|
النماذج أ- في الاحتكار:
النص: يعالج النص المتقدم قضية الاحتكار، وبحسب قواعد الظهور فانه لا احتكار الا فيما ورد في النص الذي ورد في بعض المواضع دون ذكر الزيت، مما جعل الفقهاء المتمسكين بالظهور اللغوي دون تجاوزه الى فهم الاحتكارباعتباره ظاهرة يفتون بحرفية النص، فقد نقل الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266 ه) في الجواهر استدلالهم الظهوري بقوله:
«صرح غير واحد من الاصحاب بان الاحتكار الذي هو محل
البحث انما يكون في الحنطة والشعير والتمروالزبيب والسمن،
دون غيرها، بل المشهور فيما بينهم، بل عن جماعة الاجماع
عليه»((305)).
الا ان صاحب الجواهر يتجاوز تلك الرؤية الظهورية الى
فقه الظاهرة، ظاهرة الاحتكار باعتبار انه «حبس الطعام انتظارا
لعلو السعر»((306)).
فيقرر انه «لا احتكار في الزيت الا في الشامات»((307)) اذ ان
بلاد الشام تعتمد على الزيت في قوتها على العكس من بلاد
العراق والحجاز و ايران، لذلك هو يقول: «لو فهمنا ارادة الحاجة
لما كان معتادا في طعام نوع الانسان لم يكن احتكار في الشعير
في اكثر بلدان ايران»((308))، لان اكثر المناطق الايرانية
بحسب ما يرصد الظاهرة في زمانه لا تعتمد على الشعير
كقوت لها، فلا موضوعية لاحتكار الشعير في ايران حتى وان
ورد ذكره في النص مادمنا قد تجاوزنا التمسك بالظهورات الى
التمسك بالظواهر، وهو ما اشار اليه صاحب الجواهر حتى على
الصعيدالاحتمالي اذ قال: «لو اعتاد الناس طعاما في ايام القحط
مبتدعا جرى فيه الحكم لو بني فيه على العلة»
((309)) اي علة
الاضرار بالناس ورفع الاسعار باحتكار ما يحتاجه الناس دون
الالتزام بالاصناف المذكورة في النص، والتي التزم بها الفقهاء
الظهوريون الذين نقل فتواهم، وخالفها مشيرا الى انه حتى
الاخبار قد تشير الى معيار الحاجة في الاحتكار: «وفي الاخبار ما
ينادي بان المدار على الاحتياج»((310)) الا ان اكثر الفقهاء
تمسكوا بالاصناف الواردة في النص التي يفهم صاحب الجواهر
ورودها على نحو التمثيل بما كان يحتكر في البلاد التي
يتحرك فيها النص،لان فهم الظاهرة يشير الى ان الاحتكار «في
كل حبس لكل ما تحتاجه النفوس المحترمة، ويضطرون اليه،
ولامندوحة لهم عنه من ماكول او مشروب او ملبوس، او غيرها
من غير تقييد بزمان دون زمان، وفي اعيان
دون اعيان»
((311)). فهل نميل الى فقه الظهور، ونوافق المشهور، ام نميل الى فقه الظواهر ونوافق صاحب الجواهر؟!
ب- تقصير صلاة المسافرين بين الرخصة والعزيمة:
النص:
بحسب قواعد الظهور التي تبتر النص عن سياقه الظواهري،
وتتعامل معه بنيويا، فان الاية الكريمة ظاهرة في تخيير
الضاربين في الارض اي المسافرين بين اتمام الصلاة
وتقصيرها، بدلالة نفي الجناح المشعر بالجواز لاالوجوب، وهو ما
استظهره فقيهان من اكابر رواة الحديث عن ائمة اهل البيت
عليهم السلام، وهما زرارة بن اعين،ومحمد بن مسلم، كما جاء
في رواية الشيخ الصدوق (ت 381 ه) في الصحيح عنهما:
«انهما قالا: قلنا لابي جعفرعليه السلام: ما تقول في الصلاة في
السفر، كيف هي، وكم هي ؟ فقال: ان الله عزوجل يقول: (واذا
ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة)
فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا له: قال الله عزوجل: (فليس عليكم جناح) ولم يقل: (افعلوا) فكيف اوجب ذلك؟
فقال عليه السلام: اوليس قد قال الله عزوجل في الصفا
والمروة: (ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت او
اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما)((313)). الا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض لان الله عز وجل ذكره في كتابه، وصنعه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؟
وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي(ص) وذكره الله
في كتابه.»((314)).
مر النص في اكثر من دورة استدلالية وحديثية دون استثمار
طاقته الدلالية، ولا سيما ان مورد النص في باب يردفيه تحليل
الامام الباقر عليه السلام لاستدلاله على وجوب التقصير بعبارة
نفي الجناح في آية وضعها في تناص مع سياقها القرآني الذي
ورد فيه نفي الجناح في السعي بين الصفا والمروة، مضيئا
وجوبه بربطه بالسنة الفعلية للرسول صلى الله عليه وآله مع
ذكره في القرآن بهذا الاسلوب كما هو في موضوع التقصير.
فالامام الباقر عليه السلام يرصد الظاهرة بتكوين دائرة تشريعية
تنطلق من القرآن الى السنة الفعلية ثم تعود الى القرآن بمنهج
ينتج فقها غير الفقه الذي ينتجه القصور على مستوى الظهور.
اراد الامام الباقر عليه السلام ان يعطي درسا بتجاوز الظهور
اللغوي المغلق على ذاته في قراءة نص ما وهنا نص قرآني
فلم يعط الحكم مباشرة لتلميذيه اللذين يقبلان منه ان فعل،
لانه امامهم، وانما اراد ان يدربهم على استثمار طاقة النص
بالانتقال به من سطح الظهور الى عمق الظاهرة، والبرهنة على
المفارقة الدلالية المصاحبة لتلك الانتقالة، اذ الجمود على
مستوى الظهور ينتج فقها مغايرا للفقه الذي ينتجه تحريك
النص في افقيه الكتابي والسنني، الذي لا يفصل بين منظومة
(القول / الفعل / التقرير) فيما يعيد قراءة الاية قراءة تناصية مع
القرآن الذي هو على حد تعبير الزركشي (ت 794 ه):
«كالكلمة الواحدة»((315)).
فيلمح الى الانزياح الدلالي الذي طال نفي الجناح، فنقلها من
التخيير الى الوجوب، مما يعني ان الامام الباقر عليه السلام،
انتقل في درسه المتقدم لصاحبيه: زرارة بن اعين ومحمد بن
مسلم، من عالم الظهورات الى عالم الظواهر، عارضا امامهما كل
ما يتصل بالنص من اجواء داخلية وخارجية ساهمت في اذكاء
تجربته التشريعية التي لايمكن الاستنارة بها دون وعيها،
كظاهرة تتجاوز ظهورا دلاليا فقيرا بما تمتلك من غنى وثراء.
ج- المسافة الشرعية:
النص:
اذا اراد احد ان يستفيد من درس الامام الباقر عليه السلام الذي
يؤسس الى تجاوز الظهور الى الظاهرة في قراءة النص المتقدم
فانه سوف يتجاوز ما يمكن ان تقف عنده قواعد الظهور
الكلاسيكية في هذا النص والتي سوف لاتعود باكثر من القول:
ان مسافة التقصير تعادل ما بين جبلي عير ووعير.
اما فقيه الظاهرة فانه يتعلم من امامه الباقر عليه السلام منهجا
غنيا في قراءة النص، اذ انه عندما ساله صاحباه باستغراب عن
كيفية فهم معنى الوجوب من عبارة نفي الجناح، في آية
تتحدث عن تقصير الصلاة ذهب بهما الى آية تتحدث عن السعي
بين الصفا والمروة، وردت فيها العبارة ذاتها دون ان يقول احد
من المسلمين ان السعي على نحو التخيير لا الوجوب، ما يعني
ان فهم النص كظاهرة لا كظهور يستدعي وعيا اعمق، وجهدا
اكبر من الجهدالذي يبذله فقيه الظهور.
من هنا يتجه فقيه الظاهرة لفهم النص المتقدم، وهو في
موضوع التقصير، الى نص له صلة به على صعيدالظاهرة، ولكنه
في موضوع صلاة الجمعة،ثم يجول ما وسعه الجولان حتى يعود
الى النص موضوع البحث آوقد اتيح له ان يتزود بما يعينه على
استثمار كل طاقته الدلالية بما تنتظمه من علاقات محكومة
بانظمة تعمل على صياغة الظواهر الشرعية بدقة وابداع، الامر
الذي لا ينشغل به فقيه الظهور الذي يعمل على استنباط
الفتاوى من ادلتها التفصيلية دليلا دليلا وجزءا جزءا، دون
الالتفات الى ان الابداع الحقيقي ليس باتقان القواعد الصناعية
التي تمكنه من ذلك الاستدلال الظهوري التجزيئي، وانما
الابداع في القدرة على استنباط النظام العام الذي يحكم
تلك الادلة، وفي تصنيفها في بنية معمارية واحدة ضمن
انظمتها، فهو استنباط الناظم الفقهي من تلك الادلة، لا ما
يمكن ان تنتجه تلك الادلة بمعزل عن الناظم الذي يكون
نسيجها.
ان فقها بهذا المستوى الابداعي الذي اراده الامام الباقر عليه
السلام لصاحبيه، يحث فقيه الظاهرة ان يكتشف خيوط النسيج
المتعالقة مع النص المتقدم بالنص الذي يتحدث عن صلاة
الجمعة، ويقول: في العلل وعيون الاخبارباسناده عن الفضل بن
شاذان عن الرضا(ع) قال: «انما وجبت الجمعة على من يكون
على فرسخين لا اكثر من ذلك، لان ما يقصر فيه الصلاة بريدان
ذاهبا، او بريد ذاهبا وبريد جائيا، والبريد اربعة فراسخ، فوجبت
الجمعة على من هو نصف البريد الذي يجب فيه التقصير، وذلك انه يجيء فرسخين ويذهب فرسخين فذلك اربعة فراسخ،
وهونصف طريق المسافر»((317)).
ومعه في السياق ذاته المتحدث عن صلاة الجمعة ما جاء عن
محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن ابي
عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة قال: قال ابو جعفر(ع): «الجمعة
واجبة على من ان صلى الغداة في اهله ادرك الجمعة، وكان
رسول الله صلى الله عليه وآله انما يصلي العصرفي وقت الظهر
في سائر الايام كي اذا قضواالصلاة مع رسول الله صلى الله عليه
وآله رجعوا الى رحالهم قبل الليل، وذلك سنة الى يوم
القيامة»((318)).
ان الجمعة التي كان يقيمها الرسول(ص) في المدينة المنورة
التي يقع جبل (عير) على طرفها الجنوبي الغربي، ويقع جبل
(وعير) على طرفها الشمالي الشرقي، وهما لا يزالان، والمسافة
بينهما كما في بعض الروايات بريد(اربعة فراسخ)((319)).
تجب على كل من يسكن دون الجبلين، لان الجمعة تجب على
من على راس فرسخين فما دون، وهو ما عليه الجبلان (عير) و
(وعير)، مما يعني ان جامع الرسول(ص) كان يقصد في يوم
الجمعة من كل سكان المدينة المنورة حتى الذين يسكنون
بعيدا عنه بما يقارب الفرسخين، كسكان وادي العقيق القريب
من ذي الحليفة وجبل(عير)، وسكان احد القريب من جبل
(وعير). قال السمهودي في وفاء الوفاء: «ان عير بفتح العين
وسكون الياء، جبل قرب ذي الحليفة في جنوب المدينة
المكرمة ووعيرة [وهو الاسم المعروف اليوم لجبل وعير] بفتح
الواووآخرها هاء، جبل في غرب احد وهو شمال المدينة
المشرفة»((320)).
هذا التوجه العام لمجتمع المدينة المنورة الى جامع
الرسول(ص) يوم الجمعة استجابة لنداء الصلاة الواجبة وتشرفا
بلقاء الرسول(ص) وزيارته، والاستنارة بنوره وهداه يجعلنا
نفهم اداء الرسول(ص) في كل جمعة صلاة العصر في وقت
الظهر بعد ان يصلي الجمعة، حتى يتمكن سكان ضواحي
المدينة المنورة من اهل العقيق والعوالي وقباء واحد. الخ، من
الرجوع الى رحالهم والوصول الى منازلهم قبل الليل، كما
وجبت عليهم الجمعة ان امكنهم ادراكها بعد صلاة الغداة في
بيوتهم.
واذا كانت نقطة الارتكاز المكاني هو جامع الرسول(ص) بمدى
فرسخين عن ضواحيه في المدينة المنورة، ونقطة الارتكاز
الزماني وقت الزوال بمدى طرفاه اول النهار وآخر النهار، فان
ذلك الحراك الاجتماعي الديني سنة الى يوم القيامة، ما يكشف
عن ارتباط الفراسخ او الاميال بالزمن والوقت اذ هو الملحوظ
كما في تطبيق مسافة الفرسخين على الشغل الزماني الذي يبذله المسلمون في يوم الجمعة،
في تجربة تشريعية للنص باشراف الرسول(ص)ومشاركته فعلا وتقريرا، الامر الذي يضيء
علاقة الظل بجبلي (عير ووعير)، حيث ارتباط المسافة
بالزمن ملحوظ، والا لاكتفى الرسول(ص) ان اراد تحديد مسافة
البريد فقط دون لحاظ الزمن الذي يحتاجه قاطع البريدذهابا
وايابا لاكتفى تحديدا بذكر الجبلين دون ذكر ظلهما.
ذلك لان الزمن هو المعيار الحقيقي في قياس الاسفار، لانه هو
الذي يستفرغ طاقتنا وياكل من عمرنا ما لا تاكله الفراسخ
والامتار، وهو ما ينسجم مع الروايات التي اكتفت بتقدير مسافة
السفر بمسيرة يوم، او بذكر بياض اليوم ونهاره مع البريدين
والفراسخ.
كما جاء عن ابي بصير في الصحيح قال: قلت لابي عبد الله(ع):
في كم يقصر الرجل ؟ قال: «في بياض يوم اوبريدين»((321))
وغيرها. وما دلت عليه رواية الفضل بن شاذان الحاكمة: محمد
بن علي بن الحسين باسناده عن الفضل بن شاذان عن
الرضا(ع) انه سمعه يقول: «انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ
لا اقل من ذلك ولا اكثر،لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة
والقوافل والاثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم ولو لم يجب
في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة الف عام، وذلك لان كل يوم
يكون بعد هذا اليوم فانما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في
هذا اليوم فما وجب في نظيره اذا كان نظيره مثله لا فرق
بينهما»((322)).
ان في النص المتقدم تعليلا، والرواية المعللة حاكمة على غير
المعللة، لذلك فان وجوب التقصير في ثمانية فراسخ لانها
مسيرة يوم، وهو ما يتفق مع عصر النص، بل ان معيار الزمن في
قياس السرعة من الامور المالوفة، والشاهد على ذلك الاسئلة
الواردة في روايات تشييع المسافر في شهر رمضان.
بل ان القرآن الكريم استخدم معيار الزمن للسفر: (وجعلنا
بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنافيها
السير سيروا فيها ليالي واياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين اسفارنا
وظلموا انفسهم فجعلناهم احاديث ومزقناهم كل ممزق ان في
ذلك لايات لكل صبار شكور)((323)). ان الفهم الظهوري يتعثر في الموضوع لدى انشطاره الى اكثر من ظهور في تحديد المسافة الشرعية، فظهور في بياض اليوم، وظهور في البريدين، وظهور يحكم الاول في الثاني.
ان التمسك بالظهور السائد ينتج ظاهرة مغايرة للظاهرة
السائدة في زمن النص. ظاهرتان ليستا على وفاق، فان من
يدخل في شهر رمضان الى بلداننا سيجد مجموعة من
الفاطرين لمجرد انهم ساروا نصف ساعة حسب اجتهاد الظهور،
ومن يدخل الى مدينة الرسول(ص) يوم الجمعة في شهر
رمضان سيجد مجتمعا كاملا يتحرك،ويقضي اكثر من اربع
ساعات في الطريق ذهابا وايابا في ذلك الحر الشديد وكلهم
صائمون ويصلون صلاة تامة.
بينما لا ينتج فقه الظاهرة الا ظاهرة تتوافق مع عصر
الرسول(ص)، اذ لا افطار في اقل من نهار يوم امتدادي اوملفق
بين الذهاب والاياب، فالذي يسير اربع ساعات في زماننا،
وبسيارته المرفهة المكيفة لا يجب عليه الافطاروالتقصير، بل
لا يجوز له ذلك عملا بالنص المقروء كظاهرة، وليس المقروء
كظهور مبتور من سياقه مع ملاحظة امكان فهمه بما يوافق
الظاهرة حتى على المنهج الظهوري، لما فيه من تصريح بذكر
بياض اليوم كمعيار للافطار والتقصير.
واذا تعامل صاحب الجواهر مع نصوص الاحتكار كظاهرة
اجتماعية اقتصادية مخالفا للمشهور الظهوري في اقتصاره على
الاصناف المذكورة في موضوع الاحتكار كما مر فهل لفقيه
ان يتخذ موقفا كموقف صاحب الجواهر في مخالفة المشهور
الظهوري، ويتعامل مع السفر كظاهرة اجتماعية، فيفتي بان لا
افطار ولا تقصير في اقل من مسيرة نصف نهار التي ستبقى
سفرا في نصف نهار الى يوم القيامة، لان اليوم هو هو كما جاء
في بعض النصوص، فيما لم يعد السير (الفرسخي) حاليا في
نصف ساعة سفرا. فهل سنبقى ظهوريين حتى لو صار قطع تلك الفراسخ الثمانية بنصف دقيقة بدلا من نصف ساعة؟!
ام نتجاوز فقه الظهور الى فقه الظاهرة، ونفهم ان النصوص
جاءت لتعالج ظاهرة السفر، وان موضوعها السفروان الفراسخ
الثمانية قد فقدت موضوعها على العكس من نهار اليوم الذي
بقي، وسيبقى محتفظا بموضوعه كما اشير الى ذلك في النص
الذي يؤيده فهمنا لظاهرة السفر في عصر النص، بل على مر
العصور حتى يومنا هذا، ممايقتضي ان لا نقع في
الاستصحاب الانفصامي الذي وقع فيه فقه الظهور حين
استصحب (سرعة الجمال) المقدرة بثمانية فراسخ في نهار
اليوم، وفارق ركوب تلك الجمال بركوب احدث وسائل السفر
السريعة من سيارة وطائرة،
فكان المازق في استبقاء فتوى،
فقدت موضوعها اذ كانت الفراسخ الثمانية تلك سفرا فاصبحت
بعد زوال السفرية عنها سالبة بانتفاء الموضوع كما يقول
المناطقة. في المحصلة النهائية نتج فقه ليس مخالفا للظاهرة في عصر النص فحسب وانما لظهور بين جدا في القرآن الكريم الذي اوصينا بعرض الروايات عليه، فهلا عرضنا الفتاوى التي توجب التقصير والافطار فيما لم يعد سفراعلى القرآن الكريم الذي ينادي: (ومن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر)((324))؟
المفارقة التي يراها فقه الظاهرة ان فقه الظهور تغاضى عن
ظهور النص القرآني في موضوع السفر، فانتج فتوى تخالف
ظهور النص القرآني،وتخالف الظاهرة في عصر النص،
والظهورات المعارضة للظهور الذي ارته في النصوص الروائية.
رؤية يقدمها فقه الظاهرة في نقد فقه الظهور الذي عالج
نصوصا ملتبسة بالظاهرة معالجة ظهورية معزولة.
واخيرا، انها محاولة لعرض امكان اجتهادي، يقدمه فقه الظاهرة
بازاء ما قدمه اجتهاد فقه الظهور. فايهما الاحسن الذي يوصل الحيارى الى البشارة التي ارادها الله لعباده: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولوا الالباب)((325))؟ من يكتب لنا فقها على الفقه لكي نختار الاحسن؟ هذا ما ننتظره من فقهائنا الافذاذ.
رسالة في صيغة التسليم
تاليف السيد محمد باقر محمد تقي الموسوي الشفتي البطاقة الشخصية للمؤلف
هو السيد محمد باقر الشهير بحجة الاسلام ابن السيد محمد
نقي بن محمد زكي بن محمد تقي بن شاه قاسم بن امير اشرف
بن شاه قاسم بن شاه هدايت بن امير هاشم بن السلطان السيد
علي القاضي بن السيد علي بن محمدبن علي بن محمد بن
موسى بن جعفر بن اسماعيل بن احمد بن محمد بن احمد بن
محمد بن ابي القاسم بن حمزة بن الامام موسى
الكاظم(ع)((326))، ولذا لقب بالموسوي والعلوي
والهاشمي((327)).
ولد في سنة 1157 ه في قرية من قرى رشت من نواحي طارم
العليا يقال لها (چزره)، بينها وبين شفت قرب عشرة فراسخ،
وانتقل الى شفت وهو ابن سبع سنين، ثم هاجر الى العراق
لطلب العلم في سنة 1192 ه، وهو ابن سبع عشرة سنة.
و قد تلمذ على السيد مهدي بحر العلوم والسيد علي
الطباطبائي صاحب الرياض والشيخ كاشف الغطاء
والسيدمحسن الكاظميني الاعرجي.
وفي عام 1200 ه سافر الى قم ايام زعامة الميرزا ابي القاسم
القمي وتلمذ عليه مدة، وسافر بعدها الى كاشان فحضر على
عالمها الفذ الاخلاقي الشهير المولى مهدي النراقي.
وفي عام 1206 ه نزل الى اصفهان وعزم على السكنى بها
فاجتمع عليه طلا ب العلم الافاضل، وقد عرف فضله وتالق
نجمه حتى صارت اليه المرجعية، وقد تصدى لاجراء الحدود
الشرعية.
وكان كثير الاهتمام بقضاء حوائج الناس وانجاز طلباتهم
ومساعدة اهل العلم والفقراءوالمساكين.
وقد توفي يوم الاحد الثاني من شهر ربيع سنة 1260 ه، ودفن
في مقبرته الواقعة في المدرسة التي بناها في اصفهان.
وله مؤلفات عديدة قيمة، منها: مطالع الانوار في شرح شرائع
الاسلام، وجوابات المسائل، وتحفة الابرار، والقضاء والشهادات،
ومناسك الحج، ورسالة في الشكيات، ورسالة في اقامة الحدود
في عصر الغيبة، ورسالة في بطلان الوقف على النفس، ورسالة
في زيارة عاشوراء، والزهرة الباهرة في اصول الفقه.
وقد الف في علم الرجال رسائل كثيرة تنيف على ثلاثين رسالة،
منها: رسالة في مشتركات الرجال، ورسالة في تحقيق حال ابي
بصير، ورسالة في تحقيق حال ابان بن عثمان، ورسالة في
ابراهيم بن هاشم، ورسالة في اسحاق بن عمار و. الخ((328)). بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك يا من لم يزل بنا عطوفا رؤوفا ونسبحك يا من لم يكن
له احد كفوا وشبيها، ونصلي على من قرر النوافل لتكميل
الفرائض جبرا وعلاجا وعترته وآله الذين كانوا للشريعة ركنا
وقواما.
وبعد، يقول العبد الملتجي الى رافة ربه الغافر ابن محمد تقي
الموسوي محمد باقر: قد بلغني عن بعض الافاضل حشره الله
تعالى مع سادات الاواخر والاوائل في تسليم النوافل ما كان
اعتقادي انه مخالف للواقع ومنافر للمتخلف ممن هو للشريعة
حافظ وصادع، فابرزت هذه الكلمات في ابانة الحق في ذلك
وازهاق الباطل هنالك ارجو من الله سبحانه ان لا يكون قصدي
فيه الا ابتغاء مرضاته واحقاق الحق في سبيله ودينه وشريعته
بحق كمل خليقته محمد سيد رسله وعترته وآله صلوات الله
وسلامه عليهم الى بقاء ارضه وسمائه، وهو انه: لا يجوزالجمع
في تسليم النوافل بين الصيغ الثلاث المعهودة في تسليم
الفرائض، بل يجب الاقتصار فيه بصيغة «السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته».
احدهما:
انه يجب الاقتصار في التسليم النوافل بصيغة «السلام عليكم»،
ولا يجوز العدول عنها الى غيرها ولو كان «السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين».
والظاهر ان هذا المطلب مما لا ينبغي التامل في فساده، بل
التحقيق ان حكم النوافل في ذلك حكم الفرائض، فكما انه لا
يجوز الاقتصار في تسليم الفرائض بالصيغة المذكورة، بل يجوز
العدول عنها الى صيغة «السلام عليناوعلى عباد الله الصالحين»،
للنصوص فيهما المعتبرة المستفيضة فكذلك الحال في
النوافل، ولا تفاوت بينهما في ذلك اصلا.
والظاهر من شيخ الطائفة نور الله تعالى ضريحه في موضع من
التهذيب
((329)) دعوى اجماع الشيعة عليه، كماستقف على
عبارته بتوفيق الله وهدايته واعانته.
والدليل على هذا المرام اطلاقات النصوص الواردة عن سادات
الانام عليهم آلاف التحية والسلام من المنعم الفياض الوهاب
العلا م:
منها: ما هو المشهور بين العامة والخاصة من قوله(ص):
«تحليلها التسليم» بناء على ان التسليم فيه كما يشمل «السلام
عليكم» يشمل «السلام علينا» ايضا. فكما ان مقتضاه ان الاول
محلل ومخرج عن الصلاة فكذا الثاني،وبعبارة اخرى: فكما ان
مقتضاه جواز الاقتصار في مقام التسليم بالاول فكذلك الحال
في الثاني، فنقول: ان الصلاة فيه اعم من الفرائض والنوافل،
فمقتضاه ثبوت الحكم المذكور في القسمين، وهو المطلوب.
ان قلت: يمكن الايراد عليه من وجهين: والثاني: ان لفظ التسليم فيه وان كان مطلقا لكن التمسك بالمطلقات في افرادها مشروط بتواطئها، وهو مفقودفيما نحن فيه، لشيوع هذا اللفظ في صيغة «السلام عليكم» كما اعترف به جماعة من المحققين، ويشهد له تتبع النصوص الصادرة من الائمة الطاهرين: من فاطر السموات والارضين، فينصرف لفظ التسليم في الحديث اليه،فلا يصح التمسك به فيما انتم بصدد بيانه.
قلنا:
لكنه مما لا وقع له، لانا وجدناها من طرقنا باسانيد متعددة: 1- منها: ما في باب النوادر من طهارة الكافي عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمد الاشعري عن القداح عن ابي عبد الله (ع) قال: «قال رسول الله(ص): افتتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»((333)).2- ومنها: ما في العيون في باب ما كتبه مولانا الرضا(ع) للمامون من محض الاسلام عن عبد الواحد بن عبدوس النيسابوري عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن مولانا الرضا(ع): «لا يجوز ان يقول: في التشهدالاول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لان تحليل الصلاة التسليم، فاذا قلت هذا فقد سلمت»((335)).3- ومنها: ما رواه فيه ايضا في الباب المتقدم على الباب المذكور بذلك السند عن مولانا الرضا(ع): «ان قيل : فلم جعل التسليم تحليلا للصلاة((336)) ولم يجعل بدله تكبيرا او تسبيحا او ضربا آخر. قيل : لانه لما كان في الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين والتوجه الى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين والانتقال عنها وابتداء المخلوقين في الكلام انما هو بالتسليم»((337))، وهو مروي في العلل((338)) في باب علل الشرائع واصول الاسلام بذلك السند ايضا.
فنقول : ان جلالة قدر الفضل بن شاذان مما لا يفتقر الى البيان.
واما عبد الواحد بن عبدوس فانه وان لم يذكر في غالب كتب
الرجال لكن كثرة ذكره الصدوق قدس الله تعالى روحه مترضيا
او مترحما تدل على جلالة قدره ووثاقته.
وفي العلل بعد ان اورد الحديث الطويل المشتمل على ما ذكر
وغيره: «حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري
العطار رضي الله عنه»((339)).
وفي العيون بعد ايراده الحديث الطويل ايضا: «حدثنا عبدالواحد
بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار رضي الله
عنه.»((340)).
وفيه الباب الرابع والثلاثون((341)) ما كتبه الرضا(ع) للمامون
من محض الاسلام وشرايع الدين عن عبد الواحدالمذكور عن
ابن قتيبة عن الفضل قال: «سال المامون علي بن موسى
الرضا(ع) ان يكتب له محض الاسلام على الايجاز والاختصار،
فكتب(ع): ان محض الاسلام شهادة ان لا اله الا الله الى ان
اورد الحديث بطوله ثم قال:حدثني بذلك حمزة بن محمد
بن احمد بن ابي جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين
بن علي بن ابي طالب(ع)، قال: حدثني ابو نصر قنبر بن علي بن
شاذان عن ابيه عن الفضل ابن شاذان عن الرضا(ع)، وذكر اشياء
تخالف حديث ابن عبدوس، ثم قال: حديث عبدالواحد بن
محمد بن عبدوس رضي الله عنه عندي اصح((342)).
وفيه دلالة على كمال الوثوق والاعتبار بعبد الواحد المذكور.
وقال في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن الفضل بن شاذان
من العلل التي ذكرها عن الرضا(ع) فقد رويته عن عبدالواحد بن عبدوس النيسابوري
العطار رضي الله عنه»((343)).
وقال الفاضل السيد المصطفى في رجاله: «ان عبد الواحد
المذكور من مشايخ الصدوق.»((344)).
وقال السيد السند صاحب المدارك في كتاب الصوم من
المدارك :«ان عبدالواحد بن عبدوس [وان لم يوثق صريحا لكنه
] من مشايخ الصدوق المعتبرين الذين اخذ عنهم
الحديث»((345)).
مضافا الى ما ستقف عليه من تصحيح العلا مة وشيخنا الشهيد
الثاني قدس الله تعالى روحهما الحديث الاتي نعته وهو في
سنده.
فالظاهر ان حديثه معدود من الصحاح لو لم يكن في سنده
مانع عنه.
واما علي بن محمد بن قتيبة ففي رجال النجاشي : «عليه
اعتمد ابو عمرو الكشي في كتاب الرجال، ابوالحسن صاحب
الفضل بن شاذان وراوية كتب، له كتب. الى آخره»((346))
وهذا الكلام منه يدل على مدحه من وجوه،لدلالته على انه
معتمد الكشي، وكونه مصاحبا للفضل بن شاذان الذي لا يخفى
جلالة قدره، وكونه راوية كتبه لاسيما بالتاء الدالة على
المبالغة، وكونه صاحب كتب ومصنفات.
وقال الشيخ الطائفة في رجاله: «علي بن محمد بن القتيبي
تلميذ الفضل بن شاذان»((347)).
وقال العلامة في الخلاصة: «انه تلميذ الفضل بن شاذان،
فاضل، عليه اعتمد ابو عمرو الكشي في كتاب الرجال»((348)).
وبالجملة دلالة كلمات هؤلاء الاماجد العظام على مدح هذا
الرجل مما لا يخفى على اولي الابصار والافهام، مضافا الى ان
العلا مة في كتاب الكفارات من التحرير((349)) وشيخنا
الشهيد الثاني في كتاب الصوم من الروضة((350)) صححا
الحديث الدال على من افطر في نهار رمضان بالمحرم وجب
عليه الكفارات الثلاث، وفي سنده هذان الرجلان.
ومما يدل على جلالة قدر هذا الرجل وغاية احتياطه ما ذكره
شيخنا الصدوق في العلل والعيون بعد ان اورد الحديث
الطويل المشتمل على كثير من العلل للاحكام الشرعية حيث
قال: «حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري
العطار رضي الله عنه، قال: حدثني علي بن محمد بن قتيبة
النيسابوري، قال: قلت للفضل بن شاذان لما سمعت منه هذه
العلل: اخبرني عن هذه العلل التي ذكرتها من الاستنباط
والاستخراج، وهي من نتائج العقل، او هي مما سمعته ورويته؟
فقال [لي] : ما كنت لاعلم مراد الله عز وجل بما فرض ولا مراد
رسوله(ص) بما شرع وسن، ولا اعلل ذلك من ذات نفسي، بل
سمعتها من مولاي ابي الحسن علي بن موسى
الرضا(ع) المرة بعد المرة والشيء بعد الشيء، فجمعتها، فقلت
له: فاحدث بها عنك عن الرضا(ع) قال: نعم»((351)).
ودلالته على ما ذكر غير خفية، فحديثه لو لم يحكم بصحته فلا
شبهة في كونه حسنا قريبا منه، فالحديثان المذكوران في اعلى
مراتب الحسان.
ومنها: ما رواه في الخصال في ضمن الحديث المشتمل على
شرايع الدين عن الاعمش، عن جعفر بن محمد(ع) : «لا يقال
في التشهد الاول : السلام علينا و على عباد الله الصالحين، لان
تحليل الصلاة هو التسليم، واذا قلت هذا فقد سلمت»((352)).
لا يقال: ان متعلق الايراد انما هو حديث تحريمها التكبيرة
وتحليلهما التسليم، والمذكور في النصوص المذكورة،انما هو
الجزء الثاني.
لانا نقول: الاستدلال انما هو بالجزء الثاني فقط، وقد وجد في
اخبارنا باسانيد متعددة، وهو يكفي فيما نحن فيه، فعدم ذكر
الجزء الاول غير مضر، مضافا الى ان الحديث المروي في باب
النوادر من طهارة الكافي مشتمل عليهما،كما عرفت. واما الجواب عن الايراد الثاني- اي كون المتبادر من التسليم هو السلام عليكم، فلا يمكن التمسك به في الاقتصاربالسلام علينا فهو ان ذلك وان كان مسلما في كلمات الاصحاب، بل في موثقة ابي بصير المشتملة على التشهدالطويل المروية في التهذيب دلالة عليه، لانه(ع) قال: «السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على انبياء الله ورسله، السلام على جبرئيل وميكائيل والملائكة المقربين، السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، لا نبي بعده، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم تسلم»((353)).
وقوله(ع): «ثم تسلم» بعد الاتيان بصيغة «السلام علينا» وغيرها
دليل على ان التسليم المطلق لا ينصرف الى السلام عليكم،
لكنه في النبوي المذكور ونحوه غير مسلم، وكيف مع انك قد
عرفت مما ذكرناه [نصاخبرين]((354)) على خلاف ذلك وانه
في قوله(ع): «تحليلها التسليم» شامل لقول «السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين»، لقوله(ع) في الحسن المتقدم
القريب من الصحيح: «لايجوز ان تقول في التشهد الاول:
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لان تحليل الصلاة
التسليم، فاذا قلت هذا فقد سلمت»((355)). ومثله ما تقدم
من الخصال((356)).
فالايراد المذكور حينئذ اجتهاد في مقابلة النص، فلا يعتنى به.
ويؤيده ما ذكر في صدره على ما في باب النوادر من الكافي،
وهو هذا «افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبيرالى آخره» اذ
الضمير في تحريمها وتحليلها يعود الى الصلاة المذكورة في
اول الحديث، وهي التي تفتتح بالوضوء. ومعلوم انها اعم من
الفريضة والنافلة، وهو مسلم بالاضافة الى تحريمها التكبير،
فيكون كذلك بالنسبة الى التحليل بالتسليم ايضا، كما لايخفى.
ومن اطلاقات النصوص المشار اليها:
ويشهد لذلك ايضا الموثق كالصحيح المروي في باب احكام
السهو من زيادات التهذيب عن يونس بن يعقوب قال: قلت لابي
الحسن(ع): «صليت بقوم صلاة، فقعدت للتشهد ثم قمت
ونسيت ان اسلم عليهم، فقالوا: ما سلمت علينا،فقال: الم تسلم
وانت جالس؟! قلت: بلى، فقال: لا باس عليك، ولو نسيت حين
قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك فقلت السلام
عليكم»،((358)) اذ الظاهر من صدر الحديث وذيله ان المنسي
هو السلام عليكم، ومع ذلك قال(ع): «الم تسلم وانت جالس؟!»
فيكون من السؤال غير السلام عليكم والظاهر انه السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين،وكذا قوله: «قلت: بلى»، اذ الظاهر ان
المراد منه انه سلم حال الجلوس، لما قرر في محله ان بلى انما
هي لنقض النفي المتقدم، ودلالته على ثبوت المنفي سواء كان
ذلك النفي مجردا كقولك ما اكل اليوم قال: بلى اكلت، او
مقرونابالاستفهام، فهي حينئذ لنقض النفي الذي بعد
الاستفهام ودلالته على تقرير المنفي ثبوته كما في قوله
تعالى:(ايحسب الانسان ان لن نجمع عظامه)((359)). وهذا هو الفرق بين بلى ونعم، فان نعم انما هو لتقرير ما سبق واثباته سواء كان نفيا ام اثباتا، فمقتضى نعم بعدقولك ما قام زيد انتفاء القيام من زيد، كما ان مقتضاه بعد قولك قام زيد ثبوته، ولهذا [جاء] في الجواب عن قوله: (الست بربكم قالوا بلى).((360))
ومنه يظهر الوجه في قول بعضهم: انهم لو قالوا: نعم لكفروا
جميعا.
فعلى هذا مقتضى قوله في الحديث: «قلت: بلى» بعد قوله(ع):
«الم تسلم وانت جالس» وقوع السلام منه في تلك الحالة، وقد
عرفت انه غير السلام عليكم، والظاهر انه السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين.
فقد دل الحديث على اطلاق التسليم عليه ايضا، فيكون لفظ
التسليم فيما استدللنا لاثبات المرام اعم من السلام عليكم
والسلام علينا، فتامل.
تنبيه:
ولا يخفى ما في قوله: «ولو نسيت حين قالوا: ...الى آخره».
ولا يبعد ان يكون ذلك من تصرف النساخ، وكان في الاصل
ولوشئت حين قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك فقلت:السلام
عليكم، ومعنى الحديث على هذا انه بعد قولك السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين تيقن الخروج من الصلاة، فلا يضرك
حينئذ نسيان السلام عليكم لكن حين قالوا لك: ما سلمت
علينا، ان شئت استقبلتهم بوجهك فقلت: السلام عليكم.
والدليل على هذا التغيير هو ان الحديث مروي في قرب الاسناد
في الباب الذي ذكر فيه الاحاديث المروية عن مولاناموسى بن
جعفر(ع) عن محمدابن عبد الحميد عن يونس بن يعقوب قال:
«قلت: لابي الحسن الاول(ع)، صليت بقومي صلاة فقمت ولم اسلم عليهم نسيت فقالوا: ما
سلمت علينا، فقال: الم تسلم وانت جالس؟! قلت: بلى قال: لاشيء عليك، ولو شئت حين
قالوا لك: استقبلتهم بوجهك، فقلت: السلام عليكم»((361)).
ومن الاطلاقات المشار اليها الصحيح المروي في باب التشهد
في الركعتين الاوليين والرابعة والتسليم من الكافي وباب
كيفية الصلاة من زيادات التهذيب عن الحلبي قال: قال ابوعبد
الله(ع): «وان قلت: السلام علينا و على عبادالله الصالحين، فقد
انصرفت»((362)) ومعلوم ان المراد فان قلت ذلك في الصلاة
فهي اعم من المفروضة والمسنونة كما لا يخفى على من له
درك، على انا لم نجد احدا من العلماء من فرق الجمع بين
المقامين كما لا يخفى على من تصفح كلماتهم في البين.
واما استفادة ذلك من كلام شيخ الطائفة نور الله مضجعه في
المصباح((363))
حيث انه اقتصر في تسليم نافلة الزوال بصيغة
السلام عليكم فغير صحيح، لجواز ان يكون ذلك من باب
الاكتفاء باحد الامرين المجزيين، بل هوالمتعين، لما ستقف من
عبارته الدالة عليه. والمطلب الثاني:
هو انه لا يجوز الجمع في مقام تسليم النوافل بين السلام
عليكم وغيره من صيغتي التسليم وان ذلك من
خواص الفرائض، وهوايضا غير صحيح، بل كما يجوز ذلك في
الفرائض يجوز في النوافل ايضا، بل يمكن ان يقال
بعنوان القاعدة كل ما يثبت من قول في الفرائض يمكن الحكم
بثبوته في النوافل بمجرد ذلك، الا اذا قام الدليل على
خلافه،فلا تفتقر في الحكم بثبوت الامور في الفرائض في
النوافل الى دليل على حدة، فما لم يقم دليل على
الاختصاص يحكم بالاشتراك [مع] الثانية.
وان شئت ان يتضح لك حقيقة الحال فاستمع لما، اتلو عليك،
فنقول: ان المناسب تصوير المرام بمثال يناسب المقام فنقول:
مثال ما نحن فيه معجون ركبه سلطان حكيم من اجزاء
متعددة بعضها مما يتوقف عليه تاثيره،فعدمه يستلزم انتفاؤه،
وبعضها مما لم يكن كذلك، فهو مما لم يتوقف عليه تاثيره،
لكنه مما توقف عليه كماله، فانتفاؤه لم يكن مستلزما لانتفاء
اصل الثمرة لكنه مما توقف عليه كمال ملك الثمرة، فله
مدخلية في كمالها لا في اصلها، ثم يعين ذلك السلطان اسما
مخصوصا لذلك المعجون ثم يطلبه من عبيده في ضمن ذلك
الاسم مرة بعنوان الحتم والالزام واخرى من باب الندب
والرجحان، فاذاتبين ذلك المعجون باجزائه المقومة والمكملة
فيما اذاكان متعلقا للطلب الحتمي يغني ذلك عن بيانه فيما
اذا كان متعلقا للطلب الندبي فلا يفتقر الى بيان مجدد، وذلك
ممالا شبهة فيه ولا شك يعتريه، فاذاعثرنا على طلبه الندبي
المتعلق باتيان ذلك المعجون في ضمن ذلك الاسم [فلافرق]
بين المطلوب حينئذ وبينه اذا كان متعلق الطلب الحتمي الا
من حيث جواز الاخلال وعدمه، فكما يحكم بحصول اصل
الامتثال في الطلب الحتمي فيما اذا راعى الاجزاء المقومة وان
كان الامتثال على وجه الكمال متوقف على مراعاة الاجزاء
باسرها ولو كانت مكملة، فكذلك في الطلب الندبي.
اذا تحقق ذلك نقول: ان ماهية الصلاة مثل ذلك المعجون، فان
لها اجزاء واجبة واجزاء مندوبة، والاجزاء الواجبة مما توقف عليه
الثمرة المطلوبة في الصلاة، فلا يحصل الامتثال حال الاخلال
بها، والاجزاء المندوبة مما توقف اصل كمالها لا اصلها، فانتفاؤها
لا يوجب انتفاء اصل الامتثال، واللفظ الذي عين لها الشارع
عليه هو لفظ الصلاة تارة في ضمن ذلك الاسم بعنوان الحتم
والايجاب، واخرى في ضمنه ايضا بعنوان الرجحان
والاستحباب، والمفروض انها باجزائها الواجبة والمندوبة فيما
اذا كانت متعلقة الطلب الحتمي، فمعلوميتها في هذه الحالة
يكفي في العلم بالمطلوب في الحالة الاخرى، اي فيما اذا كانت
متعلقة الطلب الندبي، اذ المفروض ان في ضمن ذلك
الاسم صار متعلق طلب، فاذا لم يقترن بالقرينة الدالة على
المغايرة يظهر ان المطلوب المراد تلك الماهية بجميع
اجزائهاكلها كما لايخفى، ففي صورة كونها متعلقة الطلب
الندبي لا تفتقر في الحكم ببقاء اجزائها الى دليل مجدد،
فجميع اجزائها واجبة كانت او مستحبة التي علمت في الصورة
الاولى محكومة بالبقاء في الصورة الثانية، الا اذا دل الدليل على
خلافه.
اذا عرفت ذلك نقول: ان المفروض ان الجمع بين صيغ
التسليم الثلاث راجح في الفرائض، فيكون كذلك في
النوافل نظرا الى انتفاء الدليل الدال على انتفائه فيها. وهذه
قاعدة وجيهة، ومن هنا يحكم باستحباب بسم الله الى آخره
في تشهد النافلة مع ان الحديث المشتمل عليه مورده الفريضة،
وهكذا الحال في قول وتقبل شفاعته في امته فيه.ولهذا لا
يمكن لاحد ان يدعي ان الاتيان بها في النوافل غير جائز نظرا
الى عدم ثبوتها فيها لكون النصوص المشتملة عليها موردها
الفريضة. وهكذا الحال في كثير من الامور المندوبة في الصلاة.
والحاصل: ان كلما دل الدليل على ثبوته في الفرائض يحكم
بثبوته في النواقل الا اذا دل الدليل على عدمه،
فنحكم باستحباب بحول الله وقوته عند القيام من السجود فيها
والتحميد بعد الانتصاب من الركوع وبعد البسملة والدعاءفي
كل من الركوع والسجود وغيرها من الاداب والاقوال الراجحة
المتكثرة وان لم يظهر لنا دليل مختص بالنوافل،بل لو كان
اطلاق في بعض ما ذكر لم نكن مفتقرين في الحكم بالثبوت
اليه في الحقيقة.
ان قلت: ان هذه القاعدة وان كانت وجيهة لكنها مبنية على
تسليم اتحاد الماهية، وهو ممنوع، والتمسك فيما انتم بصدده
مصادرة.
قلنا: - مع ظهور الامر وعدم الافتقار الى الاستدلال - نقول:
يمكن الاستدلال عليه من نصوص متعددة:
منها: الصحيح المعروف الذي اطبق المشايخ الثلاثة نور الله
تعالى ضرائحهم على روايته عن حماد بن عيسى قال: «قال ابو
عبد الله(ع): يا حماد تحسن ان تصلي؟ قال: فقلت: يا سيدي انا
احفظ كتاب حريز في الصلاة، قال: لاعليك يا حماد قم فصل،
قال: فقمت بين يديه متوجها الى القبلة فاستفتحت الصلاة
فركعت وسجدت، فقال: يا حمادلا تحسن ان تصلي. ما اقبح
بالرجل منكم ياتي عليه ستون سنة و سبعون سنة فلا يقيم
صلاة واحدة بحدودها تامة، قال حماد : فاصابني في نفسي
الذل، فقلت: جعلت فداك فعلمني الصلاة، فقام ابو عبد الله(ع)
مستقبل القبلة منتصبا، فارسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم
اصابعه وقرب بين قدميه حين كان بينهما قدر ثلاث
اصابع منفرجات، واستقبل باصابع رجليه جميعا القبلة لم
يحرفها عن القبلة، وقال بخشوع: الله اكبر، ثم قرا الحمد بترتيل
وقل هو الله احد، ثم صبر هنيئة بقدر ما يتنفس وهو قائم، ثم
رفع يديه حيال وجهه وقال: الله اكبر وهوقائم، ثم ركع وملا
كفيه من ركبتيه منفرجات، ورد ركبتيه الى خلفه حتى
استوى ظهره حتى لو صب عليه قطرة من ماء او دهن لم تزل
لاستواء ظهره، ومد عنقه وغمض عينيه، ثم سبح ثلاثا بترتيل،
فقال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم استوى قائما، فلما
استمكن من القيام قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر وهو قائم،
ورفع يديه حيال وجهه ثم سجد وبسط كيفيه مضمومتي الاصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه
فقال: سبحان ربي الاعلى وبحمده،ثلاث مرات، ولم يضع شيئا من جسده على شيء منه وسجد على ثمانية اعظم: الكفين والركبتين وانامل
ابهامي الرجلين والجبهة والانف، وقال: سبعة منها فرض يسجد
عليها، وهي التي ذكرها الله عز وجل في كتابه فقال:
(وان المساجد الله فلا تدعوا مع الله احدا)((364))، وهي: الجبهة
والكفان والابهامان والركبتان، ووضع الانف على الارض سنة،
ثم رفع راسه من السجود، فلما استوى جالسا قال: الله اكبر، ثم
قعد على فخذه الايسر وقد وضع ظاهر قدمه الايمن على بطن
قدمه الايسر وقال: استغفر الله ربي واتوب اليه، ثم كبر وهو
جالس وسجد السجدة الثانية و قال كما قال في الاولى، ولم يضع شيئا من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود كان
مجنحا، ولم يضع ذراعيه على الارض، فصلى ركعتين على هذا
ويداه مضمومتا الاصابع وهو جالس في التشهد، فلما فرغ
من التشهد سلم فقال: يا حماد هكذا صل...»((365)).
وجه الدلالة على المرام هو ان الظاهر ان ما صدر منه(ع) هو
النافلة((366)) مقتضى قوله (ع): «هكذا صل» اتيان الصلاة
واجبة كانت او مستحبة على النحو الصادر منه(ع)، وهو انما
يكون عند اتحاد الماهية، وهو المدعى.
وبعبارة اخرى: وهي ان الصلاة الصادرة منه(ع) هي النافلة،
الصلاة في قوله(ع): «هكذا صل» اما الفريضة فقط كما يلائمه
قوله(ع): «ما اقبح بالرجل منكم ياتي عليه ستون سنة، او
سبعون سنة فلا يقيم صلاة واحدة بحدودهاتامة» او اعم من
الفريضة والنافلة. واما احتمال ارادة النافلة فقطفلا يذهب اليه
وهم، كما لا يخفى.
وعلى كل من الاحتمالين المذكورين يثبت المرام، كما لا
يخفى على اولي التامل والافهام.
ويدل عليه ايضا صدر الحديث وهو قوله(ع) : «يا حماد لا تحسن
ان تصلي» بناء على ان الصلاة في قوله(ع):«تحسن ان تصلي»
ياتي فيها الترديد الذي ذكرناه، والصلاة التي اخذ بها حماد في
حضوره(ع) هي النافلة، وذلك لا يكون الا لاجل اتحاد الماهية
في النوعين((367)). |