ومنها: الصحيح المروي في باب التفويض الى رسول الله(ص) من اصول الكافي عن فضيل بن يسار قال: «سمعت ابا عبد الله(ص) يقول لبعض اصحاب قيس الماصر: ان الله عزوجل ادب نبيه فاحسن ادبه. الى ان قال(ع): ثم ان الله عزوجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فاضاف رسول الله(ص) الى الركعتين ركعتين، والى المغرب ركعة، فصارت عديلة الفريضة لا يجوز تركهن الا في سفر وافرد الركعة في المغرب، فتركها قائمة في السفر والحضر، فاجاز الله عز وجل له ذلك كله، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله(ص) النوافل اربعا وثلاثين ركعة مثلي الفريضة، فاجاز الله عزوجل له ذلك، والفريضة والنافلة احدى وخمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالسا، تعد بركعة مكان الوتر، وفرض الله في السنة صوم شهررمضان، وسن رسول الله(ص) صوم شعبان وثلاثة ايام في كل شهر مثلي الفريضة، فاجاز الله عزوجل له ذلك.»((368)) الحديث.

واستفادة المرام في مواضع منه مما لا يخفى على اولي التامل والافهام.

والنصوص على هذا المضمون كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.

ان قيل: سلمنا ذلك لكن نقول: هنا دليل يدل على لزوم الاقتصار في النوافل بصيغة السلام عليكم، وعدم جوازالجمع بينهما و بين غيرها، وذلك لان شيخ الطائفة اقتصر في المصباح((369)) في نافلة الزوال بالصيغة المذكورة، ولم يجمع بينها وبين غيرها.

ومنه يظهر عدم جواز الجمع، اذ لو جاز ذلك لما اقتصر بها، لا سيما انه لم يقتصر في ذلك التشهد على القدرالواجب، بل ذكر فيه بعض الامور المندوبة مثل بسم الله و بالله. الى آخره، وكذا وتقبل شفاعته في امته وارفع درجته، وخصوصا انه لم يقتصر في تشهد صلاة الظهر بالواحدة، بل جمع بين الصيغ الثلاث، فلو كان الجمع ثابتافي النوافل لفعل كما في فريضة الظهر.

قلنا: لا شبهة في ضعف هذا الكلام:

أما أولا فلان قول الفقيه الواحد لا يصلح ان يكون دليلا على حكم شرعي حتى يعدل به عن مقتضى القاعدة التي ابرزناها.

وأما ثانيا فلانه صرح في التهذيب بجواز الجمع بين الصيغتين في تشهد النوافل حيث قال بعد ان اورد جملة من النصوص الدالة [على] التخيير بين التسليم في ركعتي الشفع وعدمه التي منها صحيحة معاوية بن عمار قال:«قلت: لابي عبد الله(ع) في ركعتي الوتر فقال: ان شئت سلمت وان شئت لم تسلم»((370)) ما هذا محصله: وهوان التسليم المخير فيه هنا محمول على التسليم المخصوص، لان عندنا ان من قال السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين في التشهد فقد انقطعت صلاته، فان قال بعد ذلك السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جاز، و ان لم يقل جاز ايضا، فكان التخيير انما تناول هذا الضرب من التسليم((371)).

وهذا الكلام منه قدس روحه تصريح بجواز الجمع بين السلام علينا وعلى عبادالله الصالحين وبين السلام عليكم في تشهد الشفع، بل في تشهد مطلق النوافل، بل مطلق التشهد. وظاهره دعوى اجماع الشيعة عليه. ومع ذلك لاوجه للتعويل على ما يوهمه كلامه في المصباح، فالحمد الله الموفق للرشاد والفلاح.

ثم الظاهر ان شيخ الطائفة في هذا الاقتصار تابع شيخنا المفيد في المقنعة، فانه اقتصر في تسليم نافلة الزوال بتلك الصيغة، بل عبارته في هذا التوهم اقوى، قال - بعد ان ذكر الاداب المعتبرة في الجلوس للتشهد - : «فيقول: بسم الله وبالله، والحمد الله، والاسماء الحسنى كلها الله، اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمداعبده ورسوله ارسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة صلى الله عليه و آله الطاهرين، ويسلم تجاه القبلة تسليمة واحدة يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويميل مع التسليمة بعينه الى يمينه»((372))، انتهى كلامه اعلى الله مقامه.

ولما كان قوله تسليمة واحدة يوهم عدم الجواز الاثنين اسقطه شيخ الطائفة في المصباح، فقال: «ثم يسلم تجاه القبلة يؤمي بمؤخر عينيه الى يمينه، فيقول: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته»((373)).

ويظهر من ملاحظة كلامه ظن قوي ان مقصوده من هذا الاسقاط لئلا يذهب الوهم الى ما يستدعيه ذلك القيد من عدم جواز الجمع بينها وبين غيرها، فكيف يجعل كلامه دليلا على ذلك؟!

ثم ان الفاضل سلار بن عبدالعزيز لم يراع الوجه الذي ذكرناه فاتى بمثل عبارة المقنعة قال: في المراسم في نافلة الزوال: «ثم يجلس فيتشهد بان يقول: بسم الله وبالله. الى ان قال: ثم يسلم تجاه القبلة تسليمة واحدة يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وينحرف بوجهه يمينا، ويتم ثماني ركعات: كل ركعتين بتسليمة واحدة على كيفية ما رسم» لكن ذكر في كلامه ما يرشد الى ان ما يستدعيه القيد المذكور لم يكن مرادا له حيث قال بعده من غير فصل:«ثم يؤذن ويقيم ويصلي الظهر اربع ركعات بتسليمة واحدة. الى آخره»((374)) مع ان جواز الجمع بين صيغ التسليم في فريضة الظهر مثلا مما لا ريب فيه وان كان الامر في النوافل ايضا كذلك.

ومما يؤيد ان مرادهما ليس الاقتصار بصيغة السلام عليكم ما ذكراه في المقنعة والمراسم في تسليم الفرائض اليومية حيث ذكرا بعد الفراغ من التشهد ومستحباته: السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته، ويؤمي بوجهه الى القبلة فيقول: السلام على الائمة الراشدين، السلام علينا.»((375)).

مصادر التحقيق:
1
- القرآن الكريم
2
- وسائل الشيعة مؤسسة آل البيت. ط/1
3
- الكافي دار الكتب الاسلامية. ط/3
4
- الفقيه جماعة المدرسين
5
- تهذيب الاحكام دار الكتب الاسلامية. ط/4
6
- علل الشرائع دارالحجة للثقافة. ط/2
7
- الخصال جماعة المدرسين. ط/2
8
- عيون اخبار الرضا(ع) الاعلمي
9
- مصباح المتهجد الاعلمي. ط/1
10
- قرب الاسناد مؤسسة آل ابيت. ط/1
11
- المقنعة جماعة المدرسين. ط/4
12
- المراسم العلوية دار الحق
13
- مدارك الاحكام مؤسسة آل البيت. ط/1
14
- مختلف الشيعة مركز الابحاث والدراسات الاسلامية. ط/1
15
- تحريرالاحكام الشرعية مؤسسة الامام الصادق. ط/1
16
- ذكرى الشيعة مؤسسة آل البيت. ط/1
17
- الروضة البهية الاعلمي
18
- رجال النجاشي دارالاضواء. ط/1
19
- رجال الطوسي جماعة المدرسين. ط/1
20
- خلاصة الاقوال مؤسسة نشر الفقاهة. ط/1

تقرير حول

المركز العالمي للدراسات الاسلامية
في قم المقدسة(*)

الاستاذ الشيخ علي رضا الاعرافي

تميزت الحوزات العلمية الشيعية على مر العصور ببعدها العالمي، لانتسابها الى المدرسة الاسلامية لاهل البيت(ع) التي احتضنت بين جنبتيها جميع الامم والشعوب، وتوجهت في خطابها الى كل وجدان وانسان في العالم، من هنا كان للحوزة الشيعية هذه المنزلة الشاملة.

(* مقتبس من اللقاء الصحفي الذي اجرته صحيفة «بگاه حوزه» مع حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محمدرضا الاعرافي رئيس المركز العالمي للدراسات الاسلامية.)

عالمية الحوزة العلمية:

ان اطلالة على مختلف حوزات الشيعة في بغداد، وجبل عامل، والنجف التي يزيد عمرها على الالف عام واخيراحوزة قم، اكبر حاضرة علمية دينية للشيعة في الوقت الحاضر، تكشف عن سيادة النظرة العالمية والاممية في هذه الحوزات، وعدم تقوقعها في الاطار الاقليمي، فان كلا منها وان كان قد نشا ضمن دائرة وحدودجغرافية خاصة ونما فيها، الا انه بحكم تلك الروح السائدة فيها جعل الكثير من الافراد ومن شعوب مختلفة ان يكونوا جنبا الى جنب لتحصيل العلوم الدينية وخوض المجالات التحقيقية والعلمية وانتاج الفكر والمصنفات الدينية.

وبعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران، وبالنظر لما تتمتع به من بعد عالمي واسع فقد دخلت حوزة قم عهداجديدا وقامت منذ سنة 1398 ه بانشاء مؤسسة تهتم باستقبال وتعليم الطلاب والفضلاء من اقطار العالم كافة،وكانت تدار في بداية الامر باشراف لجنة من العلماء، ثم تطورت تدريجيا حتى انتهت الى مؤسسة رسمية حملت عنوان «المركز العالمي للدراسات الاسلامية».

مراحل الدراسة والتخصص في المركز:

لقد نظمت مراحل الدراسة في المركز بشكل جيد، حيث يخضع الطالب في البداية الى دورة تمهيدية تمتد الى سنة تقريبا، يدرس فيها اللغة الفارسية، فضلا عن المعلومات الاولية في العلوم الحوزوية.

ثم بعد ذلك ينتقل الى المرحلة الثانية وهي دراسة المقدمات في الحوزة، اي ما تعادل مرتبة الليسانس في الدراسة الجامعية.

وبعدها ينتقل الى المرحلة الثالثة وهي دراسة السطوح او ما يعادل الماجستير.

ثم تبدا المرحلة الرابعة والاخيرة وهي دراسة البحث الخارج اي التهيؤ لشهادة الدكتوراه، وبعد اتمام جميع هذه المراحل ينتهي الطالب من دراسته.

وقد اتم حتى الان ما يقرب من ثلاثة آلاف طالب دراستهم بشكل نهائي وعادوا الى اوطانهم.

والجدير بالذكر ان رجوع هؤلاء الطلاب الى اوطانهم من السياسات الاساسية للمركز، لما لحضورهم في بلدانهم من اسهام رئيس في نشر الفكر والثقافة الاسلامية، الامرالذي يعد من اهم اهداف المركز.

كما انه يمكن للطالب المنتسب للمركز ان يختار الاختصاص الذي يرغب به من الاختصاصات المتوفرة فيه، والتي من جملتها: الفقه، الاصول، الفلسفة، الكلام، القرآن، الحديث، المعارف الاسلامية، دراسة الاديان والمذاهب الاخرى، والتاريخ الاسلامي. هذا كله مضافا الى الدراسة التقليدية في الحوزة بعنوان قسم الفقه والاصول اللذين يمثلان المنهج الكلاسيكي في الحوزة.

هذا، وتتجه المدارس التابعة للمركز نحو تبني كل منهااختصاصا مستقلا تنحصر به وتتولاه، كما ان ادارة المركز في صدد اقامة دورات قصيرة الامد لا تتعدى السنة تقريبا، تعتمد برنامجا دراسيا غير ذاك المتداول والمعد للدراسات المركزة، وذلك لاستقبال اصحاب الشهادات النشطين في المجالات الثقافية، والذين لهم حضورهم الفعال في المحافل العلمية الاخرى، بحيث يكون شاملا للاخوة والاخوات وللشيعة والسنة معا. وقدجرى تطبيق هذا النموذج على مدينة قم نفسها، واعط ى نتائج باهرة، لذا يعتبر هذا المشروع من المشاريع المهمة للمركز.

اهداف المركز:

ان اهم اهداف المركز وان كانت نشر العلوم والمعارف الاسلامية، الا انه يمكن ان يضاف الى هذه الاهداف اهداف اخرى غير ذلك، من قبيل العلاقة بين الثقافة والعمل الثقافي من جهة، وبين الحضارات والامم الاخرى من جهة ثانية، والعمل على الارتقاء الثقافي لايران، وانتشار الادب الفارسي في الخارج، وتشييد مكانة خاصة للثقافة الفارسية والنتاج الفكري والمعرفي الايراني في العالم وبالاخص في العالم الاسلامي. بل يمكن ان يعد هذا المركزاهم نقطة تواصل ثقافي وحواري بين جميع الدول، لذلك من السهولة بمكان ادراك اهمية مايحتله من مكانة في العالم.

المنتسبون للمركز:

يضم المركز في الوقت الحاضر حوالي عشرة آلاف طالب من جميع انحاء العالم، منهم ما يقرب من الفي طالب منشغلين بالدراسات العليا، لكن ما يؤسف له ان المركز لا يتلقى الدعم الكافي من قبل المسؤولين في وزارة التعليم العالي، مع انهم مطلعون على تفاصيل هذه الاحصاءات، كما انه لم يتم التعامل مع هذا المركز على اساس انه يمثل حوزة علمية عالمية لها نظامها الخاص، وانه مؤيد من قبل المجلس الاعلى للثورة الثقافية، باعتبار ان المركز برعاية القائد السيد الخامنئي وتحت تصرفه، فهو الذي ينصب اعضاء لجنة الامناء فيه، ويتم ادارته من قبل هذه اللجنة بالتنسيق مع العلماء والمراجع.

من بين عشرة آلاف طالب وهو عدد الطلاب الاجانب المنتسبين فعلا للمركز هناك في قم حوالي ثمانية آلاف وخمسمئة طالب، منهم خمسمئة من الاخوات. والف وخمسمئة طالب في مشهد حيث تم مؤخرا تاسيس فرع للمركز هناك كما ان هناك مدرسة في مدينة جرجان مختصة باهل السنة، حيث ينتسب اليها ما يقرب من مئة طالب من آسيا الوسطى.

لقد مر على المركز حتى الان طلاب من ستة وتسعين دولة، الا انه يوجد في الوقت الحاضر طلاب من ستة وثمانين دولة فقط، موزعين على عشرين مدرسة تابعة للمركز العالمي، مضافا الى مدرسة اخرى مختصة بتدريس اللغة الفارسية والتي تعد من مدارس اللغة الناجحة في ايران.

وهناك ما نسبته خمسون بالمئة من الطلاب المنتسبين للمركز من دول الجوار (باكستان، العراق، افغانستان،الهند، لبنان واذربيجان)، والباقي من بقية الدول الثمانين الاخرى، حيث ينتسب فعلا للمركز حدود ثلاثمئة طالب من الدول الاوروبية والافريقية.

ويلاحظ ان اهتمام المركز قد انصب على قبول الطلاب من الدول التي تحتوي على كثافة سكانية شيعية، وان كان يؤكد في الوقت ذاته على زيادة القوميات وتنوع الملل.

لقد استطاع المركز ان يتقبل طلبات ما يزيد على ثلاثة عشر الف طالب منذ عشرين سنة حتى الان (سنة 1418 ه)، اي ان لدى المركز طلبات ما يزيد على ثلاثة آلاف طالب عادوا فعلا الى بلدانهم، وهناك تواصل مع بعضهم.

نشاطات المركز:

ان المركز العالمي في صدد انشاء برنامج دراسي غير حضوري يعتمد في التواصل مع الطلاب على صفحة الانترنت مخصصة لهذا المجال، وقد قطع المركز خطوة لا باس بها على صعيد تاسيس جامعة اسلامية مرخصة تعتمد المنهج غير الحضوري في دراستها، ويمكن ان يرى هذا المشروع النور خلال سنة باذن الله.

تجدر الاشارة الى ان نفس وجود خمسمائة محقق وكاتب ومؤلف ومترجم في قم، يعد من ثروات هذا البلد، ومن هنا فقد قام هؤلاء المحققون بترجمة مئات الكتب الى اللغات العربية والاجنبية الاخرى، لكن المشكلة تكمن في ضرورة العمل على ترجمة النتاجات العلمية الدينية الى عشرات اللغات الاجنبية الحية في العالم، لذلك يجب ان يكون لدى المركز تواصل مع بعض الماهرين المتضلعين بهذه اللغات لتغطية جاليات الدول المتعددة الموجودة عنده، والتي تبلغ ستا وثمانين دولة، كي يتمكن المحققون والعلماء وطلاب الدين في هذه الدول، من انتاج اكبر قدر ممكن في ميدان المعرفة الدينية ونشرها بلغات مختلفة.

يهدف المركز من نشر هذه الدراسات، الى فتح المجال امام الاخرين للتعرف على النظام الاجتماعي والسياسي في الاسلام من منظار مدرسة اهل البيت(ع)، والاطلاع الاجمالي على عقائد الشيعة وعلم الكلام عندهم ومجمل المفاهيم الاخرى، كما انها تتيح الفرصة امام الكثيرين للتعرف بشكل افضل ومباشر على علمي التفسير والحديث الشيعيين.

وقد تمكن الطلاب المنتسبون للمركز من انشاء عدد من المجلات والدوريات المختلفة والمختصة بمجالات ثقافية وفكرية متعددة،كما قام بعضهم بانشاء صفحات دينية على الانترنت يمكنهم التواصل من خلالها مع ابناء وطنهم بهدف التبليغ ونشر العلوم الدينية بينهم. ويوجد في القسم العلمي التابع للمركز فرع لتقصي الخصوصيات الثقافية والاهتمامات الفكرية عند مختلف امم وشعوب العالم، حيث يساعد ذلك على تقديم رؤية اوضح للحوزة وللمراكز العلمية، لوضع برامج اكثر تلاؤما مع الواقع.

ويوجد بالاضافة الى مركز العلوم الاسلامي، مؤسسة اخرى معنية بالمدارس والحوزات التي تقع خارج ايران،وهاتان المؤسستان تداران بواسطة لجنة امناء مشتركة، تتشكل بدورها من تسعة اشخاص، هم: رئيس المركزالعالمي للدراسات الاسلامية، ورئيس مؤسسة المدارس والحوزات الخارجية، ورئيس مركز العلاقات الثقافية، والمجلس الاستشاري للحوزة العلمية في قم.

لكن هذان المركزان مختلفان من الناحية الادارية، فالمركز العالمي يعنى بادارة امور الطلاب والفضلاء غير الايرانيين المقيمين في ايران، اما مؤسسة المدارس الواقعة خارج ايران، فهي تتكفل بادارة شؤون الطلاب في بلدان مختلفة، حيث يوجد في العالم ما يقرب من ثمانين مدرسة تقع تحت رعاية هذه المؤسسة.

وبما ان عمل المركز يشتمل في نشاطه على ابعاد عالمية، كما اسلفنا، فهو على تواصل وتنسيق خاص مع وزارة الخارجية، كما ان لديه فروعا في الخارج للغرض نفسه، ولاجل ذلك فقد وضع المركز نظاما يقوم على ضوئه بارسال الطلاب المتخرجين من قبله الى انحاء مختلفة من العالم، ليتم التعرف على الاشخاص النشطين والمؤهلين والتواصل معهم.

سياسات المركز:

يهتم المركز باضفاء الشفافية على برامجه، واعطاء صفة رسمية لنشاطاته، ويعتبر ذلك من جملة سياساته، حتى يتم التعرف عليه والتواصل معه بشكل افضل، ويتاح للجميع الاطلاع على نشاطاته، من هنا كانت طلبات الانتساب لفروع المركز خارج ايران تخضع لضوابط رسمية يتم التنسيق فيها مع الجهات الرسمية في وزارة الخارجية، امابالتواصل عبر الانترنت، او بواسطة الرجوع الى الخبراء الاستشاريين الموجودين في المستشاريات الثقافية الايرانية في مختلف انحاء العالم.

والغاية من سياسة الشفافية هذه التي ينتهجها المركز هي ايجاد الفرص الموائمة للتواصل مع الامم الاخرى،والتمكن من عقد اتفاقيات علمية مع مختلف جامعات العالم، والعمل على رفع الترابط العلمي الى اعلى مستوى ممكن.

ومن جملة سياسات المركزايضا العمل على جعل الدراسة في قم دراسة نخبوية، اي ان يتم السعي لتحويل حوزة قم الى الحاضرة العلمية الكبرى للتشيع، والمدرسة العالمية المهمة التي تسطع بنور الفكر والمعرفة وتهتم ببث علوم ومعارف اهل البيت(ع)، كي يتسنى لها تشجيع النخب وحثهم على الدراسة والتخصص فيها. وفي المقابل يتيح المركز فرصة دراسة المراحل المتقدمة على مرحلة التخصص هذه عبر المدارس المنتشرة في البلدان الاخرى، ولهذا فقد تم التاكيد على ضرورة انتاج كتب علمية بلغات عالمية مختلفة، للغرض ذاته.

كما ان من اولويات عمل المركز، انشاء مؤسسات تعنى بالاجابة على التساؤلات المثارة حول المعارف والمفاهيم الاسلامية في الوقت الحاضر. فضلا عن العمل على جعل المسلمات والاصول الاسلامية هي الميزان والاساس في صياغة البرامج التعليمية للمدارس.

ومن السياسات الاخرى للمركز التوجه الى اقامة مدارس تخصصية وتخصصات فرعية مختلفة في مجالات متعددة من العلوم الاسلامية، وتوسيع الدائرة التي يتكفل بها برنامج الدراسة في الحوزة، حتى يتاح التوصل الى اجابات حول احتياجات العالم المعاصر والامم والثقافات المختلفة، وتوسيع دائرة التخصصات المتوفرة لدى المركز باتجاه العلوم الانسانية والاجتماعية من منظار اسلامي، كي يتسنى للطلاب الاطلاع على اهم واحدث النظريات المطروحة عالميا في هذا المجال، وفي نفس الوقت يتاح لنا بواسطة هذا البرنامج نقل نظرياتناالاجتماعية الى الساحة العالمية. ويجب ان يتم كل ذلك بالتنسيق الكامل مع النظام الاسلامي، وضمن الاطر العامة لسياسة الدولة.

خدمات المركز:

اما بالنسبة الى تامين وظائف عمل للمتخرجين من المركز، فهي وان لم تكن من اهتمامات المركز كما هو الحال في كل المراكزالعلمية الاخرى، حيث لا تتكفل بايجاد فرص عمل لمتخرجيها لكن في الوقت عينه تعمل الادارة على انشاء صيغة مشروع يمكن ان تساعد في ايجاد فرض عمل لطلاب العلوم الدينية بعد انتهاء دراستهم، اما في بلدانهم او في نفس ايران.

هذه الصيغة يمكنها ان توظف الاشخاص المتفوقين علميا، والذين يستطيعون ان يكونوا اعضاء في مراكز علمية وتحقيقية، ولهذا الغرض يجري المركز العالمي استشارات متعددة مع مختلف الجامعات والمراكز العلمية في العالم، والمجمع العالمي لاهل البيت(ع)، ومركز العلاقات الثقافي، ووزارة الخارجية للعمل على انجاح هذاالمشروع.

وبالنسبة للخدمات المادية التي يقدمها المركز للطلاب فهي خدمات مختصة بالطلاب الموجودين فعلا داخل ايران، فضلا عن مساعدات متواضعة (تبلغ مقدار عشرة آلاف تومان) مختصة بمن يشتغل ضمن علوم تخصصية.

وبما ان ما يقرب من خمسة آلاف طالب متاهلون، فقد اقدم المركز على انشاء خمسمئة وحدة سكنية تقريباووزعها على قسم من هؤلاء، كما انه في صدد توسيع هذا المشروع ليغطي قسما آخر من الطلاب في المستقبل.

نشاطات المتخرجين من المركز:

واما الذين انهوا دراستهم في المركز فبعضهم له نشاط مميز في مراكز ثقافية، وبعضهم الاخر يعمل كاستاذ في مدارس علمية في بلاده، ويقوم بعضهم بنشاط حوزوي او ببعض النشاطات الرسمية، كما ان لبعضهم تنسيقامع السفارات الايرانية. ولدى المركز نماذج رائعة من المتخرجين خصوصا في باكستان وافغانستان حيث يتصدى البعض لامامة الجماعة، وبعضهم للعمل التبليغي والتدريس وغير ذلك، وسوف يبقى هؤلاء ذخر المدرسة قم التي تخرجوا منها. لذا ينتظر المركز من الاجهزة الاعلامية في ايران عموما وفي محافظة قم بالخصوص، ان تهتم بتسليط الضوء على هؤلاء الطلاب ونشاطهم حتى يعودوا الى بلادهم بصورة مفعمة وانطباع جيد عن ايران، ومن ثم فسوف يكونون رسلا للثقافة الاسلامية والشيعية، وسفراء لثقافة الثورة الاسلامية في ايران وقم، فهؤلاء هم راس مال الدولة والنظام والثورة، كما انهم راس مال الحوزة وقم.

من هنا، اللازم على الاجهزة الاعلامية في قم ان تسعى لاشاعة الثقافة القائلة ان غير الايراني المقيم في قم لاجل الدراسة والتحقيق، انما يعبر عن منتج فكري وثقافي، حتى يتاح لعامة الناس معرفة قيمة هؤلاء الطلاب، بمعنى ان تفعل هذه الثقافة في كافة مجالات تعامل الناس معهم، وكذا الحال بالنسبة الى كيفية تعامل الادارات الرسمية مع هؤلاء الطلاب، ليتم التعرف على مكانتهم.

كما انه يجب الالتفات الى اهمية التعامل الصحيح، المؤدب والعطوف مع طلاب المركز من قبل عموم الناس، والعمل على جعلها جزءا من ثقافة الادارات الرسمية والمسؤولين في البلد خصوصا مع الالتفات الى الضغوط الدولية والاعلامية التي تمارس بحق ايران لكي يعكس هؤلاء النظرة الواقعية عن قم وعن الحكومة الاسلامية في ايران، وينتقلوا عنها بذكرى طيبة.

المركز والمنح الدراسية:

من الملاحظ ان اكثر الدول في العالم تبذل اهتماما خاصا على التعليم الدولي، حيث انها سواء الدول الغربية اودول العالم الاسلامي تخصص ميزانيات مهمة تمنحها لطلاب اجانب لتدريسهم وتربيتهم، بما يتوافق مع الاسس العامة لايديولوجية لهذه الدول.

لكن من المؤسف اننا غفلنا عن توظيف الامكانات المتاحة لدينا للعمل على تشجيع اكبر عدد من الطلاب على الانتساب للحوزة، فاننا اذا قارنا المنتسبين الى المركز العالمي مع عدد المنتسبين الى بقية الجامعات الاسلامية الاخرى في العالم كجامعة الازهر في مصر التي تحتوي ما بين ستين الى سبعين الف طالب، وجامعتي ام القرى والمدينة في السعودية التي تستوعب كل منها عشرات الالاف من الطلاب نرى ان المركز ليس لديه عددا كبيرا من الطلاب، وهذا يعود بالدرجة الاولى الى عدم توفر الدعم المادي، الا ان الذي يسد بعضا من هذا الخلل هو ان حوزة العلوم الدينية ومعارف اهل البيت(ع) وان لم تملك نفس الامكانات المتاحة لدى التخصصات الاخرى بالمقدار الذي يمكنها من تشجيع وحث عدد كبير من الطلاب الا ان لديها القدر الكافي من الكفاءة المعرفية لتغطية التقصير الناشئ من الدعم المادي، بحيث تساعدها على الحضور بقوة في الميدان العالمي. كما انه يمكن ان يكون الفارق في ذلك ان المركز يهتم باعدادالمنتسبين اليه على اهم مستوى فكري وثقافي مطلوب وضروري في عالم المعرفة، وهذا ما يتوفر بقوة في علوم الحوزة الاسلامية، والعلوم الانسانية من منظار ديني.

وفي النهاية يحق لنا ان نسجل بعض الملاحظات والعقبات التي تواجه عمل المركز وتطوره، والتي هي عبارة عن عدم تعريف المركز بالشكل المطلوب عند مسؤولي الدولة وسائر المؤسسات الفعالة في البلد، كي يتلقى الدعم المطلوب. كما انه لم يتم توحيد النظام التعليمي بعد، والعمل على ايجاد تنسيق كامل بين البرنامج التعليمي عندالمركز وعند وزارة التعليم.

كما يعاني المركز من قلة الامكانات المتاحة والخدمات المناسبة في عملية التواصل والتنسيق مع المجموعات المتخرجة منه والموجودة خارج البلد، لذا نامل ان ترتفع هذه العقبات بشكل تدريجي عبر وضع برنامج عمل ياخذبعين الاعتبار التخلص من هذه المشاكل.

وقد يظن انه لا حاجة الى دفع ميزانية على امور خارجة عن دائرة اهتمام المركز كالاهتمام بالطلاب المتخرجين والتنسيق معهم لكن مثل هذا العمل يعد من جملة اهتماماته، فان مثل هذا التواصل يتيح لنا فرصا كثيرة لتفعيل حضورنا الثقافي في ميادين العلم كافة، مما يمكننا من جذب النخب الموجودة في العالم للاهتمام بالدراسات الدينية.

وهذا الامر بعينه موجود في الجامعات الغربية، حيث تتميز الحضارة الغربية ببسط نفوذها وحضورها القوي في المجامع العلمية في العالم عبر زرع عيون لها في الجامعات والمحافل العلمية وظيفتها العمل على استمالة النخب اليها.

من هنا يعتبر هذا الامر مفيدا حتى من الناحية الاقتصادية، لان هؤلاء العلماء سوف يكونون منتجين على هذاالمستوى.

من فقهائنا

ابان بن تغلب الكوفي(رحمه الله)،

الشيخ صفاء الدين الخزرجي

هو الفقيه الجليل والمحدث الكبير والمقرئ اللغوي الاديب ابان بن تغلب بن رباح البكري الكندي الربعي الكوفي الجريري مولى بني جرير بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل((376)).

وكنيته «ابو سعيد» او «ابو سعد» كما في كثير من مصادر ترجمته، ونقل الحافظ المزي عن الداني ان كنيته «ابو اميمة»((377))، ولم تحدد المصادر المتعرضة لحياته محل ولادته، ولعل تلقيبه بالكوفي اشارة الى ذلك اولاستقراره في الكوفة فترة طويلة.

طبقته:

يعد فقيهنا المترجم من طبقة التابعين، حيث روى عن الصحابي انس بن مالك، كما روى عن ابناء طبقته من التابعين كعكرمة مولى ابن عباس وابراهيم النخعي وغيرهم كما سياتي ذلك. وعاصر من ائمة اهل البيت(ع) الامام علي بن الحسين زين العابدين والامام محمد بن علي الباقر والامام جعفر بن محمد الصادق(ع).

قال النجاشي: «وذكره ابو زرعة الرازي في كتابه: (في ذكر من روى عن جعفر بن محمد(ع) من التابعين ومن قاربهم) فقال: ابان بن تغلب روى عن انس بن مالك»((378)). ولكن صنفه ابن حبان في طبقة اتباع التابعين((379)).

اسرته وصفته:

لم تتحدث مصادر ترجمته عن اسرة ابان ومنحدرها وموطنها، ولكن ورد في اسانيد بعض الاخبار اخ له يسمى نوح بن تغلب بن رباح الجريري القيسي، وهذا ما صرح به ايضا ابن حبان في الثقات((380)).

كما ان له ابنا يسمى محمدا ذكره النجاشي في ترجمة ابيه ابان، وهو الذي نقل خبر دخول ابيه على الامام الصادق(ع) وحفاوة الامام(ع) به((381))، كما نص عليه الحافظ المزي ايضا في الرواة عن ابان((382)).

واما قبيلته: فقد تقدم انه بكري نسبة الى جد جرير الاعلى بكر بن وائل اخي تغلب بن وائل، ولكن اشتبه الامر على البعض((383)) فظن انه تغلبي، فذكر في ترجمته ناقلا ذلك عن المصباح المنير ان بني تغلب هم من مشركي العرب طالبهم عمر بالجزية فابوا دفعها. الى آخر ما نقله عنه((384))، ثم نقل كلام الصحاح: «تغلب على وزن تضرب ابو قبيلة، هو تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن نزار بن عدنان»، مع ان تغلب هو اخو بكر كما قلنا آالذي ينتسب اليه ابان((385))، ولعل المشتبه نسبه الى ابيه تغلب ظنا منه انه ابو القبيلة المعروفة.

واما صفته: فقد كان دينا خيرا ناسكا معروفا بذلك في مجتمعه بالكوفة. قال ابن حبان «ابان بن تغلب من خياراهل الكوفة»((386))، ووصفه ابن عجلان بالنسك((387)).

والظاهر انه كان رجلا متمكنا كثير المال((388))، وكانت مهنته التجارة حيث ذكر الشيخ الطوسي انه كان بندارا،اي تاجرا((389)).

مكانته وشانه:

تميزت شخصية ابان بمنزلة رفيعة ومكانة مرموقة لدى الائمة الطاهرين(ع) بلغت حد التصريح برئاسته وتقدمه وفضله حيث اعتبره الامام الصادق(ع) من رؤساء الشيعة((390))، وكان(ع) يكن له غاية الاجلال والاحترام، وكان له موقع متميز في مجلسه(ع)، فقد حدث محمد بن ابان قال: دخلت مع ابي على ابي عبد الله(ع)، فلما بصر به امربوسادة فالقيت اليه، وصافحه واعتنقه وساءله ورحب به((391)).

كما كان الامام الباقر(ع) يامره بالتصدي للافتاء في مسجد المدينة ثقة منه بمكانته العلمية والفقهية بشكل خاص،ولذا نجد الامام الصادق(ع) يعبر عن تاثره البالغ واسفه الشديد لفقدان مثل هذه الشخصية حينما جاءه نعيه قائلا:«اما والله، لقد اوجع قلبي موت ابان»((392)).

وقد حظيت هذه الشخصية الكبيرة باهتمام وافر من علماء الفريقين عبرت عنه كلماتهم التي ترادفت في الثناءعليه وتبجيله وعرفان حقه، واليك شطرا منها:

، قال الحافظ الذهبي: «الامام المقرئ ابو سعد. وهو صدوق في نفسه عالم كبير»((393)).

، وقال عنه ايضا: «ابان بن تغلب شيعي جلد لكنه صدوق. وقد وثقه احمد بن حنبل وابن معين وابو حاتم، واورده ابن عدي»((394)).

، وقال فيه ايضا: «ابان بن تغلب القارئ الكوفي المشهور، وكان من ثقات الشيعة»((395)).

، وقال ابن عدي: «هو من اهل الصدق في الروايات»((396)).

، وقال ابن عجلان: «ابان بن تغلب رجل من اهل العراق من النساك، ثقة»((397)).

، وقال الحاكم: «كان قاص الشيعة ثقة»((398)).

، واثنى عليه ابو نعيم بقوله: «كان غاية من الغايات، وقال العقيلي: سمعت ابا عبد الله يذكر عنه عقلاوادبا» ((399)).

، وقال الداني: «ابان بن تغلب الربعي، ابو سعد ويقال ابو اميمة الكوفي النحوي، جليل» ((400)).

، وقال ابن حبان: «ابان بن تغلب القارئ من خيار اهل الكوفة» ((401)).

، واطراه النجاشي قائلا: «عظيم المنزلة في اصحابنا، لقي علي بن الحسين وابا جعفر وابا عبد الله(ع)، روى عنهم،وكانت له عندهم منزلة وقدم»((402)).

، ووصفه الشيخ الطوسي بانه: «ثقة جليل القدر عظيم المنزلة في اصحابنا، لقي ابا محمد علي بن الحسين زين العابدين وابا جعفر محمد الباقر وابا عبد الله جعفر الصادق(ع)، وقد روى عنهم، وكانت له حظوة وقدم»((403)).

، وقال السيد ابن طاووس: «روي فيه احاديث جليلة تقتضي تفخيمه وتعظيمه، وحاله في الثقة والجلالة شهير جدالا حاجة الى الاستدلال عليه بخبر خاص»((404)).

، وقال المحقق الداماد: «ابان بن تغلب(رض) الفقيه اللغوي القارئ من اصحاب السجاد والباقروالصادق(ع)»((405)).

، واطراه العلا مة المامقاني بقوله: «ان امر الباقر والصادق(ص) اياه بالفتيا دليل واضح وبرهان لائح على علو مرتبته في العلم والعمل وثقته وعدالته وامانته في الحديث، وفي اخلاء سارية النبي(ص) له شان عظيم له، وفي قول الشيخ(ره): «كان مقدما في كل فن» دلالة على انه امام في تلك العلوم يؤخذ منه، ولا ريب في انه اقدم القراءالسبعة الذين هم علماء ائمة العراق، واقدم ايضا من سيبويه والكسائي وصاحب القاموس والصحاح، واقدم من ابي حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل»((406)).

دوره العلمي:

لقد تركز الدور العلمي لابان بن تغلب بين التاليف والتدريس واعداد الكادر العلمي وعقد جلسات المناظرة والبحث العلمي المنفتح على المذاهب والمدارس الاسلامية الاخرى، ولذا اطبقت كلمة العلماء الذين تعرضوا لشخصية ابان وحياته على جامعيتها وتعدد ابعادها ومشاركتها في جملة من العلوم، بل وتصدرها في تلك العلوم.

قال النجاشي: «وكان ابان(ره) مقدما في كل فن من العلم في القرآن والفقه والحديث والادب واللغة والنحو»((407)).

وسوف نتوقف عند كل واحد من هذه الابعاد لاستيعابها والتامل في مضامينها في حدود المتوفر من المعلومات عنها. ولكن سوف نشير قبل ذلك ونحن نتحدث عن دوره العلمي الى:

تليفه:

قلنا ان من مفاصل النشاط العلمي لمترجمنا هو التاليف والتصنيف، والواصل الينا من عناوين كتبه التي نستبعدان تكون على وجه الحصر سيما من فقيه وعالم مثله هو((408)):
1
- كتاب معاني القرآن، وصفه ابن النديم وغيره انه لطيف.
2
- كتاب غريب القرآن.
3
- كتاب القراءات.
4
- كتاب الفضائل.
5
- كتاب صفين.
6
- اصل له، وهو في الحديث، قال عنه ابن النديم: «كتاب من الاصول في الرواية على مذهب الشيعة».

أولا- المجال الفقهي:
ان الفترة التي ادرك من خلالها ابان بن تغلب الائمة الثلاثة من اهل البيت(ع) قد اهلته وباعلى المستويات للتتلمذعلى ايديهم وتحمل علومهم واداء رسالته العلمية على اكمل وجه. وكان اول من لقيه منهم(ع) هو الامام علي بن الحسين السجاد(ع) ثم ولده الامام الباقر وحفيده الامام الصادق(ص)، وقد كانت تلك الفترة سيما في عصرالامامين الباقر والصادق(ص) فترة متميزة وفريدة في مجمل التاريخ الاسلامي وخاصة في تاريخ مدرسة اهل البيت(ع)، حيث دبت الحركة العلمية في الحواضر الاسلامية الكبرى وراج للعلم سوق كبيرة وكان العلم هوالاساس في التفاضل والترجيح، وقد انبرى في هذا الميدان كوكبة كبيرة من رواد العلم في شتى المجالات والفنون ياتي في مقدمتها فقيهنا المترجم ابان بن تغلب الذي استوعب كثيرا من علوم الائمة(ع) في الفقه والحديث والتفسير.

ويعتبر البعد الفقهي من ابرز واجلى المعالم في شخصية ابان العلمية، حيث برع في هذا المجال الى حد التصدي للافتاء في اكثر المراكز العلمية اهمية وحساسية وهو المدينة المنورة وخاصة في المسجد النبوي الشريف وبامر من الامام الباقر(ع) عندما قال له: «اجلس في مسجد المدينة وافت الناس، فاني حب ان يرى في شيعتي مثلك»((409)).

وكان الامام الصادق(ع) يحثه على مجالسة اهل المدينة والحضور في انديتهم العلمية قائلا له: «جالس اهل المدينة، فاني احب ان يروا في شيعتنا مثلك»((410))، وقوله(ع) له: «يا ابان، ناظر اهل المدينة، فاني احب ان يكون مثلك من رواتي ورجالي»((411)).

وتستوقفنا هذه الاوامر والتوصيات الصادرة عنهم(ع) للاشارة الى امور عدة:

1- الاعتراف الواضح والصريح بجدارة ابان العلمية واهليته للتصدي العلمي سيما على مستوى الافتاء الخطير.

2- التاكيد على هذا التصدي في مثل المدينة المنورة، الامر الذي يستبطن دلالة قوية على اهمية المدينة وثقلها العلمي، حيث كان فيها بقايا الصحابة وجملة التابعين والفقهاء وائمة المذاهب وارباب الحديث، ومنها انتشرحديث رسول الله(ص)، وكانت موضع اهتمام اهل البيت(ع) قبل اي مركز آخر حتى الكوفة، ولعل في امرهم(ع)لابان بالتصدي في المدينة وعدم طلبهم منه ذلك في الكوفة ما يشير الى ما ذكرناه، ومن ذلك يظهر خطورة التصدي في مثل هذا المركز الحساس.

3- ان الامر بالتصدي للافتاء في المسجد النبوي مما لم يرد نقله بشان اي واحد من اصحاب الائمة(ع) وتلامذتهم مع كثرتهم وتقدمهم في كثير من العلوم، مما يدل على المكانة الخاصة لابان عندهم(ع).

ولم تقتصر براعة ابان في الفقه على مذهب اهل البيت(ع) فحسب بل تخطته الى سائر المذاهب الاخرى، فقد كان فقيها مطلعا على المذاهب والاراء وكان يرجع اليه في ذلك مما يدل على موقعه العلمي الرفيع والمعترف به لدى المسلمين كافة.

وهذا ما يعكسه قوله للامام الصادق(ع): «اني اقعد في المسجد فيجيؤني الناس يسالوني، فان لم اجبهم لم يقبلوامني. فقال لي: «انظر ما علمت انه من قولهم فاخبرهم بذلك»»((412)).

ومن هنا فقد كان الكيان العلمي للمجتمع المدني ينظر نظرة خاصة ومتميزة لابان، سيما عند قدومه اليها، فقد نقل مترجموه انه كان اذا قدم المدينة تقوضت (اي تفرقت) اليه الحلق واخليت له سارية رسول الله(ص)، اي اسطوانته التي كان يعتمد عليها(ص).

وفي الحقيقة فان مثل هذه الموقعية العلمية المتميزة نالها ابان كنتيجة طبيعية لتعاطيه وتفاعله مع الجو العلمي العام الذي كان سائدا آنذاك، حيث امره الامام الصادق(ع) بالتجاذب والتعاطي معه من خلال المشاركة في انديته ومجالسه العلمية التي كانت تعقد، وعدم الانطواء والعزلة عن الناس، لان مثل ذلك كفيل بتطويق الحركة العلمية وتحديدها، سيما وان مذهبا كمذهب الامام الباقر والامام الصادق(ص) جدير بالنشر والاخذ به والاطلاع عليه لمايمثله من الاصالة والعمق، باعتبار ان ائمة اهل البيت(ع) هم العلماء الصادقون فيما ينقلونه من سنة جدهم الرسول الاعظم(ص).

ومن هنا نجد ان ابان قد امتثل هذه التوصية وطبقها في مجمل نشاطه العلمي المنفتح على الاخرين فيما يرويه عنهم ويروونه عنه، فقد روى عن كثير من التابعين وبعض الصحابة وغيرهم كمالك بن انس وابراهيم النخعي وعكرمة وغيرهم، ولذا فان روايته جاءت لتدخل الكثير من الصحاح والسنن وكتب الرواية لدى جمهور المسلمين، وترجم له ارباب السير والتراجم واثنوا عليه كما عرفنا ذلك سابقا.

ومن جهة اخرى فقد دعم الامام الباقر والصادق(ص) الموقع العلمي الذي اضطلع به ابان في المدينة، كما دعموامرجعيته العلمية في مجتمعه في الكوفة، حيث كانوا يرجعون اليه كبار الرواة الفقهاء امثال ابان بن عثمان الذي عدمن الفقهاء الستة الذين اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم والاقرار لهم بالفقه من اصحاب الامام الصادق(ع)((413)).

، روى ابان بن عثمان عن ابي عبد الله(ع) انه قال: «ان ابان بن تغلب روى عني ثلاثين الف حديث فاروهاعنه»((414)).

، وعن سليم بن ابي حبة قال: كنت عند ابي عبد الله(ع) فلما اردت ان افارقه ودعته وقلت: احب ان تزودني، فقال: «ايت ابان بن تغلب، فانه قد سمع مني حديثا كثيرا، فما روى لك فاروه عني»((415)).

ثانيا- المجال الروائي:
وهو من اشهر المجالات التي عرف بها ابان وذاع صيته فيها على نطاق واسع تجاوز الحدود المذهبية، وقد وثقه في هذا المجال حشد من ائمة الرجال والحديث لدى الخاصة والعامة.

ففي شرح النووي لصحيح مسلم ان ابان ثقة يجب قبول روايته ((416))، كما وثقه كل من ابن عجلان وابن حبان وابن عدي وابن سعد في الطبقات وابن حجر والامام احمد بن حنبل وابن معين وابي حاتم ما اسلفنا الاشارة الى ذلك، قال ابن حجر العسقلاني: «قال احمد ويحيى وابو حاتم والنسائي: ثقة. وقال ابن عدي: له نسخ عامتهامستقيمة اذا روى عنه ثقة، وهو من اهل الصدق في الروايات وان كان مذهبه مذهب الشيعة، وهو في الرواية صالح لا باس به. قلت: هذا قول منصف. واما الجوزجاني فلا عبرة بحطه على الكوفيين، فالتشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان وان عليا كان مصيبا في حروبه وان مخالفه مخطئ مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم ان عليا افضل الخلق بعد رسول الله(ص)، واذا كان معتقد ذلك ورعادينا صادقا مجتهدا فلا رد روايته بهذا لا سيما ان كان غير داعية. واما التشيع في عرف المتاخرين فهو الرفض المحض،فلا تقبل رواية الرافضي الغالي، ولا كرامة»((417)).

ثم نقل كلام جملة ممن صرح بتوثيقه، منهم الحاكم النيسابوري في المستدرك وابو نعيم والعقيلي والازدي وابن حبان وابن عجلان وابن سعد.

وعلى كل حال فقد قال العلا مة المامقاني ان «وثاقة الرجل وعظم شانه وجلالة قدره متفق عليه بين الفريقين مستغن عن البيان»((418)).

واما ادراكه للائمة(ع) فقد نص النجاشي والشيخ الطوسي انه ادرك الامام السجاد زين العابدين(ع)((419))، ونقله الشيخ النجاشي عن رجال الكشي ايضا، ولكنه غير موجود في اختيار الشيخ لرجال الكشي.

ولكن ذكر البرقي والشيخ الصدوق في المشيخة انه ادرك عصر الامام الباقر والصادق(ص) ولم يذكرا لامام زين العابدين(ع)((420)).

والظاهر صحة القول الاول، لما رواه الشيخ الصدوق عليه الرحمة عن ابان قال: قلت لابي عبد الله(ع): اني رايت علي بن الحسين اذا قام في الصلاة غشي لونه لون آخر! فقال لي: «والله ان علي بن الحسين كان يعرف الذي يقوم بين يديه»((421)).

ثم ادرك من بعده ولده الامام الباقر(ع) وروى عنه، ولكنه اكثر الرواية عن ولده الامام الصادق(ع) حيث روى عنه ثلاثين الف حديث كما ذكره الامام الصادق(ع) لابان بن عثمان البجلي، وربما كان هذا الامر اي اكثاره عن الامام جعفر الصادق(ع) بهذا الشكل الواسع قد اثار عليه بعض المؤاخذات من بعض الناس، فقد حدث عبد الله بن خفقة عن ابان قال: مررت بقوم يعيبون علي روايتي عن جعفر بن محمد(ع)، فاجابهم ابان على اعتراضهم: كيف تلوموني في روايتي عن رجل ما سالته عن شيء الا قال: «قال رسول الله(ص)»؟!. قال: فمر صبيان وهم ينشدون: العجب كل العجب بين جمادى ورجب، فسالته عنه فقال: لقاء الاحياء بالاموات!((422)).

وهكذا فقد كان ابان من الاوفياء المدافعين عن مدرسة الامام الصادق(ع) والدعاة المخلصين والمشيدين لاركانهاالذين يدعون الناس الى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة:

، عن محمد بن ابي عمير عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: كنا في مجلس ابان بن تغلب فجاءه شاب فقال: يا اباسعيد، اخبرني كم شهد مع علي بن ابي طالب من اصحاب النبي(ص)؟ قال: فقال له ابان: كانك تريد ان تعرف فضل علي(ع) بمن تبعه من اصحاب رسول الله(ص)؟ قال: فقال الرجل: هو ذلك، فقال: والله ما عرفنا فضلهم الا باتباعهم اياه، فاعجب ابو البلاد بما قاله ابان وكان حاضرا في المجلس وذكر انه كيف لا تدخل مصيبة ابان اذامات على كل شيعي ولو كان في اقصى الارض، فالتفت اليه ابان قائلا: يا ابا البلاد، تدري من الشيعة؟ الشيعة الذين اذا اختلف الناس عن رسول الله(ص) اخذوا بقول علي(ع)، واذا اختلف الناس عن علي(ع) اخذوا بقول جعفر بن محمد(ع)((423)).

فلله در ابان في جوابه عن كلا السؤالين! فكم هو جميل ما اجاب به عن السؤال الاول، فان فضل علي(ع) وحقانيته ليس باتباع الصحابة له بل العكس هو الصحيح، لقول رسول الله(ص) المتفق عليه: «علي مع الحق والحق مع علي»((424)).

وكذلك جوابه الثاني فانه جواب منطقي ومقنع حتى لمن لا يؤمن بمقام الامامة للامام علي(ع) وتقدمه فيها، فانه لاينكر مقام الصحبة له(ع) فهو صحابي كسائر الصحابة الذين يؤخذ عنهم ويعمل رايهم، مضافا الى مزاياه العلمية المشهورة، والامام الصادق(ع) في الحقيقة حفيده الذي يروي عنه عن رسول الله(ص)، فالذي ياخذ من هذاالطريق فهو شيعي، وهذا جواب مقنع وصحيح كما قلنا وخال من الاشكال.

واما مؤلفاته في الحديث فقد ذكروا ان له اصلا((425)) قال عنه ابن النديم: «كتاب من الاصول في الرواية على مذهب الشيعة»((426)).

روايته في مصادر الجمهور:

لا شك ان الدور العلمي المنفتح الذي مارسه ابان في المجال الفقهي والروائي قد ترك اثره بالنسبة للتراث العلمي ومصادر الرواية لدى الفريقين، فليس صرف التشيع ملاكا في رفض الحديث، فلو رد حديث الشيعي كما يقول الحافظ الذهبي مع تشدده في قبول رواية الشيعي لذهب جملة من الاثار النبوية، وهذه مفسدة كبيرة، مع ان التشيع كثير في التابعين وتابعيهم مع الورع والدين((427)).

وقد خرج ائمة الحديث روايته، قال الحافظ المزي: «روى له الجماعة الا البخاري»((428))، وفي ميزان الاعتدال للذهبي انه روى له مسلم وابو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة((429)).

ومن المصادر التي خرجت روايته:
سنن الدارمي (2: 394)،
صحيح مسلم (1: 65)،
السنن الكبرى (5: 221)،
المعجم الاوسط (5: 103)،
الجوهر النقي للمارديني (9: 93)،
مستدرك الحاكم (2: 355)،
وغيرها من المصادر.

وعدد رواياته المخرجة في مصادرهم نحو مئة رواية كما نص عليه الحافظان الذهبي((430)) المزي((431)).

من روى عنهم ورووا عنه في مصادر الجمهور

قال الحافظ المزي في تعداد من روى عنهم:
1
- الامام جعفر بن محمد الصادق(ع).
2
- جهم بن عثمان المدني.
3
- الحكم بن عتيبة.
4
- سليمان الاعمش (المتوفى 148 ه).
5
- طلحة بن مصرف.
6
- عدي بن ثابت.
7
- عطية بن سعد العوفي.
8
- عكرمة مولى ابن عباس.
9
- عمر بن ذر الهمداني.
10
- ابو اسحاق عمرو بن عبد السبيعي.
11
- فضيل بن عمرو الفقيمي.
12
- ابو جعفر محمد بن علي الباقر(ع).
13
- المنهال بن عمرو الاسدي.
وذكر النجاشي انه روى عن انس بن مالك (المتوفى 90 ه) وعن ابراهيم النخعي (المتوفى 96 ه) عن محمد بن المنكدر (المتوفى 131 ه) ((432))، وهم من فقهاء ورواة الجمهور.

واما الرواة عنه فقد ذكرهم المزي، وهم:

1- ابان بن عبد الله البجلي.
2
- ابان بن عثمان الاحمر.
3
- ادريس بن يزيد الاودي.
4-
حسان بن ابراهيم الكرماني.
5
- حماد بن زيد.
6
- داود بن عيسى النخعي.
7
- ابو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي.
8
- زياد بن الحسن بن فرات القزاز.
9
- سعيد بن بشير.
10
- سفيان بن عيينة.
11
- سلام بن ابي خبزة.
12
- سيف بن ابي عميرة النخعي.
13
- شعبة بن الحجاج.
14
- عباد بن العوام.
15
- عبد الله بن ادريس بن يزيد الاودي.
16
- عبد الله بن المبارك.
17
- علي بن عابس.
18
- القاسم بن معن المسعودي.
19
- محمد بن ابان بن تغلب، ابنه.
20
- ابو معاوية محمد بن خازم الضرير.
21
- ابو خداش مخلد بن خداش.
22
- المفضل بن عبد الله الحبطي.
23
- موسى بن عقبة، وهو من اقرانه.
24
- هارون بن موسى النحوي((433)).