الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

«الشهر قسمان: طبيعي، واصطلاحي وضعه الناس. اما الطبيعي فهو مقدار ما يدور القمر من نقطة كمن نجمة ماتبعد عن الشمس بجهة المشرق او المغرب الى ان يعود الى تلك النقطة والنجمة. واما الثاني فهو بلحاظ اشكال تنور القمر من الشمس، ولاعتياد الناس بتلك الاشكال وضعوا لفظة الشهربازائها.

ومقدار الثاني تسعة وعشرون يوما ونصف يوم وشيء، فمجموع الشهرين يكون تسعة وخمسين يوما، فجعلوااحدهما ثلاثين والاخر تسعة وعشرين، وهذا تقدير وسط ي»((15)).

واما ما ذكره اخيرا: «وبالجملة ينبغي النظر اليه كما في اوقات الصلاة، فان طلوع الفجر في بلد لا يستلزم ايجاب صلاة الفجر في بلد لم يطلع وان علم ذلك بالدليل او بالشهور انه قد طلع الفجر هناك هذا الوقت» فجوابه اوضح من ان يحتاج الى بيان، فان عنوان الفجر والزوال والغروب لا يمكن ان يكون الا نسبيا حسب مكان شروق اشعة الشمس فيه وغروبها، بخلاف عنوان الشهر، كما افاده الاستاذ مفصلا.

وقال فخر المحققين(ره) في شرحه على القواعد:

«ومبنى هذه المسالة على ان الارض هل هي كروية او مسطحة؟ والاقرب الاول، لان الكواكب تطلع في المساكن الشرقية قبل طلوعها في المساكن الغربية، وكذا في الغروب، فكل بلد غربي بعد عن الشرقي بالف ميل يتاخرغروبه عن غروب الشرقي ساعة واحدة، وانما عرفنا ذلك بارصاد الكسوفات القمرية حيث ابتدات في ساعات اقل من ساعات بلدنا في المساكن الغربية واكثر من ساعات بلدنا في المساكن الشرقية، فعرفنا ان غروب الشمس في المساكن الشرقية قبل غروبها في بلدنا وغروبها في المساكن الغربية بعد غروبها في بلدنا. ولو كانت الارض مسطحة لكان الطلوع والغروب في جميع المواضع في وقت واحد، ولان السائر على خط من خطوط نصف النهارعلى الجانب الشمالي يزداد عليه ارتفاع القطب الشمالي والجنوبي وبالعكس»((16)).

وواضح من هذا الاستدلال ان المسالة عند المشهور كما افاد الاستاذ(ره) مبتنية على قياس طلوع الهلال على طلوع الشمس وغروبها نتيجة كروية الارض ودورانها حول نفسها، وقد عرفت ان المسالة غير مبتنية على ذلك،بل مبتنية على امر آخر تقدم مفصلا فلا نعيد.

وقال بعض المعاصرين في شرحه لمنهاج الصالحين:

«ولقائل ان يقول: ان المستفاد من الادلة ان الحكم بالصوم والافطار قد رتب على رؤية الهلال، غاية الامر الرؤية طريق الى ثبوت الموضوع وليست لها موضوعية في اثبات الحكم، فلو فرض عدم امكان الرؤية لم يكن الموضوع متحققا.

وبعبارة اخرى: الظاهر من الادلة ان الرؤية بنحو الطريقية امارة لكل صقع من بقاع الارض، ومع عدم امكان الرؤية يكون موضوع الحكم منتفيا، ومع انتفاء الموضوع لا يكون الحكم متحققا.

والذي يدل على هذه المقالة ان العرف يفهم من نصوص الباب امكان الرؤية في كل موضع بالنسبة الى اهله لا رؤيته على الاطلاق، ولذا يكون هذا القول قولا غير مشهور، ويحتاج اثباته الى الاستدلال واقامة البرهان.

وان شئت قلت: لا اشكال في حجية الظواهر، ولا اشكال ظاهرا في ان قوله(ع): «صم للرؤية وافطر للرؤية» يستفادمنه ان ظهور الهلال وقابليته لرؤيته في البلد يحقق الشهر الجديد بالنسبة اليه وهكذا، والعرف ببابك»((17)).

ولا نحتاج الى مزيد تعليق على هذا الاستدلال في ضوء ما تقدم، لوضوح ان روايات الامر بالصوم والافطار للرؤية لا دلالة فيها على شرطية الرؤية في البلد لتحقق الشهر، لكونها بناء على طريقية الرؤية فيها كما اعترف به المستدل، وبالقرائن الاخرى فيها ناظرة الى الوظيفة العملية والحكم الظاهري ببقاء الشهر السابق ما لم يحرزبالقطع واليقين وبرؤية الهلال دخول الشهر الجديد، وحينئذ: كون رؤية كل مكلف بنفسه للهلال وعلمه بطلوعه لايكون عادة الا في بلده ومكان رؤيته، لا يعني تقييد الحكم الواقعي بدخول الشهر واناطته بذلك وعدم كفاية طلوعه في بلد آخر، بل لعل الموضوع الواقعي الذي تكون الرؤية طريقا محضا اليه هو الاعم من ذلك، اي طلوعه في احدالبلاد بنحو صرف الوجود، الا ان احراز المكلف ورؤيته بنفسه لهذا الموضوع الاعم لا يكون الا برؤيته في مكانه لامحالة.

هذا لو لم نقل بان الامر بالصوم للرؤية اعم من رؤية المكلف بنفسه او رؤية غيره، والا فيشمل اطلاق الرؤية في هذه الروايات لرؤية الهلال في بلد آخر ايضا كرؤية الاخرين في نفس البلد.

فالحاصل: ليس لمثل هذا الخطاب اي ظهور في انه اذا لم يكن المرئي موجودا في مكان الرؤية فلا موضوع للحكم واقعا، لان جعل رؤية الهلال التي هي طريق للمرئي غاية للوظيفة العملية بعدم وجوب الصوم والافطار لا يستلزم اناطة الحكم الواقعي بوجود الصوم او الافطار بوجود المرئي في مكان الرؤية، بل لعله الاعم، ومع ذلك يقال:«صم للرؤية وافطر للرؤية»، اي ما لم تتاكد وتحرز هذا الموضوع الاعم بالرؤية لا يجب الصوم.

وما قاله من ان «العرف يفهم من نصوص الباب امكان الرؤية في كل موضع بالنسبة الى اهله لا رؤيته على الاطلاق» ان اراد به استفادة شرطية امكان الرؤية في كل موضع لتحقق الشهر في ذلك الموضع بحيث يكون له مفهوم الشرط وانه اذا رئي في بلد آخر فلا يكفي لوجوب الصوم، فهذه الاستفادة واضحة العدم، اذ من اي شيء يستفاد مثل هذه الشرطية والمفهوم سوى ما ذكر من كون رؤية كل مكلف في موضعه ومكانه، وهذا لا يستلزم الاناطة والشرطية المذكورة كما هو واضح.

وان اراد به انه لا اطلاق لروايات الرؤية في بلد آخر وانصرافها الى الرؤية في نفس البلد، فهذا لو تم وسياتي البحث عنه فهو ينفي الاستدلال باطلاق هذه الروايات لقول الاستاذ، ولا يثبت قول المشهور، اذ لا يثبت التقييدوالاناطة بالرؤية في البلد بنحو الشرطية وانتفاء وجوب الصوم بانتفاء المرئي في البلد حتى اذا رئي في بلد آخر،وانما غايته عدم ثبوت شيء من القولين بهذه الروايات، فعلى تقدير الاطلاق يثبت بها قول الاستاذ، وعلى تقديرالانصراف لا يثبت بها قول المشهور ايضا، فهي اقرب الى قول الاستاذ من قول المشهور، اذ لا يمكن اثباته بهاعلى كلا التقديرين.

ثم ان المستفاد من ذيل كلام العلا مة المتقدم عن المنتهى وجملة آخرين ان الرؤية في بلد تكفي لثبوته في البلدالاخر اذا لم يعلم اختلافهما بنحو لا يمكن ان يرى فيه، والا فكلما احتمل امكان الرؤية في بلد حكم بثبوت الشهر فيه بثبوته في بلد آخر، اي ليس الشرط احراز امكان الرؤية فيه وانما الشرط عدم العلم بعدم امكان الرؤية فيه عندرؤيته في البلد الاخر.

وكانه من هذا الباب قال صاحب الجواهر بوجوب الصوم على جميع البلاد بثبوته في بلد،حيث قال بعد نقله لكلام العلا مة المتقدم: «واستجوده صاحب المدارك، ويمكن الا يكون كذلك، ضرورة عدم اتفاق العلم بذلك عادة، فالوجوب حينئذ على الجميع مطلقا قوي»((18)).

ومثله ما في المستمسك قال: «اقول: لاجل انه لا ينبغي التامل في اختلاف البلدان في الطول والعرض الموجب لاختلافها في الطلوع والغروب ورؤية الهلال وعدمها، فمع العلم بتساوي البلدين في الطول لا اشكال في حجية البينة على الرؤية في احدهما لاثباتها في الاخر. وكذا لو رئي في البلاد الشرقية فانه تثبت رؤيته في الغربية بطريق اولى. اما لو رئي في الغربية فالاخذ باطلاق النص غير بعيد الا ان يعلم بعدم الرؤية، اذ لا مجال حينئذللحكم الظاهري.

ودعوى الانصراف الى المتقاربين غير ظاهرة. نعم يحتمل عدم اطلاق النص بنحو يشمل المختلفين، لوروده من حيث تعميم الحكم لداخل البلد وخارجها لا من حيث التعميم للمختلفين والمتفقين، لكن الاول اقوى»((19)).

وظاهر هذه الكلمات ايضا ان الميزان في تحقق الشهر الشرعي طلوع الهلال وامكان رؤيته في البلد بحيث لو علم بعدم امكانه لم يكن الشهر داخلا، ولا مجال للحكم الظاهري، الا انه مع احتمال ذلك وعدم العلم بعدم امكان الرؤية فالاخذ باطلاق النصوص وهي الروايات الدالة على وجوب القضاء لو رئي في مصر آخر على ما سياتي متعين،فيكتفى برؤيته حينئذ في البلد الاخر وان كان بعيدا.

وتعليقنا على هذا القول الذي هو اوسع مما نسب الى المشهور واضيق من قول الاستاذ، ويمكن جعله قولا ثالثافي المسالة :

اولا ما تقدم من انه لا يستفاد من هذه الروايات اشتراط امكان رؤية الهلال في البلد في تحقق الشهر واقعا بوجه اصلا كما شرحناه مفصلا، فما ذكره في المستمسك من انه لا مجال للحكم الظاهري اول الكلام.

وثانيا لو سلم ان الموضوع لدخول الشهر انما هو طلوعه او امكان رؤيته في البلد بحيث مع احراز عدم امكان ذلك لا موضوع للحكم الظاهري، فكيف يستفاد من روايات الامر بالقضاء لو رئي الهلال في مصر آخر حكم ظاهري بدخول الشهر في موارد الاختلاف في الافق واحتمال امكان رؤيته لمجرد رؤيته في البلد الاخر؟! فان هذا لايستلزم منه تحقق الموضوع في البلد الاول ليعلم به كما هو واضح، ولا تكون الشهادة عليه شهادة على وجودالموضوع في البلد الاول ليكون من باب حجية الشهادة، فكيف يرفع اليد عن الحكم الظاهري الاستصحابي بعدم دخول الشهر الذي دلت عليه الروايات الخاصة ايضا لمجرد احتمال وجود الهلال في ذلك الافق؟! وهل هذا الا تعبدبدخول الشهر ووجود الهلال من دون كاشف في البين حتى ظنا؟! بل قد يكون الظن على خلافه، كما اذا كان احتمال الاستلزام في الرؤية بين البلدين ضعيفا وامكان رؤيته موهوما بحيث يظن بعدمه.

والحاصل: ان روايات الامر بالقضاء برؤيته في مصر آخر ان لم يكن فيها اطلاق للبلاد المختلفة في الافق فلا دلالة لها على شيء، وان كانت مطلقة وشاملة لذلك كان مفاده الحكم الواقعي بكفاية الرؤية في بلد لثبوته في سائرالبلاد لا محالة، فلا وجه لاشتراط امكان الرؤية في البلد ولا لاحتماله، لانه ليس هو الموضوع والميزان لدخول الشهر وانما الميزان طلوعه او رؤيته في بلد واحد بنحو صرف الوجود. فمبنى المسالة ليس فيه اكثر من احتمالين، على احدهما يتم ما نسب الى المشهور، ولازمه احراز الاستلزام في امكان الرؤية واتحاد البلدين في الافق، وعلى الاخر لا يضر حتى العلم بعدم امكان الرؤية، وهذا واضح.

ادلة القول الثاني:

يمكن ان يستدل على القول بكفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائر البلاد ولو المشتركة معه في الليل آبوجوه:

الاول ما ذكره الاستاذ في منهاجه: «الاول ان الشهور القمرية انماتبدا على اساس وضع سير القمر واتخاذه موضعا خاصا من الشمس في دورته الطبيعية، وفي نهاية الدورة يدخل تحت شعاع الشمس، وفي هذه الحالة(حالة المحاق) لا يمكن رؤيته في اية بقعة من بقاع الارض. وبعدخروجه عن حالة المحاق والتمكن من رؤيته ينتهي شهر قمري ويبدا شهر قمري جديد.

ومن الواضح ان خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الارض على اختلاف مشارقهاومغاربها لا لبقعة دون اخرى وان كان القمر مرئيا في بعضها دون الاخر وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس اوحيلولة بقاع الارض او ما شاكل ذلك، فانه لا يرتبط بعدم خروجه عن المحاق، ضرورة انه ليس لخروجه منه افرادعديدة، بل هو فرد واحد متحقق في الكون لا يعقل تعدده بتعدد البقاع، وهذا بخلاف طلوع الشمس فانه يتعدد بتعددالبقاع المختلفة، فيكون لكل بقعة طلوع خاص بها.

وعلى ضوء هذا البيان فقد اتضح ان قياس هذه الظاهرة الكونية بمسالة طلوع الشمس وغروبها قياس مع الفارق،وذلك لان الارض بمقتضى كرويتها تكون بطبيعة الحال لكل بقعة منها مشرق خاص ومغرب كذلك، فلا يمكن ان يكون للارض كلها مشرق واحد ولا مغرب كذلك، وهذا بخلاف هذه الظاهرة الكونية اي خروج القمر عن منطقة شعاع الشمس فانه لعدم ارتباطه ببقاع الارض وعدم صلته بها لا يمكن ان يتعدد بتعددها. ونتيجة ذلك ان رؤية الهلال في بلد ما امارة قطعية على خروج القمر عن الوضع المذكور الذي يتخذه من الشمس في نهاية دورته وبداية لشهر قمري جديد لاهل الارض جميعا لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتفق معه في الافق.

ومن هنا يظهر ان ذهاب المشهور الى اعتبار اتحاد البلدان في الافق مبني على تخيل ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الارض كارتباط طلوع الشمس وغروبها، الا انه لا صلة كما عرفت لخروج القمر عنه ببقعة معينة دون اخرى، فان حاله مع وجود الكرة الارضية وعدمها سواء»((20)).

ونلاحظ على هذا البيان: ان هذا التفكيك بين طلوع الاهلة وطلوع الشمس وغروبها وان كان صحيحا من الناحية العلمية الا انه لا يكفي لجعل عنوان الشهر وواقعه امرا دفعيا بالنسبة الى الكرة الارضية بتمامها وان لا يتعقل له افراد متعددة، وذلك لان عنوان الشهر القمري قد لا يكون اسما لهذه الحادثة الكونية الدفعية، بل يمكن ان يكون اسما لامر واقعي آخر ايضا، وهو نسبي وله افراد متعددة باختلاف بقاع الارض، وهو امكان رؤية الهلال في نفسه في بلد الرؤية، بمعنى بلوغه مرتبة من النضج والتكون نتيجة سيره بحيث يكون قابلا للرؤية في غروب ذلك البلد،وهذا امر واقعي الرؤية طريق اليه ولكنه في نفس الوقت نسبي، اي يختلف من بقعة الى اخرى على الكرة الارضية.

والحاصل: ان مجرد وجود حادث واقعي دفعي وهو خروج القمر من تحت شعاع الشمس لا يكفي لحسم المسالة بعد ان كان عنوان الشهر القمري قابلا للوضع لغة او عرفا او عند الشارع على الاقل بازاء الامر الاخرالواقعي، فيكون دخول الشهر وصدقه حينئذ مختلفا باختلاف البقاع والافاق رغم عدم قياس ذلك على طلوع الشمس وغروبها، وهذا واضح.

هذا مضافا الى ان ظاهر هذا البيان كفاية خروج القمر عن تحت الشعاع لدخول شهر قمري جديد لجميع بقاع الارض على اختلاف مشارقها ومغاربها ولاهل الارض جميعا. وهذا سياتي عدم امكان قبوله عرفا للنقاط التي يكون الوقت فيها نهارا واحتساب كل ذلك النهار وليلته السابقة من الشهر الجديد مع عدم خروج الهلال في اكثره،وهذا معناه انه لابد من تقييد واخذ عناية اضافية على مجرد خروج القمر عن اشعة الشمس في صدق دخول الشهر، فلعل تلك العناية والخصوصية تكون نسبية.

والظاهر انه من جهة مثل هذا الاشكال عدل السيد الاستاذ فتواه في الطبعات الجديدة للمنهاج، فقيد الفتوى بكفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائر البلاد مطلقا بما اذا كانت تلك البلاد تشترك مع بلد الرؤية في شيء من الليل ولو يسيرا، وهذا ما كنا قد اقترحناه عليه في الجواب على اشكالات بعض تلامذته عليه والتي طبعت جميعا بعنوان(رسالة حول مسالة رؤية الهلال).

كما انه في تقريرات بحثه لكتاب الصوم من العروة الوثقى المطبوعة اخيرا عدل عن ايراد هذا الاستدلال، وانماذكره في مقام دفع شبهة قياس حدوث الهلال وطلوعه على شروق الشمس وغروبها وانه قياس مع الفارق.

الثاني ما ذكره الاستاذ في تقريرات بحثه كدليل اول على هذا القول، حيث افاد: «وتدلنا عليه اولا: اطلاقات نصوص البينة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشك في رمضان او شوال وانه في الاول يقضي يوما لو افطر، فان مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين ما اذا كانت الرؤية في بلد الصائم او غيره، المتحدة معه في الافق او المختلفة.

ودعوى الانصراف الى اهل البلد كما ترى، سيما مع التصريح في بعضها بان الشاهدين يدخلان المصرويخرجان، فهي تشمل الشهادة الحاصلة في غير البلد على اطلاقه»((21)).

وهذه الروايات التي يشير اليها الاستاذ(ره) عديدة واكثرها معتبرة، كصحيح الحلبي عن ابي عبد اللّه(ع) انه سئل عن الاهلة فقال: «هي اهلة الشهور، فاذا رايت الهلال فصم، واذا رايته فافطر». قلت: ارايت ان كان الشهر تسعة وعشرين يوما اقضي ذلك اليوم؟ فقال: «لا، الا ان تشهد لك بينة عدول، فان شهدوا انهم راوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم».

ومثلها معتبرة ابن سنان ومعتبرة زيد الشحام((22)).

وفي معتبرة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه(ع): «صم لرؤية الهلال وافطر لرؤيته، فان شهد عندكم شاهدان مرضيان بانهما راياه فاقضه».

و في ذيل معتبرة ابي ايوب: «واذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر»((23)).

وقد يلاحظ على هذا الاستدلال: بان روايات حجية الشهادة ناظرة الى طرق الاثبات وان البينة حجة، وليس فيهانظر الى جهة الثبوت وان ما يتحقق به الشهر واقعا هل يكفي فيه طلوع الهلال في بلد آخر ام لا ليتمسك باطلاقه.نعم لو كانت الروايات ناظرة الى ثبوت الهلال او قيام بينة في بلد آخر امكن التمسك باطلاقها من تلك الجهة واثبات الكفاية، ولكنها ليست كذلك، فليس الاشكال دعوى الانصراف الى بينة اهل البلد، وانما الاشكال هوعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، فلا يتم الاطلاق فيها.

ويمكن الجواب: بان لسان هذه الروايات يختلف عما دل على قبول اصل الشهادة والبينة في الهلال، من قبيل ماورد انه «لا اجيز في الهلال الا شهادة رجلين عدلين»، لانها ناظرة الى حكم قضاء يوم آخر لمن صام تسعة وعشرين يوما ولو من جهة انه لم ير الناس الهلال في اول الشهر مع الصحو وعدم علة في السماء. بل قد تبرع الامام(ع) في بعضها ابتداء لبيان حكم القضاء، وقد جعل وجوب القضاء يوما آخر في هذه الروايات متفرعا على قيام بينة عدول يشهدون بانهم قد راوا الهلال قبل ذلك، ومن الواضح ان هذا مطلق يشمل ما اذا كانت البينة تشهدبذلك في مصر آخر، وما في ذيل معتبرة ابي ايوب تصريح بهذا الاطلاق، فلو كان وجوب القضاء مقيدا برؤية الهلال في نفس البلد كان لابد من تقييد شهادة البينة بان تكون من نفس البلد وفي افقه لا افق آخر والا كان اغراءبالجهل. فالاطلاق في لسان هذه الروايات واضح لا ينبغي انكاره، بل لولا الاطلاق اللفظي لكان يتم فيها الاطلاق ايضا، بملاك ترك الاستفصال ووقوع المكلف في خلاف الواقع.

الثالث ما اشرنا اليه عند التعرض لادلة القول الاول من امكان التمسك باطلاق روايات الصوم او الافطار للرؤية لما اذا كانت الرؤية في بلد آخر مختلف في الافق. وهذا الاطلاق يمكن تقريبه بنحوين:

1- اطلاقها لما اذا راى المكلف الهلال في مكان ثم سافر الى بلد آخر يختلف معه في الافق لم ير فيه الهلال رغم استهلال الناس وكون السماء مصحية، فانه لا اشكال في ان مقتضى هذا الاطلاق وجوب الصوم عليه ذلك اليوم آولو قضاء اذا وصله بعد الزوال حتى اذا كان بحيث لا يمكن ان يرى فيه الهلال وانه لابد من اعتبار ذلك اليوم من رمضان، مع انه لو كان الميزان في تحقق الشهر بالبلد الذي هو فيه فذلك النهار ليس من رمضان بالنسبة اليه لكي يجب عليه صومه، والبلد الذي كان قد راى الهلال فيه لم يكن موجودا فيه في نهاره ليصبح وجوب صومه عليه فعليا. فهذا الاطلاق ينفي تعدد الشهر بتعدد البلاد في حق هذا المكلف، فيتعين لا محالة كفاية الرؤية لبلد لسائرالبلدان ايضا، لعدم احتمال الفرق بين مكلف ومكلف في الحكم الواقعي في البلد الواحد.

2 التمسك باطلاق الرؤية للاعم من رؤية المكلف نفسه او رؤية الاخرين، فان هذه الروايات بعضها وردت بعنوان «صوموا للرؤية» او «الصوم للرؤية او بالرؤية» ونحو ذلك.

كصحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) قال: «اذا رايتم الهلال فصوموا واذا رايتموه فافطروا، وليس بالراي ولابالتظني ولكن بالرؤية». قال: «والرؤية ليس ان يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد: هو ذا، وينظر تسعة فلا يرونه،اذا رآه واحد رآه عشرة آلاف. واذا كانت علة فاتم شعبان ثلاثين»((24)).

وصحيح ابي ايوب ابراهيم بن عثمان بن الخزاز عن ابي عبد اللّه(ع)، قال:قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال:«ان شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه، فلا تؤدوا بالتظني. وليس رؤية الهلال ان يقوم عدة فيقول واحد: قدرايته، ويقول الاخرون: لم نره، اذا رآه واحد رآه مئة واذا رآه مئة رآه الف. ولا يجزي في رؤية الهلال اذا لم يكن في السماء علة اقل من شهادة خمسين، واذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر»((25)).

ورواية ابي العباس عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «الصوم للرؤية والفطر للرؤية. وليس الرؤية ان يراه واحد ولا اثنان ولاخمسون»((26)).

ورواية حبيب الخزاعي قال: قال ابو عبد اللّه(ع): «لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عددالقسامة، وانما تجوز شهادة رجلين اذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة، فاخبرا انهما راياه واخبرا عن قوم صاموا للرؤية وافطروا للرؤية»((27)).

ومثل هذا اللسان ظاهر في ان الميزان في تحقق الشهر ثبوت الرؤية القطعية للهلال من قبل الناس ولو في الجملة اوبمقدار البينة العادلة بشروطها، فيكون له اطلاق لثبوت الرؤية في بلد آخر ولو كان مختلفا في الافق مع بلدالمكلف.

وقد يناقش في كلا هذين التقريرين بما قدمناه سابقا من ان روايات الصوم للرؤية مسوقة لبيان الوظيفة الظاهرية عند الشك، وليست بصدد بيان ما يتحقق به الشهر واقعا من حيث كفاية رؤيته في بلد آخر وعدمها، فلا اطلاق فيها من الناحيتين.

ويمكن الجواب: بان الحكم الظاهري والوظيفة العملية انما يستفاد من مفهوم تعليق الصوم على الرؤية لا منطوقه،فانه لبيان الحكم الواقعي بتحقق الشهر برؤية الهلال او القطع بطلوعه بنحو بحيث يمكن ان يرى، فيمكن ان يكون فيه اطلاق لرؤيته في البلد المختلف معه في الافق ويكون هذا اطلاقا في الحكم الواقعي لا جمعا بين الحكم الظاهري والواقعي، بخلاف ما تقدم فيما سبق، فراجع وتامل.

الرابع التمسك بالروايات الخاصة الواردة في قضاء يوم الشك اذا علم بعد ذلك برؤية الهلال فيه بمصر آخر،وهي روايات عديدة لابد من التعرض لها تفصيلا:

منها صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد اللّه(ع) قال فيمن صام تسعة وعشرين قال: «ان كانت له بينة عادلة على اهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوم»((28)).

قال في مستند العروة في توضيح دلالة الصحيحة: «دلت بمقتضى اطلاقها بوضوح على ان الرؤية في مصركافية لسائر الامصار وان لم ير فيها الهلال من غير غيم او اي مانع آخر، ولم يقيد فيها بوحدة الافق مع ان آفاق البلاد تختلف جدا حتى في الممالك الصغيرة كالعراق، فان شمالها عن جنوبها كشرقها عن غربها يختلف اختلافافاحشا، فعدم التقييد والحالة هذه وهو(ع) في مقام البيان يكشف طبعا عن الاطلاق»((29)).

وقد يناقش: تارة: بان الرواية ليس فيها عموم وانما نكرة في سياق الاثبات، وحينئذ تنصرف بحكم الغلبة الى البلاد المتقاربة لا البلاد المتباعدة المختلفة في الافق والتي كان يندر الاطلاع على حالها بسرعة في تلك الازمنة.

واخرى: بان الظاهر ان الاطلاق في بيان حكم انكشاف كون يوم الشك من رمضان لا في بيان الكاشف وانه يحصل بمجرد رؤيته في بلد من البلاد ولو كان في غاية البعد، فكما لا دلالة في هذا الاطلاق على الشروط المعتبرة في البينة فكذا لا دلالة على الشروط المعتبرة في البلدين من القرب والبعد، بل المراد بيان حكم الانكشاف بعد فرض ثبوت الكاشف((30)).

والانصاف ان مثل هذه التشكيكات غير مانعة عن الاطلاق في الحديث، لوضوح ان الحكم لو كان مقيدا ثبوتاوواقعا بما اذا كان الهلال مرئيا او قابلا للرؤية في البلد لا البلاد الاخرى المختلفة في الافق كان ينبغي تقييده بذلك،لانه قيد في الحكم او في موضوعه، فكيف لا يذكره المولى وهو في مقام بيان الحكم بتمام موضوعه؟! والغلبة الخارجية في عدم الاطلاع على حال اهل مصر آخر مختلف في الافق لا تقدح في اطلاق ما جعله المولى موضوعاللحكم وهو كفاية رؤية اهل مصر آخر، على ان هذه الغلبة غير تامة، لان الرواية ناظرة الى حكم القضاء الحاصل من قيام البينة على رؤية اهل مصر آخر بعد مضي شهر رمضان، وهذا يحصل كثيرا، لحصول التنقل والسفر من تلك البلاد الى هذا البلد غالبا، فيطلع المكلف على ذلك ولو بعد شهر اوشهرين فيجب عليه القضاء، وليست الرواية ناظرة الى حكم الاداء والصوم في نفس يوم الشك بقيام البينة على صوم اهل مصر آخر ليقال بندرة حصوله في تلك الازمنة بالنسبة الى البلاد المتباعدة، فالمناقشة الاولى واضحة الضعف.

كما ان المناقشة الثانية غير واردة، لان الرواية لم يفرض فيها وجود غيم او مانع عن رؤية الهلال في داخل البلدليتوهم اختصاص النظر فيها الى حكم الانكشاف وعدمه لهذا المكلف او لاهل ذلك البلد، وانما حكم بذلك لكل من صام تسعة وعشرين يوما ولو من جهة عدم امكان رؤية الهلال في مكان الاستهلال ثم قامت بينة على صيام اهل مصر آخر ثلاثين يوما ، وهذا لا اشكال في دلالته على كون المعيار ثبوت رؤية الهلال في بلد ما بنحو صرف الوجود وعدم اشتراط امكان الرؤية في كل بلد بلد.

ومنها صحيح عبد الرحمان بن ابي عبد اللّه قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن هلال شهر رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ قال: «لا تصم الا ان تراه، فان شهد اهل بلد آخر فاقضه»((31)).

ومثله صحيح اسحاق بن عمار((32)).

وقد يناقش في اطلاقهما: بان النظر فيهما الى فرض وجود المانع وهو الغيم عن رؤية الهلال في البلد بحيث لولاه لامكن رؤيته، فلا اطلاق لهما لما اذا لم يكن مانع وعلم بعدم امكان رؤية الهلال في افق البلد.

والجواب: ان فرض وجود الغيم وارد في سؤال السائل لا جواب الامام(ع)، بل تاكيد الامام(ع) في الجواب على عدم الصوم الا ان تراه او يشهد اهل بلد آخر فتقضيه دليل على بيان الكبرى الكلية وان رؤية اهل بلد آخر تكفي في فرض عدم رؤيتك سواء كان لوجود مانع عن الاستهلال او عدم وجوده وتحقق الاستهلال وعدم الرؤية ولو من جهة عدم امكان الرؤية في تلك النقطة، فالاطلاق في مثل هذا اللسان تام ايضا.

ومنها صحيح ابي بصير عن ابي عبد اللّه(ع) انه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: «لا تقضه الا ان يثبت شاهدان عدلان من جميع اهل الصلاة متى كان راس الشهر».

وقال: «لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى الا ان يقضي اهل الامصار، فان فعلوا فصمه»((33)).

وقد جعله الاستاذ(ره) اوضح الروايات دلالة، قال: «فان في قوله(ع): «جميع اهل الصلاة» دلالة واضحة على عدم اختصاص راس الشهر القمري ببلد دون بلد وانما هو حكم وحداني عام لجميع المسلمين على اختلاف بلادهم من حيث اختلاف الافاق واتحادها، فمتى قامت البينة على الرؤية من اي قطر من اقطار هذا المجموع المركب وهم كافة اهل الصلاة كفى.

كما ان قوله(ع) في الذيل: «يقضي اهل الامصار» مؤكد لهذا المعنى وانه لا يختلف مصر عن مصر في هذا الحكم،بل هو عام لجميع الاقطار والامصار وشامل لجميع بقاع الارض بمختلف آفاقه»((34)).

وقد ناقش في دلالته بعض تلامذة الاستاذ، بل جعله دليلا على قول المشهور ومقيدا لاطلاق الروايات المتقدمة.

اما المناقشة في دلالتها على هذا القول، فبالنسبة الى الجملة الاولى في صدر الحديث قال: «ان المستفاد من هذه الجملة انه يكفي لاثبات الهلال شهادة شاهدين عدلين من كل فرقة من فرق المسلمين، ولا يستفاد من هذه الجملة الا ما يستفاد من قوله(ع): «لا اجيز في الهلال الا شهادة رجلين عدلين»، فلا يرتبط مفاد هذه الجملة بكون راس الشهر القمري واحدا بالنسبة الى جميع الاقطار.

ويؤيد ما ذكرنا ان صاحب الوافي بعد نقل الرواية قال: «من جميع اهل الصلاة يعني: اي مذهب كان من ملل اهل الاسلام...» ولقد اجاد فيما افاد».

وبالنسبة الى الاستدلال بالجملة الثانية من ذيل الحديث قال:

«ويرد عليه: ان الحكم معلق على قضاء اهل كل مصر، ولم يعلق على قضاء مصر على الاطلاق.

وبعبارة اخرى: لو كان الامر كما يدعي كان اللازم كفاية ثبوت الهلال في مصر واحد.

وان شئت قلت: المستفاد من الجملة ان الشرط الثبوت في جميع الامصار لا كفاية ثبوته في مصر من الامصار.

وبعبارة واضحة: ان المستفاد من هذه الرواية انه لو ثبت الهلال في كل مصر من الامصار يثبت ايضا في المصرالذي لم يثبت فيه بالرؤية او بالشهادة، وحيث ان دلالة هذه الرواية على المدعى بالعموم الوضعي ترفع اليد عن اطلاق بقية الروايات التي تدل باطلاقها على ان ثبوت الهلال في مصر من الامصار يكفي للثبوت على الاطلاق.

ويمكن ان يقال: ان المستفاد من ذيل الحديث بنحو الحصر ان قضاء جميع اهالي الامصار شرط لوجوب القضاء،ومفهومه عدم كفاية قضاء اهل بعض الامصار دون بعض، فمفهوم هذه الرواية اخص بالنسبة الى بقية الروايات،اذ المستفاد من تلك المطلقات ان الرؤية في مصر من الامصار على الاطلاق يكفي للثبوت لبقية الامصار، بلا فرق بين كون البلد الذي رئي فيه واحدا او متعددا، وبلا فرق بين كون البلد المرئي متحدا في الافق مع البلد الذي لم يرفيه او مختلفا، فان تلك المطلقات لها الاطلاق من جميع هذه الجهات، ومفهوم هذه الرواية اخص من تلك المطلقات،لان منطوقها داخل في تلك المطلقات، فان من جملة الفروض الرؤية في جميع الامصار، فهذه الرواية تخصص تلك النصوص.

وعلى فرض الاغماض عن البيان المذكور فلا اقل من التعارض، ونتيجته التساقط، وبعد سقوط طرفي المعارضة تصل النوبة الى الاخذ بالروايات الدالة بظواهرها على ان الميزان بالرؤية في البلد. فلاحظ ما ذكرناه واغتنم،ولعمري انه دقيق وبالتلقي بالقبول حقيق، ونشكر المولى على ما انعم وهو العالم بالاشياء وعليه التوكل والتكلان»((35)).

اقول: اما ارادة جميع الملل والفرق من الجملة الاولى وهي قوله(ع): «من جميع اهل الصلاة» فبعيد جدا، اذ لازمه ان يكون اهل الفرق والمذاهب الاخرى عدولا، فيكون الحديث دالا على حجية شهادة الشهود من الفرق الاخرى، بل ظاهره عندئذ لزوم البينة وقيام شاهدين من كل فرقة وملة من المسلمين لكي يثبت دخول الشهر ولا يكفي قيامهامن الفرقة الحقة فقط، وهو كما ترى. بخلاف ما اذا اريد به جميع اهل الصلاة من حيث بلادهم وامصارهم كمافهمه الاستاذ. ويؤيده ما ورد في الجملة الثانية: «الا ان يقضي اهل الامصار» حيث لم يقل اهل الصلاة، فالنظر في الجملة الاولى ايضا الى جميع المسلمين من حيث تواجدهم في الامصار لا من حيث مللهم ومذاهبهم.

نعم يمكن ان يستشكل في الاستدلال بالجملة الاولى بان الاستاذ جعلها قيدا للشاهدين العدلين، وفسرها بان يكون العدلان من مجموع اهل الصلاة في الامصار، فيكفي لا محالة قيام البينة من مصر واحد، مع انه يحتمل اويستظهر من الحديث ان الجملة قيد لثبوت البينة، اي ان تقوم البينة من جميع الامصار على دخول راس الشهرعندهم، او يكون قيدا في مؤدى البينة، اي لابد وان يثبت بالبينة متى كان راس الشهر عند جميع اهل الصلاة. وعلى كلا التقديرين لا يكفي ثبوته في مصر واحد، فتكون الجملتان في الحديث بمضمون واحد، وهو انه لا يجب على المكلف القضاء الا اذا ثبت موضوعه: اما بقيام البينة على دخول راس الشهر في الامصار وتقدم الشهر عندهم، اوبقضاء اهل الامصار يوما. وهذا هو الذي جعله تلميذ الاستاذ معارضا لاطلاق الروايات المتقدمة بل مقدما عليها،لكونه بالعموم وهي بالاطلاق، او لكونه بحكم الاخص منها عرفا.

الا ان هذا الاستظهار في غير محله، لعدم احتماله فقهيا ولا عرفا، لوضوح انه لا يشترط في دخول الشهر في بلددخوله في سائر الامصار والاقطار التي يسكنها المسلمون جميعا. بل مقتضى هذا انه لا يكفي قيام البينة بدخول الشهر او قضاء اهل البلد يوما في بلد المكلف نفسه اذا لم يكن كذلك في سائر البلدان والامصار، وهذاخلاف كلا القولين وغير محتمل في نفسه.

بل لازم هذا الاستظهار ايضا وحدة الشهر في جميع الامصار بمعنى آخر، وهو لزوم الثبوت في جميع الامصارليثبت الشهر حتى في البلد الواحد، فاما ان يقضي الجميع او لا يجب القضاء على الجميع، وهذا غير محتمل كمااشرنا. وانما المستفاد منه ان المقصود هو العام المجموعي وانه اذا ثبت راس الشهر في بعض الامصار بالقطع واليقين ثبت على الجميع، غاية الامر بالنسبة الى وجوب القضاء ليوم الشك الذي لم يثبت فيه اول الشهر لابد من التثبت بحيث اذا ثبت ولو بالبينة متى كان راس الشهر في بلاد المسلمين او ثبت قضاء اهل الامصار وجب القضاء،والا لم يجب، فيكون الاتيان بقيد «جميع الامصار» او «جميع اهل الصلاة» من اجل التاكد من ثبوت الهلال في يوم الشك وعدم الاكتفاء بمجرد دعوى الرؤية من شخص او شخصين، حتى ان البينة لابد وان تشهد بانه متى كان راس الشهر عند الناس واهل الصلاة، او يثبت قضاء اهل الامصار.

فالرواية على هذا تصلح ان تكون دليلا على كفاية الرؤية وثبوت دخول الشهر في بعض الامصار لثبوته في سائر الامصار ايضا، الا ان هذا الظهور ليس باوضح واظهر من الروايات الاخرى كما ذكره الاستاذ، بل لعله اخفى منها.

ثم ان حمل الروايات الكثيرة الامرة بالقضاء اذا ثبت دخول الشهر في خارج البلد او في بلد آخر على صورة دخول الشهر في جميع الامصار والبلاد بحكم هذه الرواية ليس تخصيصا لها، بل الغاء لصراحتها في كفاية ثبوت الشهر بذلك وعدم لزوم دخول الشهر في جميع البلدان، فيكون من باب التعارض، وعندئذ يحكم بتقديم تلك الروايات وحمل هذه الرواية عليها، او طرحهالمخالفتها مع روايات كثيرة قد تبلغ الاستفاضة، ولو فرض التساقط لم تكن النتيجة قول المشهور، لما تقدم من عدم دلالة روايات الامر بالصوم للرؤية على قول المشهور بل مقتضى الاطلاق في جملة منها هو القول الثاني كما تقدم.

ومنها ما رواه في الوسائل عن الصدوق(ره) في الفقيه باسناده عن سماعة وهو معتبر انه سال ابا عبد اللّه(ع)عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟ قال: «اذا اجتمع اهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه اذا كان اهل المصرخمسمئة انسان»((36)).

والرواية اذا كانت بهذا المتن كانت من جملة الروايات التي باطلاقها تدل على كفاية دخول الشهر في بلد واحدلسائر البلدان، لان النكرة تفيد الاطلاق.

الا انه بمراجعة الرواية في مصدرها اعني كتاب من لا يحضره الفقيه راينا ان الوارد فيه «اذا اجتمع اهل المصر»((37)) معرفة بال، وحينئذ لا تكون ظاهرة في الاطلاق لغير المصر الذي فيه المكلف.

ومنها مكاتبة محمد بن عيسى قال: كتب اليه ابو عمرو:

اخبرني يا مولاي انه ربما اشكل علينا هلال شهررمضان فلا نراه، ونرى السماء ليست فيها علة، فيفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحساب قبلنا: انه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وافريقية والاندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحساب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على اهل الامصار، فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع(ع): «لا تصومن الشك،افطر لرؤيته وصم لرؤيته»((38)).

وقد استدل بها بعض الاعلام كالسيد ابو تراب الخونساري(ره) في كتابه سبيل الرشاد في شرح نجاة العبادوالسيد الگلپايگاني(ره) في كتابه مجمع المسائل.

قال الاول: «ان النهي عن الصوم لاجل كونه شاكا من قولهم كالصريح في انه لو كان قاطعا برؤية اهل تلك البلادلكان له حكمهم، والحال انها من البلاد البعيدة بالنسبة الى بلاد الراوي كما لا يخفى. بل وظاهر السؤال ان في استخراج اهل الحساب ايضا انما كان يمكن الرؤية في تلك البلاد خاصة دون بلد الراوي كما لا يخفى. واحتمال ان يكون المراد ان الرؤية في تلك البلاد موجبة للشك في امكان الرؤية في بلدك فلا تصم لاجل ذلك فيدل على ان العبرة ببلد المكلف خاصة كما ترى خلاف الظاهر جدا ولو بالنظر الى انه لوكان المراد ذلك لقال: صم بالرؤية في بلدك صريحا ولم يامر بالصوم بالرؤية بقول مطلق الذي هو في مقابل العمل بقول اهل الحساب ونحوه من الامورالظنية كما اشرنا اليه مرارا، والى ان من البعيد فرض الشك في امكان الرؤية في بلد الراوي بعد فرض عدم رؤية جميع الناس طرا مع عدم العلة في السماء وكونه في استخراج اهل الحساب غير ممكن الرؤية، فليس الا الشك في الرؤية في تلك البلاد لقول اهل الحساب بامكان الرؤية فيه»((39)).

وقال الثاني: «ولعل ما اخرجه في الوسائل (ثم ذكر الرواية) تدل على ذلك، لان السائل سال عن قول اهل الحساب برؤية الهلال في الاندلس وافريقيا، فيجيب(ع) بانه لا صوم مع الشك، ولا يجيب بان الرؤية في البلاد البعيدة لاتكفي»((40)).

وقد يقال: ظاهر السؤال ان الراوي كان مركوزا في ذهنه انه اذا صح وجاز ما يقوله اهل الحساب كان صوم اهل تلك البلاد خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا، اي كان لكل بلد هلاله، وانما يسال عن جواز ما يقوله اهل الحساب من حيث امكان الاعتماد على قولهم وعدمه، والامام سكت عن هذا الارتكاز ولم ينفه وانما تصدى لنفي اعتبار قول اهل الحساب وان الصوم او الافطار ليس الا بالرؤية، فتكون الرواية دليلا على عدم كفاية الرؤية في البلاد البعيدة آاذا استفدنا من سكوت الامام امضاءه لمرتكز السائل ولا اقل من عدم دلالتها على شيء من الطرفين.

وفيه: منع هذا الاستظهار، بل ظاهر الرواية ان السائل يسال عن امكان اختلاف الفرض على اهل الامصار واقعاوعدمه بحيث لو ثبت هناك ثبت هنا ايضا وان لم ير فيه الهلال، غاية الامر جعل حساب المنجمين وقولهم منشاهذا السؤال لعدم امكان منشا آخر للعلم بثبوت الهلال في بلد كتلك البلاد البعيدة وقتئذ في يوم الشك. فالسؤال بحسب الحقيقة عن حكم صومهم عند احتمال صحة ما يقوله اهل الحساب بشان تلك البلاد من حيث كفاية ذلك لهم وعدمها، فيكون جواب الامام(ع) بعدم الاعتبار بقول اهل الحساب وعدم الصوم مع الشك ظاهرا في انه مع العلم بذلك كان يجب الصوم.

والقرينة على هذا الاستظهار ما ذكره السائل في صدر السؤال من انه اشكل علينا هلال شهر رمضان، مما يعني ان قول اهل الحساب اوجب الاشكال عنده في حكمهم. كما انه لو كان المركوز في ذهنه عدم كفاية الثبوت والرؤية في تلك البلاد فاي فائدة عملية في حقه في السؤال عن صحة وجواز ما يقوله اهل الحساب بشان الهلال في تلك البلاد؟! ولماذا ينهاه الامام عن صوم يوم الشك في مقام الجواب؟! فالرواية ظاهرة في الاكتفاء لو ثبت رؤية الهلال في تلك البلاد وان عدم الاعتداد بقول اهل الحساب من جهة عدم حصول العلم بقولهم.

ومنها رواية علي بن ابي حمزة الثمالي قال: كنت عند ابي عبد اللّه(ع) فقال له ابو بصير: جعلت فداك، الليلة التي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال: «في ليلة احدى وعشرين او ثلاث وعشرين». قال: فان لم اقو على كلتيهما؟ فقال:«ما ايسر ليلتين فيما تطلب!». قال: قلت: فربما راينا الهلال عندنا وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من ارض اخرى؟فقال: «ما ايسر اربع ليال تطلبها فيها!». قلت: جعلت فداك، ليلة ثلاث وعشرين ليلة الجهني؟ فقال: «ان ذلك ليقال...الخ»((41)).

والرواية ينقلها المشايخ الثلاثة، الا ان في السند القاسم بن محمد الجوهري وهو ممن لم يصرح بتوثيقه في كتب الرجال، ولكن يمكن اثبات وثاقته بنقل بعض الثلاثة عنه بطرق صحيحة (ابن ابي عمير وصفوان والبزنط ي) بناءعلى قبول هذه القاعدة الرجالية، وكذلك وقوعه في اسناد كامل الزيارات بناء على كفاية ذلك في التوثيق.

ودلالتها على المدعى واضحة، فانه اذا كان الميزان في دخول الشهر برؤية الهلال في البلد وان لكل بلد شهره وليلة قدره فلماذا يكلف بطلبها ضمن اربع ليال اي طلب ليلة احدى وعشرين ضمن ليلتين وليلة ثلاث وعشرين ضمن ليلتين بمجرد خبر يجيء من ارض اخرى؟! فالرواية واضحة الدلالة على ان ليلة القدر واحدة للبلدين والارضين وليست لكل منهما ليلة قدر غير اخرى، ومن هنا قال(ع): «ما ايسر اربع ليال تطلبها فيها!»، واطلاقه يشمل البلاد البعيدة غير المتحدة مع بلد المكلف في الافق.

ثم انه مما يؤيد هذا الاطلاق في مجموع هذه الروايات عدم ورود الاشارة في شيء من الروايات الى ان الميزان ببلدالرؤية ومكانها، مع انه لو كان حكم الصوم يختلف من بلد الى آخر وانه يلزم طلوع الهلال وامكان رؤيته في البلدلكان يشار اليه مع شدة الحاجة اليه ولو في حديث واحد، كما ورد ذلك في مواقيت الصلاة وطلوع الشمس وغروبها، مع ان ذلك امر واضح عرفا لا يشك فيه عادة، فانه مع ذلك ورد في ذيل روايات مواقيت الصلاة: «انماعليك مشرقك ومغربك وليس على الناس ان يبحثو»((42))، بينما لم يرد مثل ذلك في روايات الصوم، وانما وردعكسه من الامر بالقضاء اذا ثبت بعد ذلك رؤيته في مصر آخر، فلو كان شرطا فكيف يسكت عنه في جميع ماوصلنا من الروايات؟! وقد حاول بعضهم الاستناد الى تلك الجملة الواردة في مواقيت الصلاة في باب الصوم ايضا بارادة الاعم من طلوع الشمس او القمر.

ولكنه تمحل واضح، اذ مضافا الى ان عنوان المشرق والمغرب لا يناسب الهلال فلا يقال مشرق الهلال عن طلوعه ولا مغربه عن عدم طلوعه وانما هما مختصان بشروق الشمس وغروبها ان هذا التعبير قد ورد في ذيل السؤال عن مواقيت الصلاة في رواية زيد الشحام (ابو اسامة) قال: صعدت مرة جبل ابي قبيس والناس يصلون المغرب، فرايت الشمس لم تغب انما توارت خلف الجبل عن الناس، فلقيت ابا عبد اللّه(ع) فاخبرته بذلك، فقال لي:«ولم فعلت ذلك؟ بئس ما صنعت! انما تصليها اذا لم ترها خلف جبل، غابت او غارت ما لم يتجللها سحاب او ظلمة تظلها، وانما عليك مشرقك ومغربك، وليس على الناس ان يبحثو»((43)). وهو واضح في ارادة مشرق الشمس ومغربها واوقات الصلاة.

ثم ان المشهور قد حملوا هذه المجموعة من الروايات الصريحة في الدلالة على كفاية ثبوت الرؤية في مصر آخرعلى ارادة البلاد القريبة المتحدة معه في الافق والتي تستلزم رؤية الهلال فيها لرؤيته في البلد، بدعوى انصرافهاالى ذلك، او عدم اطلاق فيها لاكثر من ذلك، لندرة امكان الاطلاع على حال البلاد البعيدة في تلك الازمنة.

وقد منع جملة من المحققين هذا الانصراف كما تقدم عن بعضهم كما منعوا الندرة، قال المحقق النراقي(ره) في المستند:

«فان قيل: المطلقات انما تنصرف الى الافراد الشائعة وثبوت هلال احد البلدين المتباعدين كثيرا في الاخر نادر.

قلنا: لا اعرف وجها لندرته، وانما هي تكون لو انحصر الامر في الثبوت في الشهر الواحد، ولكنه يفيد بعد الشهرين واكثر ايضا. وثبوت الرؤية بمصر في بغداد او ببغداد لطوس او للشام في اصفهان ونحو ذلك بعد شهرين او اكثرليس بنادر، لتردد القوافل العظيمة فيها كثير»((44)).

هذا مضافا الى ان الندرة الخارجية والمصداقية اساسا لا تمنع عن انعقاد الاطلاق، كما هو مقرر في محله.

ونضيف الى ذلك كله: ان هذا الحمل ليس له معنى محصل، لان البلاد القريبة اذا اريد بها البلاد المتصلة اوكالمتصلة بالبلد والتي تكون من اطرافه وحواليه فهذا من الواضح انه لا يمكن حمل عنوان «مصر آخر» عليها ولايظن ارادة المشهور لذلك، وان اريد بها البلاد التي تبعد عن البلد مسافة عرفا بحيث يصدق عليها انها امصاراخرى فمن الواضح ان رؤية الهلال في الامصار الاخرى لا تستلزم رؤيته في البلد في كل شهر ولو كانت قريبة خصوصا اذا كان غربيا بالنسبة الى البلد، لما اشرنا اليه من ان امكان الرؤية للهلال في كل شهر بالنسبة لبقاع الارض ليس على وتيرة واحدة وفي بقاع معينة في تمام الشهور القمرية، بل يختلف من شهر الى شهر، فقد تكون دائرة امكان الرؤية في شهر من الشهور تنتهي الى حد ذلك البلد الغربي القريب من بلدنا فلا يكون امكان الرؤية فيه مستلزما لامكانها في بلدنا، وهذا يعني انه لا يكفي حمل هذه الروايات على البلاد القريبة، بل لابد اما من الاقتصار على رؤية الهلال في البلد وما يتصل به من الاحياء وهذا الغاء لهذه الروايات جميعا، او الاستعانة بالهيئة ونحوها لاحراز الدائرة من البقاع الارضية التي يمكن ان يرى فيها الهلال في كل شهر، فلا يحكم بدخول الشهرفيما يخرج عنها ولو كان قريبا، بخلاف ما يقع فيها ولو كان بعيدا عن بلد الرؤية، وحمل الروايات على مثل ذلك كماترى.

ثم انه قد يناقش في اصل صحة هذا النهج من الاستدلال بالروايات في المقام بما افاده بعض المعاصرين بقوله:

«ولا يمكن التمسك بالاطلاق لرفع هذا الشك واثبات انه لا يختلف الخروج عن المحاق باختلاف البقاع، فان هذا امرتكويني عبر عنه بالظاهرة الكونية، ولا مجال لاثبات الامور التكوينية بالاطلاقات، بل لابد من مراجعة الفن المربوط بهذا الامر وتحقيق انه هل يختلف الخروج عن الماق باختلاف البقاع او لا يختلف من العلم المدون له.

ان قلت: الامر التكويني وان لا يثبت باطلاق الدليل الشرعي الا ان الاطلاق يثبت حكم ذلك الامر، فلو قال الشارع: ان الفقاع خمر، يثبت حكم الخمر للفقاع وان لا يثبت خمرية الفقاع، فانه من الامور التكوينية، وفيما نحن فيه لو قال الشارع: «فان شهد اهل بلد آخر انهم راوه فاقضه» يثبت حكم وجوب القضاء وان لا يثبت ان اليوم الذي افطر فيه كان من شهر رمضان.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية