|
روايته في مصادر الخاصة:
وهي لا تزيد كثيرا على ما في مصادر الجمهور، فقد ورد في
بعض الاحصائيات انها تبلغ زهاء مئة ثلاثين موردا،وفي جميع
ذلك روى عن المعصوم الا احد عشر موردا((434)). وهذه نسبة ضئيلة جدا بالقياس الى مجموع ما رواه والذي بلغت عدد رواياته عن الامام الصادق(ع) لوحده ثلاثين الف حديث!!
وعلى كل حال فقد ورد روايته في امهات المصادر عند
الخاصة، كالكافي والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه وغيرها.
وقد اشرنا فيما سبق الى مرجعيته العلمية في الاوساط العلمية
بما في ضمنها البعد الروائي، حيث تقدم ارجاع الامام
الصادق(ع) لامثال ابان بن عثمان وغيره من الاجلاء الى ابان
بن تغلب، باعتبار انه قد سمع منه حديثا كثيرا،
ومما يشهد لهذه
المرجعية المتميزة في مجال الرواية والحديث ما رواه ابان
نفسه عن الامام الصادق(ع) انه قال له: «يا ابان، اذا قدمت الكوفة
فارو لهم هذا الحديث: من شهد ان لا اله الا الله مخلصا وجبت
له الجنة». قال: قلت:انه ياتيني من كل صنف من الاصناف
فاروي لهم هذا الحديث؟ قال: «نعم يا ابان، انه اذا كان يوم
القيامة.»
الحديث((435))، مما يعني اتساع رقعة مرجعيته لكل
الاصناف والفرق في الكوفة كما هو الشان في المدينة المنورة
على ما تقدم عرضه.
من روى عنهم ورووا عنه في مصادر الخاصة:
ذكر السيد الخوئي(ره) انه روى عن:
واما الرواة عنه فهم كثيرون بكثرة رواياته التي يضرب بها
المثل. قال العلامة النمازي:
«روى عنه خمسون رجلا فيهم الاجلاء واصحاب الاجماع، ذكرهم العلامة الخوئي والاردبيلي
في جامع الرواة،ونزيدك عليهم رواية عمر بن اذينة عنه»((438)).
واما من ذكرهم المحقق الخوئي(ره) فهم:
وذكر الكشي في ترجمة جابر بن عبد الله الانصاري رواية حريز
عنه، ورواية جعفر بن بشير في ترجمة زرارة.
وثمة كلام بين الاعلام في امكان رواية ابن ابي عمير ومحمد
بن سنان ويونس وابن فضال وابن محبوب، فقد ذهب المحققان
السيد الخوئي والشيخ التستري قدس سرهما الى عدم
امكان روايتهم عنه، لان هؤلاء لم يدركواعصر الامام الصادق(ع)
وابان مات في حياته(ع) قبله بسبع سنين فكيف تصح روايتهم
عنه؟!((440)).
ومن هنا حملوا «ابان» الواقع في بعض الاسانيد على «ابان
الاحمر» او على روايته باسناده الذي لم يذكره الى ابان بن
تغلب، وهكذا بالنسبة لرواية يونس عنه فان الاصل فيه «يونس
عمن رواه عن ابان بن تغلب» او ان عبارة «بن تغلب» زائدة،
وهكذا.
وذهب العلامة المامقاني والنمازي الى امكان ذلك((441))،
فان وفاة محمد بن سنان كانت سنة (220 ه) كما ان الحسن بن
فضال توفي في سنة (221 ه)، ومحمد بن ابي عمير في سنة
(217 ه)، وكانت وفاة ابان سنة (141 ه)،فتكون ما بين وفاتهم
ووفاته نحو من ثمانين سنة، فاذا ضممنا اليها ما يصلح لنقل
الحديث تكون اعمارهم تسعين تخمينا، وهي سن متعارفة، على
ان محمد بن عمير قد روى بعض الروايات عن الصادق(ع) مما
يعني ادراكه له، كما ان ابن فضال يطلق على جماعة هم بنو
فضال، ولو اريد منهم الحسن بن علي فالجواب ما
عرفته((442)).
ولكن لا يبعد ان يقال: بان السن التي افترضها لتحمل الرواية
عادة اذا كان عمرهم نحو تسعين تخمينا هي من عشر الى ثلاث
عشرة سنة، ومن الطبيعي ان الشخص في مثل هذه السن غير
مؤهل لتحمل الرواية الا ان يكون في سن العشرين مثلا كما
تشهد به العادة، ولعله اقل سن لتحمل الرواية، فتكون اعمارهم
حينئذ مئة او يزيد فيكونون من المعمرين، مع انه لم يشر في
الروايات او مصادر الرجال الى مثل هذا. نعم ابن ابي عمير الذي
يقال بوجود روايات تدل على روايته عن الامام الصادق(ع) قد
دل الدليل على امكانية روايته عن ابان حينئذ فيؤخذ به،
وتقديرالواسطة والاسناد بينه وبين الامام(ع) على خلاف
الظاهر، ولكن مع ذلك فان بعض التوجيهات لاستبعاد
روايتهم عن ابان قد تكون مستبعدة وغير وجيهة((443))
بالرغم من قرب هذا القول، لقوة شواهده بشكل عام
وضعف استدلال القول الثاني.
ثالثا: مجال التفسير ومعاني القرآن وغريبه:
وقد نص على تفسيره هذا كل من ابن النديم
والنجاشي((445))، ووصفه ابن النديم بانه كتاب لطيف. وقد
نقل النحاس عن ابان في معاني القرآن بعض الاراء
التفسيرية((446)).
كما نص عليه ايضا الحافظ شمس الدين الداودي (المتوفى 945 ه) فقال: «ابان بن تغلب من
اهل الكوفة سمع فضيل بن عمرو الفقيمي والاعمش والحكم بن عتيبة. صنف كتاب معاني
القرآن لطيف»((447)).
ويعتبر ابان بن تغلب اول علماء المسلمين تصنيفا في هذا
المجال، ثم جاء من بعده ابو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى
سنة (209 ه) وابو زكريا يحيى ابن زياد الفراء المتوفى سنة
(207 ه). قال الحجة السيد حسن الصدر(ره): «واول من صنف
في معاني القرآن هو ابان بن تغلب. ولم اعثر لغيره ممن تقدم
على ابان فيه، ثم صنف ابو جعفر الرواسي محمد بن الحسن بن
ابي سارة، ثم الفراء»((448)). وقال المحقق الطهراني: «وهو اول من
صنف في هذا الباب»((449)).
وقد اخطا الخطيب البغدادي في عده ابا عبيدة معمر بن
المثنى اول من الف في معاني القرآن، لان وفاة ابي
عبيدة تتراوح ما بين ثماني الى احدى عشرة ومئتين وهي بعد
وفاة ابان بكثير، حيث كانت سنة وفاته عام (141 ه).
كما انه سبق ايضا علماء المسلمين في التاليف في غريب
القرآن، حيث الف كتابه «غريب القرآن» ولم يسبقه في ذلك ابو عبيدة معمر بن المثنى
كما ادعاه جلال الدين السيوطي في
كتاب الاوائل، لما تقدم من ان وفاته كانت بعدوفاة ابان بن
تغلب، ولما ذكره هو في بغية الوعاة((450))، حيث نقل عن
ياقوت الحموي انه كتب «غريب القرآن»وانه توفي سنة (141 ه).
وقد قام عبد الرحمان بن محمد الازدي الكوفي الذي جاء بعد
ابان فجمع من كتاب ابان ومحمد بن السايب الكلبي وابي ورق (اوروق كما في رجال
النجاشي) بن عطية بن الحارث فجعله كتابا واحدا، فبين ما اختلفوا فيه وما
اتفقواعليه، فتارة يجيء كتاب ابان مفردا وتارة يجيء مشتركا على ما عمله عبد
الرحمان((451)). وقد ذكر الشيخ الطوسي طريقه الى كلا
الكتابين المفرد والمستقل.
ونقل النجاشي ان له تفسيرا من قوله تعالى: (مالك يوم الدين)
الى آخر القرآن ذاكرا طريقه اليه: اخبرنا محمد بن جعفر
النحوي. عن الحسين بن سعيد بن ابي الجهم قال: حدثني ابي
عن ابان بن تغلب في قوله تعالى: (مالك يوم الدين) وذكر
التفسير الى آخره((452)). ولم يتضح من كلامه ان هذا
التفسير هو نفس كتاب «غريب القرآن» اوغيره، كما لم ينص غير
النجاشي عليه.
رابعا: مجال القراءات:
وذكر الشيخ الطوسي طريقه الى قراءته في الفهرست عن شيخه احمد بن محمد بن موسى الى
وسى بن ابي مريم وفيها هذه الاضافة: «سمعت ابان ابن تغلب وما احد اقرا منه يقرا
القرآن من اوله الى آخره، وذكرالقراءة»((454)).
ويدل هذا النص على اشتهار قراءته واستمرار العمل بها الى اكثر
من قرن بعد وفاته. واما عدم ذكر قراءته عندالجمهور بالرغم من
كونها قراءة مفردة ومتميزة في عداد القراءات المشهورة فهذا لا
ينافي شهرتها في العصورالمتقدمة.
ولأبان بعض الاراء في القراءة، فقد نقل عنه تلميذه محمد بن موسى بن ابي مريم قال:
سمعته يقول: «انما الهمز رياضة»((455))، يعني ان التكلم بالهمز والافصاح عنها
مشقة ورياضة بلا ثمر فلابد فيها من التخفيف، وقد روي عن
امير المؤمنين(ع) انه «نزل القرآن بلسان قريش وليسوا باهل
نبر اي همز، ولولا ان جبرئيل نزل بالهمز على النبي(ص) ما
همزنا»((456))، وذلك لان الهمزة لما كانت ادخل الحروف في
الحلق ولها نبرة كريهة تجري مجرى التهوع ثقلت بذلك على
اللسان، ولذلك خففها اكثر اهل الحجاز ولا سيما قريش.
وقد صنف ابان في هذا الفن كتاب «القراءات»، وكان السباق ايضا
في هذا المضمار، حيث لم يسبقه اليه احد. قال المحقق
الطهراني: «كتاب قراءة مفردة لشيخ القراء، واول من صنف
منهم على ما اعلم ابان بن تغلب بن رباح التابعي المتوفى
(141)»((457)).
وقال الحجة السيد حسن الصدر(ره): «واول من صنف في
القراءة ودون علمها هو ابان بن تغلب تلميذ سيدنازين العابدين
علي بن الحسين(ص)، وقد ذكر تصنيفه في القراءة ابن النديم
في الفهرست ال: ابان بن تغلب وله من الكتب: كتاب معاني
القرآن لطيف، كتاب القراءات. انتهى.
وذكر النجاشي كتاب القراءة لابان في ترجمته، واوصل اسناده
اليه في روايته». ثم اشار(ره) الى ما قاله الحافظ الذهبي من ان
اول من صنف في هذا العلم هو ابو عبيد القاسم بن سلام، ورد
عليه بان القاسم بن سلام قد توفي سنة (224 ه) بالاتفاق وان
ابان قد توفي قبله بثلاث وثمانين سنة، فاول من صنف هو ابان،
ثم حمزة بن حبيب احدالسبعة، وكلاهما من الشيعة، الا ان
يريد الذهبي الاول من الجمهور((458))، لكن ما ذكره
المحقق الطهراني من تسمية كتابه ب «كتاب قراءة مفردة» وكذا
ما نسبه السيد الصدر الى النجاشي من تسميته ب «كتاب
القراءة»غير واضح، لان ما ذكره النجاشي والشيخ الطوسي هو
طريقهما الى قراءته الى محمد بن موسى بن ابي مريم صاحب
اللؤلؤ سماعا، قال: «سمعت ابان بن تغلب وما احد اقرا منه
يقرا القرآن من اوله الى آخره، وذكرالقراءة. وسمعته يقول: انما
الهمز رياضة» هذاما في الفهرست، ومثله النجاشي، فالصحيح
هو ما ذكره ابن النديم من تسميته ب «كتاب القراءات».
واما شيوخه في القراءة فقد اخذ القراءة عن عاصم بن ابي
النجود وطلحة ابن مصرف وسليمان الاعمش وابي عمرو
الشيباني. وهو احد الثلاثة الذين فتحوا القرآن على
الاعمش((459)).
واما تلامذته في القراءة، فقد اخذ عنه: محمد بن صالح بن زيد
الكوفي((460)) ومحمد بن موسى بن ابي مريم صاحب
اللؤلؤ((461)) والكسائي احد القراء السبعة((462)).
خامسا: المجال النحوي والادبي:
ولقوة براعته في هذا المجال نجد ان الامام الصادق(ع) قد
ارجع اليه ذلك الرجل الشامي الذي اراد مناظرة الامام(ع)في
اللغة، فناظره ابان بامر الامام فغلبه وظهر عليه وما ترك
الشامي يكشر كما في الرواية((468)).
وقد نقل ابن طيفور (المتوفى 280 ه) مواضع متعددة من
كتابه «بلاغات النساء» ما سمعه ابان من كلام العرب برواية
الاصمعي والمدائني عنه، وذلك عندما كان يخرج ليستمع الى
كلام هذا الاعرابي اوتلك الاعرابية فيحفظ ماكان يعجبه من
كلامهم، ومن تلك الموارد على سبيل الاستطراف:
-
نقل الرياشي عن الاصمعي عن ابان بن تغلب انه قال: جلست
الى اعرابية كانت تعرف بالبلاغة، فمر بها رجل من قومها يسحب
حلة عليه، فقالت: يا صاحب الحلة، ان الكرم واللؤم ليسا في
بردتك هذه ولكنهما تحتها، فليحسن فعلك يحسن لباسك، ولو
لبست طمرا ما شانك((469)).
-
وذكر ايضا عن الاصمعي عن ابان انه قال: خرجت في طلب
الكلا فانتهيت الى ماء من مياه كلب واذا اعرابي على ذلك الماء
ومعه كتاب نشور يقرؤه عليهم وجعل يتوعدهم، فقالت له امه
وهي في خبائها وكانت مقعدة كبرا: ويلك! دعني من اساطيرك
لا تحمل عقوبتك على من لم يحمل عليك، ولا تتطاول على
من لم يتطاول عليك، فانه لا تدري ماتقربك اليه حوادث
الدهور، ولعل من صيرك الى هذا اليوم ان يصير غيرك الى مثله
غدا فينتقم منك اكثر مما انتقمت منه! فاكفف عما اسمع منك،
الم تسمع الى قول الاول:
لا تعاد الفقير علك ان
قال ابان: فقضيت العجب من كلامها وبلاغتها((470)).
-
وذكر الاصمعي عن ابان بن تغلب انه قال: اضللت ابلا لي،
فخرجت في بغائها فاذا انا بجارية اعشى اشراق وجههابصري،
فقالت: ما لك يا عبد الله وما بغيتك؟ قلت: ضللت ابلا لي فانا
في طلبها، فقالت: ادلك على من علمها عنده؟قلت: اذن
تستوجبي الاجر وتكتبي الحمد والشكر، فقالت: سل الذي
اعطاكهن فهو الذي اخذهن منك من طريق اليقين لا من
طريق الاختبار فانه ان شاء فعل، قال: فاعجبني ما رايت من
عقلها وسمعت من فصاحتها، فقلت لها:الك بعل؟ فقالت: كان
ونعم البعل كان، فدعي الى ما له خلق فاجاب، فقلت لها: لك
في بعل لا تذم خلائقه ولا تخاف بوائقه؟ قال: فاطرقت طويلا
ثم قالت:
كنا كغصنين في ساق غذاؤهما
فاجتث خيرهما من اصل صاحبه
وكان عاهدني ان خانني زمن
وكنت عاهدته ايضا فعاجله
فاصرف عتابك عمن ليس يردعها
وفاته:
المشهور ان وفاته كانت في سنة (141 ه)((472))، وذكر ابن
حجر في تقريب التهذيب انها كانت في سنة (140ه)((473))
اي في حياة الامام الصادق(ع) (المتوفى 148 ه) والذي تالم بموته عندما بلغه خبره
فقال: «اما والله لقد اوجع قلبي موت ابان»((474))، وكان
ذلك في خلافة المنصور وعيسى ابن موسى وال على
الكوفة((475)).
وثمة راي بان وفاته كانت في سنة (158 ه)، نقله ابن الجزري
عن القاضي اسد((476)).
ونقل ابن حجر عن ابي بكر بن منجويه انه مات سنة (241
ه)((477))، والظاهر انه مصحف (141 ه)، وذلك لماذكره ابن
حجر نفسه في تهذيب التهذيب بعد اسطر من ان ابن منجويه
اعتمد ما ارخه ابن حبان في الثقات((478))، وما ارخه ابن
حبان هو القول المشهور اي سنة (141 ه)، وهو القول الصحيح
في تحديد سنة وفاته، وبهذا يكون عمره بعد الاخذ بنظر
الاعتبار ادراكه للامام زين العابدين (95 ه) وابراهيم النخعي
(96 ه) وعكرمة (105 ه)وافتراض السن التي يمكن معها تحمل
الرواية عنهم وهي سن العشرين او ما يزيد عليها نحو سبعين
سنة تقريبا.
|