الصفحة السا بقة

 

الصفحة التالية

ففي هذه الاحاديث نلاحظ ان ابن سماعة يروي عن «عدة» عن «ابان». وعليه امكننا تضييق دائرة ال«عدة»من مجموع مشايخ الحسن بن محمد سماعة الى خصوص مشايخه الذين يروون عن «ابان»، فان قسمامن مشايخه لا يروي عن ابان. وبحسب ما ذكره الشيخ «الحسون»، فان مشايخ ابن سماعة الذين يروون عن ابان «11»، لم تثبت وثاقة اثنين منهم، ومن تبقى من الثقات. وعليه يستحيل ان يكون افراد «العدة» كلهم من غيرالثقات، لان عدد الضعاف منهم (2) اقل من عدد العدة (3)، وعليه لا بد وان يكون واحد منهم على الاقل ثقة. ومع اننالسنا بحاجة هنا الى تطبيق القواعد الرياضية، لكننا نقول ان احتمال ذلك يساوي:211×110×09×××0 (صفرا)، وهواحتمال الحدث المستحيل على ما ذكرناه في القسم الرياضي.

3- ينبغي تضعيف احتمال ان يكون للحسن شيخ غير ثقة غير من وصلت الينا روايته عنهم.

3- التطبيق الثالث مراسيل يونس بن عبدالرحمان:

و طبق السيد الشهيد(ره) حساب الاحتمالات في رجال «يونس بن عبدالرحمان» الذي يرسل في جملة من الاحاديث عن «غير واحد»، منها:

ا- مرسلة الحيض الطويلة: «و عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبدالرحمان عن غير واحدسالوا ابا عبداللّه(ع) عن الحائض..»((133)).

ب- «و عن يونس بن عبدالرحمان عن غير واحد عن ابي عبداللّه(ع) قال: من كانت له حاجة..»((134)).

ج- «و باسناده عن يونس بن عبدالرحمان عن غير واحد عن ابي عبداللّه(ع) في الرجل يبايع الرجل الشيء..»((135)).

د- «محمد بن علي بن الحسين في العلل عن محمد بن الحسن عن الصفار عن ابراهيم بن هاشم عن اسماعيل بن مرار عن يونس بن عبدالرحمان عن غير واحد عن ابي جعفر وابي عبداللّه(ع)...»((136)).

و قد اشار السيد الشهيد(ره) الى ان مشايخ يونس بن عبدالرحمان «70» شخصا ثبتت وثاقة ازيد من الثلثين منهم((137)). فلو افترضنا بناء عليه ان من ثبتت وثاقته منهم عبارة عن «50» شخصا ومن ثبت ضعفهم بالتالي عبارة عن «20» شخصا، فان احتمال كون «العدة» كلهم من غير الثقات يمكن حسابه على النحو التالي:

1- بحسب «حساب التوافيق»:

2- بحسب «بدهية الاتصال»:

وقد صار واضحا ان احتمال ذلك يساوي 2070 × 1969 × 1868 : 6840328440 : 02،0 : 2%. فيكون احتمال وجود ثقة على الاقل بين هؤلاء : 100 2 : «98 %»، وعليه فلو اورث هذا الظن القوي الاطمئنان كان به، والا فمشكل.

تبقى الاشارة الى امور:

وتبقى الاشارة الى امور مرت معنا مرارا، وهي:

1- امكان اجراء حساب الاحتمال بلحاظ «نسبة المشايخ» و«نسبة الروايات» بالطريقة التي تقدمت بعد اجراءاحصاء لروايات «يونس بن عبدالرحمان».

2- امكان تضييق دائرة مشايخ ابن عبدالرحمان بلحاظ الراوي والمروي عنه على ما تقدم في رجال «ابن ابي عمير»(ع) و«الحسن بن محمد بن سماعة».

3- لزوم نفي احتمال كون الوسيط المجهول في مرسلة «ابن عبدالرحمان» شخصا ضعيفا من غير من ثبتت روايته عنهم. الا انه لا نافي تعبدي له خلافا لما مر معنا في مرسلات «ابن ابي عمير».

4- التطبيق الرابع مراسيل عبد اللّه بن المغيرة:

ذكر هذا التطبيق السيد كاظم الحائري في «كتاب القضاء» حول المرسلة التالية ل«عبداللّه بن المغيرة»:«محمد بن علي بن الحسين باسناده عن عبداللّه بن المغيرة عن غير واحد من اصحابنا عن ابي عبداللّه(ع) في رجلين كان معهما درهمان..»((138)). ولعبداللّه مراسيل اخرى من قبيل:

ا- مرسلته في الكافور: «و عنه عن عن ابيه عن عبداللّه بن المغيرة عن غير واحد عن ابي عبداللّه(ع) قال: الكافورهو الحنوط»((139)).

ب- مرسلته في استحباب معاودة الدعاء: «و عنه عن ابيه عن ابن عمير عن عبداللّه بن المغيرة عن غير واحد من اصحابنا قال: قال ابو عبداللّه(ع): ان العبد الولي للّه..»((140)).

قال سماحته: «بالامكان تتميم السند الاول [ما بين ايدينا] بان يقال: ان التعبير ب(غير واحد من اصحابنا) الذي قد يؤدي معنى ما يزيد على الاثنين على الاقل حينما يصدر من مثل عبداللّه بن المغيرة الذي قيل عنه اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه) يورث الاطمئنان بحساب الاحتمالات بان احدهم على الاقل كان ثقة، او ان نقلهم جميعا لعبداللّه بن المغيرة كان يوجب الاطمئنان بالصدور»((141)).

وتطبيق حساب الاحتمالات في المقام قد صار واضحا، وهو متوقف على معرفة مقدار مجموع مشايخه ونسبة من ثبت ضعفهم منهم. واذا اردنا حساب احتمال كونهم جميعا من الكاذبين بلحاظ النسبتين «نسبة المشايخ» و«نسبة الروايات» كان لزاما علينا معرفة نسبة رجاله الثقات الى مجموع رجاله ونسبة رواياته عنهم الى مجموع رواياته، ثم تطبيق ما تقدم منا مرارا.

5- التطبيق الخامس مراسيل جميل بن دراج:

وقد ذكر هذا التطبيق ايضا السيد كاظم الحائري في «كتاب القضاء» حول «نفوذ الحكم على الغائب» الوارد في مرسلة «جميل» التالية: «محمد بن الحسن باسناده عن ابي القاسم جعفر بن محمد عن جعفر بن محمد بن ابراهيم عن عبداللّه بن نهيك عن ابن ابي عمير عن جميل بن دراج عن جماعة من اصحابنا عنهما(ع) قالا: الغائب يقضى عليه اذا قامت عليه البينة، ويباع ماله، ويقضى عنه دينه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته اذا قدم. قال:ولا يدفع المال الى الذي اقام البينة الا بكفلاء»((142)). قال سماحته: «و يمكن علاج ما فيه من الارسال بدعوى ان مثل جميل بن دراج الذي هو من اجلة الرواة لو نقل عن جماعة نستبعد بحساب الاحتمال كون اولئك الجماعة كلهم كاذبين»((143)).

و الكلام في «جميل بن دراج» هو الكلام، فلا نعيد.

6- التطبيق السادس وحدة «عمر بن يزيد السابرى» و «الصيقل»:

ورد في كتب الرجال بعض الاشخاص بعناوين متعددة، وقد جعل هذا الامر قرينة على التعدد. وعلى هذا الاساس قيل باحتمال تعدد «عمر بن يزيد» وتردده بين «عمر بن يزيد بن بياع السابرى» الثقة، و«عمر بن يزيدالصيقل» الذي لا شهادة بتوثيقه. وفي مقام علاج اشكال تعدد العناوين في كتب الرجال والذي جعل كما قلناقرينة على التعدد، لجا السيد محمود الهاشمي في «كتاب الخمس» الى حساب الاحتمالات ضمن ما لجا اليه من اجل اثبات وحدة العنوانين.

قال سماحته: «استبعاد وجود رجلين مع وحدة الاسم واسم الاب والطبقة والاختصاص بابي عبداللّه(ع)، وان لكل منهما كتابا يرويه عنهما معا ابن ابي عمير كما تقدم في كلام النجاشي...فهذا التشابه والتقارن في الطبقة والناقل او الناقل عن الناقل وسائر الخصوصيات لا تكون بحساب الاحتمالات عادة الا مع فرض وحدة الرجلين»((144)).

تقريب جريان حساب الاحتمالات:

وتقريب جريان حساب الاحتمالات انه كلما حصلنا على خصوصية مشتركة بين العنوانين، جرى حساب الاحتمالات لحساب الوحدة. وتقريبه سهل بعد ان كانت كل خصوصية في نفسها محتمل فيها الوحدة والتعددعلى حد سواء اي بنسبة 12 .

فاذا اتحدت الخصوصيات ضربنا هذا الكسر في نفسه بعدد الخصوصيات المتحصلة.

فاذا كانت الخصوصيات في المقام هي:

1- «وحدة الاسم».

2- «وحدة اسم الاب».

3- «وحدة الطبقة».

4- «الاختصاص بابي عبداللّه(ع)».

5- «لكل منهما كتاب يرويه ابن ابي عمير»، كان احتمال التعدد يساوي×××12 × 12 ×12 × 12 × 12 ×××132 031،0 ×××1، 3% ×××.

وهذا يعني ان احتمال اتحاد العنوانين : 100 1، 3 : 9،96%. فان اوجبت هذه النسبة اطمئنانا كان به وذلك لحجية الاطمئنان.

اما لماذا كانت نسبة «1،3» نسبة احتمال «التعدد» لا «الوحدة» مع ان احتمال «الوحدة» و«التعدد» في كل خصوصية في نفسها :

12 ، فلما تقدم في «القسم الثاني».

7- التطبيق السابع رجل «تفسير القمي»:

و قد ذكر هذا التطبيق الشيخ محمود هيدوس في دراسة له حول «تفسير القمى»((145))، وذلك في مقام القول بعدم امكان الاطمئنان الى وثاقة كافة رجال الاسناد الواقعين في القسم الاول من «تفسير القمي» الذي هو القدرالمتيقن من التفسير.

فقد قام الشيخ باحصاء رجال هذا القسم، والغاء المشتركات، وخلص الى ان مجموع رجاله يساوي «243» راوياتقريبا، منهم «104» من الثقات، «20» من المضعفين و«119» من مجهولي الحال. ولمعرفة امكان التعويل على مجهولي الحال الذين يشتملون بطبيعة الحال على الثقات والضعاف معا، قام الشيخ باجراء حساب الاحتمالات في نسبة غير الثقات الى مجموع الثقات وغير الثقات من معلومي الحال، فكانت النتيجة «20»[المضعفون] + «104» [الثقات] : «124» وهو مجموع معلومي الحال.

وبناء عليه تكون نسبة المضعفين الى الثقات ×××20124×××16،0×××16%. وهذه النسبة مما يعتد به الذهن البشري ولا يطرحه، فلا يحصل الاطمئنان بوثاقة الرواة الواقعين في الاسناد جميعهم.

و عليه، فاذا كانت نسبة المضعفين الى المجموع من معلومي الحال تساوي «16%»، فانها كذلك بالنسبة الى مجهولي الحال، ولما كان مجموع مجهولي الحال يساوي «119» راويا، فان عدد الرواة الضعاف المحتمل توفرهم في مجهولي الحال يساوي:

119×16%×××16100×119((146)) ×××04،19×××19 راويا.

ولا باس بالاشارة هنا الى اننا في هذا التطبيق استخرجنا نسبة الضعاف الى الثقات ضمن دائرة معلومي الحال ثم طبقناها على مجهولي الحال.

خلاصة الدراسة:

لقد حاولنا في «القسم الاول» من هذه الدراسة تسليط الضوء على التطور التاريخي للبحث في نظرية الاحتمال،والتوقف قليلا عند اسهامات المعلم الشهيد الصدر(ره). ثم تعرضنا الى بيان جملة من القواعد الرياضية الاولية والرئيسية المتعلقة بنظرية الاحتمال، وذلك من اجل تمكين القارى ء الكريم من تطبيق هذه النظرية تطبيقا رياضياسليما في علم الرجال وغيره من العلوم الشرعية.

ثم عكفنا في «القسم الثاني» على بيان ابداعات سيدنا الشهيد(ره) في توظيف نظرية الاحتمال الرياضية في باب «التواتر» و«الاجماع»، حيث وقفنا عند كلماته(ره) وفسرناها تفسيرا رياضيا. ثم حاولنا تتميم ما تركه(ره)شاغرا من قبيل التفصيل بين التواتر الطولي والعرضي، وكيفية التعامل رياضيا مع العوامل المذكورة في باب التواتر، اضافة الى البرهنة رياضيا على صحة ما افاده(ره) حول جريان حساب الاحتمالات في «التواتر» اسرع منه في «الاجماع». كما وبرهنا رياضيا على انخفاض درجة الكشف في الاجماع كلما ازداد تاثر المجمعين ببعضهم البعض.

وفي القسم الثالث، تعرضنا الى سبعة تطبيقات لنظرية الاحتمال في علم الرجال، ذكرها الشهيد الصدر(ره)وبعض من تلامذته وتلامذة تلامذته. حيث وقفنا عند مراسيل ابن ابي عمير(ع) محاولين الانتصار الى ان المناط هو لحاظ نسبة «الرواية» على نحو المصدر اي بمعنى «عملية الرواية» لا على نحو «اسم المصدر» بمعنى «المروي».

وعلينا هنا ان نشير الى ان الفرصة لم تسمح بالتوسع في تطبيقات نظرية الاحتمال في بحثي «التواتر»و«الاجماع» تطبيقا نصوصيا. ونحن في الوقت الذي نؤمن فيه بان اتباع الدقة الرياضية في كثير من الموارد قد لاتكون متيسرة للكثيرين، بل انها وفي كثير من الموارد قد لا تكون مرادة حتى للمنادين بنظرية الاحتمال بعد ان كنا قد ذكرنا في القسم الاول انهم يعتقدون بانها من الاليات التي يعمل وفقها الذهن البشري ، الا ان هذا كله لايسلب البحث الرياضي موقعه الخاص في تفرده في البرهنة على صحة ما تم اطلاقه ثبوتا، وذلك بعد وضوح ان انتفاء الحاجة الى شيء اثباتا لا يعني على الاطلاق نفي اهمية البحث فيه ثبوتا.

كلمة ختامية:

يعتقد جل تلامذة الشهيد الصدر(ره) بان استاذهم صاحب مدرسة اصولية مستقلة((147)). فالسيد كاظم الحائري مثلا يرى ان علم الاصول دخل على يد استاذه عصرا رابعا بفضل الابحاث القيمة والمباحث الفريدة التي ادخلها(ره) الى علم الاصول((148))، وكذلك السيد عمار ابو رغيف الذي يرى ان استاذه(ره) «ادخل علم اصول الفقه مرحلة متميزة في سياق تاريخ هذا العلم»((149)) وانه يمثل «نهاية تطور الفكر الاصولي الحديث في مدرسة الشيعة الامامية»((150)) على الرغم من ان «هذا الرجل العظيم الذي انتفض من بين ركام تراث واسع الابعاد، لم يتح له عمره القصير بالقياس الى مهمته من اتمام رسالته العلمية والفكرية»((151)). الا ان هذا الامركان ولا يزال محل نقاش وجدل، وهو خلاف يستدعي البحث اولا وقبل البت فيه في «تعريف المدرسة الاصولية والعصر الاصولي وتحديد ضوابطهما»((152))، ثم النظر على ضوء هذا التعريف والتحديد في مدى انطباق ذلك على الشهيد(ره) وغيره. وقد قلنا «وغيره» لاننا لو خرجنا بتعريف جديد لا ينسجم مع موارد اطلاق الصدر(ره) لهذا المصطلح، للزم علينا اعادة التقييم ابتداء وبالنسبة الى الجميع.

وقد انطنا ذلك ب «موارد اطلاق الصدر» لان اصطلاح «المدرسة» اصطلاح جديد لم يكن له اي عين او اثر في المدونات الاصولية قبل عهد الشهيد(ره) الذي كان اول من اطلقه على كل من «النائيني» و «العراقي» و«الانصاري» و «الاخوند» و «البهبهاني» و «الميرزا الشيرازي»(قدس سرهم).

ثم لو صح ان يكون مائز «المدرسة» هو مجموعة الابحاث المفصلية التي تستتبع تغييرا في هيكلية الفكرالاصولي من قبيل «مسلك جعل الطريقية» عند الميرزا النائيني(ع) مثلا ، فان من المظنون بشدة ان النزعة الاستقرائية التي وظفها الصدر(ره) في علم الاصول تتصدر العناصر التي ادخلها(ع) الى علم الاصول والتي كان لها دور في تطبيعه بطابع جديد. فقد احتلت هذه النزعة موقعا مرموقا ضمن المنظومة الاصولية الابداعية للسيدالصدر(ره)،بعد ان كان منطق الاستقراء عموما وكما يقرره السيد محمود الهاشمي واحدا من الحقول التي فتح فيها السيد الشهيد(ره) «آفاقا للمعرفة الاسلامية لم تكن مطروقة قبله»((153)) فهو وكما يقرره السيد ابورغيف «مؤسس النزعة الاستقرائية في دائرة الفكر الاسلامي، فهو الذي ابتدا دراسة الاستقراء بادئا من حيث انتهى الغرب، وهو الذي اقام هذا الدرس على اساس تمحيص معطيات الفكر الغربي ونقده. وهو الذي تسلح بسلاح الفكر الغربي من رياضة ومنطق، ثم طوى البحث وجاء بنتائجه محتفظا بشخصية الباحث المستقل،دون تقليد اومحاكاة. وهو الذي توفر على شجاعة الباحث الجسور، الذي يقارع اقدس صور الحكماء «ارسطو» وموقفه من الاستقراء»((154))، ويقرر كذلك ان الاهمال والاغفال المتعمد لاطروحة «الاسس المنطقية للاستقراء»«يؤثربجد على علوم الشريعة ايضا، اذ ان الرجل قد اعتمد الاستقراء ومصادراته ونظرية الاحتمال فيه اساسا لاهم قواعد الاستنباط الفقهي، واكثرها خطورة على نتائج العملية الفقهية»((155)).

والى جانب ذلك يرى الشهيد السيد محمد الصدر(ع) ان تطبيق استاذه(ره) لحساب الاحتمالات في علم الاصول يعد خرقا للمنهج الاصولي السائد على الرغم من اقتصاره «على النتائج الوجدانية الواضحة لحساب الاحتمالات متجنبا الدخول في التعقيدات البرهانية عليها، باعتبار توفرها في مصدر آخر هو كتابه (الاسس المنطقية للاستقراء)»((156)).

وعلى اية حال، فالمرجو ان تكون هذه الدراسة قد ساهمت ولو بمقدار بسيط في بيان وتقعيد بعض من الابداعات التي توصل اليها الذهن الوقاد لواحد من اعاظم نجوم الامامية في سماء تاريخها، عنيت الفقيه المجاهد، والراحل المتواجد، الشهيد السعيد الامام السيد محمد باقر الصدر(ره)، فالسلام عليه يوم ولد، ويوم عاش الاسلام وله،ويوم استشهد من اجله، ويوم يبعث حيا..

 

الفقه الجزائي والسياسة الجنائية

طوبى الشاكري
 


ترجمة: اياد حداد القسم الثاني مبدا قانونية الجرائم والعقوبات تناول القسم الاول الانتقادات التي تعرض لها الفقه الجزائي واتضح ان الناقدين للفقه الجزائي الاسلامي يجدون نسبة تباين منطقية بين الفقه الجزائي والسياسة الجنائية التي بمعنى السياسة القائمة على العقلانية في مكافحة الجريمة والتي تلاحظ شخصية المجرم وتعنى بحمايته، وذلك نتيجة سببين:

تاريخي وفلسفي. فللوهلة الاولى يبدو ان هذين الموضوعين يقعان في نقطتين متقابلتين تماما. وقد حاولنا الرد على هذه الاتهامات وتوضيح السياسة الجنائية الاسلامية من خلال الابتداء بمبدا قانونية الجرائم والعقوبات، وتناولنا مناشئ هذا المبدا لدى المدارس والمذاهب الجزائية وغير الجزائية.

نموذج للانتقادات المطروحة:

توجه السيدة «دلماس مارتي»، استاذة الحقوق الجزائية في فرنسا، انتقادها للسياسة الجنائية الاسلامية في ضوء تصنيف يقوم على الاسس الايديولوجية للسياسة الجنائية مركزة على هذه الاسس بالذات. فهي تضع السياسة الجنائية الاسلامية في قالب من النزعة الاصولية الدينية او (ذژخزخ حژذآ ) الى جانب تيار فاشي يقع في ظل مجموعة من التطورات الفكرية والايديولوجية الاستبدادية (ذژخزچژخدچژرث )، فترى انه لا مجال لمبدا قانونية الجرائم والعقوبات مع ملاحظة الصلاحيات المطلقة للحاكم من ناحية، ووجود القياس والتعزيرات في الفقه الاسلامي من ناحية اخرى. وهي ترى ان هذه النزعة الاصولية المذهبية ذات هيكلية مركزية. فالخليفة هو رمزالارادة الالهية وكل شيء ينحصر في قوته المطلقة. وهكذا هو الحال في تاييد الفاشية الصريح لتقدم الحكومة على القانون من خلال شعارها: «كل شيء في الحكومة، لا شيء خارج الحكومة، لا شيء في قبال الحكومة»((157)).ونحن في هذا القسم وفي الاقسام التي تليه نحاول متابعة الاهداف التالية:

1- تناول موقع مبدا قانونية الجرائم والعقوبات في الفقه الجنائي الاسلامي ومناشئه مع توضيح السياسة الجنائية الاسلامية وموقعها الايديولوجي.

2- تقويم الاسس العملية الاخرى لهذه السياسة التي من شانها تحديد معالم الاصلاحات المستقبلية.

3- واخيرا نتناول في موضوع ثانوي اساليب تفسير النصوص الجزائية من خلال ملاحظة مبدا قانونية الجرائم والعقوبات، ومدى تناسبه المنطقي مع الاساليب التفسيرية والتاويلية والهرمونوطيقية.

1- موقع مبدا قانونية الجرائم والعقوبات في الفقه الجنائي الاسلامي:

لتوضيح مبدا قانونية الجرائم والعقوبات في الفقه الاسلامي، ينبغي التفحص والتامل فقهيا في ثلاثة موضوعات مترابطة ومتفاعلة على مدى تاريخ الفقه الاسلامي، وذلك للتوصل الى صورة منطقية صحيحة عن موقع هذاالمبدا في كيان الفقه الجزائي الاسلامي:

ا- موقع مبدا القانونية في الروايات.

ب- مبدا القانونية في فقه اهل السنة.

ج- مبدا القانونية في الفقه الامامي.

ا- موقع مبدا قانونية الجرائم والعقوبات في الروايات:

ان تدافع التيارات الفقهية الحديثة، سواء من المتخصصين او الناقدين، قد آل الى قيام ابداعاتهم على نصوص مرفوضة او مشكوكة من حيث التقويم الرجالي، وذلك اما بسبب تغافل مصلحي او عدم الاطلاع الكافي على اهمية «سند الحديث». من هنا فنحن اذ نتناول احاديث المعصومين(ع) حول مبدا القانونية، نفكك بين امرين:

1- سند الرواية.

2- دلالة الرواية.

الرواية الاولى:

اعتاد الفقهاء في بداية كتاب القضاء الاستناد الى مرفوعة محمد بن خالد البرقي للاشارة الى اهمية القضاءوالتحذير من تصدي من لا تجتمع فيهم الشروط المطلوبة ولا سيما القضاة الى القضاء بغير علم.

في هذه الرواية، يروي محمد بن خالد البرقي عن الامام الصادق(ع) قوله: «القضاة اربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة:

رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة»((158)).

ا- تقويم سند الحديث:

يروي هذه الرواية الشيخ الكليني عن مجموعة من الاصحاب عن احمد بن محمد بن خالد البرقي عن ابيه مرفوعة عن الامام الصادق(ع).

وضعف هذه الرواية هو لكونها مرفوعة، الا ان عمل المشهور بها يجبرهذا الضعف، ولذلك لا غبار عليها من هذه الناحية.

ب- تقويم دلالة الحديث:

يصنف المعصوم(ع) القضاة في هذه الرواية الى اربعة اصناف:

1- القضاة الذين يصدرون احكاما واهية لا سند لها على علم منهم بمصادر الاحكام ومقررات الشريعة واصول الاستنباط.

وما من شك في ان هذا العمل هو من حالات التحكم القضائي التي تنشا عن ميول ذاتية لدى القاضي الى تفسيرات وتاويلات قياسية واسراء احكام الحالات المنصوص عليها الى غير المنصوص عليها، حيث يعود ذلك الى اختلاف الاساليب الاجتهادية بين الامامية واهل السنة او الى عوامل خارجية سواء كانت سياسية او حكومية او اجتماعية او شخصية تدفع القاضي الى تغاضي المستندات الحقيقية للحكم واستخراجه بطريقة غير اصولية. وعلى اي حال يؤاخذ المعصوم(ع) هنا القاضي بشدة لاصداره حكما بلا قيمة ولا سند عن وعي وعلم.

والدلالة الالتزامية لهذا الحديث هي عدم اعتماد هذا الحكم شرعا، لعدوله عن مبدا قانونية الجرائم والعقوبات.

2 و 3- الاحكام الصادرة عن المجموعة الثانية والثالثة من القضاة (اي اولئك الذين يحكمون بغير علم ظلما او حقا)ساقطة عن الاعتبار ايضا، للجهل بالاحكام والمقررات الشرعية وان كان القاضي مصيبا (بحسب الواقع) في اصدار الحكم عن طريق الصدفة، ذلك ان قيمة الحكم الصادر تعتمد على مدى قوة مقدماته واسسه الاصولية والمنطقية، حيث يستدعي ذلك بالتاكيد استيفاء العلم والوقوف الدقيق للقاضي على مصادر الحكم ومستنداته.

4- ومن وجهة نظر الشارع ليس لاحد صلاحية القضاء والفصل بين الخصومات واصدار الاحكام سوى من يعلم مصادر الحكم واوامر الشارع ونواهيه، ويصدر الحكم المطلوب بالحق وفي ضوء المقدمات والاصول والضوابط المقررة. والدلالة الالتزامية لذلك هي تاكيد مبدا القانونية وتثبيته، ورد صلاحية القضاة الذين يفتقدون العلم اللازم او الذين لا يلتزمون عمليا بمبدا القانونية.

الرواية الثانية:

«من حكم في درهمين بغير ما انزل اللّه عز وجل ممن له سوط او عصا فهو كافر بما انزل اللّه على محمد(ص)»((159)).

ا- تقويم سند الرواية:

يروي هذا الخبر الحكم بن ايمن الحناط (الخياط) عن ابي بصير عن الامام الباقر(ع)، ويرويه هو ايضا عن ابن ابي يعفور عن الامام الصادق(ع).

والماخذ على سند هذه الرواية هو في وجود ابراهيم بن هاشم وصباح الازرق والحكم الحناط (الخياط) الذين جاؤوا في سلسلة رجال هذا الخبر. واذا صرفنا النظر عن ابراهيم بن هاشم لا يمكن التغاضي عن ضعف السند من جهة صباح والحكم وهما من المهملين وغير الموثقين. ولكن مع ذلك هناك ادلة اذا اعتمدناها وثقنا بصدور الخبرعن المعصوم(ع) بالرغم من ضعف السند، هذا وذلك:

اولا: منطوق الرواية يؤكد مفهوم روايات تواترت من حيث المعنى حول ذم قضاة الجور واهل الراي والقياس وعدم نفوذ وصلاحية الاحكام الصادرة عنهم، وتدل على ضرورة صدور الحكم مطابقا لنص الكتاب والسنة اوالاخذ بمبدا القانونية.

ثانيا: وجود طرق اخرى لهذه الرواية تؤدي بمجموعها الى الظن بصدور ذلك عن المعصوم(ع)، حيث يوجدمضمون هذه الرواية في ممدوحة ابي بصير مع اختلاف يسير في العبارة.

بل ولا غبار عليها من حيث الرواة والسند ايضا اذا اعتبرنا «محمد بن حمران النهدي واعين» شخصا واحدا، فهومن الثقات، وكذا الامر من ناحية ابراهيم بن هاشم (كما يعتقد ذلك الشيخ المفيد والعلامة).

ثالثا: يروي الشيخ الكليني هذه الرواية بسند آخر على هذا النحو: «من حكم في درهمين بحكم جور ثم جبر عليه كان من اهل هذه الاية: (من لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الكافرون)». فقلت: كيف يجبر عليه؟ فقال: «يكون له سوط وسجن فيحكم عليه، فان رضي بحكمه والا ضربه بسوطه وحبسه في سجنه»((160)).

بالاضافة الى ذلك روى الشيخ الصدوق هذا الخبر نفسه باسناده عن ابي بصير بعبارة اخرى تحمل المضمون نفسه.

كما اورد العياشي في تفسيره هذا الامر على هذا النحو: «من حكم في درهمين بغير ما انزل اللّه فقد كفر، ومن حكم في درهمين فاخطا كفر» ((161)).

والجدير بالذكر ان العياشي يرى ان هذه الرواية مضطربة في نصها. وبالتالي يمكننا الوثوق بصدور هذا الخبرعن المعصوم(ع) من مجموع هذه القرائن، بالاضافة الى مطابقة هذه الاخبار لروح الفقه الامامي الذي يمتازبشكل خاص بتاكيد قيام العمل الاجتهادي على الكتاب والسنة القطعية وعدم جواز العمل بالراي والقياس.

ب- تقويم دلالة الرواية:

لا يمكن الاستناد الى خبر العياشي بسبب اضطراب نصه، ذلك ان العبارة الاولى من الخبر حول ذم القضاة الذين يتصدون للقضاء وفصل الخصومات بالراي والقياس وبالتفسير الموسع للنصوص الشرعية وعدم ملاحظة استناد الحكم الى نص شرعي صحيح. وبغض النظر عن العبارة الثانية من الخبر فان العبارة الاولى تثبت المطلوب، لان عدم اعتماد الاحكام القياسية غير المستندة الى نص صريح شرعا يستلزم اعتماد مبدا القانونية في نظر الشارع. واما العبارة الثانية «ومن حكم في درهمين فاخطا كفر» فان كانت الواو هنا عاطفة فلا غبار على النص، لان معنى العبارة في الحقيقة سيكون: «ومن حكم في درهمين بغير ما انزل اللّه فاخطا كفر»، اي: اذا اصدرالقاضي في دعوى حكما لا يستند الى النصوص الشرعية (الكتاب والسنة) ولا يتوافق معها فقد كفر بما انزل اللّه.والدلالة المفهومية والالتزامية لهذا الخبر هي الالتزام بمبدا قانونية الجرائم والعقوبات. ولكن اذا كانت الواواستئنافية وكان ما بعدها كلاما منفصلا عما سبقه فان خطا القاضي في اصدار الحكم منشؤه اسباب متعددة، من قبيل: اشتباه الامر على القاضي بسبب اقرار غير مطابق للواقع من قبل المتهم، او شهادة شهود غير عدول، اوشهادة زور، او راي غير مصيب من قبل المتخصصين حول تعيين حدود الجريمة، او تحديد مقدار الضررالحاصل او الارش (التفاوت بين المعيب والصحيح).. او قد ينشا عن خطا القاضي في استنباط الحكم من مصادره الاولية والادلة الشرعية، او عن خطا في تطبيق الكبريات والقضايا الكلية على المصاديق والجزئيات، حيث لايشكل اي من هذه الحالات قدحا تجاه القاضي، وكل ما هناك هو انه لو اتضح الخطا في الحكم للقاضي الذي اصدره او لقاض آخر قبل التنفيذ فعليه ان ينقض الحكم.

واما اذا اكتشف الخطا من بعد تنفيذ الحكم: فان كان منشا الخطا هو تشابه الامر على القاضي بفعل غيره كالشهود او المتخصصين،فعلى هؤلاء تحمل الاضرارباعتبارهم سبب خطا القاضي في اصدار الحكم وبالتالي في تضرر المحكوم عليه((162))، وان كان منشا الخطاهو الاستنباط غير المصيب الذي قام به القاضي، فعلى بيت المال تحمل الاضرار او دفع الدية وما الى ذلك((163)).

وعلى هذا فان مستندنا الاساس في الرواية الاولى هو خبر «الحكم الحناط» وفي الرواية الثانية هو «مرفوعة ابن مسكان»، برواية الكليني التي اجاب فيها المعصوم(ع) السائل عن عبارة «ثم جبر عليه...» بقوله: «يكون له سوطوسجن فيحكم عليه، فان رضي بحكمه والا ضربه بسوطه وحبسه في سجنه».

ومراد الامام(ع) هو بيان قوة الحاكم او الجهاز الحاكم، حيث يستمد القاضي قوته من قوة الجهاز باعتباره عضوااو هيئة فرعية للنظام، وهذه القوة لا يجري استخدامها من اجل تنفيذ احكام كيفية (ارتجالية) تفتقد المستند.

فالامام(ع) يرى وبشكل مؤكد ان هذه القوة محدودة وان القاضي مقيد بمبدا قانونية الجرائم والعقوبات، فاذاانحرف عن هذا المبدا فهو يهدده بعبارات من قبيل: «فهو كافر بما انزل اللّه»، «فهو كافر باللّه العظيم»، «فقدكفر باللّه تعالى» ويضعه امام هذا النظام القانوني.

فنحن نشهد في هذه الروايات وفي مرفوعة محمد بن خالد البرقي المنشا الاول لمبدا قانونية الجرائم والعقوبات الذي هو الحيلولة دون تحكم القضاة وصلاحياتهم اللامحدودة في اعمال العقوبة تجاه المجرمين، وان القاضي هنا مهدد بشدة من قبل الشارع في حال عدوله عن مبدا القانونية، وهذا ما يضع الامر في مقابل ما يتصوره بعضهم، كالسيدة «دلماس مارتي»، عن السياسة الجنائية الاسلامية بوضعها في اطار نزعة اصولية دينية قائمة على ايديولوجية سلطوية استبدادية تجعل منها سياسة يكون فيها كل شيء بما فيه مبدا القانونية من دون معنى في قبال السلطة المطلقة للحاكم وارادته التسلطية اللامحدودة. ويبدو ان ما استندت اليه السيدة «دلماس مارتي» كان يميل الى الاستقراء التاريخي للانظمة الدينية في عهود الحكم الكنسي في اوربا اوالحكومات الدينية للامويين والعباسيين والعثمانيين في الانظمة الاسلامية اكثر من اخذه عن مصادر الفقه الاسلامي من الكتاب والسنة.

الرواية الثالثة:

يذكر امير المؤمنين(ع) في جانب من عهده الى مالك الاشتر امورا حول نصب القضاة قائلا: «ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الامور و... لا يكتفي بادنى فهم دون اقصاه، واوقفهم في الشبهات،وآخذهم بالحجج»((164)).

المصطلحات في كلام امير المؤمنين(ع):

الفقرة التي نريد الاستناد اليها من كلام امير المؤمنين(ع) هي العبارات الثلاث الاخيرة منه والتي ينبغي التامل في ثلاث كلمات منها: «الفهم»و «الشبهات» و «الحجج».

و «الفهم» او «العلم» في العبارة الاولى يشمل العلم بالموضوع والحكم (طبعا العلم بمعناه الاصطلاحي في الفقه والذي يشمل العلم والظن هو مما يعتمد عليه).

وكلمة «الشبهات» جمع محلى بالالف واللام، وهو يفيد العموم، فتشمل الشبهات الحكمية والموضوعية. وكلمة «الحجج» ايضا تحمل معنى عاما للسبب ذاته (جمع محلى بالالف واللام)، وهي تشتمل على الحجة والدليل الشرعي والبينة والحجة (شهادة الشهود وما اليها) في الدعاوى. ولكن لا ترد هنا شبهة استعمال اللفظ في اكثر من معنى فيما اذا ثبت امكان وقوعه وعدم وجود محذور عقلي يمنع ذلك.

وعلى اي حال، ونظرا للموضوع قيد البحث (مبدا قانونية الجرائم والعقوبات)، لا نتناول هنا المسائل الاخرى المتعلقة بهذا الموضوع، مثل شروط الاخذ بشهادة الشهود وعدم اعتماد الاقرار الماخوذ بالاكراه والاجبار وماالى ذلك، وانما سناخذ من مداليل هذه الاصطلاحات والعبارات ما يتعلق بمرادنا وما يثبت مبدا قانونية الجرائم والعقوبات. فالمعيار في منصب القضاء وتنصيب القضاة عند امير المؤمنين(ع) هو ان يكون القضاة على مستوى رفيع من العلم بالاحكام الشرعية وتقصي الحجة والدليل الشرعي عند اصدار الحكم، كما تؤكده عبارة «آخذهم بالحجج» من خلال التعبير عنه بافعل التفضيل. وتقصي الحجة والدليل الشرعي في اصدار الاحكام هوتعبير آخر مكمل لمبدا القانونية ومن الاصول العملية للسياسة الجنائية في الاسلام التي ينبه امير المؤمنين(ع)القضاة على مراعاتها بدقة، وهي سياسة تحول بشدة دون حيف القضاة وتفردهم في الحكم، وتحدد بوضوح اطار صلاحياتهم في اصدار الحكم. اضف الى ذلك ان الامام يلزم((165)) القاضي بالاحتياط والتوقف عن اصدارالحكم في حال انعدام الحجة والدليل الشرعي من خلال عبارة «اوقفهم عند الشبهات»، اي عندما يتردد القاضي في اتخاذ القرار ويميل ربما الى العدول عن مبدا القانونية ليعمل القياس ويسري الحكم من الحالات المعلومة الى حالة مجهولة، فان الشريعة توجه له التحذير اللازم وتمنعه عن الاجتهاد برايه، ففي كل حالات الشبهات الحكمية(البدوية منها والمقترنة بالعلم الاجمالي) يطلب الشارع من القاضي التوقف عن اصدار الحكم.

ولنتناول هنا ضرورة التوقف والاحتياط والنتيجة المنطقية لذلك من خلال الفصل بين الشبهات البدوية والمقترنة بالعلم الاجمالي.

1- الشبهات البدوية الحكمية:

الشبهات البدوية هي ما يقابل الشبهات المقترنة بالعلم الاجمالي. والمراد بها الحالات التي يواجه فيها الفرد من البداية حكما فيتردد فيه لعدم وجود دليل ونص معتمد على الحكم، او اجمال النص، او وجود معارض له، وماالى ذلك. وفي مثل هذه الحالات يجري الاصوليون الشيعة اصل البراءة سواء من الناحية العقلية او من الناحية الشرعية. والمستند العقلي لاصل البراءة عند الاصوليين هو قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»، كما ان مستندهم الشرعي والروائي هو حديث الرفع وقاعدة «عدم البيان» الشرعية.

من هنا يمكن القول ان مبدا قانونية الجرائم والعقوبات والبيان الحقوقي والقضائي هو من قاعدة «قبح العقاب بلابيان». وبالرغم من ان القدر المتيقن من قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» عند الاصوليين هو العقاب الاخروي، الا ان مساحة مبدا القانونية تمتد لتغط ي العقوبات الدنيوية ايضا، فكمايجري اصل البراءة في الشبهات البدوية في التكاليف الفردية طبقا لهذا المبدا، كذا هو الامر في القضايا القضائية التي ينعدم فيها النص القانوني على ممنوعية العمل الصادر من المتهم، حيث يكون جريان البراءة وعدم العقوبة في ضوء مبدا القانونية امرا مسلما به. الا ان الموضوع الذي يعتبر من اسس الاجتهاد ومقدمات استنباط الاحكام الشرعية وكذا مما ينبغي رعايته في اصول ومقدمات الاستنتاج المنطقي للحكم في مجال الاصول العملية والقضائية، هو الانتباه الى اللوازم العقلية لاصل البراءة ومبدا القانونية في ميدان القضاء.

فمن اللوازم العقلية والمنطقية لاصل البراءة وحرية الفرد تجاه الاجهزة القضائية هو توقف القاضي واحتياطه،منعه عن التوسع في التفسير وتاويل النص على اساس قياسات غير منطقية، تطبيقه عناوين اجرامية على سلوكيات محتملة الخطورة، واعماله لعقوبات كيفية (ارتجالية). اي ان مبدا قانونية الجرائم والعقوبات يتضمن في الحقيقة مبداين: البراءة بالنسبة الى الفرد، والاحتياط والتوقف بالنسبة الى القاضي.

فبالقدر الذي يتمتع فيه الفرد بالحرية والبراءة في الشبهات البدوية (حيث لا يدل نص القانون صراحة على ممنوعية فعل المتهم لعدم النص او اجماله او تعارض النصوص)، كذلك يجب على القاضي هنا الاحتياط والتوقف، بمعنى انه بالقدر الذي يجري فيه تاكيد البراءة على صعيد العمل الفردي للمكلف في الشبهات البدوية،كذلك يجب تعليم القضاة اصل الاحتياط في الشبهات البدوية الناشئة عن انعدام النص الشرعي المعتمد او اجماله او تعارض النصوص، وذلك في ضوء التعاليم الالهية لامير المؤمنين(ع). وهذا ما يبرهن ضرورة ادخال الموضوعات العملية والقضائية الى ميدان علم الاصول النظري او الاصول الفردية المتعلقة بعلاقة العبد بالمولى.وعلى اي حال، اذا دخلت الموضوعات المتعلقة بالاصول العملية والقضائية الى ميدان علم الاصول، فان الاصول العملية للسياسة الجنائية الاسلامية سيتسنى تعليمها للقضاة المعنيين بحمل رسالة تحقيق اصول هذه السياسة واهدافها.

2- الشبهات المقترنة بالعلم الاجمالي:

لا تجري قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» واصل البراءة في الشبهات المقترنة بالعلم الاجمالي، لعدم وجود ترديدفي اصل التكليف الفردي، بل يعد ذلك من حالات اعمال اصل الاحتياط على اساس قاعدة «دفع الضررالمحتمل»، كماان القاضي ملزم في هذه الحالات باصل الاحتياط. الا ان ما ينبغي التامل فيه هو الانتباه الى اختلاف الاسس الاصولية للاحتياط في التكاليف الفردية والمتابعات القضائية، ففي التكاليف الفردية يلزم الفرد بالاحتياط والجمع بين التكليفين والعمل بالحالة التي تملي عليه اقصى الزام شرعي بحكم قاعدة «دفع الضرر المحتمل».وهكذا الامر في مسالة القضاء والمتابعات القضائية، حيث يكلف القاضي بالاحتياط، الا ان الاحتياط بالنسبة اليه بمعنى الاخذ بما يستلزم اقل الزام قانوني تجاه الفرد ويضمن اكثر حرية عملية بالنسبة اليه. وهذا ما يمكن استفادته بوضوح من العموم والاطلاق في قول امير المؤمنين(ع) بعبارته الموجزة المفيدة: «اوقفهم عندالشبهات». ففي ضوء عموم واطلاق هذه العبارة يكون الاصل العملي بالنسبة الى القاضي والجهاز القضائي هوالاحتياط، سواء في الشبهات البدوية او الشبهات المقترنة بالعلم الاجمالي.اذا لا شك في طلب الشارع توقف القاضي واحتياطه في كل حالات الشبهة بدليل طرحه عبارة: «اوقفهم عند الشبهات»، وهذا معنى سيادة مبداقانونية الجرائم والعقوبات وحرية الفرد وبراءته في قبال الجهاز القضائي.

والنتيجة التي نخرج بها من خلال موازنة هذه الاصول بين وظيفة القاضي ووظيفة الفرد هي ما يلي:

اولا: ايجاد عملية جدلية تحكي عن استخدام اطلاق يصاحبه احتياط مطلوب في قول الامام علي(ع)، وناشئة عن توجه قضائي عملي نحو علم اصول الفقه، ولا سيما الاصول والقواعد العملية. فعلى سبيل المثال: يجوز للقاضي تشديد العقوبة في حال تكرار الجريمة على اساس البند الثامن والاربعين من قانون العقوبات الاسلامي: «كل من يحكم عليه بعقوبة تعزير او ردع بموجب حكم المحكمة، اذا اعاد ارتكاب جريمة يشملها تعزير بعد تنفيذ الحكم،فان للمحكمة تشديد عقوبة التعزير او الردع». الا ان المادة اعلاه تتعارض مع لاحقتها التي تقول: «اذا لم تكن المحكوميات السابقة للمجرم معلومة عند اصدار الحكم، ثم اتضحت، فعلى المدعي العام ابلاغ المسالة الى المحكمة التي اصدرت الحكم، وفي هذه الحالة اذا اقرت المحكمة المحكوميات السابقة امكنها العمل طبقا لما تقرره هذه المادة»، ولذلك يجب على القاضي الاحتياط وعدم تشديد العقوبة في حالات التكرار التي تقوم على المحكوميات السابقة. وهذا المبدا ينسجم تماما مع روح الفقه الجزائي، حيث يتضمن البراءة وحرية الفرد في افعاله، في حين يكون الاحتياط في التكاليف الفردية بمعنى الجمع بين التكليفين او الاخذ بالحالات المشكوكة.والجدير بالذكر ان التعارض بين المادة ولاحقتها جاء من ان المادة تجعل معيار تشديد العقوبة هو التكرار بالرغم من تنفيذ الحكم القبلي، في حين تجد اللاحقة ذلك في مجرد المحكومية السابقة وارتكاب الجريمة من بعد تنفيذالحكم.

ولذلك نلاحظ في هذا النوع من التشريع تبلور العقوبات لصالح المتهم تماما وفي سبيل الدفاع عن حقوقه وحرياته الشخصية، وتقيد القاضي باطار حفظ واستمرار مبدا قانونية الجرائم والعقوبات.

ثانيا: وعلى اثر الفصل بين هذه المبادئ نجد ان الفرد في سلوكه التوحيدي التكاملي في حال احتياط وتعبدمتزايد بحكم العقل وارشاد الشرع على صعيد علاقة العبد بالمولى باعتباره مكلفا يعمل في ضوء قاعدة «دفع الضرر المحتمل»، في الوقت الذي يتمتع فيه بالحصانة وحرية العمل في قبال الجهاز القضائي والسلطات الحاكمة بحكم ادلة الاحتياط هذه نفسها.

ولعل في الفصل بين هذين الموضوعين بالذات تاخذ الكرامة الالهية والانسانية للفرد والدفاع عن حقوقه وحرياته مفهومها ومعناها من خلال قراءة ثالثة للحقوق الطبيعية والفطرية((166)) في النظام الديني الذي لا ينزع الى التسلط وادعاء الكمال في ضوء السياسة الجنائية التي تقوم على مبدا قانونية الجرائم والعقوبات.

ثالثا: وبالفصل بين المبادئ تتحدد مساحة وطبيعة استخدام التخيير عندتعارض النصوص في الشبهات المقترنة بالعلم الاجمالي التي يعتقد الكثير من الاصوليين بتخيير الفرد فيها، لانه بالقدر الذي يكون فيه التخييرفي التكاليف الفردية امرا معقولا ومنطقيا ومطابقا لمبادئ الحرية وحق الاختيار والكرامة الانسانية، فهو ينتهي في المتابعات القضائية الى التحكم والاستئثار لدى القضاة. وهذا ما يتعارض تماما مع المناشئ الاولية لمبداقانونية الجرائم والعقوبات، ولا يمكن للعبارة الاعجازية «اوقفهم عند الشبهات» ان تتحمله بشكل من الاشكال.

المسالة الاخرى هي ان الشيخ الحر العاملي قد اورد ادلة الاحتياط في بداية كتاب القضاء ضمن باب منفردمستحدث يحتوي فتاواه حمل عنوان «وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى»((167))، بالرغم من داب الاخباريين والاصوليين على حصر الاستخدام العملي لادلة التوقف والاحتياط في قضايا التكاليف الفردية.

ولو كان الاصوليون قد تاملوا هذا الامر لاخرجوا البحوث الاصولية في قسم الاصول العملية من حالة التركيزعلى «الاناءين المشتبهين» و «حكم واجدي المني((168)) في الثوب المشترك» و «الشبهة العبائية»((169))الى موضوعات واقعية، الامر الذي لو تحقق لاخرج الاصول من حصار النزعة الفردية والتفكير التجريدي المحض، وانقذ الاجهزة القضائية اليوم من مشكلة فقدان سياسة جنائية شاملة منسجمة مع المشكلات القضائية الناشئة عن فقدان الاصول العملية لهذه السياسة.

الا انه قد اشار بعض الاصوليين بصورة غير منسجمة الى بعض المسائل المتعلقة بالسياسة الجنائية ضمن البحوث الاصولية المتعلقة بالاحتياط. فمثلا لا يعتقد الشيخ الانصاري بثبوت عدم تحقق الموضوع بالنسبة الى الاثار الوضعية في قضايا من قبيل اقامة الحدود في حال ارتكاب «مشتبه الخمرية»((170)).

في حين يتفق الاصوليون على قول آية اللّه الخوئي على استحقاق المكلف للعقاب في حال ارتكاب «مشتبه الخمرية» بدليل تمام البيان وتنجز الامر((171)).

الرواية الرابعة:

المعيار الذي يذكره امير المؤمنين(ع) في عهده الى مالك الاشتر في خصوص نصب القضاة، يعتبره الامام الصادق(ع) معيارا في النصب العام للفقهاء والعلماء بالاحكام باعتباره شرطا في مشروعية ونفوذ الاحكام الصادرة عنهم.

يروي الشيخ الصدوق باسناده عن داود بن حصين الخبر بهذا النحو:... في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهمابينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما على قول ايهما يمضي الحكم؟قال: «ينظر الى افقههما واعلمهما باحاديثنا واورعهما فينفذ حكمه، ولا يلتفت الى الاخر»((172)).

ويروي الشيخ الكليني عن داود بن حصين عن عمر بن حنظلة قول الامام:

«الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعهما، ولا يلتفت الى ما حكم به الاخر...».

بعد ذلك يتحدث الامام عن حالة تساوي القضاة في صفاتهم وتعارض النصوص والمقررات التي يستند اليهاالحكم وعدم وجود مرجح لاحد الطرفين قائلا: «اذا كان ذلك فارجه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»((173)).

ويروي الشيخ الكليني الخبر بهذا السند في منع الرجوع الى قضاة الجور ونصب الفقهاء والعلماء بالاحكام الالهية للحكم والقضاء. يقول الامام في هذا الخبر: «... ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالناوحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما»((174)).

ا- تقويم سند الحديث:

ان المشكلة التي تواجهها رواية الشيخ الصدوق تكمن في «الحكم بن مسكين» الواقع في طريق اسناد الشيخ الى «داود بن حصين»، وكذلك في «داود بن حصين» نفسه. وضعف «الحكم بن مسكين» ياتي من عدم توثيقه من قبل الاصحاب. واما «داود بن حصين» فقد وثقه النجاشي، الا ان الشيخ اعتبره واقفيا.

ولكن يبدو انه في حال تعارض الشيخ نفسه مع النجاشي يتقدم قول النجاشي، باعتبار قوة المنهجية في عمله قياسا بالشيخ.

اضف الى ذلك ان المامقاني اعتبر عدم تعرض النجاشي لمسالة المذهب عند الشيخ قرينة على كونه اماميا، لانه يتعرض لمذهب الرواة من غير الامامية.

نقطة الضعف الثانية في السند هي بسبب عدم توثيق الاصحاب ل «عمر ابن حنظلة»، وان حاول بعض الفقهاءاثبات وثاقته عن طريق خبر «يزيد بن خليفة» او وقوعه في طريق «صفوان بن يحيى»، ولكن بعد تلقي الاصحاب لخبره بالقبول يمكن الوثوق بصدور الخبر عن المعصوم(ع) حتى مع فرض عدم وثاقته.

ب- تقويم دلالة الروايات اعلاه:

كل من هذه الروايات الثلاث والتي يبدو انها تعابير ثلاثة مختلفة لخبر واحد، لا سيما مع انتهاء الطرق الى «داودبن حصين» هي الدليل الاساس لمن يرى لزوم الاجتهاد المطلق في نفوذ حكم القاضي.

وما يسترعي التامل في تحديد مفاد الخبر هو ان المعصوم امر في الخبرالاول والثاني بعدم الانقياد الى حكم القاضي الذي ينقصه العلم والوقوف على مصادر الاحكام الالهية لاستنباط الحكم قياسا بالقاضي الاخر وذلك من خلال قوله: «ولا يلتفت الى الاخر». ونجد في الخبر الثاني ضرورة عدم التزام اصحاب الدعوى بالحكم غيرالمستند وغير المعتمد للقاضي على فرض تمتع القاضي بالعلم والاحاطة التامة بطرق الاستنباط فيما اذا لم يستند الى متن صريح من دون معارض قانوني وشرعي، بدليل منطوق عبارة «اذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».

والدلالة الالتزامية لذلك هي عدم نفوذ الحكم الذي لا يطابق النص القطعي غير المعارض، وهذا الامر عبارة اخرى عن تتميم لاعتماد مبدا قانونية الجرائم والعقوبات.

وينيط الخبر الثالث نصب الفقيه واعتماد حكمه ونفوذه بتمتعه بالعلم والاجتهاد المطلق من خلال عبارة «ينظران من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا، فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما»((175)). وهذا الامر ينطوي على المطلوبية الالية والوجوب المقدمي بضرورة العقل ومنطق الشرع آتجاه اصدار الحكم وحل القضية المطروحة من خلال الاستنباط واستخراج الحكم من المصادر والمقررات الشرعية.

الصفحة السا بقة

 

الصفحة التالية