وبتعبير آخر: لا يتمتع الاجتهاد المطلق بمطلوبية ذاتية لدى
الشارع، بل هو مقدمة لتقيد القاضي بصورة مطلقة بمبدا
«قانونية الجرائم والعقوبات». من هنا تقضي الضرورة المنطقية
والاصولية بعدم كفاية الاجتهاد المتجزئ شرطا لنيل منصب
القضاء، بسبب احتمال تجاوز القاضي مبدا «قانونية الجرائم
والعقوبات» نتيجة انعدام العلم الوافي والوقوف الكامل على
مصادر وطرق استنباط الاحكام. من هنا يبدو ان مفاد الرواية
اعلاه يمثل اقدم المداليل والاراء التي ترسم الاطر والحدود في
قبال خبر ابن خديجة (وهو الدليل النقلي الاساس للقائلين
بكفاية الاجتهاد المتجزئ ودليل بعض القائلين بعدم لزوم
الاجتهاد). وهو راي يؤكد لزوم الاجتهاد المطلق في احرازمقام
القضاء، ويقودنا الى جمع معقول بين مقبولة «عمر بن حنظلة»
وخبر «ابن خديجة» وهو: منطقية العلم باسلوب القضاء وكيفية
المتابعة القانونية وصدور الحكم من قبل المعصومين(ع) في
التصدي لمنصب القضاءالى جانب الاجتهاد المطلق((176))،
وهذا ما يدل على مزيد من تاكيد الشارع على التزام
القاضي بمبدا قانونية الجرائم والعقوبات.
ولا يخفى انه في حال توافر مقدمات الاجتهاد وتحقق الالتزام
العملي والتقيد المطلق للحاكم بمبدا «القانونية»الذي تؤكده
الاخبار بالفاظ من قبيل: «الافقه، والاعدل، والاصدق، والاورع»
فان القوة المطلقة للفقيه تنشا في عملية جدلية اصولية
اخرى من خلال شدة تمسكه بالامور المذكورة اعلاه.
في هذه السياسة الجنائية يتجلى التزام القاضي بالقانون
وانقياده اليه، ولا سيما من خلال تعبير «الاورع» الذي يحكي
عن تركيز متزايد على درجة احتياط القاضي في حال عدم
وجود نص صريح ومن دون معارض قانوني،الامر الذي يعني
افضلية وسلطة القانون على الحكومة، وهو ما لا يشبه افضلية
الحكومة على القانون عند الفاشية والصلاحيات غير المقيدة
والقوة المطلقة للخليفة باعتباره مظهرا للارادة الالهية بشكل
نزعة اصولية دينية لا تدع مجالا لمبادئ «القانونية».
آراء اهل السنة في مبدا قانونية الجرائم والعقوبات:
يتناول الماوردي شروط المفتي في كتاب «الحاوي الكبير في
شرح مختصر المزني» في الفقه الشافعي من بعدبحث عملي
طويل نسبيا حول واجبات القاضي بعد تصديه لمنصب القضاء.
وهو يذكر الاجتهاد من جملة هذه الشروط. وتوضيحا لحدود
الاجتهاد، يعتقد بلزوم العلم بخمسة امور: الكتاب، والسنة،
والاجماع، والقياس، والعلم بقواعد الدلالة في مباحث الالفاظ
واللغة العربية.
ويرى الماوردي ان الكتاب والسنة والاجماع والقياس هي من
اصول ومصادر التشريع الاسلامي التي يمكن ان تكون مستندا
لحكم المفتي او القاضي، كما ان الامر الخامس هو من وسائل
فهم مصادر التشريع الاسلامي. ثم يتناول الكتاب والسنة
والاجماع والقياس ضمن كتاب القضاء في بحث شبه اصولي.
وتاكيد الماوردي على ضرورة استناد الحكم الى مصادر
التشريع الاسلامي يدعو الى التسليم باعتماد مبداقانونية
الجرائم والعقوبات لدى الفقهاء الشافعيين.
مبدا قانونية الجرائم والعقوبات في ضوء القياس:
وضع القياس الى جانب مصادر التشريع الاخرى (الكتاب
والسنة) يعني نفي مبدا «القانونية» وعدم انسجام هذه الاجزاء
مع هذه الكبرى الكلية. ويبدو ان القياس في تعاليم الشافعية
وغيرها من مذاهب اهل السنة لا يعتبر مصدراقانونيا مستقلا في
عرض الكتاب والسنة، بل هو اسلوب من اساليب تفسير نصوص
الكتاب والسنة يعط ي للقاضي حق التوسع في التفسير
واستنباطالحكم في الحالات المشابهة للحالة المنصوص عليها.
ولذلك نرى «الماوردي» يبين الجانب التفسيري من القياس
عند شرحه لعبارة الشافعي: «ان معنى الاجتهاد معنى
القياس»باعتبار ان هذا التشابه بينهما يقتصر على ان كلا منهما
طريق للتوصل الى حكم غير منصوص في
الكتاب والسنة((177)).ثم يقسم القياس الى قياس «معنى»
وقياس «شبه»، ويقول في بيان الوجه الثاني من الفرق بينهما
بان قياس «المعنى» يجعل الشبه بين اصل وموضوع ويسري
حكم هذا الامر الى الاخر، في حين يكون قياس «الشبه»فيما
يشبه امورا كثيرة ويجري فيه اسراء حكم امر ما الى موضوع آخر
اكثر شبها به.
كما يستند «ابن قدامة» الحنبلي الى الايات والروايات في اثبات
ضرورة اشتراط الاجتهاد في القاضي على اساس قياس الاولوية
مستدلا بهذا الشكل: «الحكم آكد من الفتيا، لانه فتيا والزام، ثم
المفتي لا يجوز ان يكون عاميا مقلدا، فالحكم اولى». ثم يبين
شروط الاجتهاد بضرورة معرفة ستة امور، منها القياس، ثم
يقول في ضرورة العلم بكيفية اعمال القياس: «...اما معرفة
استنباط القياس وهو احد ادلة الاحكام...»((178)).
فهو يعتبر القياس في عرض الكتاب والسنة كواحد من الادلة
التي يستند اليها القاضي في استنباط وصدورالحكم.
ويقول «شمس الدين السرخسي» من فقهاء الحنفية في بيان
ضرورة اعمال القياس في اصدار الحكم من قبل القاضي:
«فالقاضي مامور بان يجتهد رايه فيما لا نص فيه، وهو دليلنا
على جواز العمل بالقياس فيما لا نص فيه،فاجتهاد الراي هو
القياس برد حكم الحادثة الى اشباهها مما هو
منصوص»((179)).
ان اعطاء صلاحيات تفسيرية واسعة للقاضي في فقه اهل السنة
من اجل اسراء الحكم من الحالات المنصوص عليها الى الامور
غير المنصوص عليها يتعارض والمنشا الاول لمبدا قانونية
الجرائم والعقوبات الذي يخالف اعطاء صلاحيات غير مقيدة
للقاضي في اصدار احكام كيفية (ارتجالية) تفتقر الى المستند.
هذا وان قلنا ان اعمال القياس ياتي وفق ضوابط وشروط، لان
العدول عن القانون خطر بحد ذاته وان كان هذا العدول وفق
حسابات وضوابط، ولذلك لعل السيدة «دلماس مارتي» كانت
محقة في هذا الجانب من استدلالها الحقوقي من ان
وجودالقياس في الفقه الاسلامي يتنافى ومبدا القانونية.
ويقول «بكاريا» في معرض تاكيد المنشا الاول لمبدا القانونية
(اي منع التحكم والكيفية لدى القضاة): «يجب على القاضي ان
يبادر الى تشكيل قياس كامل (قياس منطقي) لكل جريمة،
بحيث تتشكل من هذا القياس كبرى وصغرى تطابقان العمل
بالقانون او تخالفانه، والنتيجة هي براءة المتهم او الحكم عليه.
ان القاضي عندمايضطر او يبتغي التحول الى القياس الثاني (القياس الحقوقي) ستنفتح
امامه نافذة للشك والتردد. ولا شيء اخطرمن هذا المبدا العام المتبع الذي يطرح وجوب قراءة
روح القانون بالاستشارة»((180)).
مواجهة الائمة المعصومين(ع) للقياس دفاعا عن مبدا «قانونية
الجرائم والعقوبات»:
ولخطورة اعمال القياس في القضاء والصلاحيات الواسعة
للقاضي في اصدار الحكم وتعارض ذلك مع اصول السياسة
الجنائية العقلانية ومكافحة الجريمة، احتج الامام الصادق(ع)
على الاسلوب القياسي في استنباط الاحكام، وذم الافتاء بالراي
والقياس مرارا في مواجهته ل «ابي حنيفة» و «ابن شبرمة» قاضي
الكوفة و «ابن ابي ليلى». وهي احتجاجات نشاهدها بوفرة في
روايات كثيرة، من قبيل خبر «معاوية بن ميسرة»((181))
وخبر«احمد بن علي»((182)) ومرسلة «شبيب بن
انس»((183)) ومرفوعة «عيسى بن عبد اللّه»((184))
وخبر«الريان بن الصلت»((185)).
ففي خبر «معاوية بن ميسرة»، يقول ابن شبرمة للامام
الصادق(ع):يا ابا عبد اللّه، انا نقضي بالعراق، فنقضي بالكتاب
والسنة، ثم ترد علينا المسالة فنجتهد فيها بالراي ... الى ان
يقول الامام : «لو علم ابن شبرمة من اين هلك الناس ما دان
بالمقاييس ولا عمل بها...» اي انه يحذر من ان الهلاك ناشئ
عن العدول عن مبدا القانونية عندالقضاء.
ويقول الامام(ع) في موضع آخر: «يعذب اللّه اللسان بعذاب لا
يعذب به شيئا من الجوارح، فيقول: رب عذبتني بعذاب لم
تعذب به شيئا! فيقال له: خرجت عنك كلمة فبلغت مشارق
الارض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام،وانتهب بها المال
الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام، وعزتي! لاعذبنك بعذاب لا
اعذب به شيئا من الجوارح...»((186)).
ويرى الامام(ع) ان العدول عن مبدا القانونية يعني عدم حصانة
الفرد في قبال الجهاز القضائي والسلطات الحاكمة، ويستلزم
التجاوز على الحريات والحقوق الانسانية للفرد كحق الحياة
والتملك، او انتهاك كرامة الانسان.من هنا فان المعصوم(ع)
يشدد على لزوم واعتماد مبدا القانونية من خلال تعبيرات لا
تقبل التسامح فيقول: «لعن اللّه اصحاب القياس! فانهم
غيرواكتاب اللّه وسنة رسوله»((187))، ويقول في مرسلة «ابن
ابي عمير»: «... من حكم برايه بين اثنين فقد كفر، ومن فسر
برايه آية من كتاب اللّه فقدكفر...»((188)).
وقد دفع الفقهاء الشيعة تبعا للائمة غرامة تاريخية ثقيلة في
سبيل الثبات والمحافظة على هذا المبدا، فكانت العزلة العلمية
والتاريخية والمطاعن وكثير من عدم الانسجام مع العامة وما
الى ذلك اقل ثمن استوجب دفعه في سبيل هذا المبدا، مبدا
الدفاع عن الحقوق والكرامة الانسانية ومواجهة صلاحيات
وتحكمات القضاة في القضاءواصدار الاحكام، ولا سيما في
العقوبات.
وتجدر الاشارة الى ان ابا حنيفة لا يعتقد بجواز القياس في
الحدود
((189))
. ودليله على عدم اعمال القياس في الحدود هو
متانة قاعدة «الحدود تدرا بالشبهات»، فهو يرى عدم امكان
الاستناد الى القياس في اقامة الحدودبحكم قاعدة «الحدود
تدرا بالشبهات»، باعتبار ان القياس دليل ظني تشوبه الشبهة
والترديد.
كما انه لا يرى جواز القياس في السبب، خلافا للشافعي ومالك
اللذين يقيسان القتل بالالات الثقيلة القاتلة غالبا آكالعصا
والحجارة بالقتل بالسلاح ويعتبرانه من حالات قتل العمد، في
حين يرى ابو حنيفة انه مما يوجب القصاص ويعتبره قتلا شبه
عمد((190)). واما في القضايا الجزائية الاخرى، فيرى آخرون
من قبيل احمد((191))والشافعي
((192)) لزوم اعمال القياس
في اثبات الجريمة وتنفيذ العقوبة.
مقارنة المنهج الاصولي الشيعي مع غيره:
واخيرا، من الضروري التامل في الفقرات الواردة في عهد امير
المؤمنين(ع) الى مالك الاشتر حول نصب القضاة من قبيل: «...
اوقفهم عند الشبهات .. وآخذهم بالحجج»، ومقارنة ذلك مع
كتاب الخليفة الثاني الى ابي موسى الاشعري، قاضيه على
البصرة، من اجل ادراك روح السياسة الجنائية والعقلانية
الاسلامية في مجموع الروايات الشيعية واصولها العملية عند
فقهاء الامامية والعامة.
يقول الخليفة الثاني في كتابه الى ابي موسى الاشعري: «ثم
الفهم فيما اولي اليك مما ورد عليك مما ليس في القرآن ولا
سنة، ثم قاس الامور عند ذلك، واعرف الامثال، ثم اعمد فيما
ترى الى احبها الى اللّه واشبههابالحق»((193)).
ج مكانة مبدا القانونية عند الفقهاء الشيعة:
ان شدة اهتمام الشارع بمبدا القانونية والامر بالتحفظ والثبات
عليه في القضاء، قد دعت الفقهاء الشيعة الى التحذير والتخويف
من التصدي لمقام القضاء وتعظيم شانه على مدى تاريخ الفقه.
فالشيخ الصدوق يبدا كتاب القضاء في «المقنع» بهذه العبارة:
«اياك والقضاء فاجتنبه! فان القضاء اشد المنازل في الدين، ولا
يفي به الا نبي او وصي نبي»((194)).
وما من شك في ان العلم الصائب للنبي والوصي بالاحكام
واوامر اللّه ونواهيه وعصمتهما من الخطا في التطبيق هو دليل
كفاءتهما لبلوغ هذه المنزلة الرفيعة. ولذلك فان الشيخ
الصدوق يواصل كلامه قائلا: «اعلم من جلس للقضاء فان اصاب
الحق في الحكم فبالحري ان يسلم، وان اخطا اخطا طريق
الجنة»((195)).
وظاهر هذا الراي الفقهي الروائي الذي يمثل فتوى نابعة من
النصوص الروائية، يتعارض مع الخبر النبوي المشهور الذي
يقول فيه(ص): «اذا اجتهد الحاكم فاخطا فله اجر»((196))،
لان ظاهر الخبر النبوي هو الدفع نحوالاجتهاد في الاحكام
والتصدي لمقام القضاء، في حين نجد في قول الصدوق
تحذيرامن هذا الامر يطابق ما جاء في مرسلة محمد بن خالد
البرقي.
ففي خبر خالد يقسم الامام الصادق(ع) الاحكام الصادرة عن
القضاة الى مجموعتين بشكل قضية منفصلة مانعة الخلو قائلا:
«الحكم حكمان: حكم اللّه عزوجل وحكم الجاهلية، فمن
اخطا حكم اللّه حكم بحكم الجاهلية»((197)). وهذا التقسيم
بحكم الاية الكريمة: (افحكم الجاهلية يبغون ومن احسن من
اللّه حكما لقوم يوقنون)((198)) ينبعث عن اجتهاد الفقيه
والاعمال الصحيح لقواعد الدلالة.
يقول الشيخ المفيد: «القضاء بين الناس درجة عالية وشروط
صعبة شديدة، ولا ينبغي لاحد ان يتعرض له حتى يثق من
نفسه بالقيام»((199)).
ويقول القاضي ابن البراج في «المهذب» حول صفات القاضي
ومصادر علمه: «والقضاء لا ينعقد للقاضي الا ان يكون من اهل
العلم والعدالة والكمال وكونه عالما، بان يكون عارفا بالكتاب
والسنة والاجماع والاختلاف ولسان العرب»((200)). وهو تهديد
وتوعد للقضاة في حال اصدار احكام خاطئة، حيث يظهر من
ذلك انه يتعارض مع الخبر النبوي.
وعلى اي حال، يبدو ان التعارض يمكن حله من خلال خبر ابي
بصير، ففي هذا الخبر يقول ابو بصير للامام الصادق(ع): ترد
علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه ولا سنته، فننظر فيها؟
فقال: «لا، اما انك ان اصبت لم تؤجر، وان اخطات كذبت على
اللّه»((201)).
فالراوي هنا يسال الامام(ع) عن امكان استعمال الراي والقياس
وجواز العدول عن مبدا القانونية في غير الحالات المنصوص
عليها في الكتاب والسنة، اي عن الاسلوب القضائي الشائع لدى
فقهاء العامة وقضاتهم. وبالتالي فان نهي الامام يتوجه الى اصول
الاجتهاد واسلوب قياس الامورواصدار الاحكام عند فقهاء
العامة.
من هنا فان تعاليم الشيخ الصدوق تاخذ منحى تمتين مبدا
القانونية. وهكذا يؤكد الشيخ المفيد في «المقنعة»التعاليم
الفقهية للشيخ الصدوق، ويحذر من القضاء بغير علم في احكام
اللّه مشيرا الى ما ينبغي للقاضي ان يتمتع به من العلم والعدالة
والكمال ومعرفة بالكتاب والسنة والاجماع واختلاف الاراء ولغة
العرب. واما القياس فيقول عنه القاضي ابن البراج: «فلسنا
نعتبره، لان استعماله في الشريعة عندنا باطل»((202)).
وهكذا يكرر الطهرشتي كلام القاضي ابن البراج حول مصادر
علم القاضي من دون التعرض لمسالة القياس((203)).
جدير بالذكر ان تهيؤ ارضيات وظروف تاريخية متنوعة
كوصول السلاجقة الى سدة الحكم بميولاتهم الشيعية والذي
مهد لترعرع الفقه الامامي عمليا الى حد ما لم يدفع الفقهاء
الشيعة الى العدول عن مبدا القانونية لحل الاشكاليات التي
استحدثتها الضرورات العملية. وهذا خلافا لعلماء وفقهاء العامة
الذين اضطروا من البداية الى اعمال القياس. ولذلك نرى
العلامة الحلي يؤكد التزاماته العلمية والفقهية بمبدا القانونية
في كتاب «قواعدالاحكام»برؤية حكومية منضبطة في عهد
محمد خدابنده ويقول: «شرائط الاجتهاد المبيحة للقضاء
والافتاء من العلم والمعرفة تسعة اشياء: الكتاب، والسنة،
والاجماع، والخلاف، وادلة العقل، من
الاستصحاب والبراءة الاصلية...»((204)).
وفي القرن العاشر وفي ظل ظرف تاريخي خاص اوجده الحكم
الشيعي الصفوي القوي، بلغ المحقق الكركي هذاالفقيه الكبير
برسالة تحقيق مبدا قانونية الجرائم والعقوبات ذروتها كما
يشهد له التاريخ بذلك، حيث يقول في هذا الصدد: «كان له
(للحاكم) في منع الفجرة والفسقة وزجرهم وقلع القوانين
المبتدعة وقمعها ... واجراء الحدودوالتعزيرات و... مسعى
جميلا»((205)).
يقول المحقق الكركي في عدم الاعتماد على القياس:
«فلانه لا يلزم من ثبوت التحريم في هذا الفرد المعين... تعدية
الحكم الى ما اشبهه من المسائل، فان ذلك عين القياس،
وادعاءه نفي القياس عنه واعتذاره بانه نبه بجزئي من كلي على
حكم الكلي لا يفيد شيئا، لان تعريف القياس صادق
عليه»((206)).
حصيلة البحث:
حصيلة هذه البحوث الفقهية الوجيزة هي اثبات الى حد ما
الثقل الكبيرل «مبدا قانونية الجرائم والعقوبات» في الفقه
الجزائي الاسلامي وتوضيح المنشا الاول لهذا المبدا. ومن
خلال هذا التامل الفقهي نشهد بوضوح العناية المؤكدة للشارع
في منع حالة التحكم لدى القضاة وصلاحياتهم المطلقة في
استعمال الاساليب القياسية والتوسع في تفسير النصوص
الجزائية لاعمال العقوبات على المجرمين، او بعبارة اخرى
سياسة جنائية لا تنزع الى التسلط وادعاء الكمال.
الا ان الهم الاساس لهذه السلسلة من البحوث والتي يؤمل لها
ان تقوم بتوجيه الاصلاحات المستقبلية في القوانين الجزائية،
ولاسيما في نظام القضاء الجزائي هو دراسة المنشا الثاني
لمبدا القانونية عند الشارع وفي السياسة الجنائية الاسلامية. فهل يكون المعول على علم القاضي نظرا لقطعية مبدا القانونية ووجود قواعد ومفاهيم محددة من قبيل: لا تاخيرفي الحد.. لا كفالة في الحد.. لا يشفعن احد من الحد.. ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب.. وما الى ذلك، او ليس هناك تاكيد لحتمية العقوبة وعدم امكان الانفلات منها من خلال ما يعكسه عهد امير المؤمنين(ع) لمالك الاشتر: ...آخذهم بالحجج ... واصرمهم عند اتضاح الحكم...؟ وهل الخطوط الاساسية في السياسة الجنائية الاسلامية تجاه البحث عن طرق وقائية لوقوع الجريمة والدورالرادع لبعض الاحكام وقيام اساليب من قبيل التوبة في الحيلولة دون معاقبة المجرم، هي ليست الا عناية بالشخصية الاجتماعية للمجرم؟ وهل من غير الممكن تحميل اي نوع من التوسع في تفسير هذه الاصول من اجل تحسين وضع المجرم؟ وهل وجود التعزيرات في الفقه الجزائي الاسلامي هو نوع من الميل نحو التخلص من العقاب واعطاء صلاحيات واسعة للقضاة في سبيل ملاءمة العقوبات كما وكيفا مع شخصية المجرم، او انها على العكس كما تقول السيدة «دلماس مارتي» تعتبر نوعا من السلطوية الدينية القائمة على تيار فكري استبدادي؟ نواصل هذه التاملات الفقهية على هذا الصعيد في بحوث قادمة ان شاءاللّه.
رسالة العصرة للفقيه الشيخ منتجب الدين الرازى
الفقه الشيعي ثري بمحتواه، واسع في ادلته وفروعه، وقد
وضعت مسائله موضع البحث والتدقيق، ما بين موسوعات
كبيرة وبين رسائل صغيرة، اعربت جميعها عن الموضوعية في
الاستدلال، ومن بين هذا الحشدالهائل من المسائل مسالة
«المواسعة والمضايقة في وقت قضاء الصلوات الفائتة» فقد
تناولها العلماء بالبحث والدراسة وكانت بينهم محلا للسجال
والنقاش، ومن بين الاعلام الذين كتبوا في هذا المضمار
واشبعوا البحث في المسالة: الشيخ الاجل منتجب الدين ابو
الحسن علي بن عبيد اللّه بن بابويه الرازي الذي ستاتي
ترجمته مختصرا من اعلام القرن السادس الهجري.
فقد الف هذا العالم الفذ رسالة قيمة سماها (العصرة) عالج فيها
موضوع المواسعة والمضايقة في وقت قضاءالصلوات الفائتة.
ويظهر ان هذه المسالة كانت موضع اخذ ورد في اواخر القرن
السادس، حيث ان الفقيه الاجل ابن ادريس المتوفى سنة (598
ه) كان يذهب الى التضييق في وقت الفائتة، والف فيه رسالة
سماها: «خلاصة الاستدلال»والف السالك العارف ورام بن ابي
فراس المتوفى سنة (605 ه) رسالة في هذا الموضوع وانتصر
فيها لابن ادريس.ومنهم الشيخ الفقيه علي بن منصور ابن تقي
الدين الحلبي حفيد ابي الصلاح الف رسالة في ذلك،
واختارالتضييق،ورد فيها على معاصره القائل بالتوسعة ابي علي
الحسن بن طاهر الصوري (قدس اللّه اسرارهم).
واعتمد عليها الفقيه الاجل الشيخ محمد حسن النجفي في
كتابه الشريف: «جواهر الكلام»، حيث قال (قدس سره): «وقد
صنف في المسالة رسالة سماها العصرة ردا على بعض من
عاصره»((207)).
وعلى كل حال، فهي رسالة قيمة ونفيسة تعرب عن دقة وسعة
افق مؤلفها (قدس سره)، وقد حرر النزاع فيهابعبارات دقيقة
ومفصلة، ونقل فيها اقوال الشيخ المفيد وشيخ الطائفة وجمع
من الاعاظم (قدست اسرارهم).
ترجمة المؤلف:
هو العلا مة الحافظ الشيخ منتجب الدين، ابو الحسن علي ابن
الشيخ موفق الدين عبيد اللّه ابن الشيخ شمس الدين المدعو
بحسكا ابن الحسين بن الحسن ابن الشيخ الفقيه الحسين بن
علي بن الحسين بن موسى، بن بابويه القمي الرازي، يعرف بابن
بابويه القمي ومنتجب الدين.
مولده ووفاته:
اما ولادته فقد ارخها تلميذه الرافعي في «التدوين في اخبار
قزوين» في سنة (504 ه)((208)).
واما وفاته فلم ار من ارخها وضبطها غير انه كان حيا الى سنة
ستمائة، ففي «تلخيص مجمع الاداب»((209)) في ترجمة
منتجب الدين نقل عن كتاب «الجمع المبارك والنفع
المشارك» لابن الغزال الاصفهاني في ترجمته لمنتجب الدين
انه اجازه سنة (600 ه).
فيظهر انه كان حيا الى هذا التاريخ، وانه توفي في مطلع
القرن السابع.
اسرته:
ينتمي المؤلف(ره) الى اسرة «آل بابويه» وهي اسرة علمية
شيعية عريقة كانت تقطن في قم والري، وقد انجبت كثيرا من
الفطاحل والعلماء، ومشاهير الحفاظ والفقهاء والمحدثين.
وهم في الذروة والسنام في اعلام الطائفة الشيعية عبر قرون
ثلاثة،منذ منتصف القرن الثالث الهجري حتى مطلع القرن
السابع، ففي خلال هذه الحقبة من الزمن نبغ منهم رجال
واعلام، ودوى صيتهم في الاوساط العلمية.
وقد كان الشيخ منتجب الدين(ره) كثير الرواية، واسع الطرق
عن آبائه واقاربه واسلافه، ويروي عن ابن عمه الشيخ بابويه(ره)
بغير واسطة.
نشاته:
نشا (رحمه اللّه) في اسرة علمية دينية، وفي احضان ابيه موفق
الدين(ره) وسائر اعلام اسرته جهابذة الفرقة الامامية، ففتح
عينيه على طلب العلم، واستماع الحديث واملائه، فولع بذلك
منذ نعومة اظفاره اشد الولع، واولاه والده رعاية خاصة وعناية
بالغة، فلا غرو ان ينشا حريصا على الطلب، جادا فيه، دائبا عليه.
وطلب الحديث في سن مبكرة في بلدة الري على مشايخها
والطارئين عليها، فادرك (رحمه اللّه) مشايخ كثيرين،وسمع
الحديث، وكان حريصا على ذلك اشد الحرص، وارتحل فسمع
الحديث باصفهان وقزوين وبغداد وخوارزم ونيشابور وغيرها،
وبرع في هذا الشان حتى صار من مشاهيرحفاظ عصره. قال
عنه تلميذه عبد الكريم الرافعي في التدوين: «ولم يزل يترقب
بالري، ويسمع ممن دب ودرج، ودخل وخرج، وجمع الجموع...
شيخ ريان من علم الحديث، سماعا وضبطا وحفظا وجمعا. وقال
قبل ذلك كماسياتي نصه: «يكتب ما يجد، ويسمع ممن يجد،
ويقل من يدانيه في هذه الاعصار في كثرة الجمع والسماع،
والشيوخ الذين سمع منهم واجازوا له...».
الثناء عليه:
تجد الاطراء له، والثناء البالغ عليه في كتب الطبقات ومعاجم
الرجال، وفي غضون الاجازات، منذ عصره وحتى الان من اعلام
الخاصة والعامة، يذكرونه بكل تبجيل، ويصفونه بالحفظ
والامانة والوثاقة، واليك نموذجين من كلماتهم: 1 ما ذكره
تلميذه برهان الدين محمد بن محمد بن علي الحمداني قال:
«الشيخ الامام الحافظ السعيد،موفق الاسلام، سيد الحفاظ،
رئيس النقلة، سيد الائمة والمشايخ، خادم حديث رسول اللّه
صلى اللّه عليه وآله».
2-
الشهيد الثاني زين الدين العاملي المستشهد سنة (966 ه)
قال في اجازته للشيخ حسين بن عبد الصمدالعاملي(ره):
«واجزت له ادام اللّه تعالى معاليه ان يروي عني جميع ما
رواه الشيخ الامام الحافظ منتجب الدين... وكان هذا الرجل
حسن الضبط كثير الرواية عن مشايخ عديدة..»((210)).
رحلاته العلمية:
والشيخ منتجب الدين وان وصفه الرافعي بقلة الرحلة، الا ان الذي علمنا به من رحلاته
الى العواصم الدينية،والحواضر العلمية الشيء الكثير، وقد احصاها العلا مة السيد عبد العزيز
الطباطبائي(ره) في مقدمة الفهرست،فراجع.
مشايخه:
قال الرافعي في ترجمة المنتجب: الحافظ، شيخ ريان من علم
الحديث، سماعا وضبطا وحفظا وجمعا، يكتب مايجد، ويسمع
ممن يجد، ويقل من يدانيه في هذه الاعصار في كثرة الجمع
والسماع، والشيوخ الذين سمع منهم واجازوا له... ثم سمى بعض
مشايخه البغداديين والخراسانيين والطبريين والاصبهانيين
وقال: ثم الخلق الجم من الطبقة الذين بعدهم من ائمة اصبهان
كاسماعيل الحمامي... واقرانهم، وقس بالمذكورين ائمة سائر
البلاد الذين ادرك زمانهم، وسمع الكثير باصبهان وقزوين...
وقال ميرزا عبد اللّه افندي في ترجمة منتجب الدين: «واعلم ان
هذا الشيخ كثير الرواية عن المشايخ جدا بحيث يزيد على مئة
شيخ، بل يعسر حصرهم وجمعهم وايرادهم...»((211)).
وذكر العلا مة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي(ره):
(146) شيخا له في مقدمة كتابه الفهرست، فراجع.
تلامذته:
قال تلميذه الرافعي في ترجمته من التدوين: وسمع منه
الحديث بالري اهلها والطارئون عليها، ورايت الحافظ اباموسى
المديني روى عنه حديثا...
واذا ضممنا الى ما صرح به الرافعي: كثرة شيوخه، ورحلاته
العلمية، وجده في الطلب، وطول عمره فان ذلك كله يوجب ان
تكون في تلامذته والراوين عنه والقارئين عليه ومستجيزيه
والمجازين منه كثرة هائلة وعددلايحصون، ولكن التاريخ اهمل
ضبط ذلك كله، ولم يسلط الضوء على كثير منه ولا على قليل.
وقد ذكر العلا مة الطباطبائي رحمه اللّه جمعا من تلامذته في
مقدمة الفهرست، فراجع.
مؤلفاته:
1-
كتاب الاربعين عن الاربعين من الاربعين:
جمع فيه اربعين حديثا في فضائل امير المؤمنين عليه السلام،
عن اربعين شيخا من مشايخه باسنادهم عن اربعين صحابيا،
وبدا بالخلفاء، ثم سعد بن ابي وقاص، ثم عبد الرحمان بن عوف،
ثم سائر الصحابة.
الفه بعد ما عرض عليه السيد الاجل النقيب عز الدين يحيى
(رحمه اللّه) الشهيد عام (591 ه) بالري كتاب «الاربعين عن
الاربعين» للشيخ ابي سعيد محمد بن احمد بن الحسين
النيسابوري (رحمه اللّه)، فعزم على جمع ما يشبهه ويزيد عليه،
فالف هذا الاربعين، وصدره باسم النقيب عز الدين يحيى
(رحمه اللّه)، والحق باخره اربع عشرة حكاية غريبة في شانه
وفضله (عليه السلام)، كل ذلك يرويه بالاسناد عن مشايخه.
طبعته مؤسسة المحقق العلامة السيد الابطحي (دام ظله)
سنة (1408 هجرية).
2-
تاريخ الري:
قال الرافعي في ترجمة المنتجب في التدوين: وكان يسود
تاريخا كبيرا للري، فلم يقض له نقله الى البياض، واظن مسودته
ضاعت بموته.
اقول: بل لم تضع بموته، ولا بعد موته، ولعله بيضه ايضا، وكان
موجودا في القرن الثامن، فقد نقل عنه السبكي المتوفى سنة
(771 ه) في طبقات الشافعية الكبرى في ترجمة ابي الفضائل
سعد بن محمد المشاط.
وبقي ايضا الى القرن التاسع، وحصل عليه الحافظ ابن حجر
العسقلاني المتوفى سنة (852 ه) ونقل عنه في لسان الميزان
كثيرا من تراجم اعلام السنة والشيعة، بل نقل عنه من تراجم
اعلام الشيعة جماعة لم يذكرهم المنتجب في فهرسته.
وللاسف اننا الى الان لم نظفر بتاريخ الري لابن بابويه، ولا
بتاريخ الري لابي سعد منصور بن الحسين الابي المتوفى سنة
(421 ه).
3-
فهرست اسامي علماء الشيعة ومصنفاتهم:
هكذا وجد اسم هذا الكتاب بخط الحمداني تلميذ المؤلف،
وراويه عنه فيما كتبه من نسخته عن نسخة الاصل
بخط المؤلف، وفرغ منه اواسط رجب سنة (613 ه)، وكل
الروايات تنتهي الى الحمداني، وكل النسخ تنتهي في النقل
الى نسخته. وعبر المؤلف في اول كتابه الاربعين عن كتابه هذا
بقوله: «فلما فرغت من جمع ما عندي من (اسامي علماء الشيعة
ومصنفيهم)...».
وعبر عنه باسمه الكامل مع اضافة كلمة «الفهرست» حيث كرر
ذكره في نهاية كتاب الاربعين فقال: «ولو سهل اللّه تعالى
واعطاني المهل واخر الاجل اضفت الى كتابي (فهرست اسماء
علماء الشيعة) ما شذ عني بحيث يصيرمجلدا ضخما».
وقد حقق الكتاب تحقيقا علميا دقيقا العلامة الفقيد السيد عبد
العزيز الطباطبائي (رحمه اللّه)، ونشره مجمع الذخائر
الاسلامية، وطبع في مطبعة خيام قم المقدسة عام (1404
ه).
وطبع مرة ثانية بتحقيق وتقديم المحقق العالم الدكتور السيد
جلال الدين المحدث الارموي (قدس سره)، وبسعي العالم
محمد السمامي الحائري،وتحت نظر الدكتور السيد محمود
المرعشي، ونشرته مكتبة آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين
المرعشي النجفي (قدس سره) سنة (1366 ه ش).
4-
العصرة:
وهي كما اسلفنا رسالة في المواسعة والمضايقة في وقت
قضاء الفائتة، او الصلوات الفائتة، ذكرها شيخناالعلامة الطهراني
(رحمه اللّه) وقال: «انه صدرها باسم السيد عز الدين يحيى
الذي صدر الفهرس باسمه ايضا...»((212)). وذكر انها توجد عند
آية اللّه السيد شهاب الدين المرعشي(ره)، وعليها شهادة
صاحب رياض العلماء الميرزا عبد اللّه الافندي(ره).
ولكن الشيخ المحقق اسد اللّه الدزفولي (رحمه اللّه) شكك في
صحة نسبة هذه الرسالة لمنتجب الدين، فقال في ترجمة
منتجب الدين: «وربما يعزى اليه الرسالة الموسومة بالعصرة في
احكام صلاة القضاء، ولعلها ليست كذلك كما بيناه في منهج
التحقيق»((213)).
اقول: منهج التحقيق في التوسعة والتضييق الفه المحقق
الكاظمي في الموضع نفسه. وهو مخطوط ولم يتسن لناالعثور
عليه، واما ما ابداه من التشكيك في هذه الرسالة فان شهادة
المولى العالم الميرزا عبد اللّهالافندي (قدس سره) لم تترك لنا
التامل في ذلك، حيث كتب على صدر المخطوطة (الف):
«الظاهر القريب من القطع ان هذه الرسالة للشيخ منتجب الدين
علي بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن علي بن بابويه
القمي، وهو معاصر لابن ادريس، وصاحب الفهرست المشهور».
وهناك قرائن قوية تدل على ان الرسالة للشيخ منتجب الدين
منها:
ان هذه الرسالة مهداة الى عز الدين ابي القاسم يحيى ابن
الصدر المطلق، وكذلك قد اهدى اليه كتابه الفهرست،واتحاد
الاهداءين دليل على اتحاد مؤلف الرسالة.
ولكن الذي يضعف ذلك: ان مؤلف الرسالة يذكر خلال عرضه
آراء العلماء والفقهاء انه راى شيخه ابا جعفر محمدبن الحسين
الشوهاني (رحمه اللّه) رخص في استيجار رجل بماله ليصلي
عنه، ويصوم عنه ما فاته... ثم يقول:«ولم اجد في ذلك نصا، الا
انه رحمه اللّه قد كان ثقة امينا».
علما ان المتسالم عليه بين الفقهاء هو ان ابن حمزة حكى في
كتابه في قضاء الصلاة عن الشيخ ابي جعفر محمدبن
الحسين الشوهاني انه كان يجوز الاستيجار عن الميت((214)).
ولم اجد احدا ذكر ذلك عن الشيخ منتجب الدين عن
الشوهاني، بل الجميع اتفقوا على ان الناقل هو ابن حمزة
عن الشوهاني، مضافا الى ان الشيخ منتجب الدين ترجم
للشوهاني بقوله: «الشيخ العفيف... فقيه صالح ثقة»((215)).
ولم يذكر احد من الرجاليين وغيرهم، ولا الذين ترجموا
لمنتجب الدين كالعلا مة السيد عبد العزيز الطباطبائي(رحمه
اللّه) ولا المحدث الارموي (رحمه اللّه) ان الشوهاني من مشايخ
منتجب الدين، ولكن اتفق الجميع على ان الشوهاني من
مشيخة ابن حمزة صاحب الوسيلة والثاقب في المناقب، وهو
يروي عنه في الثاقب كثيرا.
وعلى كل حال فتعابير الرسالة شبيهة بتعابير ابن حمزة في
الوسيلة، وهي قريبة من فقهه، واما اتحاد المهدى اليه فيحتمل
ان يكون كلاهما قد اهداه عمله العلمي، فاحدهما اهدى اليه
الفهرست الرجالي والثاني اهدى اليه كتابافقهيا مع اتحاد زمان
ابن حمزة ومنتجب الدين.
ومن الطريف هنا الاشارة الى ان الشوهاني عبر عنه في رسالة
العصرة ب (رحمه اللّه) والظاهر انه قد وافاه الاجل حين كتابة
الرسالة، والعبارة الفقهية المنقولة عن ابن حمزة عنه ورد فيها
الترحم عليه ايضا.
ولكن تصريح صاحب الرياض والذريعة (قدس سرهما) بانها
لمنتجب الدين جعلنا نميل الى القول بانها له.
النسخة الخطية:
لهذه الرسالة نسختان خطيتان محفوظتان في مكتبة آية اللّه
العظمى المرعشي النجفي (قدس سره):
1-
ضمن المجموعة المرقمة (5151)، الرسالة الرابعة، في
فهرست المكتبة في الجزء (13)، الصفحة (356)، نسخ اسماعيل
في سنة (1116 ه)، ورمزنا لها (الف).
2-
ضمن المجموعة المرقمة (4634)، الرسالة الاولى في
فهرست المكتبة في الجزء (12)، الصفحة (198)،
بخط النستعليق سنة (921 ه) ورمزنا لها (ب).
وهو حسبنا ونعم الوكيل
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه منشئ الخلق ووارثه،
ومصيت((216)) الحي وباعثه، والصلاة على من انتجبه
للرسالة، وانقذنا به من الضلالة محمد والاطائب من عترته،
والاكرمين من آله وذريته.
اما بعد: فقد ذاكرني بعض علماء السادة كثرهم اللّه ممن له
فضل يرجع اليه، ودين يعول عليه، في بيان قضاءالصلاة
وكيفيته، وسبب اختلاف الاصحاب فيه من التقديم والتاخير،
فاورد في ذلك من كل طريق، وبحث عن كنه كل تحقيق في
حضرة صدر تقصر عن ساحة كرمه السماء، وتمتد اليه الافئدة
والاهواء، وتضؤل في نخامته ريب الاقدار، وتملا بمثره كتب
الاثار، فهو البحر لا تفنى جواهره، والبدر لا تخنو زواهره،
والنجم يهتدى في شعاب الاداب والعلم، تاتمر به هداة الالباب،
وهو الامير السيد الانور الاطهر الازهر الافضل الاكمل المرتضى
الكبير عزالدين شرف الاسلام ابو القاسم يحيى بن الصدر
المطلق ملك النقباء شرقا وغربا ابي الفضل محمد بن
المرتضى على الاطلاق المشهور في الافاق ابي الحسن المطهر
ابن السيد الزكي ابي القاسم.
على خمسة آباءهم ما هم
هم خير من يشرب صوب الغمام((217))
ادام اللّه علاه في دولة وارفة الظلال، مشرقة الاطلال، هاطلة
الاهواء بخضرة الارجاء، فاتيت في المسالة بكل ماسمح به
الخاطر عفوا ونبع به القريحة صفوا.
ثم رايت بعد ذلك ان انظم كل منثور، واوصل كل مبثور،
واجمع كل شارد، وانبه كل مختار وارد، واجعل ذلك
تحفة لمجلسه العالي، لازالت رباع اعدائه خالية، وراية اقداره
عالية، اذ هو مقصد الفضل تجبى اليه ثمراته، ومرجع العقل تتلى
عليه آياته، فها انا قد خدمت مجلسه بها، وسميتهاب «العصرة»،
فالمتوقع من رافته ان ينظر اليهابعين الاحترام،
ويجتليها((218)) عروسا في حجلة الاكرام، ليبقى بحسن
نظره على مرور الايام، واللّه المستعان على تيسيره، والاتمام
بمنه وكرمه، انه خير مكرم منعام.
فصل
[تحرير محل النزاع]
اعلم ان اصحابنا(رحمه اللّه) قد اختلفوا في قضاء الصلاة وكيفية
الاتيان به قديما وحديثا، وقد رووا في ذلك احاديث يؤذن
ظاهرها بالاختلاف، واخذ كل واحد بظاهر حديث، فنشا من
ذلك الاختلاف، وبعضهم قد تانق واجتهد في الجمع بين
الروايات المختلف ظاهرها بما سنح له، وبذل مجهوده.
وانا رايت ان اذكر ما وقع الي من اختلافهم، واختلاف ظاهر
الروايات، وما ذكر كل واحد منهم، وافتى به، واودع كتابه،
واوضح المشتبه، وابين المعتمد، واكشف عن الوجوه بحيث
يسفر صبح الحقيقة عن وجهها نقاب الليل الارتياب، وتظهر
للمبصر بارزة شمس الظهيرة لا تتقى الحجاب، وابين معنى
القضاء واسلبه برفع الخفاء، ان شاءاللّه تعالى.
فصل
[معنى القضاء]
[الف لغة]:
اعلم ان القضاء في اللغة يفيد معاني كلها مذكورة في مظانها
مستوفاة، وما نحن بصدده الان هو في معنى قولهم:قضيت
ديني.
وقد قيل: ان معناه وفيت عليه ما لزم علي من الحق.
قال كثير:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه
وعزة ممطول معنى غريمها((219))
وعلى هذا لا يجوز ان يكون القضاء نفس التوفية، لانه عطف
وفى
(((220))الذي يفيد التعقيب على قوله قضى،ووجب ان
يكون المعطوف على هذا الحد غير المعطوف عليه، فالقضاء اذا
رد مثل ما لزم من الحق للغير عليه، فان رد الجميع كان ذلك
قضاء وتوفية، وان رد مثل البعض كان ذلك قضاء، ولم يكن
توفية، وان رد عين ما اخذ منه يكون ذلك ردا لا قضاء، وان رد
جنسا آخر لم يكن ذلك ايضا قضاء لدينه الا اذا قومه بقيمة مثل
الدين ثم قاصه به،وقد يستعار في غير ذلك.
فهذا معنى القضاء من جهة اللغة.
[ب اصطلاحا]:
واما ما يفيد شرعا فهو استدراك ما فات العبد من العبادات عن
وقتها، وانما يقال في الشريعة قضاء اذا اجتمع فيه شروط اربعة:
احدها: كونه مثلا لما فاته صورة، او غرضا، فالصورة مثل صلاة
المصلي قائما عن الصلاة التي فاتته في حال المرض قاعدا او
مضطجعا، لان ذلك وان لم يكن مثلا لها في الصورة فانه مثلها
في الغرض، ولم تجزئ الا كذلك،ومثل صلاة المقعد قضاء عن
الصلاة التي فاتته قائما، فانها تكون قضاء لها، وان لم يكن مثلها
في الصورة،لمماثلتها اياها غرضا، ولهذالا يجوز ان يكون الصوم
قضاء عن الصلاة ولا عن غيرها من العبادات، لفقد
المماثلة صورة او غرضا.
وثانيها: ان سبب وجوب تلك العبادة قد تقدم محققا او مقدرا، لانه لو لم يتقدم السبب
لكان ذلك اداء لا قضاءيقتضي الاتيان بمثل المقضي، وما لم يتقدمه شيء لا يكون مثلا له.
وقلنا: «او مقدرا» احترازا من قضاء صوم الحائض، لانه يقال: انها
تقضي الصوم من غير تقدم سبب وجوب لتقديرها دخولها في
الصوم، لحصولها في اوقاته جامعة لشرائط صحة التكليف،
وكذلك حكم المجنون عند من اوجب عليه القضاء اذا ادرك
بعض الشهر، ومن لم يوجب عليه القضاء لم يقدر ذلك فيه.
وثالثها: ثبوت العبادة بالقضاء بسبب هو غير السبب الاول، ولهذا
لا يقال للصلاة المؤداة في آخر الوقت قضاء، ولالما يقضية من
الصلاة بعدما ذكر ولم يقضها انها قضاء للقضاء، لان السبب في
المسالتين واحد، وكذلك لا يقال لاحدى الكفارات الثلاث انها
قضاء عن الاخرى، لاتحاد السبب،ولا انها قضاء للمكفر عنه مع
تغاير السبب، لفقدالمماثلة في الصورة والغرض.
ورابعها: تعلقها بوقت مضروب لها ليدخلها القضاء بفواتها عن
ذلك الوقت، ولهذا لا يقال لمن حج على التراخي وان كان قد
وجب عليه على الفور، لانه يقضي لانتفاء تعلقها بوقت لا يسعه
التاخير عنه.
فان قيل: لزم على هذا ان لا يكون المعيد للحج قاضيا، لانه لم
يفته الحج عن الوقت المضروب له، وقد يعلم خلاف ذلك.
قلنا: قد تعين له الوقت وصار كالمضروب له بشروعه فيه
بالاهلال به من الميقات في وقته مع حصول الشرائط الاخر من
تغاير السبب، وورود العبادة بالقضاء، وتقدم السبب.
فان قيل: انما يقال للمؤدي صلاة الجمعة في وقتها اذا فاتته مع
الامام قاض، وان اتحد السبب، واختلف في الكمية،ولم تفته عن
الوقت.
قلنا: الامر بخلاف ذلك، لحصول الشروط الاربعة فيها من
المماثلة غرضا، وتقدم سبب الوجوب، وتغايره، وتعين الوقت،
لتقدم شروع الامام فيه، وانما يقال له: قاض على طريق التجوز
دون الحقيقة،لامكان تقدير الشروط الاربعة المذكورة فيه،
وانما يدخل القضاء في النوافل، وان لم يكن لها سبب وجوب،
لان لها سببا متقدما بالندب اليهاوالتعبد بها.
وقد يقال لمن ادرك مرادا على حسب ارادته قضى وطره، قال
اللّه تعالى: (فلما قضى زيد منها وطرازوجناكها)((221)).
وقال عقيل بن علفة:
قضت وطرا من دير هند وربما
على عجل ناطحنه بالجماجم((222))
ووجه مشابهة ذلك بما تقدم هو كانه كان دينا وحقا عليه
تحصيل اربه، ثم قيل: فتوانى عنه، فلما تلاقاه بعدتشوق النفس
اليه قال: قضى وطره.
وقال اللّه تعالى: (فاذا قضيتم مناسككم)((223))، ومعنى ذلك
على ما تقدم من تعلق النفس بها قبل الاتيان، فلمااداها على
الوجه المراد، قال: قضيتم مناسككم، وذلك على طريق التوسع
والاستعارة.
واذ قد اتينا على معنى القضاء وبيانه نشرع الان في بيان
اختلاف الاصحاب، وايراد ما اودعوه في كتبهم لفظابلفظ، ان
شاء اللّه تعالى بعد ما نذكر المتفق عليه منه.
فصل
في بيان احكام من فاتته الصلاة
من فاتته الصلاة لم يخل اما كان من اهل الخطاب او لم يكن
منهم، فان لم يكن منهم لم يخل اما كان داخلا في
حكم الخطاب ثم ارتفع الحكم عنه، ومن ارتفع الحكم عنه لم
يخل اما ارتفع الحكم بفعل اللّه تعالى عنه من
الجنون والاغماءوغير ذلك مما يزيل العقل، او بفعل العبد نفسه،
فان كان ذلك بفعل اللّه تعالى لم يجب قضاء ما فاته من
الصلوات في تلك الحالة اذا افاق الا الصلاة التي افاق في وقتها،
وقد بقي من الوقت مقدار ما امكنه الاتيان بها او بركعة
منها،وقد روي انه يلزمه قضاء يوم وليلة((224)).
وروي: قضاء ثلاثة ايام((225))، وذلك محمول على
الاستحباب، وان كان ذلك بفعل العبد نفسه باكل البنج اوشرب
المرقد او المسكر او المجنن او الشراب المنوم، وجب عليه قضاء
ما فاته من الصلوات ان ثاب اليه عقله، وان لم يثب((226))، لم
يجب عليه.
[قضاء الصوم والاقوال فيه]:
واما الصوم فلا يلزمه القضاء عند الشيخ ابي جعفر
الطوسي(ع)((227)) وجماعة اخرى من اصحابنا((228))
ان كان ذلك بفعل اللّه تعالى، سواء كان مفيقا في اول الشهر
ونوى الصوم ثم اغمي عليه واستمر به اياما، او كان مغمى في
اول الشهر ولم ينو ثم افاق، او جن ايامه متواليات ثم افاق او
بقي، فاما قبل دخول الشهر وبعده اياما وقدسبقت منه نية
القربة فاصبح صائما ثم جن في يومه او اغمي عليه.
وقال المفيد(ع)((229)) ووافقه جماعة اخرى((230)): ان كان
مفيقا قبل الشهر، ثم اغمي عليه، ومضى عليه ايام، ثم افاق كان
عليه قضاء ما فاته، والخلاف في ذلك آيل الى حكم النية، فمن
شرط تعيين النية في الصوم، او المقارنة لنية القربة، اوجب
القضاء، ومن لم يراع ذلك لم يوجب، والاصل براءة الذمة،
والقضاء الاحتياط.
ويمكن الجمع بين القولين ان رجع كلاهما الى صريح النص
بان يحمل القضاء على الاستحباب ونفيه على الوجوب.
وان ارتفع حكم الخطاب عنه بفعل نفسه، وجب عليه قضاء ما
فاته، وان لم يكن اصلا من اهل الخطاب لم يجب عليه قضاء ما
فاته من الصلاة ولا الصوم، فان حصل من اهل الخطاب في
وقت صلاة فريضة وقد بقي من الوقت مقدارما امكنه الصلاة ولو
ركعة واحدة في الوقت ثم فاته وجب عليه القضاء، وان حصل
كذلك في خلال الصوم امسك بقية النهار تاديبا، ولم يجب عليه
القضاء.
وان كان من اهل الخطاب لم يخل اما لزمه القضاء او لم يلزمه،
فمن لم يلزمه لم يخل اما كان سبب ذلك فعلا من افعال اللّه
تعالى كالحائض، فانه لا يلزمها قضاء الصلاة، او كان سبب ذلك
فعل المكلف كالكافر اصلا، فانه لا يلزمه القضاء، وان توجه عليه
الخطاب، فاذا اسلم في وقت صلاة، او خلال صوم فحكمه ما
ذكرنا في المفيق.
[حكم من لزمه القضاء على كل حال]:
ومن لزمه القضاء على كل حال هو كل من كان على فطرة
الاسلام، بالغا عاقلا، سواء اقام عليه، او ارتد عنه، ارتدادايقبل منه
الرجوع عنه، فاته الصلاة صحيحا او مريضا، مسافرا او حاضرا،
وكذلك الصوم.
[حكم ما فات المرتد من الصلاة والصوم]:
واما المرتد فيلزمه ايضا قضاء ما فاته من الصلاة والصوم، اذا
ارتفع حكم الخطاب عنه بفعل اذا رجع الى الاسلام.
هذا اذا كان المرتد ممن يستتاب، فاما ان كان ممن لم يستتب
لم يقبل عنه الاسلام، بل يقتل اذا ظفر به، وان ارتفع حكم
الخطاب عنه بسبب اللّه تعالى لم يجب عليه قضاء ما فاته في
تلك الحالة من العبادات.
وان صلى او صام في حال الارتداد لم يصح، فاذا عاد الى
الاسلام وجب عليه الاعادة على كل حال.
[كيفية قضاء ما فاته من الصلاة]:
واذا اراد ان يقضي ما فاته من الصلاة قضاها على الوجوه الذي
فاتته، فان فاتته صلاة السفر قضاها مثلها، وان كان حين القضاء
حاضرا، فان فاتته صلاة الحضر قضاها كذلك، وان كان حين
القضاء مسافرا.
واذا فاتته صلاة لم يخل اما فاتته صلاة واحدة او اكثر، فان فاتته
صلاة واحدة لم يخل اما عرفها بعينها او لم يعرفها، فان عرفها
بعينها قضاها على الحد الذي فاتته، وان لم يعرفها بعينها صلى
صلاة المغرب والغداة، وصلى اربع ركعات ان فاتته حاضرا،
وركعتين ان فاتته مسافرا، ان شاء جعلها ظهرا، وان شاء عصرا، او
عشاء، وان صلى خمس صلوات كان افضل، وان لم يعرفها بعينها
ولم يدر افاتته في السفر ام في الحضر صلى صلاة للسفروصلاة
للحضر، اذا كانت الصلاة مما يدخلها التقصير، فان لم يدخلها
فليس عليه الا صلاة واحدة.
[لو فاتته عدة صلوات]:
وان فاتته صلوات عدة لم يخل اما فاتته صلاة ايام وليال بحيث
لم يصل فيها صلاة، او صلى فيها بعض الصلوات،فان صلى فيها
بعض الصلوات، لم يخل اما علم مقدار ما فاته او لم يعلم، فان
علم مقدار ما فاته صلى الجميع على حسب ما فاته، وقدم
الاولى، فان كان ما فاته ظهرا او عصرا او غير ذلك قضى على ما
فاته، وان لم يعلم مقدار مافاته صلى كل وقت اربعا وثلاثا
واثنين الى ان غلب على ظنه انه قضاها على التمام، او زاد
عليه، وان لم يصل فيهابعض الصلوات لم يخل اما كان لمرض او
غير ذلك.
[لو حكم ما فاته من الصلاة لمرض]:
فان فاتته لمرض وبرا قضى الجميع ورتب الاولى فالاولى، وان
لم يبرا ومات، او برا ولم يقض ثم مات وتركها لغيرمرض معتقدا
لوجوبها ثم مات وجب على وليه القضاء عنه، وان لم يخلف وليا
ذكرا لم يجب ذلك في ماله، لانها من العبادات التي لا مجال
للمال فيها، وقد رايت شيخي الفقيه ابا جعفر محمد بن
الحسين الشوهاني(ع) رخص في استيجار رجل بماله ليصلي
عنه ويصوم عنه ما فاته، اما بوصية من الميت او غيره، ولم اجد
في ذلك نصا، الا انه(ع) قد كان ثقة امينا.
[حكم من فاتته الصلاة لغير مرض او عذر]:
وان فاتته لغير مرض وتركها لغير عذر حتى خرج وقتها سئل
عن سبب تركها، فان انكر وجوبها فقد ارتد، ووجب قتله، ولا
يصلى عليه بعد القتل، ولا يدفن في مقابل المسلمين، ويكون
ماله لوارثه المسلم ان كان له وارث، وللامام ان لم يكن له وارث
مسلم.
|