اطلاق كلمة الربا.
اما ان تكون الزيادة المفروضة على راس المال فيما اذا كان
القرض لاجل التجارة او الصناعة، او لاجل استصلاح اراض
زراعية او غير ذلك من الامور الانتاجية، فهو لاجل عدم شيوعه
وندرته في زمن النص لا يمكن ان يكون مشمولا للحكم بحرمة
الربا، وقد نقل السهروردي عن الاستاذ معروف الدواليبي: «بان
الربا المحرم انما يكون في القروض التي يقصد بها الى
الاستهلاك لا الى الانتاج، ففي هذه المنطقة منطقة
الاستهلاك يستغل المرابون حاجة المعوزين والفقراء،
ويرهقونهم بما يفرضون عليهم من ربا فاحش، اما اليوم وقد
تطورت النظم الاقتصادية وانتشرت الشركات واصبحت
القروض اكثرها قروض انتاج لا قروض استهلاك، فان الواجب
النظرفيما يقتضيه هذا التطور في الحضارة من تطور في
الاحكام، ويتضح ذلك بوجه خاص عندما تقترض الشركات
الكبيرة والحكومات من الجماهير وصغار المدخرين، فان الاية
تنعكس والوضع ينقلب، ويصبح المقترض اي
الشركات والحكومات هو الجانب القوي المستقل، ويصبح
المقرض اي صغار المدخرين هو الجانب الذي تجب له الحماية.
ثم يقول ولاتعدو الحال احد امرين: اما ان تقوم الدولة بالاقراض للمنتجين، واما ان
تباح قروض الانتاج بقيود وفائدة معقولة، والحل الثاني هو الحل الصحيح»((217)).
والجواب:
وثانيا: ما تقدم ايضا في الجواب على المقدمة الاولى، من ان
البنك في زماننا حين يقرض عملاءه، لا يسالهم ان القرض هو
للاستهلاك او انه للاستثمار، وبناء على ما ذكر من الفارق، لا بد
ان يعفى المقترض لاجل الاستهلاك من الزيادة التي تفرض
على المقترض للاستثمار، وهذا خلاف الواقع المعمول به، بل
الواقع «ان القروض التي تؤخذ لاجل المصرف والاستهلاك، في
وقتنا الحاضر اكثر منها في اي وقت مضى كما ورد في
احصائيات البنوك((218)).
الفارق الثامن: الزيادة عوض التلف المتوقع:
والجواب:
اضف الى ان ادلة التامين والضمان لا تشمل ضمان النقود في
القرض، بل اكثر ما يستفاد منها هو ضمان المال المتخذ
للتجارة، بحيث يكون عرضة للتلف والضياع، فعندها يمكن ان
يحصل ضمان لهذا المال فيما اذا خسرت التجارة او تلفت
الاموال. لذا جعل السيد الخميني(ره) من جملة شروط التامين
ان يكون المال الماخوذ لقاء التامين مبينا وواضحا، كما ان هناك
بعض الشروط الماخوذة في عقود التامين غير متوفرة في
الايداع البنكي((220)). الاان يكون المراد بهذا التامين غير ما
هو مبحوث في الكتب الفقهية، وغير ما هو المتعارف عليه عند
شركات التامين، لكن هنا ايضا نقول بان هذا النوع منه غير
معلوم كونه ممضى شرعا.
وعلى كل حال فهذا الكلام يبحث في مكانه، لكن ما نقوله هنا:
ان ادلة الضمان والتامين قاصرة عن شمول مثل هذه الافراد من
التامين.
وثانيا: اذا سلمنا بوجود فارق بنظر العرف يوجب اختلاف
الحكم بينهما، فيمكن ان يقال بان طريق التامين على الاموال
ليس مقتصرا على اخذ الزيادة من المقترض حتى تباح
للاضطرار اليها، لاجل ان لا تضيع الاموال المقترضة، بل هناك طرق عديدة اكثر فعالية
لضمان المال، وليست داخلة تحت الربا،كان يرهن المقترض سندا اومتاعا ثمينا عند صاحب
المال، بحيث يكون هذا الشيء المرتهن هو العوض في حال تلف المال
او جزء منه.
وثالثا: ان البنك لا يتعاط ى مع الفائدة التي يعطيها، بانها
بمنزلة التامين على المال المودع عنده، بل يرى ان هذه الزيادة
هي خدمة للمال، ونتيجة لنفس عملية الايداع.
هذا مضافا الى ان اكثر البنوك تقوم باجراء عقود تامين على
اموالها عند شركات التامين الكبرى، بحيث تضمن تلك
الشركات الاموال التي يودعها اصحابها في البنوك، فيما اذا طرا
عليها طارئ او تلفت، وهذا مما يعزز ان فكرة اعطاء الزيادة من
قبل البنك ليست لاجل التامين على المال، بل هو خدمة
لنفس المال، ولقاء عملية الايداع نفسه.
فوارق اخرى:
تفقد السياح
الشيخ محمد حسن النجفي
مقدمه
ان الاماكن الاسلامية المقدسة وبغض النظر عن قدسيتها
ومعنويتها، فانها تمثل فصلا من الثقافة والحضارة الاسلامية
وفنونها الرائعة. فقد سعى جمع من الفنانين حثيثا واستفرغوا
كل ما بوسعهم ليضفوا على جدران تلك المباني المقدسة آيات
فنهم ولطائفهم، ولم يدفعهم لذلك سوى حبهم وعشقهم
لتلك الاماكن، الامر الذي جعلهاتغص بالروائع الفنية التي
تخطف ابصار الناظرين، وقد ازدان تالقها بفضل العمارة
المستخدمة في بلاطها
المنسجمة ونقوشها والوانها الخلابة،
انواع الخطوط المسطورة على ابوابها وجدرانها، والمفروشات
الفاخرة والستائر النفيسة، القناديل والثريات الفخمة، الابواب
الخشبية المرصعة و بالتالي تحولت الى لوحات فنية
عظيمة تختزن مختلف الوان الفنون والحضارات الاسلامية
خلال القرون والدهور العريقة المتمادية، التي تستوقف الاخرين
لمشاهدتها والتامل فيها.
وبامكان السائح اللبيب ان يجسد في مخيلته وذاكرته صورة
واضحة عن طريقة معيشة مختلف الامم والاقوام الاسلامية
وتاريخها وحضارتها، اذا ما وقف على هذه الاماكن وتعمق فيها.
ولحسن الحظ فان عالمنا الاسلامي المعاصر، سيما ايران
الاسلام وبارجائها كافة تغص بمثل هذه الاماكن التي تتمتع
بذلك الخزين الثقافي الحضاري العريق.
وبامكان هذا التراث الفني والحضاري اليوم ان يستقطب اعدادا
ضخمة من السياح الذين يدفعهم روح البحث والتحقيق وارهاق
المدنية الحديثة التي تتقاذفهم هنا وهناك لرؤيته والتعرف
عليه عن قرب، وان قدوم السياح الذين ينتمون للطبقة المثقفة
عادة لبلدنا الذي تحكمه الاجواء الاسلامية سيمكنه وبغض
النظر عما يكتنفه من منافع اقتصادية تعود بالنفع على
المجتمع الاسلامي، ان يمهد السبيل لتعريفهم بالثقافة
الاسلامية وما تستبطنه من تعاليم ومعنويات دينية سامية.
لا شك اننا اذا اخذنا بزمام المبادرة واستفدنا من برامجنا العلمية الناجحة سنتمكن
من اسماعهم احاديث الحق ورسالة الدين الحنيف ضمن تعريفهم بالاثار الثقافية والحقائق
التاريخية الاسلامية الواقعية. وليس ذلك الامصداق لما روي عن الصادق(ع): «كونوا
دعاة للناس بغير السنتكم»
((222)).
وبالتالي فان ادنى ما سنحصل عليه من هذا الحضور هو احباط
التهم والافتراءات التي سعى اعداء الاسلام لالصاقها بهذا النظام
المقدس.
وهنا يطرح هذا السؤال وهو: هل لغير المسلمين من سبيل
لهذه الاماكن المقدسة؟ او ليس هؤلاء نجس ولا بد من تطهير
هذه الاماكن منه؟ او ليست هذه الاماكن مقدسة، والواجب
حفظ قداستها وحرمتها؟ الاخطر من ذلك ماصرح به الفقهاء
بهذا الشان، فالمشهور ان لم نقل الاجماع قام على عدم جواز
دخول غير المسلمين للمساجدوسائر الاماكن المقدسة،
كالمراقد المطهرة للائمة المعصومين(ع). وقد انضم لاولئك
الفقهاء صاحب الجواهرحين تعرض لبحث دخول الكفار
للمساجد ودائرة الحرم المكي((223)).
وهنا تكمن اهمية الخوض في هذا الموضوع على مباني هذا
الراي الذي يبدو محكما. ما دليل هذه الحرمة وعدم الجواز؟ وهل يمكن خدش الدليل ان قام على ذلك؟ وان لم يكن هناك دليل على الحرمة لابد من الوقوف على جذور الفتوى. هل للفوائد المترتبة على السياحة اليوم ان تغير الفتوى؟
يعتقد كاتب المقال ان ادلة حرمة دخول الكفار للاماكن
المقدسة غير تامة، ويمكن مناقشتها والقدح فيها، وليست لها
تلك القوة التي يقطع بحرمتها لكافة الاماكن المقدسة. وعليه
فالباب مفتوح على مصراعيه امام الفقهاءوالمحققين ليتناولوا
هذه المسالة بالبحث والنقاش.
وما دامت كلمات الفقهاء قد تمحورت حول «دخول الكفار
للمساجد» ثم عمموا ادلتهم لسائر الاماكن المقدسة،فاننا
سنحذوا حذوهم في جعل قضية «دخول السياح غير المسلمين
للمساجد» محورا، فاذا ما اتضحت هذه القضية ستتضح معها
مسالة سائر الاماكن المقدسة. آملين ان نغني هذا الموضوع
بهذا الجهد المتواضع.
آراء الفقهاء السنة:
هل الكفار مشركون ام لا؟ وهل يمكنهم ان يترددوا على
المساجد ام لا؟
قال الله تعالى: (انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام
بعد عامهم هذا) قال علي: فخص الله المسجد
الحرام فلا يجوز
تعديه الى غيره بغير نص.»((224)).
واشار الدكتور وهبة الزحيلي لهذا الاختلاف ايضا: «وقال المالكية: يمنع دخول الكافر
المسجد وان اذن له مسلم الا لضرورة عمل. واجاز ابو حنيفة للكافر دخول كل مسجد،
ويجوز عند الشافعية للكافر دخول المسجد غيرالمسجد الحرام وحرم مكة وله ان يبيت فيه
ولو كان جنبا في الاصح ولكن باذن المسلمين»((225)).
وقد اشار الشيخ الطوسي لبعض هذه الاراء ايضا قائلا:
لا شك ان مراد الشيخ من المشركين كافة الكفار، حيث بينها
كذلك في بحث احكام اهل الذمة، وبذلك قال ايضا في كتاب
المبسوط الا انه توسع اكثر في الموضوع((227)).
وقد اشار الفخر الرازي ايضا لاختلاف آراء فقهاء العامة قائلا:
«المسالة الخامسة: قال الشافعي(رض): الكفار
يمنعون من
المسجد الحرام خاصة، وعند مالك: يمنعون من كل
المساجد.»((228)).
خلاصة آراء الفقهاء:
1-
ليس لاي من غير المسلمين الدخول الى المساجد.
ونقل الشيخ الطوسي في تفسيره التبيان رايا رابعا، وهو جواز
دخول الكفار الذميين وارقاء المسلمين الى المسجد الحرام:
وهناك راي خامس ورد في تفسير مجمع البيان ايضا، يصرح
بان منع دخول الكفار للمساجد هو امر حكومي(ولائي) اثناء
الحج والعمرة:
«وقيل منعهم من دخول المسجد الحرام على طريق الولاية، للموسم والعمرة»
((230)).
آراء الفقهاء الامامية:
المشهور عند الفقهاء الشيعة هو عدم دخول الكفار للمساجد
باي شكل من الاشكال. بل حين يتعرضون لاحكام اهل الذمة في
مبحث الجهاد يذهبون الى وجوب رعاية كل كافر ذمي لمسالة
عدم دخول المساجد، فليس لهم دخول المساجد اذا ما عاشوا
في كنف الحكومة الاسلامية، ومن هنا تتضح شدة المنع
بالنسبة للمشركين والكافرين والملحدين الذين يعيشون في
مناطق الكفر.
وكذلك يطالعنا نفس هذا المنع في كلماتهم حين يتعرضون
لاحكام المسجد. ولابد هنا من التعرض لاقوالهم في عدم جواز
دخول غير المسلمين للمساجد قبل مناقشة ادلتهم التي
استندوا اليها:
*
فقد قال نظام الدين الصهرشتي في اصباح الشيعة:
*
القطب الراوندي:
*
العلا مة الحلي:
*
وقال:
*
وقال:
*
وقال المحقق الحلي:
وبهذا قال الشيخ الطوسي في الخلاف والمبسوط، المحقق في
الشرائع، العلامة في التذكرة، صاحب الجواهروسائر كبار
الفقهاء، وسنتعرض لاقوالهم حين مناقشة الادلة.
ادلة هذا الراي:
يمكن القول ان الشيخ الطوسي فقط من بين الفقهاء القدماء
كان قد اشار لادلة ما قال به من راي. فقد ذكر في الخلاف بعد
ان تعرض لعدة آراء:
«دليلنا قوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا انما المشركون نجس فلا
يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.) فحكم عليهم بالنجاسة.
واذا ثبتت نجاستهم فلا يجوز ان يدخلوا شيئا من المساجد لانه لا خلاف في ان المساجد
يجب ان تجنب النجاسات»((237)).
فاستدلال الشيخ قائم على امرين:
وقد توسع في هذا الموضوع في مبسوطه، فقد قسم المساجد
بادئ ذي بدء الى ثلاثة اقسام وهي: المسجد الحرام،مساجد
الحجاز، وسائر المساجد. وقد استدل على عدم جواز دخولهم
المسجد الحرام بالاية الشريفة (انماالمشركون نجس.) ثم قال
بشان عدم دخولهم سائر المساجد:
ثم ذكر بعد ذلك قائلا:
واضاف: وعليه فان استدلاله في المبسوط كاستدلاله في كتاب الخلاف، اضافة لاقراره هنا بسيرة النبي(ص) في انزال الكفار في المسجد، الا انه لم يستند اليها، على أنها كانت قبل نزول الاية الشريفة.
اما العلا مة فقد استدل على ذلك في التذكرة، ثم فرق بين
المسجد الحرام وسائر المساجد، قائلا بشان عدم جواز دخول
الكفار الى المسجد الحرام:
وقد استدل بما يلي على عدم جواز دخولهم سائر المساجد:
وقال: «وقال اكثر العامة يجوز لهم الدخول باذن المسلم لان النبي(ص) انزل وفد ثقيف
في المسجد. ولو سلم لكان في صدر الاسلام»((239)).
وقد استند صاحب الجواهر الى نفس هذه الادلة ايضا مع هذا
الفارق وهو قيام اجماع فقهاء الشيعة على عدم جوازدخولهم
المساجد فقال:
«. كما صرح باجماعهم عليه في المسالك، بل في المنتهى
نسبته الى مذهب اهل البيت(ع)»((240)).
وقد استدل الشيخ يوسف البحراني في الحدائق في مبحث
احكام المساجد على حرمة دخول اليهود والنصارى الى
المساجد بروايتين لهما مضمون واحد.
ومما تقدم يمكن حصر الادلة التي اقامها الفقهاء على عدم جواز
دخول الكفار للمساجد بما يلي:
مناقشة الادلة:
لقد فرق الفقهاء في ابحاثهم بين المسجد الحرام وسائر
المساجد وان عمموا رايهم بالنسبة لعدم جواز دخول المساجد
حيث فرقوا بينها بالادلة وكيفية الاستدلال. ونحن بدورنا
نحذو حذوهم ونناقش الادلة في موردين: 1- حرمة دخول الكفار للمسجد الحرام
اهم دليل استفاده فقهاء الشيعة والسنة على حرمة دخول
الكفار للمسجد الحرام هو الاية الشريفة:
لا شك ان الاية الشريفة نزلت بشان المشركين الذين كانوا
يقدمون اثناءالحج ليقيموا مراسمهم في المسجدالحرام و
يمارسوا اعمالهم وتجارتهم، وبعد نزول هذه الاية في شهر ذي
الحجة من السنة التاسعة للهجرة، امرالنبي(ص) عليا(ع) ان
يقرا عليهم هذه الاية ويمنعهم من المسجد الحرام ومكة،
وعليه فالمراد الاصلي بالاية الشريفة هم المشركون وعبدة
الاوثان الذين كانوا ياتون مكة كل عام ليؤدوا مراسم الحج. وان
التوسع في حكم حرمة الدخول في المسجد الحرام ليشمل سائر
الكفار: كالمرتدين، والملحدين، واهل الكتاب انما يحتاج الى
دليل،وان لم يكن هناك مخصص، الا ان ذلك لا يعني عدم
حاجة التوسع في الحكم والغاء الخصوصية الى الدليل، سيما
ان شواهد الاية وقرائنها تفيد تخصيص الحكم.
طرق تعميم الحكم:
بعبارة اخرى، بالتوسع في موضوع الحكم او علته.
أ-
التوسع في معنى الشرك:
فقد ورد القطع في العبارتين على ان اهل الكتاب مشركون،
واستدل بعض الفقهاء على ذلك. فقد استشهد صاحب الجواهر
ببعض الايات القرآنية لاثبات شرك اهل الكتاب: «. او لما يشمل
(المشرك) اليهود والنصارى، لقوله تعالى: (وقالت اليهود عزير
الى قوله تعالى عما يشركون) ولما يشعر به قوله تعالى
لعيسى(ع) (اانت قلت للناس اتخذوني وامي الهين.) من
شركهم ايضا، ولقولهم ايضا: (ان الله ثالث ثلاثه)»
((244))
وطبق هذا التفسيرللشرك، فانه يشمل عبدة الاوثان واهل
الكتاب ايضا.
الجواب: «فدلالته على الكل موقوف على اثبات كونهم جميعا مشركين وهو لا يخلو عن اشكال»((245)).
وقال السيد احمد الخوانساري في جامع المدارك:
وقال الامام الخميني(رض) بصورة اوضح: ثانيا: لسنا بصدد بيان حقيقة الشرك. ومن المشرك؟ فهذا بحث كلامي، وقد اثبت في محله مراتب الشرك التي يمثل الشرك في الالوهية اسواها. ثم المراتب الاخرى له كالشرك في الطاعة والعبودية، الذي صرحت الروايات بابتلاء المؤمنين به سوى الائمة المعصومين وعباد الله المخلصين. وما نروم فهمه في هذا البحث هو ان عبارة «المشركين» التي وردت في عدة آيات قرآنية ومنها الاية المذكورة مختصة بطائفة خاصة معينة ام انها تشمل طوائف اخرى؟
يرى الاعم الاغلب ان «المشركين» الواردة في القرآن الكريم
مختصة بعبدة الاوثان الذين يرون الله شريكا.وشاهدهم على
ذلك الاية الكريمة التي ذكرت المشركين الى جانب سائر
الكفار: (لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب
والمشركين)((248)). والاية الاخرى: (ان الذين آمنوا والذين
هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله
يفصل بينهم يوم القيامة).((249)).
وهذا ما اكد عليه السيد محمد الموسوي العاملي في المدارك
قائلا:
حتى صاحب الجواهر حين استدل بالاية الشريفة (ولا تنكحوا
المشركات) على عدم صحة الزواج بنساء اهل الكتاب صرح بانها
مختصة بالمشركات، والشرك الوارد في الشريعة لا يشمل اهل
الكتاب، قائلا: «لان المتبادرمن الشرك في اطلاق الشرع غير
اهل الكتاب، كما يؤيده عطف المشركين على اهل الكتاب
وبالعكس في كثير من الايات، وهذا لاينافي اعتقادهم ما يوجب
الشرك، اذ ليس الغرض نفي الشرك عنهم، بل عدم تبادره من
اطلاق لفظ المشرك.»((251)).
وبالطبع فان هذا لا يتنافى وكونهم اعتقدوا بما يوجب الشرك،
وذلك لان المقصود ليس نفي الشرك عنهم، بل نفي التبادر
الذهني في اطلاق لفظ الشرك.
وبناء على ما تقدم فان التوسع في معنى الشرك لا يؤدي الى
اعتبار سائر الكفار من مصاديقه، والمقصودبالمشركين في
الاية: (انما المشركون نجس.) عبدة الاوثان الذين ذكرهم
القرآن في عدة مواضع الى جانب اهل الكتاب.
قال آية الله الخوئي: «ان الشرك له مراتب متعددة لايخلو منها غير المعصومين وقليل
من المؤمنين. فلا مناص من ان يراد بالمشرك مرتبة خاصة وهي ما يقابل اهل الكتاب»((252)).
اضف الى ذلك: فان سلم للتوسع في معنى الشرك، فان الاية
المذكورة سوف لن تشمل جميع الكفار ايضا، وذلك لان
المرتدين والماديين والزنادقة ليسوا مشركين، الا ان نعمم
الحكم عن طريق الاولوية. اي ليس لاولئك الذين يعتقدون بالله
وان نسبوا له شريك ان يدخلوا المسجد الحرام، وهذا ما
سيجري بطريق اولى على اولئك الذين ينفون كل اله.
بالطبع هناك ترديد في هذه الاولوية، لقوله سبحانه: (ان
الشرك لظلم عظيم).
ب- التوسع في العلة:
الطريق الثاني لتعميم حكم حرمة دخول المشركين للمسجد
الحرام ليشمل سائر الكفار، علة الحكم المذكورة في الاية
الشريفة، وهي النجاسة: (انما المشركون نجس فلا يقربوا
المسجد الحرام).
وعليه فلا ينبغي لكل نجس كالمشرك ان يدخل المسجد
الحرام ، سواء كان مشركا ام غير مشرك. وطالما كان سائر الكفار
انجاس كالمشركين، فبالتالي ليس لهم ان يدخلوا المسجد
الحرام.
وقد استدل الشيخ ضياء الدين العراقي في شرح التبصره على
حرمة دخول الكفار المسجد الحرام وسائرالمساجد قائلا: |