كلمة التحرير

بين الدفاع الشرعي
و الممارسه الارهابيه

رئيس التحرير

ان من مستلزمات الحياة الاجتماعية تحديد حقوق الناس افرادا ومجتمعا فما لم تعين حقوقيا الدائرة التي يمكن للانسان التحرك فيها سوف يضيق الخناق بالبعض في الوقت الذي يمنح الاخرون فرصة التحرك في مساحات واسعة.. وحينئذ سيختل ميزان العدل والانصاف وينعدم التوازن في الحياة.. اذا فالضرورة الاجتماعية تفرض على المشرع ان يقوم بعملية حسابية دقيقة لتوزيع الفرص وتقسيمها وتحديد اطر الحقوق لكل انسان يشغل حيزا في الدائرة الاجتماعية.. ولكن لا ينتهي الامر عند هذا الحد بل ان ذلك يعد المرحلة الاولى التي يجب ان تتبعها مرحلة ثانية.. اذ لا شك بان الغرض من تقدير الحقوق هو ترتب الاثر العملي عليها الا وهوقدرة ذي الحق من اعمال حقه والاستفادة منه حقيقة وواقعا.. وعليه فعلى المشرع ان يكمل وظيفته الى نهاية المسير ولا يكتفي بجعل الحق لصاحبه في عالم الجعل.. بل يلزمه ان يضع مجموعة من الضمانات اللازمة لتامين امكانية استفادة ذي الحق من حقه..

ومن جملة هذه الضمانات القانونية هو اعطاء ذي الحق سلطة وقائية يمكنه من خلالها دفع الخطر الذي يهدده وصد الحالات العدوانية التي يتعرض لها.. وهذا ما يسمى بحق الدفاع الشرعي..

والدفاع يقسم عادة الى الدفاع الخاص والدفاع العام.. والدفاع الخاص هو السلطة الوقائية الثابتة قانونا للشخص لدفع الخطرغير المشروع عن حق محترم من نفس او عرض او مال..

واما الدفاع العام فهو السلطة الوقائية الثابتة للمجتمع لدفع الخطر.. ولكل منهما شروط موضحة في القانون الشرعي والوضعي ايضا..

ولا يخفى ان حق الدفاع هو امر فطري وعقلائي لا يختلف فيه اثنان.. وما نرى من اختلاف في وجهات النظر احيانا ناشئ من عدم الاتفاق على تشخيص الصغريات والموضوعات الخارجية من قبيل: الاختلاف في اصل ثبوت حق ماوعدمه او الاختلاف في تشخيص نوع الحق ودائرته سعة وضيقا.. ونظير الاختلاف في كون العدوان الواقع هل كان مشروعا او انه غير مشروع وغير ذلك من الامور الجزئية التي قد تتباين فيها التقديرات وزوايا النظر..

من هنا نرى ان شريعتنا العادلة والواقعية قد عالجت مسالة الدفاع بكلا نوعيه بدقة.. ونحن نحاول في هذه الوقفة تركيز النظر فعلا على الدفاع العام من الزاوية الفقهية حيث اولى فقهاؤنا هذه الزاوية اهمية كبيرة ونظروا لها من ناحية البحث في اصل المشروعية ونوعها وهل هي بمستوى الوجوب او الاباحة وما هي شروط الدفاع وكيفيته وبيان احكامه والاثار المترتبة عليه.. فتعرضت بعض الدراسات مفصلا وبصورة موسعة مثل ما ورد في باب الجهاد من (كتاب كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء) حيث اورد الشيخ جعفر(قدس سره) اقسام الدفاع العام وقسمهاالى اربعة:

احدها: ما كان لحفظ بيضة الاسلام اذا اراد الكفار الهجوم على اراضي المسلمين وبلدانهم وقراهم وقد استعدوا لذلك وجمعوا الجموع لاجله لتعلو كلمة الكفر وتهبط كلمة الاسلام ويشتد الكفر..

ثانيها: ما كان لدفع الكافرين والمشركين عن التسلط على دماء المسلمين واعراضهم بالتجاوز والتعدي عليها والمساس بشرفهم..

ثالثها: ما كان لدفعهم عن طائفة او جماعة من المسلمين التقت مع طائفة من الكفار في اي مكان كان وخيف من استيلائهم عليها..

رابعها: ما كان لدفعهم عن بلدان المسلمين وقراهم واراضيهم واخراجهم منها بعد التسلط عليها واصلاح بيضة الاسلام بعد كسرها واصلاحها بعد ثلمها والسعي في نجاة المسلمين منهم..

وان كان للمناقشة في هذا التقسيم مجال الا ان الغرض هو الاشارة الى احد النماذج المبحوثة لدى فقهاء مدرسة اهل البيت(ع) التي تعكس مدى اهتمام الشريعة بهذا الشان الحيوي والحساس.. الاوهو الدفاع العام الذي هو مقولة تقع في الطرف المقابل تماما لمقولة الارهاب.. فان الدفاع حق والارهاب عدوان.. وبين الحق والعدوان تقابل صريح وتضاد واضح فلا يسوغ الخلط بينهما.. فان الموقف الشرعي من وجهة نظر مدرسة اهل البيت(ع) في مسالة الدفاع يقوم على ركيزة ضرورة حماية الحق وحفظ حريمه.. وهذه فكرة صحيحة ونظرية تحمل مبرراتها المنطقية معها.. وتمثل رادعا اساسيا في وجه الارهاب والعدوان بمختلف اشكاله..

ان اغلب حالات المواجهة الحادة - او المسلحة - التي تظهر في بعض الاقاليم الاسلامية انما تعبر عن تصد وموقف دفاعي ورد للاعتداء الذي خيم على ابناء امتنا.. وما هو بابتداء حرب او اشعال لفتيلها وليس هو اعتداء على احد بل هودفع لخطر واقع وحال بساحتنا.. ولا شك بان الاستعداد للدفاع كاشف عن حيوية الامة ويقظتها ووعيها ويعد تعاونا في سبيل تحكيم الحق والعدالة.. واين هذا من الارهاب الذي هو اثم وعدوان؟!

ونظرية الدفاع في الاسلام قد حددت لممارستها عمليا اصول وآداب وقواعد ولم تترك الابواب مفتوحة امام حالات التشفي والانتقام من البشرية وتصفية الحسابات والابادة للثروات والامكانات والدمار الشامل.. بل ارتفعت الشريعة بهذه الممارسة الى رتبة العبادات.. فقد افاد الشيخ كاشف الغطاء بان شروط الدفاع تشبه شروط الصلاة.. وان الوسائل المتطورة بمنزلة الطهارة المائية من الوضوء والغسل لا يجوز العدول الى غيرها الا مع الاضطرار..وان الوسائل البدائية كالحجارة والعصا بمنزلة الطهارة الاضطرارية الترابية يحرم استعمالها مع وجود ما هو بمنزلة الطهارة المائية.. فالدفاع هو عمل مشروع شرعا وعقلا بخلاف العمل الارهابي الذي هو ممارسة غير مشروعة يربك الحياة الاجتماعية ويحطمها ويسلب الامن والاستقرار ويقضي على الحياة وبهجتها في حين ان الدفاع يحمي الكيان الاجتماعي من الانهيار والدمار ويحفظه من التصدع..

لذا اعتبرت الشريعة الاعمال الارهابية محاربة الله ولرسوله وافسادا في الارض وفعلا بدائيا لا يتناسب مع حالة التحضر والمجتمع المتمدن.. وقد وضعت لها عقوبات شديدة وصارمة ووقفت منها موقفا سلبيا ورادعا.. في الوقت الذي عدت مواجهة العدوان اصلاحا وفعلا حضاريا ووقفت منها موقفا ايجابيا وداعما..

ولا فرق في عدم مشروعية الارهاب وقبحه بين الجهة المتصدية له فردا كان او جماعة او دولة.. كما لا فرق بين الوان الارهاب واشكاله اغتيالا كان او قتلا او جرحا او نهبا للمال او غير ذلك..

ان شريعتنا الغراء في الوقت الذي اعترفت قانونيا بحق الدفاع على صعيديه العام والخاص وقفت وبكل حسم تجاه الارهاب والاعتداء بكل صوره ولم تتهاون في هذا المجال طرفة عين..ولدينا من المواقف والفتاوى قديما وحديثا مايؤكد هذه الدعوى..

وننبه على ان الفقهاء وان لم يستخدموا مصطلح الدفاع العام وانما يعبرون عادة بلفظ الجهاد.. اجل عبروا بالدفاع في مجال الدفاع الخاص حسب.. وهذا كما ترى مجرد لفظ واصطلاح ولا اثر له على ذات المفاهيم والحقائق فلا نطيل المقام بالنقض والابرام..

وليس ثمة ابهام في التمييز بين الدفاع المشروع وبين الممارسة الارهابية الا انه وقع الجدل اخيرا في المحافل الدولية حول اعطاء تعريف واضح للارهاب لترتيب آثار حقوقية وسياسية عليه.. وهذه خطوة جيدة في نفسها لواريد ارساء الحياة على قاعدة من الامن وقطع دابر الفساد والجريمة وتحقيق الخير والامر بالمعروف..

ثم ان مفهوم الارهاب واضح ارتكازا ولا حيرة في ادراكه وانما تقع الحيرة عندما يراد ضبطه وتعريفه قانونياواكاديميا.. لذا فان جملة من عناصر هذا المفهوم لا غبار عليها ككونه عملا عدوانيا يفتقد المشروعية وكونه استخداما للقوة التي لا يباح استعمالها الا في ظل القانون وكونه عملا مضرا بالمعتدى عليه سواء كان الضرر جسديا او معنويااو ماليا او غير ذلك وكونه عملا مخلا بالنظام العام.. ولا يخفى ان البحث في هذا الموضوع لابد وان يحال الى اللجان والجهات المختصة من القانونيين والحقوقيين والفقهاء باعتباره شانا من شؤون التشريع والتقنين.. وليس هو قضية - سياسية وان كان لها آثار سياسية - حتى يتم مناقشتها في الدوائر السياسية.. ومجرد ترتب بعض الاثار والنتائج سياسيا لا يقلب ماهية الموضوع ولا يغير من واقعها.. كما لو حل وباء شامل مثلما حدث في بعض بلدان شرق آسيا اخيرا فان الجهة المتصدية اولا وبالذات هي الدوائر الصحية وتقوم سائر الدوائر بمساعدتها على الرغم من حدوث انعكاسات على الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية بل والسياسية لتلك البلدان الا ان طبيعة المشكلة ظلت في الاطار الصحي والطبي.. وكذلك الامر بالنسبة لداء الارهاب الذي هو لابد من معالجته قانونيا وحقوقيا من قبل المختصين..

وفي نهاية المطاف تجدر الاشارة الى ان القضاء على ظاهرة الارهاب او الحد منها لا يتسنى الا مع تجفيف المنابع والاسباب المولدة له والا فان متابعة الظاهرة مع اهمال مناشئها او تقوية تلك المناشئ سوف يجعل من هذه الخطوات عقيمة لا جدوى فيها..

(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب) .. ولا حول ولا قوة الا بالله ..
 



 حكم الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة

الاستاذ الشيخ عباس الكعبي

القسم الاول

تمهيد

؟ بيان عام للاقوال في المسالة:

1 - استعراض للاقوال على ما هو المعروف:
في النظرة البدوية لكتب الفقه يظفر الباحث برايين في المسالة لا اكثر، وهذا هو المعروف من الاصحاب في تصنيفهم للاقوال في الجهاد الابتدائي حال الغيبة((1)):

القول الاول: اشتراط الجهاد الابتدائي بوجود الامام المعصوم(ع) او نائبه الخاص، بمعنى توقف الوجوب على ذلك.

القول الثاني: عدم الاشتراط بذلك، بمعنى عدم توقف الوجوب على المعصوم(ع) او نائبه الخاص.

2 - التوضيح اللازم لكلام الاصحاب على ما هو المعروف:
ومراد الاصحاب ان هذه المسالة من المواضع التي متى جاز فيها الفعل وجب ومتى لم يجز يحرم، وبناء على هذا فان الجهاد في عصر الغيبة اما مشروع فهو واجب اذا تحققت سائر الشروط، واما غير مشروع فهو حرام حتى اذا تحققت سائر الشروط مادام انه متوقف على المعصوم او نائبه الخاص.

3 - استظهارنا من كلمات الاصحاب في تصنيف الاقوال:
بعد التامل والقاء النظرة الفاحصة يمكن لنا ان نستكشف قولا ثالثا في المسالة، لان هذه المسالة ليست من المواضع المذكورة، بل غاية الاشتراط انتفاء الوجوب بانتفاء الشرط، ونفي الوجوب ليس بمعنى نفي الجواز، وغاية عدم الاشتراط اثبات الجواز لا نفيه، وعلى هذا الاساس نصنف المسالة الى ثلاثة اقوال:
القول الاول: نفي المشروعية وانها متوقفة على وجود الامام(ع).
القول الثاني: الوجوب وان الجهاد لا يتوقف على وجود الامام او نائبه الخاص.
القول الثالث: الجواز دون الوجوب.

4 - ثمرات الاقوال وآثارها في استكشاف المبدا الاساس في العلاقات الدولية على ضوء الفقه الاسلامي:
يترتب على نفي مشروعية الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة صحة الهدنة الدائمة مع الكفار وعدم جوازالتعرض لهم للدعوة الى الاسلام، ومن هنا اطلق اصحاب هذا الراي على عصر الغيبة اسم عصر الهدنة((2)) مع الكفار وعصر التقية((3))، اما احكام الجهاد الابتدائي فالاعم الاغلب منها تكون معطلة عند اصحاب هذا الاتجاه، وهذا هو المشهور عند الاصحاب.

كما يترتب على القول بوجوب الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة ان يكون المبدا الحاكم في العلاقات مع الكفار هو الجهاد في سبيل الله - وهذا المبدا غير مبدا الحرب وان كانت النتيجة واحدة حسب الظاهر، فتامل - لا السلم، فاذا كانوا غير كتابيين يقاتلون الى ان يسلموا، او يقتلون بحسب الشروط المقررة عند المنازلة التي منها دعوتهم الى الاسلام ومحاسنه قبل البدء في الحرب، واما اذا كانوا كتابيين فيقاتلون حتى يسلموا او يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ومن الواضح ان هذا المبدا يجد مصداقه في الخارج اذاحصلت القدرة للمسلمين بنحو يتوقع من خلالها النصر بشهادة اهل الخبرة، والا فيتحول مبدا الحرب الى السلم الموقت او الهدنة الموقتة من غير تحديدها بسنة او اكثر. وهذا القول الثاني عليه جملة من الاعلام كالسيد الخوئي(قدس سره) كما في منهاج الصالحين((4)).

اما القول بالجواز دون الوجوب فيترتب عليه عدم حتمية جهاد الكفار ابتداء لدعوتهم الى الدين حتى لوحصلت القدرة وباقي الشروط واحتملنا الانتصار عليهم، فيكون المبدا في العلاقات مع الكفار على هذا القول ايضا السلم لا الجهاد والحرب، كالقول الاول مع فارق انه بناء على عدم مشروعية الجهاد الابتدائي فالمقاتلون ماثومون ولا يستحقون الثواب وان انتصروا على الاعداء ونشروا راية الحق، واما بناء على المشروعية والجواز دون الوجوب فان تركوا الجهاد لم ياثموا، وان جاهدوا مع اجتماع الشروط استحقواالثواب والاجر، اما بناء على الوجوب مع اجتماع كل الشروط حتى القدرة على النصر فان تركوا الجهاد شملهم الذم الوارد في ترك الجهاد حيث انهم تركوا فريضة الهية، وان فعلوه استحقوا الثواب المترتب على ذلك.

وفي راينا ان القول بالجواز دون الوجوب هو الاوفق لقواعد عصر الغيبة والانسب للجمع العرفي بين الادلة، وعليه بعض القدماء والمتاخرين ايضا، والله العالم بحقيقة الاحكام. وفيما يلي نبحث المسالة في ضمن فصول:

الفصل الاول

الدراسة التحليلية لاقوال الاصحاب في المسالة

في هذا الفصل نذكر اولا اقوال كل اتجاه على حدة حسب فهمنا من القول، ثم شرح ذلك القول ان كان يحتاج الى شرح، وبعد ذلك نتعرض لوجهات النظر الاخرى في صحة هذ الفهم من القول كما هو المتعارف في منهجية الابحاث الفقهية، واما ادلة الاقوال وردها او قبولها وما يمكن ان يقال فيها فستاتي تباعا في الفصول القادمة.

وهذا الفصل يضم ثلاثة مباحث:
المبحث الاول: القائلون بحرمة الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة.
المبحث الثاني: القائلون بوجوب الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة.
المبحث الثالث: القائلون بجواز الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة.

المبحث الاول - القائلون بحرمة الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة:
1 - ما يستفاد من كلام الشيخ الطوسي(قدس سره) في النهاية حيث قال:
«ومن وجب عليه الجهاد انما يجب عليه عند شروط، وهي: ان يكون الامام العادل الذي لا يجوز لهم القتال الا بامره ولا يسوغ لهم الجهاد من دونه ظاهرا، او يكون من نصبه الامام للقيام بامر المسلمين حاضرا ثم يدعوهم الى الجهاد، فيجب عليهم حينئذ القيام به. ومتى لم يكن الامام ظاهرا ولا من نصبه الامام حاضرا، لم يجز مجاهدة العدو، والجهاد مع ائمة الجور او من غير امام خطا يستحق فاعله به الاثم، وان اصاب لم يؤجر عليه وان اصيب كان ماثوما، اللهم الا ان يدهم المسلمين امر من قبل العدو يخاف منه على بيضة الاسلام ويخشى بواره او يخاف على قوم منهم، وجب حينئذ ايضا جهادهم ودفاعهم‏‏»((5)).

وفي توضيح هذا الكلام لابد من ذكر نقاط:
النقطة الاولى: لا شك ان الامام العادل الذي يكون تارة ظاهرا واخرى مستترا ليس هو الا المعصوم(ع).
النقطة الثانية: المنصوب الحاضر لا ينطبق الا على المنصوب الخاص.

وعلى اساس هاتين النقطتين نعرف المقصود من الكلام بان: الجهاد مشروط بدعوة الامام المعصوم اونائبه الخاص، واذا لم يكن احدهما لما جاز الجهاد، فالجهاد مع ائمة الجور او من غير اذن الامام او منصوبه الخاص حرام، ويستحق فاعله الاثم، سواء وقع باذن الفقيه او غيره. ويستثنى من هذا الحكم الجهاد الدفاعي فقط، فلا يشترط فيه اذن احد حتى لو وقع تحت راية الجائر، فلا يرتفع حكمه الواجب باي حال من الاحوال.

ويستند هذا الفهم الى امور نعرفها من خلال عبارة الشيخ في النهاية وفي سائر المواضع:

الامر الاول: لو كان الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة غير محرم لصح وقوع النذر به او ترتب الثواب عليه ان كان باذن الفقيه، ولما لم يكن كذلك فلا يصح النذر ولا يترتب الثواب، بخلاف نذر المرابطة. قال الشيخ(قدس سره): «فان نذر في حال استتار الامام وانقباض يده عن التصرف ان يرابط، وجب عليه الوفاء به‏‏»((6))، وقال ايضا في فضل المرابطة: «والمرابطة في سبيل الله فيها فضل كبير وثواب جزيل، غير ان الفضل فيها يكون حال كون الامام ظاهرا... ومتى لم يكن الامام ظاهرا لم يكن فيه ذلك الفضل‏‏»((7))، وكان الاولى ان يذكر فضل الجهاد في زمن الحضور والظهور، لان فضله اكبر، وعدم ذكر هذا الامر مع الاشارة الى حكم فضل المرابطة اذا لم يكن الامام ظاهرا من دون التعرض لحكم الجهاد كذلك فيه اشارة الى عدم جواز الجهاد في حال الغيبة اصلا، فلا تصل النوبة الى الكلام في فضله.

الامر الثاني: لو كان الجهاد الابتدائي حال الغيبة جائزا وليس حراما لما حصر الشيخ(قدس سره) الدعوة الى الاسلام قبل البدء بالقتال بالامام المعصوم او من يامره الامام(ع). قال الشيخ(قدس سره): «ولا يجوز قتال احد من الكفار الا بعد دعائهم الى الاسلام واظهار الشهادتين والاقرار بالتوحيد والعدل والتزام جميع شرائع الاسلام، فمتى دعوا الى ذلك فلم يجيبوا حل قتالهم، ومتى لم يدعوا لم يجز قتالهم. والداعي ينبغي ان يكون الامام او من يامره الامام‏‏»((8)).
ومن الواضح ان الامر بالدعوة هو للجهاد القائم فعلا وتحت اشراف الامام فلا يشمل عصر الغيبة، وبعبارة اخرى: «من يامره الامام(ع)» هو المتحقق فيه مصداق معين ونيابة خاصة، لا الامر الكلي الشامل للنيابة العامة في حال الغيبة، فانه يتنافى مع فعلية القيام بالجهاد المطلوب فيه الدعوة قبل البدء بالقتال.

الامر الثالث: اسلوب الشيخ في تعابيره الفقهية يدل على ان مراده في النهاية من النصب هو النصب الخاص لا العام، فانه يستخدم كلمة «النصب‏‏» للدلالة على النصب الخاص، وكلمة «التفويض‏‏» في عصرالغيبة لفقهاء الشيعة ايدهم الله، واليك عبارات الشيخ(قدس سره) للدلالة على المقصود: قال(قدس سره) في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر: «فاما اقامة الحدود فليس يجوز لاحداقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى او من نصبه الامام لاقامتها، ولا يجوز لاحد اقامتها على حال، وقد رخص في حال قصور ايدي ائمة الحق وتغلب الظالمين ان يقيم الانسان الحد على ولده واهله ومماليكه‏‏»((9)). فاطلق في العبارة النصب للدلالة على النصب الخاص مقابل الرخصة للدلالة على النصب العام، فلو كان مراده من النصب هو العام لما قال: «في حال قصور ايدي ائمة الحق‏‏»، لان المفروض وجودالفقيه القائم بامور المسلمين بمنزلة كون الامام حاضرا، والحال جعل مقابل ذلك تغلب الظالمين.

2 - ما يستفاد من كلام شيخ الطائفة(قدس سره) في المبسوط حيث قال:
«واذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها فيمن يجب عليه الجهاد فلا يجب عليه ان يجاهد الا بان يكون هناك امام عادل او من نصبه الامام للجهاد، ثم يدعوهم الى الجهاد، فيجب حينئذ - على ما ذكرناه - الجهاد.ومتى لم يكن الامام ولا من نصبه الامام سقط الوجوب، بل لا يحسن فعله اصلا، اللهم الا ان يدهم المسلمين امر يخاف معه على بيضة الاسلام ويخشى بواره او يخاف على قوم منهم فانه يجب حينئذدفاعهم، ويقصد به الدفع عن النفس والاسلام والمؤمنين، ولا يقصد الجهاد في الاسلام. وهكذا حكم من كان في دار الحرب ودهمهم عدو يخاف منهم على نفسه جاز ان يجاهد مع الكفار دفعا عن نفسه وماله، دون الجهاد الذي وجب عليه في الشرع. والجهاد مع ائمة الجور او من غير امام اصلا خطاء قبيح يستحق فاعله الذم والعقاب، ان اصيب لم يؤجر، وان اصاب كان ماثوما»((10)).

فالعبارة صريحة في اشتراط اذن الامام(ع) ونائبه الخاص المنصوب للجهاد حيث قال(قدس سره): «امام عادل او من نصبه الامام للجهاد»، وابلغ من ذلك بيان الحرمة في عصر الغيبة حيث قال(قدس سره): «او من غير امام اصلا» ولم يكرر المنصوب للجهاد، ثم عطفه على الجهاد مع ائمة الجور وانه خطا قبيح يستحق فاعله الذم والعقاب... الخ، فلا تقبل العبارة اي تفسير آخر غير حرمة الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة.

3 - واما الفقيه محمد بن ادريس الحلي(قدس سره) في كتاب الجهاد من سرائره فقد نقل عين عبارة الشيخ الطوسي(قدس سره) في النهاية ومن دون اي تعليق، مما يدل على ان رايه مثل راي الشيخ(قدس سره)((11)).

4 - القاضي ابن البراج فيما يظهر من مهذبه، وهذا نصه: «والجهاد مع ائمة الكفر ومع غير امام اصلي اومن نصبه قبيح يستحق فاعله العقاب، فان اصاب كان ماثوما، وان اصيب لم يكن على ذلك اجر»((12))، بناء على ان مراده من قيد «من نصبه‏‏» هو النائب الخاص، وهو المنصوب للجهاد اولما هو اعم. اما العام كالفقيه فلا يجوز له ولا معه حال الغيبة. وصريح هذا المعنى هو لصاحب الرياض((13))، ثم اضاف صاحب الرياض:«بلا خلاف اعلمه، كما في ظاهر المنتهى وصريح الغنية‏‏»((14))، فصاحب الرياض ايضا فهم من عبارة القاضي ابن البراج النصب الخاص، والا لما قال: «بلا خلاف اعلمه‏‏». فاستظهار حرمة الجهاد المبتدا في زمن الغيبة في محله، لاسيما بعد تاكيد العبارة «ان فاعله يرتكب قبيحا يستحق عليه العقاب‏‏»، مع انه يروي في مهذبه عن رسول الله(ص): «عليكم بالجهاد في سبيل الله مع كل امام عادل، فالجهاد في سبيل الله مع كل امام عادل باب من ابواب الجنة‏‏»((15)).

وفي موضع آخر من المهذب: «ويكون مامورا به من قبل الامام العادل او من نصبه الامام‏‏»((16))، ومراده من «الامام العادل‏‏» هو الامام الاصلي، وبعد فاصل قال: «وانما ذكرنا ان يكون مامورا بالجهاد من قبل الامام او من نصبه لانه متى لم يكن واحدا منهما لم يجز له الخروج الى الجهاد»((17)).

فذكر ضمير التثنية للامام الاصلي والمنصوب من قبله قرينة اخرى على ان مراده المنصوب الخاص. ثم لانحتاج الى بيان ان مراده ايضا من «الامام العادل‏‏» هو الامام الاصل بعد بيانه: «والجهاد مع ائمة الكفر ومع غير امام اصلي او من نصبه‏‏»، فبدل عبارة الامام العادل الى الامام الاصل. فبالاخذ بعين الاعتبار ذكرروايات الجهاد مع امام عادل في بداية الكتاب ايضا، لم يبق مجال لحمل «من نصبه‏‏» على المنصوب الخاص.

وقال بعض اساتذتنا الاعلام (حفظه الله): «فربما يستظهر منها حرمة الجهاد المبتدا في زمان الغيبة‏‏»((18))، ثم استدرك قائلا: «اللهم الا ان يراد ممن نصبه معنى يعم فقهاء الشيعة لاسيما اذا قاموا بتاسيس دولة اسلامية او قيادتها في زمان غيبة الامام الاصل وولي العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)»((19)).

اقول: قد عرفت الجواب، ولم يكن هناك مؤشر واحد في عبارة المهذب لهذا الاستدراك، كيف؟! والغرض من التنصيب في امر الجهاد هو اشراف الامام(ع) على الاحكام المترتبة على الجهاد، من الامان والعهد والصلح والغنيمة والاسر وامثال ذلك، فالمنصوب ينبغي ان يكون في حضور الامام وتحت امره المباشر، والقرينة في العبارة على ذلك: «متى لم يكن واحدا منهما لم يجز له الخروج الى الجهاد»((20)).

يعني: ينبغي ان يكون الامام او منصوبه للجهاد حاضرا وموجودا حتى يصح النفير والخروج، لذلك صرح في محل آخر من البحث في المهذب بهذا المعنى بقوله: «لا يجوز قتالهم الا مع الامام او من ينصبه لذلك‏‏»((21)) اي للجهاد.

ثم جرت عادة الفقهاء القدماء ان يعبروا عن نائب الغيبة في امثال هذه المسالة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واجراء الحدود ب: «التفويض لهم‏‏» لا النصب، يقول الشيخ الطوسي في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من النهاية: «فاما اقامة الحدود فليس يجوز لاحد اقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى او من نصبه الامام لاقامتها، ولا يجوز لاحد سواهما اقامتها على حال... واما الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين فلا يجوز ايضا الا لمن اذن له سلطان الحق في ذلك، وقد فوضوا ذلك الى فقهاء شيعتهم‏‏» ((22)).

ولما كان القاضي ابن البراج لا يرى جواز بعض وجوه الامر بالمعروف باليد - مثل الموجب للقتل - في عصر الغيبة، عبر في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عنه بقوله: «لا يجوز للمكلف الاقدام عليه الا بامر الامام العادل واذنه له في ذلك او من نصبه الامام، فان لم ياذن له الامام او من نصبه لذلك فلا يجوزله فعله‏‏» ((23)) اي منصوب الامام الخاص بهذا النوع.

وبهذا يتبين ان استظهار الحرمة من عبارة المهذب في محله، بل يفهم التصريح والتاكيد على الحرمة، واما التعميم لفقهاء الشيعة من قيد «النصب‏‏» فقد عرفت حاله وعدم مساعدة العبارة عليه حسب ظاهر العبارة والمصطلح.

5 - واما ابن حمزة الطوسي فقد قال في كتاب الجهاد من الوسيلة: «الجهاد فرض من فرائض الاسلام،وهو فرض على الكفاية، واذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وانما يجب بثلاثة شروط:
احدها: حضور الامام او من نصبه الامام للجهاد.
والثاني: ان يدعو اليه.
والثالث: اجتماع سبع خصال في المدعو اليه، وهي: الحرية والبلوغ و....

وربما يصير الجهاد فرض عين باحد شيئين: احدهما: استنهاض الامام اياه، والثاني: يكون في حضورالامام وغيبته بمنزلة، وهو ان يدهم امر يخشى بسببه على الاسلام وهن... ولا يجوز الجهاد بغير الامام ولامع ائمة الجور»((24)).

فقوله: «يكون في حضور الامام وغيبته بمنزلة‏‏» يعني: انه لا يختلف الامر سواء كان الامام المعصوم حاضرا ام غائبا، حيث انه يجب الجهاد على كل من يتمكن من نصرة الدين والدفاع عن بيضة الاسلام من دون ملاحظة شروط الجهاد، وهذا غير محل الشاهد. واما سائر فقرات العبارة فواضحة وصريحة في اشتراط حضور الامام المعصوم او منصوبه الخاص للجهاد والدعوة الى الجهاد. كما يستفاد من الفقرة الاخيرة من العبارة: «لا يجوز الجهاد بغير الامام ولا مع ائمة الجور» ان الجهاد المبتدا باذن نائب الغيبة غير جائز وحرام. واما كون المراد من «الامام‏‏» في العبارة هو المعصوم فيستفاد من المقابلة مع ائمة الجوروان حضور الامام وغيبته بمنزلة سواء في الجملة السابقة، حيث لا يكون كذلك الا المعصوم(ع).

6 - قال ابن سعيد الحلي في الجامع للشرائع: «ووجوبه... بشرط حضور امام الاصل داعيا اليه او من يؤمره، وهو محرم من دون اذنه‏‏»((25))، وهو واضح الدلالة على المطلوب. والمراد بمن يؤمره اي بالامرالفعلي في القضية الواقعة لا الامر الكلي الذي يشمل الغيبة.

7 - واما العلامة الحلي فقد قال في التذكرة: «الجهاد قسمان: احدهما ان يكون للدعاء الى الاسلام. ولايجوز الا باذن الامام العادل او من نصبه لذلك عند علمائنا اجمع... وقال احمد: يجب مع كل امام، بر او فاجر»((26)). ثم استدل له بخبر ابي هريرة فضعفه وعارضه بالكتاب، وفي الفصل السادس صرح بان المرادمن الامام هو المعصوم((27)). فالعبارة صريحة في اشتراط اذن الامام او نائبه الخاص في جواز الجهادوحرمة الجهاد للجلب الى الاسلام في عصر الغيبة ولو باذن النائب العام.

واما في المنتهى فقال: «مسالة: الجهاد قد يكون للدعاء الى الاسلام، وقد يكون للدفع، بان يدهم المسلمين عدو، فالاول لا يجوز الا باذن الامام العادل ومن يامره الامام، الثاني يجب مطلقا. وقال احمد: يجب الاول مع كل امام بر او فاجر»((28)). وقال في البحث السادس في الرباط: «مسالة: وانما يستحب المرابطة استحبابا مؤكدا في حال ظهور الامام(ع)، اما في حال غيبته فانها مستحبة ايضا استحبابا غير مؤكد، لانها لا تتضمن قتالا بل حفظا واعلاما وكانت مشروعة حال الغيبة... اذا ثبت هذا فان رابط حال ظهور الامام باذنه وسوغ له القتال جاز له ذلك، وان كان مستترا او لم يسوغ له المقاتلة لم يجز له القتال ابتداء بل يحفظ الكفار من الدخول الى بلاد الاسلام‏‏»((29)).

فهذه العبارات صريحة في نفي مشروعية الجهاد الابتدائي في زمن الغيبة واشتراطه باذن الامام المعصوم او نائبه الخاص، حيث ان الاول لا يجوز الا باذن الامام العادل او من يامره الامام. وبقرينة الغيبة والاستتار والحضور في مبحث المرابطة يعرف ان المراد من الامام هو المعصوم(ع). ثم المرابطة مستحبة غير مؤكدة، لانها ليست جهادا ابتدائيا، بل هي حفظ واعلام، والا لما شرعت، فان كان الجهاد الابتدائي بغير اذن فاستحبابه واباحته ايضا منتفيان وفعله حرام. ومثل ما في المنتهى مكرر في تحرير الاحكام للعلامة(رحمه الله)((30)).

8 - وقال فخر المحققين في الايضاح نقلا عن القواعد للعلامة في مقام التعليل لعدم جواز الامر بالمعروف او النهي عن المنكر اذا افتقر الى الجراح او القتل: «لانه لو جاز لجاز الجهاد من غير اذن الامام، لكن التالي باطل اجماعا فالمقدم مثله، والملازمة ظاهرة‏‏»((31)). فقوله: «لكن التالي باطل اجماعا» يعني ان هناك اجماعاقائما على ان الجهاد في عصر الغيبة من غير اذن الامام(ع) لا يجوز، اي ليس بمشروع اساسا.

9 - وقال الشهيد الثاني في كتاب الجهاد من الروضة البهية: «وهو اقسام: جهاد المشركين ابتداء لدعائهم الى الاسلام، وجهاد من يدهم على المسلمين من الكفار... وانما يجب الجهاد بشرط الامام العادل او نائبه الخاص وهو المنصوب للجهاد او لما هو اعم، اما العام كالفقيه فلا يجوز له توليه حال الغيبة بالمعنى الاول، ولا يشترط في جوازه بغيره من المعاني‏‏»((32)). وهو صريح في عدم مشروعية الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة بقوله: «اما العام كالفقيه فلا يجوز له توليه حال الغيبة‏‏»، فلو تولاه كذلك فهو آثم.

وقال في المسالك عند شرحه عبارة المصنف فيما يخص شروط الجهاد ابتداء من المسلمين للدعاء الى الاسلام: «قوله: «او من نصبه للجهاد» يتحقق ذلك بنصبه له بخصوصه او بتعميم ولايته على وجه يدخل فيه الجهاد، فالفقيه في حال الغيبة وان كان منصوبا للمصالح العامة، لا يجوز له مباشرة امر الجهاد بالمعنى الاول‏‏»((33)). وهو صريح في عدم مشروعية الجهاد الابتدائي في زمن الغيبة حتى لو كانت له ولاية المصالح العامة، وهذا معناه الحرمة والاثم لكل من باشر الجهاد في عصر الغيبة للجلب الى الاسلام سواء كان فقيها او مكلفا آخر.

10 - وقال السيد صاحب الرياض: «وانما يجب الجهاد بالمعنى الاول على من استجمع الشروط المزبورة مع وجود الامام العادل وهو المعصوم(ع) او من نصبه لذلك اي النائب الخاص، وهو المنصوب للجهاد او لما هو اعم. اما العام كالفقيه فلا يجوز له ولا معه حال الغيبة، بلا خلاف اعلمه - كما في ظاهر المنتهى وصريح الغنية - الا من احمد كما في الاول، وظاهرهما الاجماع، والنصوص به من طرقنا مستفيضة بل متواترة‏‏»((34)).

وهذه العبارة في الصراحة على نفي مشروعية الجهاد الابتدائي حال الغيبة وحرمة القيام به من المكلفين والتولي به من قبل الفقيه نظير عبارة ثاني الشهيدين في الروضة البهية والمسالك. مضافا الى ادعاء نفي الخلاف، ومتعلق نفي الخلاف في عبارة الرياض هو اشتراط اذن الامام او نائبه الخاص في الوجوب، وليس المراد نفي الخلاف في حرمة التولي والقيام بالجهاد الابتدائي حال الغيبة، وكذلك نقل الاجماع عن ظاهر المنتهى وصريح الغنية على ذلك، واستظهار نفي الخلاف عن المنتهى في محله، حيث ان العلامة بعد الافتاءبعدم جواز الجهاد الا باذن الامام او نائبه الخاص لم ينقل الخلاف الا عن احمد، ومراده من نفي خلاف الغنية قوله: «ومتى اختل شرط من هذه الشروط سقط فرض الجهاد بلا خلاف اعلمه‏‏»((35)). ومن شروط الجهاد الابتدائي التي ذكرها ان تكون بامر الامام العادل او من نصبه للجهاد الابتدائي((36)).

ونقل نفي الخلاف عن الغنية مطابق للواقع، لكن هذا لا يعني ان صاحب الغنية يقول بعدم المشروعية، بل غاية قوله سقوط الوجوب، ونفي الخلاف والاجماع المدعى من صاحب الرياض على نفي الوجوب لا على نفي الجواز، فهو اجنبي عن ادعاء صاحب الرياض من القول بحرمة الجهاد الابتدائي.

11 - وفي كشف الغطاء: «اذا كانت المحاربة حال الغيبة وكانت للجلب الى الاسلام فان اقامة الحروب وجمع الجنود لذلك غير مباحة ولا يستباح بها»((37)). وقال في موضع آخر: «الجهاد ينقسم من جهة اختلاف متعلقاته الى خمسة اقسام... خامسها: جهاد الكفر والتوجه الى محالهم، للرد الى الاسلام، والاذعان بما اتى به النبي الامي المبعوث من عند الملك العلام، عليه وآله افضل الصلاة والسلام. وهذا المقام من خواص النبي والامام والمنصوب الخاص منهما دون العام‏‏»((38)).

12 - وفي الجواهر: «لا خلاف بيننا - بل الاجماع بقسميه عليه - في انه انما يجب على الوجه المزبوربشرط وجود الامام(ع) وبسطيده او من نصبه للجهاد ولو بتعميم ولايته له ولغيره في قطر من الاقطار، بل اصل مشروعيته مشروط بذلك فضلا عن وجوبه‏‏»((39)). ويستفاد من هذا الكلام ان نفي الخلاف بين الاصحاب بل الاجماع قائم على اشتراط الجهاد الابتدائي بوجود الامام والنائب الخاص المنصوب للجهادوحتى لغير الجهاد، ثم عند فقد الشروط تنتفي المشروعية من اساسها ويحرم القيام بالجهاد في حال الغيبة كذلك، ولا يفهم من قوله: «بل اصل مشروعيته مشروط بذلك فضلا عن وجوبه‏‏» انه يدعي الاجماع ونفي الخلاف على حرمة الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة، بل هذا الكلام يعرف منه فتوى صاحب الجواهر فقط.نعم ربما نستظهر ادعاءه الاجماع من مواطن اخر من كلامه ياتي الحديث عنها في البحوث القادمة.

13 - وصرح الميرزا القمي(قدس سره) في جامع الشتات - في معرض الجواب عن سؤال - قائلا: «الاصل انه لا يجوز القتال مع الكفار ابتداء لدعوتهم الى الاسلام وان كان بامر الفقيه الذي هو نائب عام للامام حال الغيبة، ولا يجوز له الامر بذلك، وان فعل فهو آثم، ولا يجري عليه شيء من احكام الجهاد، وكذلك مع الامام الجائر اختيارا، وكذلك مع الاضطرار وان لم يكن آثما»((40)). ولا اظن وجود عبارة اصرح من هذه للدلالة على المطلوب، بالاضافة الى ان الميرزا جعل الاصل ذلك، ومراده بالاصل هنا اصالة عدم النيابة والولاية الا ما خرج بالدليل في مثل هذه الامور.

الفصل الثاني

ادلة القول بعدم المشروعية مع ما يمكن ان يقال في ردها

؟ تصنيف الادلة:
ومن النافين لاصل مشروعية الجهاد المبتدا في حال الغيبة، صاحب الجواهر(قدس سره). وعلى ضوء المستفاد من عباراته وعبارات غيره يمكن تصنيف ادلة النفي الى ما يلي:

الاول: ادعاء الاجماع ونفي الخلاف بين الاصحاب.

الثاني: اخبار المنع من الجهاد الابتدائي حال الغيبة الا مع الامام او باذنه الخاص، وهذه الاخبار على ثلاثة اقسام:
القسم الاول: اخبار تحريم الجهاد مع غير الامام المعصوم.
القسم الثاني: اخبار الاشتراط للجهاد مع الامام العادل.
القسم الثالث: اخبار النهي عن القتال حال الغيبة.

الثالث: عدم صدور الاذن من الائمة بجهاد الكفار في عصر الغيبة لعلمهم بقصور اليد في تلك الظروف والاحوال والا لظهر الحجة(ع).

الرابع: منع اطلاقات وعمومات الكتاب والسنة.

الدليل الاول: ادعاء الاجماع ونفي الخلاف بين الاصحاب

وهو ظاهر المنتهى وصريح الغنية على ما حكاه صاحب الرياض قائلا: «ظاهرهما الاجماع‏‏»، وقال: «بلاخلاف اعلمه‏‏»((41)). اما صاحب الجواهر(قدس سره) فاكتفى بالتعليق على هذا المحكي وسائر ادلة النفي بقوله: «ان تم الاجماع المزبور فذاك‏‏»((42)). يعني ان كان هذا الاجماع المدعى تاما فيصح الاخذ به والقول باشتراط اصل مشروعية الجهاد بوجود الامام(ع) على اساسه، وان لم يتم فباقي الادلة من النصوص الخاصة الدالة على عدم المشروعية تنهار امام عموم ولاية الفقيه، لاسيما مع المؤيدات لها هنا من عمومات الجهاد،وحينئذ يترجح القول بعدم اشتراط الامام، وبما انه افتى صراحة بان اصل مشروعيته مشروط بذلك فضلاعن وجوبه، وتكررت هذه الفتوى منه غير مرة من خلال سائر المباحث في الكتاب، نستكشف من ذلك: ان هذا الاجماع عند صاحب الجواهر تام، بل يظهر منه ان اقوى الادلة المعتمدة عنده هو تمامية الاجماع المزبوران لم نقل بانه الدليل الوحيد على مطلوبه. وقبل الجواب على هذا الوجه - حيث كان الاصل في ادعاء الاجماع ما قاله العلامة في المنتهى وابن زهرة في الغنية - لابد اولا من نقل العبارات التي يظهر منها ذلك:

قال العلامة في المنتهى: «الجهاد قد يكون للدعاء الى الاسلام، وقد يكون للدفع، بان يدهم المسلمين عدو، فالاول لا يجوز الا باذن الامام العادل ومن يامره الامام. الثاني يجب مطلقا. وقال احمد: يجب الاول مع كل امام بر او فاجر»((43)). ووجه الاستظهار قوله: «قال احمد: يجب الاول مع كل امام بر او فاجر»، وهو في مقام بيان المخالف في المسالة ولم يذكر مخالفا من الاصحاب في المسالة، ومن هنا استظهر صاحب الرياض وغيره من ظاهر هذه العبارة الاجماع. ومن الواضح ان غاية دلالة العبارة نفي الخلاف، وهو اضعف رتبة من الاجماع، ثم استظهار نفي الخلاف في هذه المسالة هو بالنسبة لاصل اشتراط وجود الامام في الجهاد الابتدائي وليس ناظرا الى مشروعيته او عدم مشروعيته في عصر الغيبة، بل المسالة ساكتة عن هذا الجانب، ولا يمكن باي حال من الاحوال اثبات عدم المشروعية في زمن الغيبة من هذه العبارة ما عدا نفي الوجوب حال الغيبة، وهو اعم من ان يكون مشروعا وجائزا او غير جائز.

اما ابن زهرة فيقول في الغنية: «ومتى اختل شرط من هذه الشروط (= شروط الجهاد الابتدائي ومنها ان يكون بامر الامام العادل) سقط فرض الجهاد، بلا خلاف اعلمه، ومع تكاملها هو فرض على الكفاية، اذا قام به من فيه كفاية سقط عن غيره، بلا خلاف‏‏»((44)). وهذه العبارة صريحة في ادعاء نفي الخلاف بسقوط الفرض حال الغيبة ونفي الخلاف في الوجوب الكفائي بتكامل الشروط ومنها الامام، وليس نفي الخلاف قائما على نفي المشروعية بل على اصل الاشتراط، وسقوط الفرض حال الغيبة اعم من ان يكون جائزا او لا، اذا المرادمن نفي الخلاف عن الوجوب حال الغيبة لا غير.

واما في عبارة الرياض: «انما يجب الجهاد... مع وجود الامام العادل وهو المعصوم(ع) او من نصبه لذلك اي النائب الخاص، وهو المنصوب للجهاد او لما هو اعم. اما العام كالفقيه فلا يجوز له ولا معه حال الغيبة، بلا خلاف اعلمه - كما في ظاهر المنتهى وصريح الغنية - الا من احمد كما في الاول، وظاهرهما الاجماع‏‏»((45)). ومن الواضح ان قوله: «بلا خلاف اعلمه‏‏» متعلق باصل عبارة الماتن المحقق الحلي،والمقصود انه «يجب الجهاد مع وجود الامام العادل او من نصبه لذلك، بلا خلاف اعلمه‏‏»، بقرينة قوله من دون فصل: «كما في ظاهر المنتهى وصريح الغنية‏‏».

اللهم الا ان يقال بان قوله: «بلا خلاف اعلمه‏‏» متعلق بـ«لا يجوز» في قوله: «اما العام كالفقيه فلا يجوز له ولا معه حال الغيبة، بلا خلاف اعلمه‏‏»، وهذا واضح البطلان، لما عرفت من ظاهر المنتهى وصريح الغنية وسياق عبارة الرياض شارحا لاصل عبارة المختصر، وكان الاولى لصاحب الرياض والجواهر الاستشهاد بعبارة العلامة في التذكرة على ثبوت الاجماع، لصراحته في دعوى الاجماع على نفي المشروعية حال الغيبة.

وكيف كان فقد اشكل استاذ اساتذتنا المحقق السيد الخوئي(قدس سره) على ثبوت الاجماع المدعى بقوله: «ان الاجماع لم يثبت، اذ لم يتعرض جماعة من الاصحاب للمسالة‏‏»((46)).

وربما يقال في الجواب:
1 - ان وجه عدم تعرض جماعة من القدماء هو ارسالهم للمسالة ارسال المسلمات من انها مشروطة بالامام الاصل وان التكليف ساقط حال الغيبة، لما يحتاج الجهاد من السلطة والسلطان المفروض عدمهما حال الغيبة، والا لظهر الحجة (عجل الله تعالى فرجه)، لذلك لم يروا جدوى للتعرض لها، كما يلاحظ في تصريحات بعض المتاخرين كمجمع البرهان وغيره، حتى ان بعضهم - كما في مثل مفتاح الكرامة والحدائق الناضرة ومستند الشيعة وكشف اللثام - لم يشرحوا كتاب الجهاد ولم يعلقوا عليه بالمرة، بل لماكان هذا الامر هو المعروف من مذهب الامامية اورد عليهم الخصم اشكالات في فوائد الحجة (عجل الله تعالى فرجه) وان الاحكام مثل الحدود والجهاد في غيبته معطلة.

2 - ان عدم تعرض الجماعة للمسالة لا يضر بالاجماع، لما قلناه، ولامكان حمل فتواهم على الاشتراط، لان اصل وجوب الجهاد القائم عليه اجماع المسلمين كافة لا يتعقل الا بوجود امام وعدة وعتاد والا لصار تشريعه لغوا، والقدر المتيقن من الامام هو المعصوم(ع)، فاشتراطه ثابت باصل تشريع الجهاد وملازم له، لاينفك عنه في حال دون حال.

اما الاجماع الثاني على اشتراط المعصوم في زمن الغيبة فهو متاخر عن هذا الاجماع ومطابق لاصل الاشتراط وعدم الاذن، فكيف لا يثبت الاجماع؟! لاسيما بعد اخبار جمع كثير من اساطين القدماء والمتاخرين بذلك وفتواهم بالاشتراط، مما يجعلنا مطمئنين بثبوته وصحة حمل فتوى الاصحاب غير المتعرضين للمسالة على ذلك، ولا اقل من عدم ضررها.

وربما يشكل على الجواب الثاني: بانه اجماع على وفق القاعدة والاصل والاجتهاد، مما يوجب قلة الاعتمادعلى هكذا اجماعات كما هو محقق في علم الاصول.

والجواب: بان الاشكال وارد فيما لو كان الاجماع قائما في مسالة غير معنونة في كلام من تقدم على المدعي او في مسائل قد اشتهر خلافها بعد المدعي او في زمانه او قبله، لكنك عرفت ان الاجماع هاهنا ليس كذلك، اللهم الا في القول باصالة الاشتراط والاذن، لكن الحال فيه كذلك، حيث انه اجماع مبني على الحدس والاجتهاد وليس على المتابعات كما هو المحكي عن اجماعات العلامة.

واشكل بعض اساتذتنا الاعلام على ثبوت الاجماع بل الاتفاق بوجود المخالف، ولذلك اعتبر القول بالاشتراط مشهورا((47)).

اقول: بما ان ابن زهرة يذهب الى مبنى اللطف - كما في الغنية - ووجود المخالف طبقا لهذا المبنى يضر بالاجماع، لذلك اكتفى في التعبير بعدم الظفر بالمخالف بقوله: «بلا خلاف اعلمه‏‏». اما العلامة فحيث يذهب الى مبنى الحدس - كما قلنا - وفي هذا المبنى لا يضر وجود المخالف اليسير، فلذا عبر في التذكرة بقوله: «عند علمائنا اجمع‏‏»، وحيث كان منشا دعوى الاجماع عنده الاجتهادات لا المتابعات لاقوال الاصحاب كافة، فادعاؤه الاجماع يساوي نفي الخلاف الذي لم يظفر بغيره ابن زهرة، ويبقى اشكال وجود المخالف للاجماع على حاله مما ينزله الى مستوى الشهرة.

وربما يقال في الجواب: بان المخالفة غير معلومة الا بالاجتهادات والاستظهارات من العبارات مما يقبل التاويل، فيندفع الاشكال ويثبت الاتفاق بل الاجماع.

اقول: بالنظر الى ما نقلناه وحققناه من عبارات الاصحاب يمكن تصوير هذا الاجماع المدعى بصورتين:

1 - الاجماع على نفي المشروعية، ونحن لا نسلم هذا الاجماع، بل ظفرنا بوجود المخالفة من اساطين القدماء والمتاخرين ما ينهدم معها الاتفاق فضلا عن الاجماع، وهذه المخالفة هي صريح الشيخ المفيد في رسالة الغيبة وان توقفنا في عبارة المقنعة، وظاهر ابن فهد والحلبي وشيخ الطائفة في كتابيه الاقتصاد والجمل والعقود، وتشعر به عبارات كل من سلار في المراسم والصهرشتي في اصباح الشيعة، ممن قالوابوجوب الجهاد او جوازه في عصر الغيبة((48)).

2 - الاجماع على نفي الوجوب دون الجواز حال الغيبة، وهذا اقرب الى الاثبات، ولم نستظهر مخالفا حسب تتبعنا ما عدا الشيخ المفيد في رسالة الغيبة وظاهر ابن فهد والحلبي مما يمكن حمل كلامهم على غيره بالتامل فيه.

ثم استشكل السبزواري في الكفاية على الحكم بعدم المشروعية في الغيبة بقوله: «ويشترط في وجوب الجهاد وجود الامام(ع) او من نصبه، على المشهور بين الاصحاب، ولعل مستنده اخبار لم تبلغ درجة الصحة مع معارضتها بعموم الايات، ففي الحكم به اشكال‏‏»((49)).

وتبعه المحقق الخوئي في منهاج الصالحين فقال: «على تقدير ثبوته(= الاجماع) فهو لا يكون كاشفا عن قول المعصوم(ع)، لاحتمال ان يكون مدركه الروايات الاتية، فلا يكون تعبديا»((50)).

 

الصفحة التالية