«ولا يجوز ايضا ان يدخل الذمي فضلا عن غيره من سائر فرق
الكفار المساجد، لظهور تفريع عدم دخول المسجد الحرام في
الاية على نجاسة المشرك، الجاري في غيرهم من اهل الذمة،
فضلا عن شموله لهم، لقوله بان عزير او المسيح ابن
الله»((253)).
والاستدلال المذكور يقوم على قبول نقطتين:
النقطة الاولى:
يرى الاغلب ان المراد هو المعنى اللغوي. فقد قال العلا مة الفقيه رضا الهمداني:
«فلا مانع من ان يكون المرادبالنجس في الاية الخباثة الباطنية والقذارة
المعنوية الحاصلة بالشرك»((254)).
وان لم نقل بان كلمة «نجس» في الاية استعملت فقط بالمعنى
اللغوي، فان هناك احتمالين في ان يكون المرادالمعنى
الاصطلاحي او اللغوي، وان صرفها لاحد المعنيين يحتاج الى
قرينة.
ان مجرد اشتراكها في المعنى وعدم وجود القرينة على
احدهما، دفع اغلب الفقهاء لان يغضوا النظر عن
الاستدلال بهذه الاية على نجاسة الكفار في مبحث نجاسة
الكفار، بل الابعد من ذلك، ان البعض ادعى وجود قرينة في
الاية تصرفها للمعنى اللغوي.
فقد ذكر آية الله الخوئي:
وقال ايضا: «فالانصاف ان الاية لا دلالة لها على نجاسة المشركين فضلا عن دلالتها
على نجاسة اهل الكتاب»((256)).
النقطة الثانية:
على الاقل هناك كلام بين الفقهاء بشان نجاسة اهل الكتاب،
وان كان المشهور عند فقهاء الشيعة الحكم بنجاستهم،الا ان
كثيرا من الفقهاء افتوا بطهارتهم.
على كل حال فان هذه الاية سوف لن تكون دليلا على حرمة
دخول اهل الكتاب المسجد الحرام على قول من
افتى بطهارتهم. وقد علق الشيخ محمد جواد مغنية القائل
بطهارة اهل الكتاب على الاية المذكورة قائلا:
«اطلاق الاية الشريفة، انما المشركون نجس، تشمل كل نجس
من حيوان او انسان او غيرهما».
ثم قال: «ونريد بالانسان النجس، الجاحد وعابد الاوثان، اما اهل الكتاب فقد اثبتنا
طهارتهم»((257)).
ويفهم من هذا الكلام ان لاهل الكتاب ان يردوا المسجد الحرام
واي مسجد آخر.
وعليه فالاستدلال بهذه الاية لتعميم حكم حرمة دخول
المشركين للمساجد ليشمل سائر الكافرين ليس تاما ولايخلو
من تامل.
الاجماع:
الدليل الاخر على تعميم الحكم هو الاجماع وقد ذكره صاحب
الجواهر على انه دليل على ذلك قائلا: «فلا يجوز ان يدخلوا
المسجد الحرام اجماعا من المسلمين محصلا ومحكيا
مستفيضا مضافا الى قوله تعالى: (انما
المشركون نجس.)((258)).
ويفهم من عبارة صاحب الجواهر، ان الاجماع هو اهم دليل، بل
الدليل الوحيد على تعميم حكم حرمة دخول المشركين الى
المسجد الحرام لسائر الكفار، وان اشتمل على عدة شبهات
وذلك لانه: 2- حرمة دخول الكفار لسائر المساجد
يبدو ان الحاجة لدراسة هذه القضية اعمق واشمل من سابقتها
المتمثلة في حرمة دخول المسجد الحرام، والتي كانت تشكل
اساس ودعامة هذه القضية. الامر الذي جعلنا نتعرض ابتداء
لمناقشة تلك الادلة. والان نخوض في دراسة ادلة حرمة
الدخول للمساجد والتي اشرنا اليها سابقا:
1-
القرآن:
وقد اوضحنا سابقا عدم صواب ما قاله: «فحكم عليهم بالنجاسة»
وذلك لان الاية ليست بصدد نجاسة المشركين البدنية فضلا
عن سائر الكفار.
واما كبراه التي قال فيها: «لا خلاف في ان المساجد يجب ان
تجنب النجاسات». فما هو المقصود منها؟ ان كان المراد عدم
تنجيس المساجد، فهذا الكلام تام و صواب، الا ان دخول الكافر
للمسجد لا ينجسه وان كان الكافرنجسا، وذلك لعدم وجود
السراية بينهما. فان كان المراد عدم دخول النجس للمسجد
فهذا كلام ليس بصحيح ،وذلك لمشهور الفقهاء في جواز
دخول النجس الى المسجد، ما لم تكن هناك سراية تسبب
نجاسة المسجد.
فقد ذكر صاحب الحدائق: «. وعن المساجد وقد نقل الاجماع
عليه جمع من الاصحاب. واستدلوا على ذلك بقوله عزوجل.
وقول النبي(ص): «جنبوا مساجدكم النجاسة»، واعترض عليه
بانه يتوجه على الاول. وعلى الثاني الطعن في الرواية بعدم
الوقوف على المستند، والمراسيل لا تنهض حجة.»((260)).
بالطبع سوف لن تكون جائزة اذا كان فيها هتكا للمسجد، لكن
هتك المسجد موضوع آخر.
الثانية-
الطريقة الاخرى لاستدلالهم بالاية الشريفة، هو القول
بعدم خصوصية للمسجد الحرام، بمعنى منع دخول المشركين
الى المسجد الحرام بسبب كونه مسجدا، وهذه نقطة مشتركة
بين المسجد الحرام وسائرالمساجد، والتي ادت بدورها الى
وحدة الحكم في حرمة الدخول.
فقد ذكر الشيخ محمد حسن النجفي:
وقد استند العلامة على حرمة المساجد كنقطة مشتركة تحول
دون جواز دخول الكفار لها فقال:
وهذا ما صرح به الشيخ محمد جواد مغنية، بصيغة اخرى، حيث
قال بعد ان طرح هذا السؤال: اليست هذه الاية (فلايقربوا
المسجد الحرام) دليلاعلى صحة ما ذهب اليه الشافعي من ان
حرمة الدخول مختصة بالمسجد الحرام؟
«الجواب: ان مجموع الاية يدل على العموم، لا على الخصوص،
لان المتبادر الى الاذهان من الاية مجموعها ان علة المنع من
الدخول هي النجاسة واحترام المسجد عند الله وليس من شك
ان كل مسجد هو محترم عند الله لانه منسوب اليه جلت
عظمته وقدسيته».((263)).
وخلاصة اقوال العلماء الاعلام: ان المنزلة الرفيعة للمسجد هي
ملاك حكم حرمة الدخول، وهذا الملاك ثابت في جميع
المساجد.
ويعتمد هذا الاستدلال على اثبات امرين:
2-
ان دخول الكفار للمساجد تحت اية ذريعة انما يتنافى
وحرمة المساجد ويسيء لقدسيتها.
مناقشة الامر الاول:
أ- يفيد ظاهر الاية وسبب نزولها ان للمشركين عناية خاصة
بالمسجد الحرام، فهم يقدمون اليه كل عام ايام الموسم ليؤدوا
مراسيمهم الوثنية واعمال الحج الجاهلية غير التوحيدية في
مركز التوحيد والالوهية: (وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء
وتصدية)((264)).
وعلى هذا فان منع الشارع من دخول المسجد الحرام، كان
بهدف الحيلولة دون الاتيان باعمال وافعال الشرك. فهل يمكن مقارنة هذا مع ذلك المسجد الذي يدخله الكافر ليسمع كلام الله ومواعظ الدين وتعاليمه او بهدف مشاهدة الاثار التراثية والاطلاع على مظاهر الحضارة الاسلامية؟
ب- لقد اختص الفقه المسجد الحرام ببعض الاحكام الشرعية
الخاصة دون سائر المساجد، على سبيل المثال، لايجوز دخول
الجنب الى المسجد الحرام باي حال من الاحوال و وعليه
فاحتمال كون هذا الحكم من مختصات المسجد الحرام هو
احتمال عقلائي ويكفي مثل هذا الاحتمال في عدم الاعتقاد
بتعميم الحكم.
ج-
يرى اغلب العلماء ان المراد بالمسجد الحرام في الاية
الشريفة هو الحرم. فقد وردت آية في القرآن ذكر فيهاالمسجد
الحرام، الا ان المراد كان الحرم. (سبحان الذي اسرى بعبده
ليلا من المسجد الحرام)((265)). لا شك ان النبي كان قد عرج
من دار ام هاني، اي الحرم لا المسجد الحرام.
وهناك قرينة ايضا في ذيل الاية تشير الى ان المراد بالمسجد
الحرام جميع الحرم: (وان خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من
فضله.)((266))
في حالة منع المشركين من القدوم الى مكة،
والا فليست هناك من منافاة بين حرمة دخول المسجد الحرام
والقدوم لمكة للقيام بالاعمال التجارية. فاذا كان
المراد
بالمسجد الحرام في الاية هو الحرم وقدمنع المشركون
من دخوله، فان المسجد الحرام جزء منه، وفي هذه الحالة،
سيكون احتمال اختصاص الحكم اقوى بكثير، وذلك لان
لمنطقة الحرم احكاما خاصة ليست لاي مكان مقدس آخر.
مناقشة الامر الثاني: فهل حضور الكفار في المساجد بغية تحقيق تلك الاهداف يشكل انتهاكا لحرمتها وقدسيتها؟! ام ان طردهم منهايعد خلافا وهتكا لفلسفة تاسيس اول مسجد في الاسلام؟ اذا اراد كافر ان يدخل مسجدا يمثل عمق الاثار الفنية والحضارية التاريخية للاسلام ويقف على مدى حب وعشق اتباع ذلك الدين لتعاليمه واهدافه، فهل ذلك اهانة لقدسية وحرمة المسجد؟
ويستنتج مما سبق ان الاستدلال بالاية على حرمة دخول
الكفار المساجد انما هو استدلال غير تام، ولعل العلا
مة المجلسي قد اشار لهذه المسالة قائلا: «(فلا يقربوا المسجد الحرام .) استدل به
على عدم جواز ادخال النجاسة المسجد الحرام، وهو غير بعيد للتفريع وان امكن
المناقشة فيه، واما الاستدلال به على عدم جواز دخولهم شيئا من المساجد فهو
ضعيف»((267)).
*
الاية الاخرى التي ربما يستدل بها على حرمة الدخول
للمساجد هي:
(ما كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله شاهدين على انفسهم
بالكفر)((268)).
حيث هناك معنيان لغويان «للعمارة» وهما البناء، والتردد
والزيارة، وعليه فالمشركين منهيين عن بناءالمساجد والتردد
عليها.
الجواب: وان كانت العمارة تعني الزيارة والتردد، الا ان ذلك
ليس معناها السائد والمتداول، وقد ذكرت بمعنى البناء في
كافة المواضع التي صرحت بها الايات القرآنية.
اضف الى ذلك فعلى فرض التسليم لهذا الادعاء، فان الاية
مختصة بالمشركين، ويرد على تعميمها لسائر الكفارتلك
الاشكالات التي طرحت بشان ما قيل سابقا.
2-
الروايات:
الجدير بالذكر ان صاحب الحدائق اكتفى بهاتين الروايتين في
استدلاله، بل لم يستدل حتى بالاية الشريفة التي تمسك بها
الجميع، قال: «فروى الراوندي بسنده عن موسى بن جعفر عن
آبائه(ع) قال: «قال رسول الله(ص) ليمنعن احدكم مساجدكم
يهودكم ونصاراكم وصبيانكم ومجانينكم او ليمسخن الله تعالى
قردة وخنازير ركعا سجدا.»
((269)).
وقد وردت نفس هذه الرواية ايضا في دعائم الاسلام مع
اختلاف يسير جدا.
والروايتان ضعيفتا السند والدلالة. ويكفي في ضعفهما من
ناحية السند انهما لم تردا في الكتب الفقهية المعتبرة التي
يستدل بها.
واما من حيث الدلالة: فقد وردت عبارة صبيان المسلمين
ومجانينهم ايضا الى جانب اليهود والنصارى، ومما لاشك فيه
ان هناك كراهة لا حرمة في دخول صبيان المسلمين الى
المساجد، وعليه فان اقصى دلالة الرواية ستكون على الكراهة،
وهذه قرينة على عدم وجوب منع دخول اليهود والنصارى
الى المساجد ايضا. ولعل النقطة المشتركة بين هذه الاصناف
الثلاثة هي عدم الاكترات والالتفات للمسائل الشرعية وعدم
رعاية الطهارة والنظافة الظاهرية، والحال لو كان هناك دافع
اقوى يستهدفه حضور صبيان المسلمين في المساجد
كالوقوف على التعاليم الاسلامية وتعلم المسائل العبادية
لاصبح دخولهم مستحبا.
وقد صرح صاحب الحدائق بان دخول مجانين المسلمين
وصبيانهم المسجد وان كان مكروها، الا ان هذا لا يمنع حرمة
دخول اليهود والنصارى، وذلك لان النهي قد استعمل في
معنيين، معنى حقيقي (الحرمة) وآخر مجازي(الكراهية)،
واستعمال كلمة واحدة في معنيين قد ورد كثيرا في الاخبار
والروايات:
«ويكون النهي هنا مستعملا في التحريم والكراهة، واستعمال
اللفظ في حقيقته ومجازه، كثير في الاخبار.»
((270)).
فهل يجوز استعمال اللفظ في اكثر من معنى؟ هذا من
المباحث الاصولية التي تعرض لها اغلب محققي
الاصول مصرحين بعدم جواز استعمال لفظ لاكثر من معنى
واحد((271)).
اضافة لما تقدم فاننا سنشير لاحقا الى ان النبي(ص) لم يمنع
اليهود والنصارى من دخول مسجده، وسنورد بعض الشواهد
التي تفيد المناظرات العلمية التي كان يعقدها النبي(ص)
والائمة(ع) مع اليهود والنصارى بل والكفار في المسجد.
وعليه فان اهم اشكال يرد على الروايتين هو ضعف سندهما
ودلالتهما، الامر الذي جعل الفقهاء يطرحونهما ولايعملون
بهما.
الحديث الاخر الذي استند به قوله(ص): «جنبوا مساجدكم
النجاسة».
وقد جعله العلامة احد ادلته التي ذكرها في التذكرة حيث قال:
«ولقوله(ع) «جنبوا مساجدكم النجاسة»»((272)). ويبدو ايضا عدم امكانية الاستناد بهذه الرواية وذلك لان:
أولا: ان سند هذه الرواية ضعيف، فقد ورد في وسائل الشيعة:
روى جماعة من اصحابنا في كتب الاستدلال عن النبي(ص) انه قال: «جنبوا مساجدكم
النجاسة»((273)).
ثانيا: هناك اطلاق في الرواية من حيث المضمون يجب
تجنيب المساجد النجاسة سواء كانت النجاسة مسرية ام لم
تكن. ولم يعمل احد بهذا الاطلاق، لان مشهور الفقهاء يفيد
عدم اشكال حمل شيء نجس الى المسجد ما لم ينجسه او
يهتك حرمته وقدسيته، وعلى فرض نجاسة الكافر فانه ليس
مما تسري نجاسته للمسجد او يوجب تنجيسه.
ثالثا: انما يكون الاستدلال بهذه الرواية تاما اذا قطع بنجاسة
جميع الكفار، والحال ليس الامر كذلك. فالقدر المتيقن الترديد
في نجاسة اهل الكتاب من بين الكفار بل افتى البعض
بطهارتهم.
3-
الاجماع:
«فلا يجوز ان يدخل المسجد الحرام اجماعا ولا غيره من
المساجد عندنا»((275)).
فقد عبر المحقق الحلي بصيغة «عندنا»، وقد علق صاحب
الجواهر على ذلك قائلا: «لقد ورد هذا التعبير في التحرير وكنز
العرفان ايضا، والمراد به جماعة الامامية، كما صرح بالاجماع
في المسالك، وفي المنتهى نسب ذلك لمذهب اهل البيت(ع)».
والمقصود ان هذا الاجماع ورد بعدة صيغ في كلمات الفقهاء، وقد انفرد صاحب المسالك
مصرحا بالاجماع: «لايجوز دخول الذمي المسجد باجماع الامامية»((276)).
وسنذكر هنا بعض الامور التي تثبت عدم صواب هذا الاجماع: الثاني- لم يتعرض اغلب قدماء الفقهاء لهذه المسالة فضلا عن بيان رايهم فيها، سيما اولئك الذين دابوا على نقل المسائل كاملة عن المعصومين(ع) كما عبر عنهم آية الله البروجردي، كالشيخ الصدوق في الهداية والمقنع، الشيخ المفيد في المقنعة، الشيخ الطوسي في النهاية، سلار بن عبد العزيز في المراسم وابي الصلاح الحلبي في الكافي و. وكان الشيخ الطوسي اول من طرح هذه المسالة في كتبه الاستدلاليه وتبعه الاخرون في ذلك، وعليه فكيف يمكن ادعاء الاجماع؟
الثالث- لقد نسب العلامة المجلسي حرمة دخول اليهود
والنصارى الى المساجد للمشهور فقال: «اما منع
اليهودوالنصارى فهو على الوجوب على المشهور»((277)).
اضافة لذلك، على فرض قيام مثل هذا الاجماع، فان دليله
معلوم، او على الاقل محتمل الدليل، وهو الاية الشريفة
اوالحديث المذكور، ومن الطبيعي الا يكون لهذا الاجماع اي
اعتبار.
ولذلك اشار المحقق الاردبيلي بعد نقله لاجماع مذهب اهل
البيت المدعى عن «المنتهى» لهذه النقطة قائلا: «والمستند في الجملة هو الاية»((278)).
ولعل مراده من هذه العبارة عدم الاعتناء بهذا الاجماع فهو
اجماع مدركي يستند لتلك الاية الشريفة.
4- شهرة حرمة دخول الكفار المساجد في صدر الاسلام:
ويمكن الرد: انه بغض النظر عن صدق هذه القضية من عدمه،
لنا ان نتساءل لم انفرد اهل السنة بروايتها؟ وهل لمثل هذه
الحادثة ان تكشف عن شهرة حكم في زمان معين؟ وهل لهذه
الشهرة من حجية؟ اضف الى ذلك فان هذه الشهرة لا تنسجم
والمشهور المروي من طرق الفريقين، فالتاريخ يتحدث عن
وفود وافراد من النصارى واليهود كانوا ياتون مسجد النبي ابان
خلافة عمر وقبلها وبعدها ليطرحوا اسئلتهم واستفساراتهم
على خليفة المسلمين ويتلقون أجوبتها.
ومن الطبيعي ان يقدم هذا النقل المعتبر على النقل الاول
الضعيف.
5-
سائر الادلة:
أقول: لو كانت هناك ادلة محكمة في المنع لامكن لهذه
الامور ان تقوي ذلك الراي وتؤيده، الا اننا نرى ان الادلة خاوية
الاساس، لذا فمثل هذه الامور لا تسمن ولا تغني من جوع.
أضف الى ما سبق من ان دخول الكفار المسجد حتى بهدف
سماع كلام الله وحقائق التوحيد ومشاهدة آثار الحضارة
الاسلامية يعني استصغار المسجد ليس الا ادعاء لا واقعية له،
لان انتهاك الحرمة قضية عرفية، ولا شك ان العرف لا يرى
انتهاك حرمة المسجد وقدسيته اذا ما دخله كافر بكل ادب
وتواضع قد دفعه الحق والبحث عن الحقيقة، وبهدف سماع
كلام الله او هدف عقلائي آخر.
ومن جهة اخرى افلا يعتبر منع الكافر الذي يريد ان يتعرف على
الاسلام وتاريخه وحضارته من دخول المسجد انتهاكا وتحقيرا
لا يرتضيه الله؟ وما معنى تجاهل دعوة الناس وارشادها والاخذ
بيدها لشاطئ الامان؟
اضف الى ذلك فان استفادة التحقير من الاية الكريمة (عن يد
وهم صاغرون)((280)) انما هو مختص بكفار اهل الذمة وعند
دفع الجزية، لا الكفار الذين يعيشون في دار الحرب.
اما القول بعدم ارتباط الكافر بالمسجد، فان هذا يتوقف على
كيفية رؤيتنا للمسجد، فان اعتقدنا بان المسجد موضع للدعاء
والتوسل والمناجاة فقط، فمن الطبيعي الا يكون للكافر سبيل
اليه، الا لرؤية الاثار الحضارية والفنون الاسلامية. اما اذا اعتبرنا
المسجد اضافة لكونه موضعا للعبادة والصلاة و. مركزا
اعلاميا متوهجا يقوم على الوعظ والارشاد وهداية الناس،
ومظهرا لاشعاع الثقافة الاسلامية وفنونها الرائعة، فان الكافر
الذي ينشد الحق والحقيقة والتعرف على الاسلام وحضارته
الاصيلة ليس بمعزل عن المسجد، بل ان كان هذا هو هدفه فهو
مصداق لهذه الاية الشريفة: (فبشر عبادي الذين يستمعون
القول ويتبعون احسنه)((281)). ادلة جواز دخول الكفار المساجد
1- مقتضى الاصل: كما ذكر سابقا عدم جواز دخول المشركين
الى المسجد الحرام، بل دائرة الحرم، للاية الشريفة سواء اعتبرنا
المشرك نجس الجسم ام الفكر.
اما بالنسبة لسائر المساجد فلم نعثر على دليل مقنع، وهذا كاف
ايضا لنحكم بالجواز، وذلك لان جواز الدخول تابع للاصل.
بعبارة اخرى فان اهم دليل على حرمة دخول الكفار المساجد
كان الاية الشريفة والاجماع، الا ان دلالتهما كانت مقتصرة على
دائرة الحرم والمسجد الحرام ليس اكثر، وعليه فان عدم توفر
الدليل على سائرالمساجد، سيكون دليلا على الجواز، وذلك
لان مقتضى الاصل الاولي جواز دخول الجميع للمساجد
كسائر الاماكن، خاصة اذا كان لذلك الدخول هدف عقلائي
وشرعي، كالبحث عن الحق والتعرف على المعارف
الاسلامية،والتحقيق والتنقيب في الاثار والعمارة الاسلامية.
2- السيرة: تفيد الوقائع التاريخية لعصر الرسالة الاسلامية، ان
النبي الاكرم(ص) وبعد استقراره في المدينة واقامته للحكومة
الاسلامية بذل ما بوسعه لاقامة العلاقات والروابط مع كافة
القبائل في داخل المدينة وخارجها،وسعى لتصدير الافكار
الاسلامية وتوسيع رقعتها. وفي هذا المجال كان يبرم العقود
والاتفاقيات مع كافة القبائل والطوائف، اضف الى ذلك اجتماعه
بغير المسلمين في مسجده بهدف تعريفهم بالاسلام وتعاليمه
السامية، فكانت النفوس تتطلع الى المدينة بغيه لقاء النبي
وسماع كلماته، ولذلك كانت هذه اللقاءات تزداد يوما بعد يوم
مع تقدم الزمان وازدياد عدد الاتباع والانصار. بحيث اطلق على
السنة التاسعة للهجرة اسم عام الوفود، و «اسطوانة الوفود» على
احدى المواضع الخاصة في مسجد النبي الذي كانت تعقد فيه
تلك الجلسات والمناظرات. وعليه فليس هناك مجال لتطرق
الشك والريب لاصل وجود هذه السيرة.
وقد اقر الشيخ الطوسي والاخرون بهذه السيرة كما اشرنا، الا
انهم نسبوها لما قبل نزول الاية الشريفة، حيث منع الكفار بعد
ذلك من دخول المسجد فقد ذكر الشيخ الطوسي: «. وهذا
الفعل من النبي(ص) كان في صدر الاسلام قبل نزول
الاية...»((282)).
وقال العلامة: «... لو سلم لكان في صدر الاسلام»
((283)).
وقال الشيخ محمد حسن النجفي: «... او انه كان قبل نزول
الاية»
((284)).
ويقسم الكفار الذين كانوا يدخلون مسجد النبي الى صنفين:
ويبدو ان كلام العلامة وصاحب الجواهر قد ورد في الصنف
الاول، وذلك لان الكلمة التي وردت في التذكرة «انزل...» اي ان
النبي انزلهم في المسجد، وجاءت في الجواهر «ادخال» اي ان
النبي ادخلهم. ثم قالوا بان ذلك مختص بما قبل نزول الاية
على فرض ثبوته.
على كل حال فان القول «على فرض ثبوته» رغم الاخبار
المستفيضة بحضور وفود الكفار وممثليهم في مسجد النبي
وانزالهم فيه لبعيد عن اللطف والمرونة. اما الزعم بان حضور الكفار في مسجد النبي كان قبل نزول الاية الشريفة ولم يقع بعد السنة التاسعة للهجرة فهوما ينبغي بحثه تاريخيا ليتبين صوابه من عدمه، وذلك لانه ادعاء تاريخي، ومن الطبيعي ان تكون الكلمة الفصل فيه لنفس التاريخ، حيث لابد من استقراء تلك السيرة في انها كانت مستمرة، ام ان النبي والمسلمين كانوا قد اغلقوا ابواب المسجد بوجه الوفود والافراد على انهم نجس ولا ينبغي ان يدخلوا المسجد؟ ان الاية الشريفة (انما المشركون نجس.) نزلت في شهر ذي الحجة من السنة التاسعة للهجرة، وابلغها علي(ع)المشركين في مراسم الحج، الا ان هناك تاملا في انها هل نزلت على النبي(ص) في ذلك الشهر ايضا؟
اما الشواهد والنماذج الكثيرة التي وقعت في السنة العاشرة
للهجرة فانها تغنينا عما قيل، فقد شحنت وغصت تلك السنة
بالوفود التي كانت تقدم المسجد بعد نزول الاية الشريفة.
فقد اورد ابن الاثير في تاريخه اسم ثلاثة عشر وفدا كان قد
حضر مسجد النبي في المدينة ابان السنة العاشرة للهجرة، كان
آخرها وفد «نخع»، وهي قبيلة يمانية جاءت النبي في النصف
من محرم للعام الحادي عشر للهجرة
((285)).
وبالطبع كان من بين الوفود بعض الافراد الذين اعلنوا اسلامهم
من قبل، وقد حضروا لتجديد البيعة مع النبي والتعبير عن
مساندة قبائلهم ودعمها له(ص). كان اهم وفد جاء النبي
في السنة العاشرة للهجرة والذي تعرض له الفريقان هو وفد
«نصارى نجران» الذي كان يضم ستين شخصا من جهابذة علماء
المسيح.
لقد دخلوا مسجد النبي(ص)، وحين حان وقت صلاتهم
استاذنوا النبي(ص) في ان ياتوا بصلاتهم فيه، ثم جلسوا للحوار
مع النبي(ص) الذي دعاهم للاسلام. وبعد جدال طويل يصرح
الوفد بعدم اقتناعه مقترحا المباهلة.فاجابهم(ص) الى ذلك،
والاية (فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا
وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)((286))
اشارت لهذه الواقعة التي وردت مفصلة في المصادر
التاريخية((287)).
لقد استمر تدفق الافراد من غير المسلمين الى المدينة بعد
وفاة رسول الله(ص)، حيث ذكرت المصادر التاريخية قدوم
بعض الجماعات والافراد الى مسجد النبي لتطرح اسئلتها على
خليفة المسلمين آنذاك، وتشير الشواهد
التاريخية انه غالبا ما
كان يستعان بعلي(ع) من قبل الخليفة، وكان بدوره يرد على
تلك الاسئلة والاستفسارات بمايزيل كافة الظنون والشبهات،
الامر الذي ادى الى اعتناق الاسلام من قبل اغلب تلك
الجماعات.
ويمكن العثور على هذه الشواهد في مباحث احتجاجات
الائمة(ع) التي نقلتها الكتب الروائية، وقد صنف
العلامة المجلسي في بحار الانوار احتجاجات علي(ع) الى عدة
ابواب من قبيل: باب الاحتجاج على اليهود، باب الاحتجاج على
النصارى و.
وسنشير بصورة مختصرة لبعض تلك النماذج دون الخوض في
التفاصيل:
وهذا ما تكرر حدوثه ابان خلافة علي(ع). فقد قال الشيخ
المفيد:
وتطالعنا حياة المعصومين(ع) باحتجاجاتهم العلمية في
المسجد مع بعض الافراد والجماعات من غير المسلمين، فقد
جاء في احتجاج الامام الصادق(ع) على الزنادقة:
واذا صح هذا النقل في دخول غير المشركين المسجد الحرام،
فانه ليؤيد ان حرمة دخول المسجد الحرام انما اختصت
بالمشركين.
قال المفضل: «كنت ذات يوم جالسا في مسجد النبي ما بين القبر والمنبر، بعد ان فرغت
من صلاة العصر، فدخل ابن ابي العوجاء مع صاحب له وجلسا بجانبي، ثم تكلم منكرا
الخالق، فامتعظت وصرخت بوجهه، فقال: ان كنت من اصحاب جعفر بن محمد(ص) فانه ليناظرنا
ولا يفعل ما فعلت. قال: فاخبرت الامام الصادق(ع) الخبر، فاشارعلي ان اعامله بالمنطق
والاستدلال والبرهان»((295)).
فالواقعة تفيد بوضوح ان دخول الزنادقة والملاحدة كابن ابي
العوجاء الى المسجد كان قضية طبيعية. وما اغضب المفضل
كان كلمات الكفر التي صدرت من ذلك الزنديق لا حضوره في
المسجد ، ولم يشر عليه الامام بطرح هذه المناظرات خارج
المسجد.
كانت تلك بعض الشواهد والنماذج التاريخية على استمرار
السيرة النبوية منذ زمان بناء المسجد حتى
زمان المعصومين(ع). ولا يخفى ان تلك الشواهد كثيرة جمة لا
يمكن احصائها جميعا.
وفي اطار تاييد هذه السيرة يمكن القول بان الموضوع وان كان
من موارد الابتلاء، الا انه لم يصلنا اي حديث عن الائمة بشانه،او
على الاقل لم نعثر على حديث معتبر استندوا به في كتبهم
الفقهية، والحال ان مصادرنا مليئة بمختلف الاحكام المتعلقة
بالكفار من قبيل: الزواج، المعاشرة، المبادلات التجارية
والمقايضة و.
جذور الفتوى بحرمة دخول الكفار المساجد:
ان افتقار موضوع حرمة دخول الكفار الى جميع المساجد
لدليل معتبر آثار السؤال بشان كيفية تسلل هذه العبارة حرمة
دخول الكفار المساجد للمباحث الفقهية.
وما يستشف من بعض التفاسير والمصادر الفقهية لاهل السنة، ان اول مرة منع الكافرون
فيها من دخول المساجد كانت اثر اصدار عمر بن عبد العزيز حكما حكوميا يقضي بالمنع
ابان خلافته: «... وقال عمر بن عبدالعزيز. ولا يدخل احد من اليهود والنصارى شيئا من
المساجد بحال»
((296)).
وقال القطب الراوندي: «...وقال عمر بن عبد العزيز: ولا يجوز ان
يدخل المسجد احد من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار.
ونحن نذهب اليه.»
((297)).
وعليه فليس من المستبعد ان تكون المرة الاولى التي منعوا
فيها من دخول المساجد اثر حكم عمر بن عبد العزيزالحكومي،
ثم تسلل الموضوع بعد ذلك للمصادر الفقهية.
فان كان الامر كذلك حينئذ يجب الاخذ بنظر الاعتبار الشرائط
التي كانت سائدة زمان عمر بن عبد العزيز، وماالذي دفعه
لاتخاذ ذلك القرار؟ وعلى فرض حجية عمله، فان ذلك مختص
بذلك الزمان وتلك الشرائط ولا مسوغ للتعميم.
حفظ الحرمة والقدسية:
يمكن الاستنتاج مما سبق بان الكفر لا يشكل عنصرا يحول دون
دخول المساجد، وللكافرين ان يدخلوها، الا ان هذا لا يعني بان
ابواب المساجد مفتحة امام كل كافر دون الاستناد لقاعدة
وضابطة، فالمسجد مكان للعبادة، والوعظ والتبليغ ونشر
الاحكام الشرعية، ولا يجوز الاتيان بكل ما ينافي ذلك الشان
والمقام حتى من قبل المسلم فضلا عن غيره. وعليه فان دخول
الكفار المسجد لابد ان يرافقه دافع مقبول شرعا بالدرجة
الاساس، كالوقوف على المعارف الاسلامية، سماع الوحي
الالهي، التعرف على آداب المسلمين وشعائرهم وطقوسهم
العبادية، اودافع عقلائي من قبيل مشاهدة آثار الحضارة
الاسلامية وفنونها العمرانية التي تجسد فصل منها في
ابنية المساجد.
وعليه لابد ان ينطوي الدخول للمسجد على هدف شرعي
وعقلائي. اضف الى ذلك لابد من مراعاة شؤون المسجدوحفظ
حرمته، من خلال ارتداء اللباس الساتر وكيفية التردد والالتزام
بالاداب المعروفة.
وخلاصة القول فلابد الا يكون هناك ما ينافي حرمة المسجد
وقدسيته، حيث لا يجوز ذلك باي شكل من الاشكال.
وقد جاء في الاخبار بشان وفد نجران الذي حضر عند
النبي(ص): «انه(ص) لم يكترث اليهم حين رآهم
بثيابهم الفاخرة وعلائمهم الخاصة، وحين سالوا علة ذلك من
اصحاب النبي، اجابوهم قائلين بسبب ملابسكم وثيابكم التي لا
تروق للنبي(ص)، فما كان منهم الا ان غيروا ثيابهم بثياب
ابسط، فاستقبلهم(ص)». ولا يستبعد عدم اكتراثه(ص) في
الوهلة الاولى اثر ارتدائهم الثياب الفاخرة، وحالة التكبر والغرور
التي دخلوا بها والتي تتنافى ومنزلة المسجد ومقامه السامي.
الحجاز ومنطقة الحرم:
دخول الكفار للحجاز او دائرة الحرم (منطقة ذات مسافات
مختلفة عن المسجد الحرام) من المواضيع الفقهية الخلافية.
وهنا ثلاث نقاط لابد من فصلها عن بعضها البعض الاخر:
احداها: الدخول بهدف السكن في الحجاز او منطقة الحرم،
التي يرى اغلب الفقهاء بل على قول صاحب الجواهر آقيام الاجماع على حرمته: «وعلى كل
حال فلا يجوز لهم الدخول لا استيطانا ومكثا، ولا اجتيازا، ولا امتيارا للطعام بمعنى
جلبه او مطلق البيع لاجماعهم على حرمته»((298)).
ويرى فقهاء الشيعة سريان الحرمة الى دائرة الحرم ايضا. بل قالوا: «ولو جاء رسولا،
بعث اليه الامام(ع) من يسمع رسالته»((299)).
اما بالنسبة لغير منطقة الحرم فالمسالة خلافية، وقيل له ان
يدخل اذا اجازه الحاكم الاسلامي، بل صرح بعض الفقهاء بجواز
دخوله حتى منطقة الحرم اذا اذن له الحاكم الاسلامي((300)).
وما دامت هذه المنطقة ليست من موارد الابتلاء سيما ان اتفاق
الفقهاء كان بشان حرمة السكن لا السياحة والسفر،فاننا نعرض
عن طرح تفاصيل هذا الموضوع ومناقشة ادلته. وان كانت
اقصى دلالة للاية الشريفة (انماالمشركون نجس.) كما قيل
سابقا عدم دخول المشركين لمنطقة الحرم ان كانت هي
المقصودة بالمسجد الحرام. الا ان هناك تامل بالنسبة لغير المشركين من الكفار، وتجري هنا نفس تلك المباحث التي مرت معنا آنفا، واذا اردناان نتناول التفاصيل، فان ما ينبغي الوقوف عليه: هل هناك منع ام لا؟ هذا المنع مختص بمنطقة الحرم ام يشمل جميع جزيرة العرب؟ ما المقصود بجزيرة العرب وما حدودها؟ هل الاستيطان ممنوع ام السياحة والسفر والتنزه؟ مراقد الائمة وذريتهم
ليست لدينا اية آية او رواية في حرمة دخول الكفار حرم
الائمة(ع). والفقهاء بدورهم اما انهم لم يتعرضوا لحكمهااو انهم
الحقوا المشاهد المشرفة للائمة(ع) بالحرم المكي حين خاضوا
في حرمة دخول الكفار اليه.
فقد قال صاحب الجواهر في تعليقه على حرمة دخول الكفار
للحرم:
«ويحتمل الحاق حرم الائمة(ع) بذلك، فضلا عن الحضرات
المشرفة، بل والصحن، ولكن السيرة على
دخولهم بلدانهم.»((301)).
اما ضياء العراقي فقد قال بعد نقله لرواية دعائم الاسلام في
حرمة دخول الكفار منطقة الحرم:
«وتنقيح المناط يقتضي الحاق حرم النبي(ص) وبقية الائمة(ع)
بل والمشاهد المعظمة وحرم الزهراء سلام اللهعليها.»
((302)). وعليه فلا بد من معرفة ما مراده من «تنقيح المناط»؟ وهل هناك من مجال لتنقيح المناط؟ هل يمكن تجاهل الخصوصيات الكثيرة لمنطقة الحرم المكي بالنسبة للمسلمين فضلا عن الكافرين، من قبيل عدم جواز الدخول بدون الاحرام وعدم جواز قلع الاشجار و. وتعميم الحكم الوارد بشان الحرم المكي الى سائر الحرم على اساس ملاك ومعيار احتمالي؟
غالبا ما يتردد فقهاؤنا في الحاق حرم الائمة(ع) بالمساجد حين
تعرضهم لحرمة دخول الجنب فيها((303)). ودليلهم ان هذا
الحكم مختص بالمسجد، ولعل للمسجد خاصية لا يمكن
تعميمها لغيره على الرغم من ارجحية حرم الائمة(ع) عليه.
فان كان هناك ترديد في تشبيه حرم الائمة بالمسجد، كيف
يمكن اعتبار التساوي بينه وبين الحرم المكي رغم اختصاصه
ببعض الاحكام والتعاليم. ولعل هذا هو الذي دفع صاحب
الجواهر ليعبر ب «يحتمل» حين تناول التشبيه.
وبناء على ما تقدم فبغض النظر عن التامل والبحث في اصل
المنع بالنسبة للحرم المكي، فان تعميم المنع لحرم الائمة(ع)
لا يقوم على اي دليل.
ومما تقدم يتبين حكم الحاق حرم الائمة بالمساجد ايضا وذلك
لان: وفي الختام تتحتم قضية رعاية حرمة وقدسية هذه الاماكن المقدسة سيما حين قدوم السياح والمحققين من غيرالمسلمين.
طاقة النص بين الظهور والظاهرة السيد حسن خليفة
مدخل:
بايجاز شديد احدد موضوع هذا البحث المتواضع في النص،
والنهج الى فقهه مقارنا بين رؤية من يرى فيه وثيقة لغوية
مغلقة على ما يتيحه الظهور من امكانات دلالية، يتوسلها
الفقيه في انتاج الفتاوى على قدر تلك الطاقة التي افترضها في
النص. وبين رؤية من يتجاوز الظهور اللغوي لتلك الوثيقة الى
النظر اليها، على اساس انها ظاهرة تختزن في ملفوظها
وملابسات انشائه والتعامل معه تجربة انتجت فقها يؤدي اغفاله
الى اهدار طاقة في النص،
باعتباره ظاهرة يتفاوت فقهها مع
النص ذاته لدى انغلاقه على الظهور في ذاته، مما يعني ان
وظيفة هذه المقالة ان تبحث في احتمالات المنتج الفقهي من
خلال الدخول الى عالم النص، من باب الظهور كان الدخول ام
من باب الظاهرة، في عرض وصفي لا يخلو من تحليل، مع
مقارنة بين المنهجين.
وذلك لان اكتشاف دلالات في نص ما على نحو مغاير يستدعي
وعيامغايرا، ومنهجية مغايرة ايضا، والا فان منهجا واحدا يشتغل
على مصادر تشريعية واحدة، لا يمكنه الا ان ينتج فقها واحدا.
ما دعاني الى اختيار دراسة هذا الموضوع ليس الدعوة الى تعدد
الفقاهات بتعدد القراءات للنصوص الشرعية، وانما من اجل
تسليط الاضواء على الظاهرة، ظاهرة الاختلاف في الفتاوى مع
وحدة الموضوع ومصادره لا لشيء،
الا الاختلاف في المنهج بين
فقيه وآخر في قراءة النص الواحد، او لتعامل الفقيه الواحد مع
اكثر من منهج في سيرته العلمية في الاستدلال والاستنباط.
والغاية المتوخاة من تسليط الضوء على ظاهرة تبدل الفتاوى
بتبدل المناهج التي تقرا النصوص التي يمكن ان تنتجها هي
الدعوة الى اثارة الاسئلة حول تلك المناهج، ومدى استجابة
النصوص لها، وجدوى التزامها بصرامة اوبمرونة تقبل بعض
التجاوزات المنهجية التي قد تصل بالبعض الى التبعيض بين
المناهج في الاشتغال على نص وآخر، لانتاج فقه وآخر، في
موضوع وسواه.
ما يعني ان التفكير في وضع طرقنا في التفكير الاستدلالي
على رفوف المراجعة وفي آفاق النقد بات امرا ملحا، ولاسيما
بعد الاشواط البعيدة التي قطعتها العلوم الانسانية، والدرس
اللغوي، وطرق قراءة النص، مما له مسيس الصلة فيما نحن فيه.
وما التزامي هنا بالمقارنة بين (الظهور) و (الظاهرة) في
تناول النصوص من قبل فقهائنا الاجلاء الا محاولة لطرح البحث
على وجازته في الاطار التطبيقي الذي لا بد له من ان يتخذ
نموذجا اجرائيا في هذا المجال.
طاقة النص:
1-
مواجهة الظهور:
هذا لا يهمل ان هناك ضوابط منهجية تعمل على وضع الفردي
في سياقه الاجتماعي، هي بمثابة العقد الدلالي المضمر في
النص، باعتبار انه وثيقة لغوية، يخضع لها ابناء اللغة لضمان
عملية التواصل عبر وسط مادي، اوحدث، قوامه الاصوات التي
تصنع الالفاظ والكلمات بحسب انظمة التفاهم العرفية التي
يفترض في النص التواصلي الابلاغي الا يغفلها، او يهدر شروطها
وهو في حالة التشكل والبناء.
2-
مواجهة الظاهرة:
ان مواجهة على هذا النحو عمل مغر، يستحوذ على كل قارئ
نوعي يطمع باكتشاف كل ما في النص من طاقة على انتاج
الدلالة، وفقيه من هذا النوع غير مستعد ان يهدر حتى جزءا
بسيطا من تلك الطاقة الدلالية، ذلك لانه يعي ان المعنى في
النص مركب من تلك الاجزاء على نحو عضوي، بحيث ان اي
نقصان في جزء ما من المعنى يحيله الى شيء شائه، ويجعل
مفعوله منقوصاوقاصرا عن تادية المراد الذي من اجله انوجد
المعنى، وانبنى ليشير الى شيء في الخارج على وجه المطابقة
والكمال.
البعد الزمني:
للبعد الزمني اثره الفعال في تسطيح النظر الى النص، او في
تعميقه، مع الحذر من التعامل مع هذه المقولة على
نحوالاطلاق، لانه لا يتاثر كل نص، ومن دون استثناء تسطيحا
وتعميقا بمرور الزمن على قارئه، غير ان هناك الكثيرمن
النصوص يتجاذبها ذلك التاثر مما يجعل مواجهة الفقيه للنص
باعتباره عالما مغلقا من الدلالات اللغوية،متوسلا لقراءة تلك
الدلالات مهما تنوعت بقاعدة الظهور اللغوية الداخلية دون
وضع النص في افقه الاجتماعي،باعتباره ظاهرة تبيين سننية
تعد جزءا من منظومة (القول / الفعل / التقرير) لا مجرد بيان
في مدونة لغوية معزولة يجعل تلك المواجهة مغامرة قد تاتي
على اهدار الكثير من الطاقة الدلالية في النص.
هذا ان لم تعمل تلك المعالجة اللغوية الداخلية الظهورية
المعزولة على قلب المرادات الدلالية للنص في بعض الاحيان،
فتكون النتائج عكسية، او منحرفة عن اتجاه النص.
من التنظير الى البرهنة الاجرائية:
اذا اريد الانتقال من المعاينة الى الملامسة للبرهنة على تلك
المفارقات القرائية الفقهية للنصوص الشرعية، فلا بدمن تناول
بعض الشواهد من النصوص، ومن ثم رؤية كيف ادى النظر الى
تلك النصوص من زاوية الظهور اللغوي البنيوي الى معنى،
وكيف ادى النظر اليها باعتبارها ظاهرة غنية بعلاقاتها الى
اثراء المعنى السابق نفسه، او الى تحويله الى معنى آخر، او الى
وضع الفقيه امام معنى يمكنه ان يعده حاكما على كل امكانات
المعاني المتاحة في النص.
لعل النماذج التي ساستعين بها قادرة على تبيين ما
لاحتمالات المنتج الفقهي من اصول وخلفيات منهجية،
معلنة او مضمرة، واعية او غير واعية، تنشط بها ذهنية الفقيه،
وهو يمارس عملية الاستنباط لانتاج الحكم الشرعي على شكل
فتاوى استفرغت طاقته في توليدها من طاقة النص. |