قضية الهلال خطوات في طريق الحل
لقد كان البحث حول ثبوت الهلال ولا يزال مثارا للجدل بين
المسلمين بمختلف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية.. ولم ينحصر
البحث داخل الاروقة التخصصية فقط بل يطفح ذلك عادة
على السطح الاجتماعي بعرضه العريض بحيث يتداول الجميع
بحماس وجدية الحديث حول هذا الامر في العام مرتين او ثلاثا
على الاقل.. نظرا لما تتركه هذه المسالة من آثار ملحوظة تمس
الواقع الاسلامي والشرعي في الصميم.. ولم يكن هذا الموضوع
طارئا على الوسط الاسلامي بل ترجع جذوره الى ازمنة سابقة..
وهذا ما يستشف من قوله تعالى: (يسالونك عن الاهلة قل
هي مواقيت للناس والحج) فان وقوع هذا الامر موردا للسؤال
وكونه محلا للبحث بين الناس يكشف بوضوح عن انه كان
موضع اهتمام لديهم.. ومفاد الجواب القرآني ان الحكمة من
الاهلة تنظيم الجدول الزمني للحياة في نفسهاوواقعها وكذلك
برمجتها باللحاظ الشرعي.. ومن الوضوح بمكان ان الحياة
المتحضرة تفتقر الى النظم والجدولة الزمنية في مختلف
زواياها.. ولذا فمن الطبيعي ان توجد جملة من مقررات
الشريعة قد صممت على ضوءالعامل الزمني وبحسب عنصر
الوقت باعتبار ان الشريعة جاءت لصياغة الحياة الانسانية من
دون الغض عن الواقع وحيثياته ومتطلباته..
اجل من خلال نظرة سريعة على مجموع الاحكام الشرعية
يتضح لنا ان طائفة منها قد ربط بنحو ما بعنصرالزمان.. فنحن
نرى ان فريضة الصلاة قد قيد وجوبها بحركة الارض بالنسبة
للشمس (اقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن
الفجر).. كما ان الصيام مشروط بحركة القمر بالنسبة للارض (يا
اءيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام... اءياما معدودات... شهر
رمضان الذي انزل فيه القران... فمن شهد منكم الشهر فليصمه
ومن كان مريضا اءو على سفر فعدة من اءيام اخر يريد اللّه بكم
اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا اللّه على ما
هداكم ولعلكم تشكرون) وكذا الحال بالنسبة لمناسك الحج
التي يشترط ايقاعها في ايام معينة في السنة قال تعالى: (الحج
اشهر معلومات)..
فهذه امهات العبادات في الاسلام شرعت بنحو لا يمكن
امتثالها الا بعد احراز الهلال.. ومن الملاحظ انه رغم اهمية هذه
المسالة اكتفى القرآن الكريم بذلك المقدار من البيان
الاجمالي المتقدم ولم يتوسع في توضيح كيفية احرازالشهر..
وهذه من ضمن الموارد التي تكفلت السنة والروايات الشريفة
ببيانها باساليب مختلفة اوضحها ما صرح فيها بان الصيام
والافطار يتوقفان على رؤية الهلال نظير قوله(ع): «صم لرؤية
الهلال وافطر لرؤيته »..
وقد تناول الفقهاء هذه الروايات وامثالها بالدرس والتمحيص
وبنوا فتاواهم على مقدار ما يفهمونه ويستظهرونه منها.. ولم
تتفق وجهات نظرهم في نمط السير في البحث وطريقة
المعالجة الفقهية من الناحية النظرية كما هوديدنهم المالوف
في بحث سائر القضايا الفقهية وكذلك لم تتحد النتائج الشرعية
التي ينته اليها وبالتالي اختلاف الموقف العملي المترتب عليها..
كالبحث في وحدة افق الرؤية او تعدد الافاق والبحث في كفاية
الرؤية بالعين المسلحة والبحث في اشتراط الرؤية الحسية
وعدم كفاية الحدس والحساب ونحو ذلك.. وقد تكفل ملف
المجلة في هذا العدد بعرض بعض الدراسات التخصصية
والاجتهادية في هذا المجال والتي يتضح من خلالها ان
هذه التعددية في المباني وتكثر الفتاوى يعود الى اسباب عميقة
ودقيقة.. وهذا ما يدعو الى احترام جميع وجهات النظرتلك ما
دامت مستندة الى مبررات منهجية وشرعية..
بيد ان الحالة التي يعيشها المسلمون في كيفية التعامل مع
هذه القضية الشرعية خارجا يصعب تبريرها على اساس التعددية
في الاجتهاد وهذا ما لا يكاد يقنع الجمهور المسلم ولا يشبع
الوجدان الرسالي ولم يقطع سيل التساؤلات المتداعية في
ذهن المثقف الواعي.. ولم يك-ن المؤمنون ليخفوا قلقهم
وعدم ارتياحهم هذا..
وبالامكان هنا ان نشير عاجلا الى مناشئ تلك التساؤلات فيما
يلي:
اولا ان البحث التخصصي تارة يرتبط بمسالة نظرية
بحتة ويتحرك ضمن عالم الادلة والقواعد المتبعة
في الاستنباط ويدور مدارها.. واخرى يرتبط البحث بظاهرة
كونية محسوسة لكل احد وخارجة عن دائرة عالم الادلة وداخلة
في عالم الطبيعة والتكوين.. وعليه فلا يمكن تبرير الاختلاف
الحاصل فعلا بارجاعه الى اسباب ومناشئ بحثية تخصصية صرفة.. ولنبين ذلك بشيء من التفصيل:
1- ان القمر كوكب غير مضيء في نفسه وانما يكون قابلا للرؤية
لانعكاس ضوء الشمس عليه.. وبسبب شكله الكروي لا يكون
منيرا بجميع جهاته بل يكون عادة منيرا في الجهة المقابلة
للشمس فقط في حى-ن يبقى النصف الاخر منه مظلما فلا
يمكن رؤيته..
2- ان القمر يدور حول الارض وهذه الدورة هي التي تشكل
مايسمى بالشهر القمري.. ويبدا حركته من جهة المغرب الى
جهة المشرق.. وبما ان الارض تدور حول الشمس في مدة سنة
لذلك فان ذلك سيؤثر على موقع القمرمن الارض وعلى دورته
حولها..
3- ان المقدار المضيء من القمر هو دائما بمقدار نصف كرة
القمر ولكننا لا نرى ذلك الا في اواسط الشهر حيث نرى الضوء
مستوعبا لتمام الدائرة ثم ياخذ بالتناقص الى ان يختفي ثم يولد
مرة اخرى ويكبر حتى تتم الدائرة وهكذا.. والسبب في ذلك هو
اختلاف موقع القمر بالنسبة للارض فان الناظر منها ستختلف
زاوية نظره الى القمربحسب ذلك.. وعليه فيتفاوت مقدار النور
المنعكس على سطح القمر.. فتارة يقع في الموضع الذي يكون
بين الشمس والارض فلا يكون قابلا للرؤية باعتبار وقوع الطرف المضيء بالاتجاه المعاكس للارض ومواجهة
الطرف المظلم لها.. وهذه هي حالة المحاق.. وبعدها يبدا يتحرك فيبدو منه شيء قليل.. ثم يبدا بالتزايد حتى تكمل دائرته تماما وهي حالة
البدر.. ثم ياخذ بالتناقص حتى يضمحل مقدار الضوء المرئي الى
ان يدخل في المحاق..وبذلك تكمل دورته حول الارض.. وهذا
كما ترى امر طبيعي ثابت في الواقع وليس امرا يختلف حسب
الانظاروالاعتبارات.. وقابل للضبط والتحديد بحسب الحسابات
الفلكية..
وايضا يمكن ان تحدد امكانية رؤيته وعدمها فلكيا وكذلك
الوقت الذي يخرج فيه القمر من حالة المحاق على وجه الدقة..
وكذا يمكن تحديد النقطة الجغرافية التي يمكن للناظر ان يرى
الهلال منها..
واذا كان الامر قابل للتشخيص اذا فالاختلاف حينئذ يصعب
تحمله وتبريره.. سيما وان الشريعة لم تتصرف في مفهوم الشهر
اوالهلال بل هي ناظرة الى نفس المفهوم المتعارف لدى
الناس..
ثانيا ان التطور العلمي في مجال الرصد والفلك يتحرك
بسرعة من ناحية الاليات المستخدمة للرؤية
فالتلسكوب الحديث فيه من القابلية الكبرى والقدرة الهائلة
بحيث يمكن رصد الاجرام النائية التي هي في غاية البعد.. سيما
بعدالقفزات الكبيرة التي حدثت في كيفية الحساب الفلكي.. كل
ذلك يثير تساؤلا عن مدى امكانية الافادة من ذلك لحل هذا
المعضل الشرعي.. مع ان القمر من الاجرام القريبة جدا للارض
ولا توجد مشكلة حقيقية في تشخيص موقع هذا الجرم
السماوي علميا.. فلماذا كل هذه الحيرة من قبل ملايين
المسلمين في معرفة هذه الظاهرة الكونية وتحديدها؟!
ثالثا انه مما لا يكاد يخفى على مسلم مدى الحرص الكبير
الذي تحمله الشريعة الغراء تجاه قضية وحدة الصف الاسلامي
وضرورة انسجامه سيما في اطار ممارسة الشعائر الاساسية التي
تهدف الى توحيد الامة في ممارسة عبادية موحدة وفي حركة
متناسقة كشعيرة الحج.. فكيف يمكن قبول حالة التفكك
والتبعثروالتشويش التي تصاب بها الامة نتيجة للتخبط
والاضطراب في تحديد الاهلة وما ينجم عن ذلك من آثار
وخيمة ذات انعكاسات عملية وايدلوجية واجتماعية تؤدي الى
اضعاف المجتمع الاسلامي من داخله وكذلك تضعف
موقفه تجاه سائر المذاهب والاديان..الا يستحق هذا الامر اتخاذ
التدابير المناسبة بحيث يتحاشى الفتن والاخطار ويتم توظيف
هذه الظاهرة لما يكرس حالة التكاتف والتلاحم بين ابناء الامة
ويزيد في عظمتها وقوتها امام الاخرين؟!
والكلمة التي نقولها بصدد التساؤلين الاول والثاني انه من
خلال عقد الندوات العلمية وعن طريق التواصل بين الفقهاء
وعلماء الفلك يمكن التغلب على نسبة كبيرة من العقبات
والعقد المستعصية..
واما التساؤل الاخير فان الحل المتيسر بايدينا يتمثل بتفعيل
احد المباني الفقهية المشهورة وهو القول بثبوت الهلال بحكم
الحاكم الشرعي.. فان الحاكم في مثل هذه الحالات يستطيع
التصدي الحاسم فيقول كلمة الفصل وبذلك ينغلق باب الفتنة
والاختلاف..
وتجدر الاشارة الى انه لابد من العمل على توعية
المكلفين وضرورة تثقيفهم شرعيا وعلميا واحاطتهم
بحيثيات هذا الموضوع الهام وايضا ترغيبهم بمختلف الاساليب
في احياء سنة الاستهلال..
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا
من لدنك رحمة انك انت الوهاب)
.. ولا حول ولا قوة الا باللّه ..
رئيس التحرير
بيان الاراء في المسالة:
قال السيد الاستاذ الخوئي(ره) في تحرير محل النزاع في
المسالة:
«ان البلدان الواقعة على سطح الارض تنقسم الى قسمين:
احدهما: ما تتفق مشارقه ومغاربه او تتقارب.
ثانيهما: ما تختلف مشارقه ومغاربه اختلافا كبيرا.
اما القسم الاول: فقد اتفق علماء الامامية على ان رؤية الهلال
في بعض هذه البلاد كافية لثبوته في غيرها، فان عدم رؤيته فيه
انما يستند لا محالة الى مانع يمنع من ذلك كالجبال او الغابات
او الغيوم او ما شاكل ذلك.
واما القسم الثاني: ذات الافاق المختلفة فلم يقع التعرض
لحكمه في كتب علمائنا المتقدمين، نعم حكي القول باتحاد
الافق عن الشيخ الطوسي في المبسوط، فاذا المسالة مسكوت
عنها في كلمات اكثر المتقدمين وانما صارت معركة للاراء بين
علمائنا المتاخرين.
والمعروف بينهم القول باعتبار اتحاد الافق، ولكن قد خالفهم
فيه جماعة من العلماء والمحققين، فاختاروا القول بعدم اعتبار
الاتحاد وقالوا بكفاية الرؤية في بلد واحد لثبوته في غيره من
البلدان ولو مع اختلاف الافق بينها. فقدنقل العلا مة في
التذكرة هذا القول عن بعض علمائنا، واختاره صريحا في
المنتهى، واحتمله الشهيد الاول في الدروس واختاره صريحا
المحدث الكاشاني في الوافي وصاحب الحدائق في حدائقه
ومال اليه صاحب الجواهرفي جواهره والنراقي في المستند
والسيد ابو تراب الخونساري في شرح نجاة العباد والسيد
الحكيم في مستمسكه في الجملة.
وهذا القول اي كفاية الرؤية في بلد ما لثبوت الهلال في بلد
آخر مع اشتراكهما في كون ليلة واحدة ليلة لهما معاوان كان
اول ليلة لاحدهما وآخر ليلة للاخر ولو مع اختلاف افقهما هو
الاظهر»((1)).
ويمكن ان يقال: ان المسالة قد تعرض لها جملة من المتقدمين
وحكموا فيها باشتراط التقارب في الافق، فليست المسالة
مسكوتا عنها.
قال الشيخ في المبسوط: «ومتى لم ير الهلال في البلد ورئي
خارج البلدعلى ما بيناه وجب العمل به اذا كان البلدان التي
رئي فيها متقاربة بحيث لو كانت السماء مصحية والموانع
مرتفعة لرئي في ذلك البلد ايضا، لاتفاق عروضها وتقاربها، مثل
بغداد وواسط والكوفة وتكريت والموصل. فاما اذا بعدت البلاد
مثل بغداد وخراسان وبغداد ومصر فان لكل بلد حكم نفسه، ولا
يجب على اهل بلد العمل بما رآه اهل البلد الاخر»((2)).
وقال ابن البراج في المهذب: «واذا كانت البلدان متقاربة ولم ير
الهلال في البلد ورئي من خارجه على ما قدمنابيانه في
الشهادة وجب العمل به هذا اذا لم يكن في السماء علة وكانت
الموانع مرتفعة او كانت البلدان كما ذكرناه متقاربة حتى لو رئي
الهلال في احدها لرئي في الاخر، مثل طرابلس وصور، ومثل
صور والرملة، ومثل حلب وطرابلس، ومثل واسط وبغدادوواسط
والبصرة. واما اذا كانت البلدان متباعدة مثل طرابلس وبغداد
وخراسان ومصر وبغداد وفلسطين والقيروان وما جرى هذا
المجرى فان لكل بلد حكم صقعه ونفسه، ولا يجب على اهل
بلدمما ذكرناه العمل بما رآه اهل البلد الاخر»((3)).
وقال ابن حمزة في الوسيلة: «واذا رئي في بلد ولم ير في آخر
فان كانا متقاربين لزم الصوم اهليهما معا، وان كانامتباعدين
مثل بغداد ومصر او بلاد خراسان لم يلزم اهل الاخر»((4)).
وقال الصهرشتي في اصباح الشريعة: «ومتى لم ير في البلد
ورئي في بلد آخر او في البراري وجب العمل به اذاكان البلد
الذي رئي فيه بحيث لو كانت السماء مصحية والموانع مرتفعة
لرئي في الموضعين معا لتقاربهما. وامااذا بعدت فلكل بلد حكم
نفسه، ولا يجب على احدهما العمل بما رئي في الاخر»((5)).
وقال المحقق في الشرائع: «واذا رئي في البلاد المتقاربة
كالكوفة وبغداد وجب الصوم على ساكنيهما اجمع
دون المتباعدة كالعراق وخراسان، بل يلزم حيث رئي »((6)).
وتابعه عليه العلا مة في القواعد والارشاد وجملة من كتبه، قال
في الاول: «وحكم المتقاربة واحد، بخلاف المتباعدة »((7)).
وقال في الثاني: «والمتقاربة كبغداد والكوفة متحدة، بخلاف
المتباعدة، فلو سافر بعد الرؤية ولم ير ليلة احدوثلاثين صام
معهم، وبالعكس يفطرالتاسع والعشرين »((8)).
كما ان ما نقله السيد الاستاذ(ره) عن الشهيد في الدروس من
احتماله للقول بعدم اشتراط اتحاد الافق الظاهر انه سهو من
قلمه الشريف، فان عبارة الدروس خلافه، قال: «والبلاد
المتقاربة كالبصرة وبغداد متحدة، لا كبغدادومصر، قاله الشيخ.
ويحتمل ثبوت الهلال في البلاد المغربية برؤيته في البلاد
المشرقية وان تباعدت، للقطع بالرؤية عند عدم المانع »((9)).
وواضح ان ما احتمله يرتبط بالرؤية في البلاد المشرقية
وكفايتها للبلاد المغربية، للقطع بالرؤية فيها ايضا عندعدم
المانع، لتاخر غروبها عن غروب البلاد المشرقية، فيرى فيها
الهلال عادة وان كانت متباعدة. وهذه مسالة اخرى صغروية
مربوطة بانه متى تكون البلدان بحيث لو رئي الهلال في احدها
كان يرى في الاخرى اذا لم يكن مانع؟ فاراد الشهيد(ره) بيان
ان هذالا ينحصر في البلدين المتقاربين، بل قد يصح في
المتباعدين اذا رئي في البلدالمشرقي، فانه يكفي للبلد
المغربي، للقطع بالرؤية فيه ايضا عندعدم المانع.
كما ان ما نسبه الى العلا مة(ره) في المنتهى غير واضح، فانه
وان ذكر في اول كلامه عدم الفرق بين البلدان المتقاربة
والمتباعدة حيث قال: «اذا راى الهلال اهل بلد وجب الصوم
على جميع الناس سواء تباعدت البلاد اوتقاربت، وبه قال احمد
والليث بن سعد وبعض اصحاب الشافعي. وقال الشيخ(ع): ان
كانت البلاد متقاربة لا تختلف المطالع كبغداد والبصرة كان
حكمها واحدا، وان تباعدت كبغداد ومصر كان لكل بلد حكم
نفسه، وهو القول الاخرللشافعي. واعتبر بعض الشافعية في
التباعد مسافة التقصير وهو ثمانية واربعون ميلا، فاعتبر لكل
بلد حكم نفسه ان كان بينهما هذه المسافة. وروي عن عكرمة
انه قال: لاهل كل بلد رؤيتهم، وهو مذهب القاسم
وسالم واسحاق »((10)) ثم شرع في الاستدلال على الاول
بالتفصيل الا انه في ذيل كلامه قال:
«ولو قالوا: ان البلاد المتباعدة تختلف عروضها فجاز ان يرى
الهلال في بعضها دون بعض، لكروية الارض.
قلنا: ان المعمور منها قدر يسير وهو الربع، ولا اعتداد به عند
السماء.
وبالجملة: ان علم طلوعه في بعض الاصقاع وعدم طلوعه في
بعضها المتباعد عنه لكروية الارض لم يتساوحكماهما، اما بدون
ذلك فالتساوي هو الحق »((11)).
وهذا قد يدل على انه انما حكم بكفاية الرؤية في بلد لثبوت
الشهر في البلد الاخر وان كان بعيدا من باب ان الربع المسكون
لا اعتداد باختلافه بالنسبة الى علو السماء وانه اذا رئي في
بعضها رئي في الاخر ايضا. فهو ايضا يرى لبا اشتراط وحدة افق
الرؤية، ولكنه يرى وحدتها في الربع المسكون، او يحتمل ذلك
على الاقل.
هذا الا ان ذيل كلامه ظاهر في ان منشا القول بعدم الاكتفاء ان
كروية الارض توجب عدم طلوع الهلال في بعض الاصقاع رغم
طلوعه في صقع آخر، لا طلوعه فيها جميعا وعدم امكان رؤيته،
فكانهم تصوروا ان الكروية توجب نسبية طلوع الهلال وتكونه لا
نسبية رؤيته وامكانها قياسا له على طلوع الشمس وغروبه.
ومن هنا كان اهتمام السيد الاستاذ(ره) واستدلاله الاول نفي
هذه النسبية وان تكوين الهلال لا يقاس بالشروق والغروب
للشمس والاوقات الحاصلة بها للفرائض، بل خروج القمر من
حالة المحاق طلوع له لجميع بقاع الارض على اختلاف
مشارقها ومغاربها وان كان مرئيا في بعضها دون الاخر وذلك
لمانع خارجي كشعاع الشمس اوحيلولة بقاع الارض او ما شاكل
ذلك، فانه لا يرتبط بعدم خروجه من المحاق، فانه ليس
لخروجه منه افراد عديدة بل فرد واحد متحقق في الكون لا
يعقل تعدده بتعدد البقاع((12)).
والحاصل: ان هنا امرين ثبوتيين في الهلال تكون الرؤية طريقا
اليهما:
احدهما: تكون الهلال في نفسه بمعنى خروجه في سيره
ودورته عن المحاق وتحت اشعة الشمس بحيث يمكن ان يرى
ولو في نقطة واحدة من الكرة الارضية.
الثاني: امكان رؤيته في كل نقطة بالعين المجردة او حتى
المجهزة عندفقد الموانع العارضة كالغيم والغبارواشعة
الشمس في النهار. وهذا امر واقعي ثبوتي ايضا تكون الرؤية
طريقا اليه، وهو يعني بلوغ الهلال درجة من التكون والنورانية
بحيث يمكن ان يرى قبل غروبه قبل الليل.
والامر الاول كما افاد الاستاذ(ره) ليس نسبيا، اي ليس له
افراد متعددة بل فرد واحد بالنسبة للكرة الارضية وبقاعها كلها،
الا ان الامر الثاني نسبي يختلف من بقعة الى اخرى كما هو
واضح.
فاذا كان مبنى قول المشهور ومرادهم من اختلاف المطالع
للهلال المعنى الاول فهذا غير صحيح كما افاده الاستاذ(ره)،
وان كان مقصودهم من طلوع الهلال المعنى الثاني لم يتم ما
ذكره الاستاذ في نفي النسبية واختلاف مطالع الهلال باختلاف
البقاع والاصقاع نتيجة كروية الارض، فلابد من البحث وتحديد
ان ايا من الامرين هوالميزان في تحقق الشهر ودخوله بحسب
ما يستفاد من مجموع الادلة الشرعية والمرتكزات العرفية،
وعبائرالاصحاب غير واضحة من هذه الناحية.
واما ما قد يتوهم من احتمال موضوعية الرؤية في تحقق الشهر
وان المشهور انما ذهبوا الى اشتراط اتحاد الافق لكون الرؤية
ماخوذة بنحو الموضوعية في ذلك، فهذا خلاف صريح كلمات
الاصحاب ومما لا يحتمل فقهيا على ماسنشير اليه عند
التعرض الى ادلة كل من القولين.
ادلة القول الاول المشهور:
استدل على القول المنسوب الى المشهور بالاصل، وبانه
مقتضى ما دلـت عليه الـروايات المستفيضة بانه: «صم للرؤية
وافطر للرؤية»
((13)) الظاهرة في شرطية الرؤية ودخلها في
دخول الشهر وحصره فيها، خرجنا عن ذلك فيما ثبت خلافه
بالدليل وهو قيام شاهدين عدلين على الرؤية او مضي ثلاثين
يوما، الا ان روايات ثبوت الشهربشهادة عدلين على رؤيته
ظاهرة او منصرفة الى رؤيته في نفس البلد او خارجه مما هو
قريب منه لا البلاد البعيدة المختلفة معه في الافاق.
مناقشة الاستدلال:
ويمكن ان يناقش في هذا الاستدلال:
1- اما الاصل العملي المدعى، فان اريد به استصحاب بقاء الشهر
السابق فهو لا يجري في المقام، لكون الشبهة مفهومية وليست
موضوعية ليجري فيه استصحاب بقاء الموضوع على ما حقق
في محله من علم الاصول من عدم جريان الاستصحاب
الموضوعي في الشبهات المفهومية اذ لا شك فيما هو الواقع
خارجا وهو في المقام خروج القمر عن المحاق ورؤيته في
البلد الاخر وانما الشك في صدق عنوان الشهر الجديد بذلك
وكفايته فيه،وهذا نظير الشك في كون فاعل الصغيرة فاسقا ام
باقيا على العدالة فانه لا يجري فيه استصحاب العدالة
الثابتة قبل صدور الصغيرة منه.
وان اريد استصحاب بقاء حكم الشهر السابق فهذا ايضا لا يجري،
لان عنوان الشهر السابق كرمضان مثلا آماخوذ بنحو الحيثية
التقييدية لوجوب الصوم بحيث يكون احتمال زواله وارتفاعه
من ارتفاع الموضوع،فوجوب صوم شهر رمضان ثابت لرمضان
بما هو رمضان لا لواقع الزمان لكونه رمضان بنحو الحيثية
التعليلية،فلا يجري استصحاب بقاء وجوب الصوم ليوم الشك
من شوال. نعم في يوم الشك لرمضان يجري استصحاب عدم
وجوب الصوم الثابت في شعبان، لانه ليس ثابتا لعنوان شعبان
بل من جهة عدم دخول رمضان، فهو من استصحاب عدم
الحكم لا بقاء الحكم ليقال بتعددموضوعه.
وان اريد بالاصل العملي البراءة فهي تجري عن وجوب الصوم
في يوم الشك في رمضان سواء كان في اوله او في آخره، وهو
خلف المطلوب.
فما هو المطلوب اثباته بناء على القول المشهور لا يثبت بالاصل
العملي سواء اريد به الاستصحاب او البراءة. نعم اذا لاحظنا
روايات «صم للرؤية وافطر للرؤية » فهي تثبت بقاء حكم الشهر
السابق ما لم ير الهلال، الا ان هذارجوع الى الاستدلال
بالروايات لا الاصل العملي، كما ان الاستدلال بها مبني على
عدم اطلاق الرؤية فيها للرؤية في البلد الاخر.
2- واما الاستدلال بروايات الامر بالصوم للرؤية والافطار للرؤية:
ا- فان اريد استفادة موضوعية الرؤية لتحقق الشهر القمري
ودخوله: فان اريد اشتراط رؤية كل مكلف او علمه في تحقق
الشهر بالنسبة اليه وفي حقه فهذا واضح الضعف، فان عناوين
الاهلة والشهور لا شك في كونها عناوين عرفية واقعية ومطلقة،
اي ليست اعتبارات شرعية ليتصور اخذ العلم بنحو الموضوعية
فيها فتكون نسبية ومختلفة باختلاف الافراد، بل هي كالامور
التكوينية الاخرى يكون لها واقع واحد ثابت يعرض عليه العلم
والشك،وكذلك سببه ومنشؤه وهو حركة القمر وتكون الهلال،
فليس في البين للناس الا شهر واحد لا شهور حسب اختلاف
الناس في الرؤية والعلم بالهلال او الشك فيه،بل ظاهر الروايات
والسنة الايات ذلك ايضا، وهذا مما لامجال للتشكيك فيه.
وان اريد اشتراط رؤيته في الجملة اي كفاية ثبوته ولو لبعض
الناس برؤيته لتحقق الشهر في حق الجميع فهذاايضا خلاف
الارتكاز المذكور، فان العلم والشك والرؤية وعدمها ليست الا
طرقا محضة عرفا لاثبات الشهور والاهلة، وليست ماخوذة بنحو
الموضوعية في تحققها حتى في الجملة. هذا بحسب الفهم
العرفي لعنوان الشهور والاهلة، وبحسب روايات الرؤية ايضا
كذلك، فان ظاهرها طريقية الرؤية لا دخلها في تحقق عنوان
الشهر،لانه مضافا الى ان القرينة العامة تقتضي حمل العناوين
الطريقية بطبعها كالعلم والظن والرؤية والتبين
على الطريقية المحضة في لسان الادلة، توجد قرائن خاصة في
روايات الباب تعين ذلك، من قبيل: ما جاء فيها من
ان الصوم بالرؤية لا بالتظني والراي والاحتمال، مما يعني ان
المقصود لزوم التثبت واحراز دخول الشهر وخروجه في الصوم
والافطار، وان اشتراط الرؤية والتاكيد عليها من اجل ذلك، وكذا
ما ثبت نصا وفتوى من كفاية قيام البينة التي هي طريق للواقع
على ذلك، وكذا ما ثبت من كفاية مضي ثلاثين يوما في دخول
الشهر الجديد ولو لم ير احدالهلال، وكذا ما ثبت من لزوم القضاء
لاول الشهر اذا رئي الهلال ليلة التاسع والعشرين، فان هذه
الاحكام وامثالهاتدل على ان الرؤية طريق محض وليست
محققة للشهر القمري ولا موضوعا للحكم الواقعي
بوجوب الصوم.
هذا مضافا الى ان الرؤية لو فرض كونها ماخوذة بنحو
الموضوعية للحكم الواقعي وكان الماخوذ في الموضوع الرؤية
في الجملة ومن بعض الناس لا كل مكلف مكلف، امكن دعوى
كفاية الرؤية في الجملة ولو في بعض البلاد،لتحقق الشهر في
حق الجميع.
فالحاصل: لو اريد اخذ الرؤية بنحو الموضوعية لتحقق مفهوم
الشهر فهذا يمكن دعوى القطع بخلافه، حيث انه لاينبغي
الاشكال في كون الشهر امرا واقعيا تكوينيا على حد سائر
عناوين الايام والاوقات كالنهار والليل والزوال والغروب واليوم
والاسبوع والسنة فلا يكون العلم او الرؤية بالخصوص الا طريقا
محضا الى اثباتها.
ودعوى: ان الرؤية طريق الى المرئي وهو الهلال، واما الشهر
فيمكن ان تكون رؤية الهلال ولو في الجملة ومن قبل بعض
الناس شرطا ثبوتا في تحققه ودخيلا بنحو الموضوعية فيه، فلا
يكفي وجود الهلال حتى في افق البلد آلتحقق الشهر ما لم
تتحقق الرؤية للهلال في الجملة.
مدفوعة مضافا الى كونه خلاف الفهم العرفي واللغوي لعنوان
الشهر، حيث يقال: هذا هلال شهر رمضان اوشوال، مما يكون
ظاهرا في ارتباط الشهر بواقع الهلال لا برؤيته او العلم به،
ومضافا الى انه لا يثبت قول المشهور، اذ لاحد ان يقول حينئذ
بكفاية رؤيته في بلد واحد لتحقق عنوان الشهر، بعد ان لم تكن
رؤية كل مكلف مكلف لازمة في تحقق الشهر له : بان لازم
ذلك عدم تحقق الشهر وعدم صدقه عرفا ولغة اذا لم ير الهلال
اصلاحتى اذا علم بوجوده في الافق بنحو قابل للرؤية لولا
المانع من غبار او غيم او رئي في ليلة التاسع والعشرين
من الشهر، مع انه لا اشكال في تحقق الشهر بذلك حتى عرفا،
فلا يتوهم امكان كونه من باب التعبد والتنزيل، فانه لامجال له
في المفاهيم العرفية، وانما يعقل بلحاظ الاحكام الشرعية كما
هو مقرر في محله، فلابد وان يكون ثبوت الهلال وبلوغه مرتبة
من الرشد هو تمام الموضوع لعنوان الشهر لا رؤيته او العلم به.
ب- ولو اريد اخذ الرؤية بنحو الموضوعية في الحكم الشرعي
بوجوب الصوم وانتهائه وان كان الشهر امراواقعيا ويدعى انها
ماخوذة على نحو الطريقية موضوعا لوجوب الصوم والافطار لا
على نحو الصفتية فتقوم الحجج والامارات الاخرى التعبدية
مقامها على القاعدة بناء على قبول هذه الكبرى وان كانت
محل اشكال على ماقرر في محله ويقال باستفادة هذا المعنى
من روايات الامر بالصوم والافطار للرؤية.
فالجواب مضافا الى ان هذا خلاف ظاهر آية تشريع الصوم
الظاهرة في ايجاب صوم لواقع شهر رمضان والروايات الكثيرة
الظاهرة ايضا في ان موضوع الوجوب والتكليف الواقعي بالصوم
انما هو شهر رمضان، وهذاكاف لحمل الرؤية في هذه الروايات
على الطريقية المحضة لا الموضوعية خصوصا مع القرائن
العامة والخاصة التي تقدمت الاشارة اليها. ومضافا الى ان هذا لا
يثبت قول المشهور، لان غايته اخذ العلم او رؤية الهلال
في موضوع وجوب الصوم، اما ان الشهر لا يكفي فيه رؤية الهلال
في بلد آخر فلا ينفيه، فيكفي حينئذ العلم بدخول الشهر
وطلوع الهلال في بلد آخر لوجوب الصوم، وهو خلاف مقصود
المشهور : ان هذا المعنى لا يجتمع مع وجوب قضاء يوم لم يكن
للمكلف طريق فيه لاثبات شهر رمضان بل قام الطريق القطعي
او الحجة الشرعية عنده على عدم كونه من شعبان ثم تبين
الخلاف بعد مضي اليوم، فانه لا شك في وجوب القضاء عليه،
وهذا لا يكون الا مع فرض فعلية الوجوب الواقعي في حقه
وتحقق الفوت منه وان لم يكن منجزا عليه، وهذا يعني ان
وجوب صوم رمضان ليس موضوعه الا واقع الشهر لا الشهر
المعلوم.
وحمل دليل القضاء على التعبد والتنزيل منزلة القضاء خلاف
ظهور عنوان القضاء في جبران وتدارك الواجب الفائت حقيقة.
على ان الفقهاء لم يختلفوا في كون موضوع الوجوب انما هو
شهر رمضان لا شهر رمضان المعلوم او الذي قام عليه طريق
معتبر، وانما الخلاف بين المشهور والمخالفين في ملاك
تحقق الشهر وصدقه، كما انه لا خصوصية لاحكام شهر رمضان
ولياليه عن غيره من الشهور والايام، كحرمة صوم عيدي
الاضحى والفطر، او سائر احكام اول الشهر وآخره، ونحو ذلك.
فلا محيص من الالتزام بكون الرؤية طريقا محضا الى واقع
الشهر الذي هو تمام موضوع وجوب الصوم ايضا،غاية الامر هذا لا
يعين ما ذهب اليه الاستاذ من لزوم وحدة الشهر في تمام
الافاق، كما لا يكفي لنفي ما عليه المشهور من امكان ان يكون
لكل افق وبلد شهره اي نسبية عنوان الشهر حسب اختلاف
الافاق لان هذا الامرالواقعي يحتمل فيه احتمالات ثلاثة:
1- ان يكون عبارة عن خروج القمر عن المحاق والذي يدعي
الاستاذوهو المطابق لكلمات الفلكيين انه امر دفعي واحد
بالنسبة الى الكرة الارضية بتمام اصقاعها.
2- ان يكون عبارة عن بلوغ الهلال مرتبة من الظهور والنور
بحيث يمكن ان يرى في اول نقطة وبقعة واحدة من بقاع
الارض بنحو صرف الوجود، سواء اشترطنا فعلية الرؤية خلافا
للاستظهار المتقدم او اعتبرنا امكانية الرؤية بمعنى بلوغ
الهلال في نفسه تلك المرتبة من النورانية والظهور، فانه على
كلا التقديرين يكون هذا المعنى امرا واقعيا دفعيا، لان صرف
الوجود بهذا المعنى لا يتكرر بل يحصل لجميع البقاع دفعة
واحدة.
3- ان يكون عبارة عن بلوغه مرتبة يمكن ان يرى في افق البلد
او ما يتفق معه في الافق لا في اي بلد. وهذا امرنسبي يختلف
تحققه من بلد الى بلد آخر اذا لم يكونا متفقين في الافق.
وهكذا يتضح ان طريقية الرؤية لا تعين مدعى الاستاذ ولا تنفي
مدعى المشهور، كما ان موضوعية الرؤية لا تنفي قول الاستاذ
ولا تعين فتوى المشهور، فلا يتعين على القائلين بقول
المشهور ان يستظهروا موضوعية الرؤية ودخلها لا في مفهوم
الشهر ولا في الوجوب الواقعي لصوم شهر رمضان، ثم يتكلفوا
عناية التنزيل والحكومة والتعبدات التعسفية الغريبة والبعيدة
عن الذوق الفقهي السليم في دفع النقوض الواردة عليهم،
لانه لا تتوقف فتوى المشهور على شيء من ذلك اصلا، بل يمكن
الجمع بينهاوبين واقعية الشهر وموضوع وجوب الصوم الذي
هوامر ينبغي ان يكون مسلما بالنحو المذكور في الاحتمال
الثالث. بل لعل صريح عبائر جملة من المشهور على ماستاتي
الاشارة الى بعضها هذا المعنى لا موضوعية الرؤية، حيث
عبروا بان طلوع الهلال الذي به يتحقق الشهريكون في كل بلد
على حد طلوع الشمس والفجر والزوال وكسوف الشمس
وخسوف القمر، ولا شك في كون هذه الامور واقعية لا دخل
للعلم والرؤية فيها، ولكنها نسبية تختلف من افق الى افق آخر.
الاحتمال الثالث وبيان تقريبه:
ولكن يبقى عندئذ السؤال عن كيفية استفادة هذا الاحتمال
من روايات الامر بالصوم للرؤية والافطار للرؤية والتي هي عمدة
مستند المشهور؟
وهذا قد يقرب باحد بيانين:
الاول التمسك باطلاق المفهوم فيها، حيث انها علقت الامر
بالصوم والافطار على رؤية الهلال، فيدل على انه مع عدم
الرؤية لا يحكم بدخول الشهر الجديد.
وهذا مطلق يشمل ما اذا رئي الهلال في بلد آخر بعيد وعلم به
المكلف ايضا، فيستكشف منه انه لا يكفي ذلك لتحقق الشهر
شرعا.
الثاني لا اشكال في دلالتها على ان الميزان في دخول الشهر
وعدمه اثباتا رؤية الهلال وعدمها، وهذا يدل عرفا آبعد كون
الرؤية طريقا محضا على ان الميزان ثبوت المرئي وعدمه في
افق الرؤية ومكانها وهو طلوع الهلال وامكان رؤيته فيه وعدمه،
فمع عدم طلوعه بمعنى عدم بلوغه مقدارا يمكن رؤيته في
ذلك المكان يكون الموضوع منتفيا لا محالة واقعا.
وكلا البيانين غير تام.
مناقشة البيان الاول:
اما الاول منهما فللمنع من هذا الاطلاق بعد فرض حمل الرؤية
فيها على الطريقية، لان هذا معناه ان ما هو موضوع الحكم ويدور مداره انما هوالشهر
القمري بوجوده الواقعي، والرؤية جيء بها للتاكيد على لزوم احرازه والتثبت من دخوله. وهذا
يعني ان الجهة المسوقة لها هذه الروايات هي بيان الوظيفة
العملية والحكم الظاهري عند عدم احراز دخول الشهر والشك
فيه، فكانه قال: «صم عند علمك بدخول الشهر واحرازه برؤية
الهلال »، ومفهومه ليس اكثر من انه مع عدم الاحراز والشك فيه
يحكم ببقاء الشهر السابق، وهذا حكم ظاهري لا محالة، لاخذ
عدم العلم في موضوعه، فلا يكون له اطلاق الا لحالات الشك
والتردد في تحقق الشهر، ولهذا لو علم بدخول الشهر مع عدم
رؤيته من خلال رؤية الاخرين داخل البلد او خارجه مما يعلم
بالتلازم في الرؤية بينهما لم يكن مشمولا لهذه الروايات، لا من
باب التقييد والتخصيص بل من جهة عدم الاطلاق فيها،
بالنكتة التي اشرنا اليها.
فالحاصل: ان حمل الرؤية على الطريقية المحضة موجب
لظهور الروايات في كونها بصدد بيان الوظيفة الظاهرية التي
موضوعها الشك وعدم احراز دخول الشهر عند عدم رؤية
الهلال، فيكون الشك وعدم العلم بالموضوع وهودخول الشهر
ماخوذا قيدا في مفهومها، فلا يمكن ان يستفاد من اطلاق مثل
هذا الحكم الظاهري المقيد بالشك في موضوع الحكم عدم
تحقق ذلك الموضوع واقعا، كيف؟! وهذا يلزم منه الجمع بين
الحكم الظاهري والواقعي، بل يلزم من وجوده عدمه وهو انتفاء موضوع الاطلاق والحكم
الظاهري، وكل شيء يلزم من وجوده
عدمه فهومحال.
نعم لا نضايق من اطلاق هذا الحكم الظاهري للشبهتين
الموضوعية والمفهومية معا، بمعنى انه لو فرض بقاءالشك لدى
الفقيه في كفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائر البلاد ولم
يمكنه حل هذه الشبهة ولم يحصل له الجزم بحدود المفهوم
ايضا تكون الوظيفة الظاهرية في حقه ذلك، الا انه كحكم
ظاهري دائر مدار بقاء الشك في مفهوم الشهر القمري، ولا
يمكن ان نثبت به عدمه واقعا وعدم كفاية الرؤية في بلد آخر
لتحققه، فانه خلف وتهافت.
هذا مضافا الى امكان دعوى ان المراد من الرؤية في الروايات
الاعم من رؤية المكلف نفسه او رؤية الاخرين اذاكانت قطعية
كموارد الشياع، او ثابتة بالحجة الشرعية كموارد الشهادة
المعتبرة في الهلال، وعندئذ يكون مقتضى اطلاق المنطوق
شمول رؤية الهلال من قبل الاخرين في البلاد الاخرى قريبة
كانت او بعيدة ، ويكون هذاالاطلاق رافعا لموضوع اطلاق
المفهوم والوظيفة الظاهرية، فتكون الروايات دالة على القول
الاخر الذي اختاره الاستاذ(ره) كما لا يخفى. وسياتي مزيد
توضيح لهذا الوجه عند التعرض لادلة القول الاخر.
نعم لو كان الوارد في الروايات تقييد الرؤية بالبلد كما اذا قال:
«صم للرؤية في بلدك »، امكن ان يقال بظهورهاحينئذ في
اشتراط طلوع الهلال وامكان رؤيته في بلد الرؤية والا كان
القيد لغوا. وهذا القيد لابد وان يرجع الى الموضوع والحكم
الواقعي وهو المرئي ولا ربط له بموضوع الحكم الظاهري، فيستفاد منه ان موضوع الحكم
انماهو امكان الرؤية او طلوع الهلال في مكان الرؤية، الا ان هذا القيد لم يرد في
شيء من
الروايات. ومجرد كون رؤية المكلف في بلده ومكانه عادة لا
يعني تعليق الحكم عليه وتقييده به ليتم الاستظهار المذكور،
وهذا واضح.
هذا كله في دفع البيان الاول، وهو التمسك باطلاق الروايات.
مناقشة البيان الثاني:
واما البيان الثاني فدلالة الروايات على ان الميزان بثبوت
المرئي وعدمه وان كان تاما لانه مقتضى طريقية الرؤية،الا ان
ظهورها في كون الميزان وجود المرئي وهو الهلال في افق
الرؤية ومكانها ممنوع، بل لعله اعم من ذلك ومن ثبوته في افق
آخر قريب او بعيد، فان طريقية الرؤية لا تقتضي اكثر من ان
الهلال لو كان ثابتا كان الموضوع محققا،اما انه بخصوصية كونه
في ذلك المكان والافق يكون موضوعا، او بجامعه الاعم من
وجوده هناك او في افق آخر، فكلاهما منسجم مع طريقية
الرؤية. واما عدم الرؤية فلم يجعل في الروايات طريقا للعدم،
وانما هوموجب للشك في تحقق الموضوع وجريان الوظيفة
الظاهرية كما شرحنا. نعم لو قيدت الرؤية بالمكان وبلد
الرؤية كان ظاهرا في اخذ الخصوصية قيدا في المرئي والموضوع الواقعي للحكم، ولكنه
تقدم عدم دلالة شيء
من الروايات على ذلك.
وهكذا يتضح ان ما قد يتوهم من ان مقتضى الاطلاق في
روايات «صم للرؤية وافطر للرؤية » صحة قول المشهور، غير تام،
وانه لا يمكن ان نثبت بهذا الاطلاق ما يتحقق به الشهر العرفي
ثبوتا، او ان الشهر الشرعي يختلف عن العرفي واضيق منه وانه
يشترط فيه امكان رؤية الهلال في البلد، فان هذا خارج عن
الجهة التي سيقت الروايات لبيانها وهي وظيفة المكلف عند
الشك.
فلو كان مقصود المشهور المتمسكين بهذا الاطلاق اثبات هذه
الوظيفة الظاهرية في الشبهة الحكمية المفهومية آاي عند
الشك في مفهوم الشهر للشك في كفاية رؤية الهلال في بلد
آخر لثبوته في كل بلد فهذا مطلب صحيح قابل للقبول،
بدعوى شمول الروايات للشبهة الموضوعية والحكمية معا
بالاطلاق او بعدم احتمال الفرق في الوظيفة الظاهرية
الاستصحابية، الا ان الذي يثبت بذلك ليس اكثر من حكم
ظاهري استصحابي يرتفع اذا تم احدامرين:
1- ان يثبت كما سياتي في البحث القادم كفاية رؤية الهلال
في بلد لثبوته في سائر البلاد عرفا، وصدق الشهربذلك خارجا ،
فان الحكم بالصيام ونحوه لا اشكال في ترتبه على عنوان شهر
رمضان وشهر شوال وهكذا، وهي عناوين واقعية عرفية، فلو
احرزنا صدق مفهومها لم يبق مجال للحكم الظاهري
الاستصحابي المذكور، لارتفاع موضوعه لا محالة.
ولا يمكن اثبات ان الشهر الشرعي اضيق مفهوما من العرفي
باطلاق هذا الحكم الظاهري، بل لعل العكس اولى كمااشرنا.
2- ان تتم دلالة بعض الروايات على كفاية رؤية الهلال في بلد
لثبوته في سائر البلاد متحدة معه من حيث الافاق اومختلفة،
فان هذا الاطلاق لو تم كان دليلا على ان الموضوع الواقعي هو
الاعم على ما سياتي.
وهذا يعني ان المنهج الفني للبحث يقتضي تنقيح هذين الامرين، فاذا تم شيء منهما ثبت كفاية رؤية الهلال
وطلوعه في بلد لدخول الشهر في سائر البلدان ايضا عرفا او شرعا، واذا لم نجزم بشيء منهما وبقينا شاكين في مفهوم الشهر وكفاية رؤيته
في بلد لتحققه في سائر البلاد،كان مقتضى الوظيفة الظاهرية
الاستصحابية بقاءحكم الشهر السابق اي عدم الصوم وعدم
الافطار لا الحكم بعدم تحقق الشهر واقعا، وبينهما فرق
واضح.
كلمات المشهور واستدلالاتهم:
ولا باس بالتعرض فيما يلي لجملة من كلمات المشهور
واستدلالاتهم فنقول:
قال المحقق الاردبيلي(ره) بعد نقل عبارة المبسوط المتقدمة:
«ووجهه اي لكل بلد حكم نفسه ظاهر بعدالفرض، لانه اذا
نظر وما راى في هذا البلد ورئي في بلد آخر يصدق عليه انه ما
راى فيفطر، لصدق الادلة المفيدة انه ليس من الشهر في هذا
البلد، فلا تنفع الرؤية في بلد آخر لاهل هذا البلد، ولا يستلزم
الصدق مع انه علم بالفرض من مخالفته المطالع عدم استلزام
امكان الرؤية هنا، بل قد يكون ممتنعا، فلو لم يكن يلتفت اليه
قد يلزم صوم اقل من تسعة وعشرين يوما.
وبالجملة، ينبغي النظر اليه كما في اوقات الصلاة، فان طلوع
الفجر في بلد لا يستلزم ايجاب صلاة الفجر في بلد لم يطلع وان
علم ذلك بالدليل او بالشهود انه قد طلع الفجر هناك هذا
الوقت »((14)).
اقول: اما ما ذكره من انه «اذا نظر وما راى في هذا البلد ورئي
في بلد آخر يصدق عليه انه ما راى فيفطر، لصدق الادلة
المفيدة انه ليس من الشهر في هذا البلد، فلا تنفع الرؤية في
بلد آخر لاهل هذا البلد، ولا يستلزم الصدق » فهذاتمسك
بالاطلاق المتقدم في التقريب الاول، وقد عرفت ما فيه من
الضعف.
واما ما ذكره من انه «علم بالفرض من مخالفته المطالع عدم
استلزام امكان الرؤية هنا، بل قد يكون ممتنعا»فجوابه ظهر مما
تقدم ايضا، فان عدم استلزام الرؤية في بلد لامكانها في بلد آخر
انما يمنع عن تحقق الشهر فيمااذا كان الماخوذ في مفهومه
امكان الرؤية في كل بلد بخصوصه، فيكون الشهر امرا نسبيا
باختلاف البلدان والامكنة، بل قد يكون نسبيا ايضا بلحاظ
الازمنة، لان امكان الرؤية في كل شهر قد يختلف عنه في
الشهر الاخربلحاظ البلدين.
واما اذا قيل بان الماخوذ في مفهوم الشهر الرؤية في اي بلد
يشترك مع البلد الاخر في الليل فهو صادق لا محالة،ولا يكون
نسبيا بهذا النحو، بل يكون الشهر في نصف الكرة الارضية
المشترك في الليل مع نقطة الرؤية متحققادائما، بخلاف
النصف الاخر منها الذي يكون نهارا، فانه لا يكون ذلك النهار
نهار الشهر الجديد، بل نهارهم الاخريكون اول الشهر الجديد.
وهذا التنصيف وان كان مختلفا من شهر الى آخر بحسب نقاط
الكرة الارضية الا انه ملاك ومعيار تكويني واقعي وليس مربوطا
بالتواضع والتسمية الجغرافية على ما سياتي مزيد توضيح له.
واما ما ذكره بقوله: «فلو لم يكن يلتفت اليه قد يلزم صوم اقل
من تسعة وعشرين يوما» فهذا غريب منه مع دقة نظره(ره)، فان
الامر بالعكس، اذ لازم قول المشهور ذلك، حيث ان المكلف لو
كان في البلد الذي لم ير فيه الهلال يوم الشك او لم يمكن
الرؤية فيه فسوف يكون شهر رمضان غير متحقق في حقه واقعا
على قول المشهور، فلا يجب عليه الصوم ولا القضاء، فلو سافر
الى البلد الذي رئي فيه الهلال يوم الشك فاتفق انه راى ايضا
بنفسه هلال شوال هناك ليلة التاسع والعشرين لكون الشهر
ناقصا فيه، فان شهر رمضان سوف يكون بالنسبة اليه ثماني
وعشرين يوما واقعا، وهذا بخلافه على القول الاخر، فانه يحكم
بناء عليه بدخول الشهر في البلد الاول ايضا من يوم الشك،
لكفاية الرؤية في البلد الاخر بحسب الفرض.
وقد اطلعت على كلام منقول عن كتاب (استدراك على الفصل
الثالث من تشريح الافلاك ص 24) للمحقق الشعراني(ره)،
وكانه يحاول ايراد نفس هذاالنقض الذي افاده المحقق
الاردبيلي(ره) على هذا القول، حيث قال:«بل يمكن ان يصير
شهر بالنسبة الينا ثمانية وعشرين يوما، مثلا رئي هلال رمضان
في بلاد جاوة غروب يوم الجمعة وفي مراكش غروب يوم
الخميس وهلال شوال في جاوة غروب يوم السبت وفي مراكش
غروب يوم الجمعة بحيث كان شهر رمضان في كل منهما تسعة
وعشرين يوما، فاذا اخذنا نحن هلال رمضان من بلاد
جاوة بالتلغراف يوم الجمعة وهلال شوال من مراكش يوم
الجمعة صار شهر رمضان بالنسبة الينا ثمانية وعشرين يوما،
وهذا مما لا يكون ».
ويلاحظ عليه:
اولا اذا فرض رؤية هلال رمضان في مراكش غروب يوم
الخميس لزم على القول بكفاية ذلك الحكم بدخول شهر
رمضان من يوم الجمعة لا السبت، فلا يصح متابعة بلاد جاوة
المتاخرة في الرؤية. بل على هذا القول يجب على بلاد جاوة
نفسها ايضا الاخذ بذلك اذا اشتركت مع مراكش في ليل الرؤية.
وثانيا ان هذا الافتراض اساسا غير واقع خارجا من الناحية
العلمية،لان مبدا تكون الهلال يتاخر في كل شهرلاحق عن
نقطة تكونه في الشهر السابق بمقدار (13) ساعة تقريبا، فلا
يرى بعد (29) يوما في نفس تلك النقطة، لان دورة القمر حول
الارض بلحاظ تنوره انما تكون في كل تسعة وعشرين يوما و
(12) ساعة و (44) دقيقة، فاذافرض ان مبدا تكونه بنحو قابل
للرؤية في شهر رمضان غروب يوم الخميس في مراكش فلا
يمكن ان يكون مبداتكونه في شهر شوال غروب يوم الجمعة في
مراكش ايضا، بل لا يرى فيه الهلال يقينا، لكونه تحت المحاق
لمدة(13) ساعة اخرى تقريبا، بل وقد لا يكون قابلا للرؤية
لاكثر من ذلك.
ومنه يظهر جواب نقض آخر منقول عنه من نفس المصدر على
هذا القول، حيث قال: «والمانع الثاني من التعميم انه ما من
شهر تام في بلد الا ويمكن رؤية الهلال ليلة الثلاثين منه في
بلد آخر، مثلا اذا كان في بلدنا غير قابل للرؤية غروب الجمعة
فلا يبعد ان يصير قابلا للرؤية بعد اربع ساعات في بلاد المغرب،
فيصير لنا هذا الشهرايضا ناقصا، فيتوالى ويكثر في السنة
بالنسبة الينا الشهور الناقصة ».
فان هذا اذا تحقق في شهر ففي الشهر الاخر لا يصير الهلال
قابلا للرؤية الا بعد اكثر من (17) ساعة تقريبا في بلادالمغرب
والذي يكون الوقت فيه نهارا في بلادنا، فيكون الشهر ثلاثين
يوما لا محالة.
ولا باس بالاشارة هنا الى ان الفلكيين قسموا الشهر الى ثلاثة
اقسام:
الاول الشهر الوسط ي او الزيجي: وهو بان يعد اول شهر قمري
ثلاثين يوما ثم الشهر الثاني تسعة وعشرين يوما ثم ثلاثين
وهكذا، اي مجموع الشهرين يكون تسعة وخمسين يوما.
الثاني الشهر النجومي او الطبيعي: وهو دورة القمر بلحاظ
نقطة معينة في الفضاء بالنسبة الى الارض ينطلق منها الى ان
يعود الى نفس النقطة، وهذا يكون في (27) يوما و (7) ساعات
و (33) دقيقة.
الثالث الشهر الاقتراني او الاصطلاحي: وهو دورة القمر حول
الارض بلحاظ اشكال تنوره من الشمس، اي دورة القمر من
اقترانه مع الشمس الى اقتران آخر، وحيث انه تؤثر فيه حركتان:
حركته حول الارض وحركة الارض السنوية حول الشمس،
فبسبب ذلك يكون الدور هنا اطول من الدور في الدور
النجومي فهو (29) يوما و (12)ساعة و (44) دقيقة.
قال ابو ريحان البيروني:
|