؟أ - البحث السندي:
؟ب - البحث الدلالي:
6 - وما رواه الشيخ باسناده عن الهيثم بن ابي مسروق، عن عبد
الله بن المصدق، عن محمد بن عبد الله السمندري قال: قلت
لابي عبد الله: اني اكون بالباب - يعني باب من الابواب فينادون
السلاح، فاخرج معهم،قال: فقال لي: «ارايتك ان خرجت فاسرت
رجلا فاعطيته الامان وجعلت له من العقد ما جعله رسول
الله(ص) للمشركين اكانوا يفون لك به؟»، قال: قلت: لا والله،
جعلت فداك، ما كانوا يفون لي به، قال: «فلا تخرج». قال:ثم قال
لي: «اما ان هناك السيف»((101)).
؟أ - البحث السندي:
؟ب - البحث الدلالي:
7 - وما رواه الصدوق في العلل والخصال عن ابيه، عن سعد، عن
محمد بن عيسى، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن
راشد، عن ابي بصير، عن ابي عبد الله، عن آبائه(ع)، قال: «قال اميرالمؤمنين(ع): لا
يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم ولا ينفذ في الفيء امر الله (عزوجل)، فان مات في
ذلك كان معينا لعدونا في حبس حقوقنا والاشاطة بدمائنا،
وميتته ميتة جاهلية»((103)).
؟أ - البحث السندي:
؟ب - البحث الدلالي:
فالمتحصل من دراستنا السندية والدلالية للاخبار التي استدل
بها او يمكن الاستدلال بها على تحريم الجهاد مع غير الامام
المعصوم هو تمامية رواية بشير الدهان سندا، وصحة الاستدلال
بها دلالة على تحريم الجهاد مع غير الامام المعصوم الشامل
باطلاقه لعصر الغيبة حتى لو كان الجهاد مع الفقيه
العدل المبسوط اليد. ولا دلالة لباقي الروايات التي ذكرناها
على طولها وناقشناها من حيث السند، نعم رواية بشير كان فيها
بحث من ناحية السند وان صححناه، ثم من ناحية الدلالة
تمسكنا باطلاق «مع غير الامام المفترض طاعته» ليشمل
التحريم عصر الغيبة، لكن روايات هذا الباب ربما تكون قرينة
على ان المراد من رواية بشير ايضا حرمة الجهاد مع الامام
الجائر، فتكون مقيدة لها، والله العالم. المطلب الثاني: الدراسة السندية والدلالية لاخبار اشتراط الجهاد مع الامام العادل
الرواية الاولى: ما رواه جعفر بن محمد بن قولويه في كامل
الزيارات، عن محمد بن الحسن، عن الصفار،
عن العباس بن
معروف، عن عبد الله بن عبد الرحمان الاصم، عن جده قال:
قلت لابي جعفر(ع): ايهما افضل: الحج او الصدقة؟ - الى ان قال: -
قلت: فالجهاد؟ قال: «الجهاد افضل الاشياء بعد الفرائض في
وقت الجهاد».وقال: «ولا جهاد الا مع امام»((104)).
اختلاف النسخ:
الرواية الثانية: ما رواه الصدوق في عيون الاخبار عن عبد
الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار، عن علي بن
محمد بن قتيبة النيسابوري، عن الفضل بن شاذان قال: سال
المامون علي بن موسى الرضا(ع) ان يكتب له محض الاسلام
على سبيل الايجاز والاقتصار،فكتب(ع) - الى ان قال:«والجهاد
واجب مع الامام العادل. ومن قتل دون ماله فهو شهيد. ولا
يجوز قتل احد من الكفار والنصاب في دار التقية الا قاتل او ساع
في فساد، وذلك اذا لم تخف على نفسك وعلى اصحابك.
والتقية في دار التقية واجبة»((108)).
الرواية الثالثة: محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن يحيى،
عن احمد ابن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابي
عمرة السلمي، عن ابي عبد الله(ع)، قال: ساله رجل فقال: اني
كنت اكثر الغزو ابعد في طلب الاجر واطيل الغيبة، فحجر ذلك
علي فقالوا: لا غزو الا مع امام عادل، فما ترى اصلحك الله؟
فقال ابو عبدالله(ع): «ان شئت ان اجمل لك اجملت، وان شئت
ان الخص لك لخصت». فقال: بل اجمل. قال: «ان الله(عزوجل)
يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة» - قال: فكانه اشتهى ان
يلخص له!
قال: فلخص لي اصلحك الله، فقال: «هات»، فقال
الرجل: غزوت فواقعت المشركين، فينبغي قتالهم قبل ان
ادعوهم؟ فقال: «ان كانوا غزوا
وقوتلوا وقاتلوا فانك تجتزئ
بذلك، وان كانوا قوما لم يغزوا ولم يقاتلوا فلا يسعك قتالهم
حتى تدعوهم». قال الرجل: فدعوتهم فاجابني مجيب واقر
بالاسلام في قلبه، وكان في الاسلام فجير عليه في الحكم
وانتهكت حرمته واخذ ماله واعتدي عليه، فكيف بالمخرج وانا
دعوته؟ فقال: «انكما ماجوران على ما كان من ذلك، وهومعك
يحوطك من وراء حرمتك ويمنع قبلتك ويدفع عن كتابك
ويحقن دمك خير من ان يكون عليك يهدم قبلتك وينتهك
حرمتك ويسفك دمك ويحرق كتابك»((109)).
ورواه الشيخ في التهذيب عن احمد بن محمد، عن علي بن
الحكم، عن ابي عمرة السلمي، عن ابي عبدالله(ع)، قال ساله
رجل فقال... الخ((110)).
الرواية الرابعة: ما رواه الحسن بن علي بن شعبة في تحف
العقول من وصية امير المؤمنين(ع) لكميل بن زياد مختصرة:
«... يا كميل، لا غزو الا مع امام عادل، ولا نفل الا من امام
فاضل»((111)).
الرواية الخامسة: ما رواه الصدوق باسناده عن الاعمش، عن
جعفر بن محمد(ع) في حديث شرائع الدين قال: «والجهاد
واجب مع امام عادل، ومن قتل دون ماله فهو شهيد»((112)).
الرواية السادسة: ما في المستدرك عن السيد علي بن طاووس
في كتاب كشف اليقين بسنده عن عيسى بن داود النجار، عن
ابي الحسن موسى بن جعفر، عن ابيه، عن جده(ع) في خبر
شريف في المعراج - الى ان قال: - قال تعالى: «فهل تدري ما
الدرجات والحسنات؟ قلت: انت اعلم يا سيدي واحكم. قال:
اسباغ الوضوءفي المكروهات، والمشي على الاقدام الى الجهاد
معك ومع الائمة من ولدك، وانتظار الصلاة بعد الصلاة،
وافشاء
السلام، واطعام الطعام، والتهجد بالليل والناس نيام»((113)).
اختلاف النسخ:
ضعف سند هذه الروايات وشهرة العمل بها:
النوع الاول: المسائل الاصلية الماثورة عن الائمة(ع) التي
ذكرها الاصحاب في كتبهم المعدة لنقل خصوص هذه
المسائل، كالمقنع والهداية والمقنعة والنهاية والمراسم والكافي
والمهذب ونحوها، وكان بناء الاصحاب فيها على نقل هذه
المسائل بالفاظها الماثورة او القريبة منها طبقة بعد طبقة
واتصلت سلسلتها الى اصحاب الائمة، فيكون وزانها وزان
الاخبار الماثورة في كتب الرواية.
النوع الثاني: المسائل التفريعية المستنبطة من المسائل
الاصلية باعمال الاجتهاد والنظر.
النوع الثالث: المسائل التي بصدد بيان موضوعات الاحكام
وقيودها، وانما وقع الخلط بين المسائل الاصلية في عصر
الشهيدين ومن بعدهما.
فالشهرة في النوع الاول تكون كاشفة عن تلقيها عن الائمة(ع)
وموجبة للوثوق بصدورها عنهم(ع)، بخلاف النوعين الاخرين،
لابتنائهما على اعمال الاجتهاد والنظر، فلا تفيد الشهرة فيهما
شيئا، بل الظاهر ان الاجماع فيهما ايضا غير مفيد، فان الاجماع
فيهما على وزان الاجماع في المسائل العقلية النظرية((114)).
ونحن فيما سبق تعرضنا لكلمات الاصحاب القدماء في اشتراط
الجهاد مع الامام العادل، وكنموذج من ذلك نذكر هنا ما افتى
به الصدوق (عليه الرحمة)
في الهداية حيث لم نذكره سابقا،
قال: «الجهاد فريضة واجبة من الله (عزوجل) على خلقه بالنفس
والمال مع امام عادل، فمن لم يقدر على الجهاد معه بالنفس
والمال فليخرج بماله من يجاهد عنه، ومن يقدر على المال
وكان قويا ليس به علة تمنعه فعليه ان يجاهد
بنفسه»((115)).
اقول: ان القدر المشترك بين جميع الروايات والفتاوى من
القدماء والمتاخرين بل الاجماع بقسميه منعقدفيه هو عدم
مشروعية الجهاد الابتدائي مع الامام الجائر وانه حرام مثل
الميتة والدم ولحم الخنزير، واماازيد من ذلك فهو محل
الخلاف. وفهم القدماء من الروايات ليس حجة بالنسبة الينا،
غاية ما هنالك يحصل الاطمئنان والوثوق من اخذ القدماء بهذه
الروايات بانها صدرت عن المعصوم(ع)، فيصل الدور الى
بحثهادلالة حسب ما يستفاد منها.
؟ب - البحث الدلالي:
الامر الاول: ان المراد من «الامام» مطلقا او مع قيد العدالة هو
المعصوم(ع) حسب المرتكز الشرعي وعلى ما تشهد به طائفة
كثيرة من الروايات، مثل: «الامام هو المنتجب المرتضى،
والهادي المنتجى، والقائم المرتجى، اصطفاه الله بذلك
واصطنعه على عينه في الذر حين ذراه»((116))، ومثل: «الامام
المطهر من الذنوب، والمبرا من العيوب»، او مثل: «ان الامامة
هي منزلة الانبياء وارث الاوصياء. ان الامامة خلافة اللهوخلافة
الرسول(ص) ومقام امير المؤمنين(ع) وميراث الحسن
والحسين(ع). ان الامامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح
الدنيا وعز المؤمنين. ان الامامة اس الاسلام النامي وفرعه
السامي»((117)).. الى غير ذلك مما يدل على ان الامام هو
المنصوب من الله، ولا محالة هو المعصوم(ع) لا غير.
الامر الثاني: ان هذه المجموعة من الروايات التي يستدل بها
على الاشتراط هي بصدد بيان مشروعية الجهاد، يعني انها
مسوقة سياق الجملة الشرطية وان كانت منصبة على نحو
الوصف واللقب، فهي بمثابة: «اذا كان الامام المعصوم حاضرا
ومبسوط اليد وجب الجهاد»، ومفهوم الجملة: «اذا لم يكن
حاضرا ولامبسوط اليد فلا يجب الجهاد». والشرط للترتب
واللزوم العلي بين المقدم والتالي، وله مفهوم ينتفي به
سنخ الحكم كما هو محقق في علم الاصول. وبعبارة وجيزة: ان
الامام المعصوم هنا شرط للوجوب لا للوجود.
الامر الثالث: عدم الانفكاك بين انتفاء الوجوب بالجملة
الشرطية والحصرية وبين انتفاء المشروعية، وبعبارة اخرى: اذا
انتفى الوجوب لا يبقى الجواز، بل هذه من المواضع التي متى
جاز فيها الفعل وجب،ومتى انتفى الوجوب انتفى الجواز.
واورد على الامر الاول: بعدم وجود نكتة لحمل كلمة «الامام»
على المعصوم، لانه مصطلح متاخر لا ينبغي حمل النصوص
عليه، مع ان المجتمع الذي صدرت فيه هذه النصوص كان
معظمه من اهل السنة الذين لايؤمنون بوجود هذا الحمل حتى
في خلفائهم، مضافا الى تاييده بوصف «العادل»، وكون هذه
الروايات بصددالردع عن القتال مع خلفاء الجور.
والجواب: بالمنع من انه مصطلح متاخر، بل النصوص هي التي
تصرح بهذا المعنى كما ذكرنا بعضها في الاستدلال. وكون اهل
السنة يشكلون غالبية المجتمع آنذاك لا يضر، لان الخطاب
موجه الى الشيعة العارفين والمستانسين بهذا المصطلح
والمرتكز بينهم، ووصف الامام بالعادل هو للتاكيد على ذلك،
وللاحتراز من الجائر الغاصب في ذلك الوقت، فيبقى مؤداه
للدلالة على المعصوم. واما كون هذه الروايات بصدد الردع
عن القتال مع اهل الجور فهو عين المدعى وليس دليلا، نعم
القدر المتيقن منها ذلك، انما الكلام حول شمولهالاكثر من
ذلك وفي حال الغيبة.
واجيب عن الاول: بان الموجود في الروايات هو لفظ الامام
العادل، وهو يقابل الامام الجائر، ولفظ الامام في اللغة وكلمات
الائمة لم ينحصر اطلاقه على الائمة الاثني عشر، بل هو
موضوع للقائد الذي يؤتم به في الجماعة او الجمعة او الحج او
سياسة البلاد، والعدالة اعم من العصمة. نعم كان مصداق الامام
العادل في عصر ظهور الائمة(ع) عندنا هو الامام المعصوم او
المنصوب من قبله، ولكن الشرط في الجهاد الابتدائي -على ما
في الاخبار والكلمات - هو عنوان الامام العادل في قبال الامام
الجائر، لا الامام المعصوم في قبال غير المعصوم((118)).
ويمكن الجواب عنه: بانصراف الامام العادل الذي هو مقابل
الجائر الى الامام المعصوم، لغلبة الوجود وكثرة استعمال الامام
العادل في المعصوم خلال عصر النصوص، خصوصا بعد تسليمه
ان مصداق الامام العادل في عصر النص كان الائمة(ع)، فقوله:
«مع الامام العادل» هو بمثابة قوله: «مع الامام المعصوم»
في عصر النص، ومن الواضح انه لا يجوز الجهاد الابتدائي في
ذلك الوقت حتى مع المؤمنين العدول من اصحاب الائمة اذا
لم ياذن الائمة بذلك، ويمكن تسريته الى زمن الغيبة، فتامل.
والجواب عن الامر الثاني: بمنع ظهور الجهاد مع الامام العادل
في الجملة الشرطية، بل العدالة وصف والامام من قبيل اللقب،
واثبات الجهاد مع الامام العادل بناء على كونه هو المعصوم لا
ينفي ما عداه، مثل الفقيه العادل حيث اللقب لا مفهوم له، واما
الوصف فهو لاخراج الجائر ولا مفهوم له بالنسبة الى حال الغيبة
مع الفقيه، وهل يعقل ان نطلق على الفقيه الموصوف بالعدالة
بانه غير عادل؟! وكيف كان فان هذه الروايات من قبيل الوصف
واللقب ولا مفهوم لهما، فوجوب الجهاد مع الامام العادل بناء
على حمله على المعصوم لا يمنع من وجوبه او مشروعيته مع
ولي شرعي غير معصوم عند غياب الامام المعصوم،
فقولنا:«جاهد مع الامام المعصوم» لا يدل على عدم مشروعية
الجهاد مع غير المعصوم. اما ما قيل عن مفهوم الحصر في مثل
«لا جهاد الا مع الامام» او «لا غزو الا مع الامام» فهو لبيان
شرطية الامام، وهو لا ينفي سائر الشروط في الجهاد الابتدائي
مثل البلوغ والقدرة وامثالهما، فلا مفهوم للجملة هنا، وهو
بمثابة الجملة الوصفية.
والجواب عن الثالث: بان جهاد الدعوة ليس من المواضع التي
متى جاز فيها الفعل وجب ومتى انتفى الوجوب انتفى الجواز
ايضا، لانتقاضه باقوال الشيخ الطوسي في الاقتصاد والجمل
والعقود وغيرها والتي مرت في استعراض الاقوال في المبحث
الثالث من الفصل الاول، وسياتي الكلام حول نفي استبعاد هذا
القول في ادلة هذا القول.
فالمتحصل من ذلك: انه حتى مع تمامية الامر الاول بان الامام
بمعنى المعصوم وتمامية الامر الثاني بمعنى ان الشرط قيد
للوجوب لا للوجود، لكن لا يتم الامر الثالث وهو التلازم بين
القول بانتفاء الوجوب وانتفاء المشروعية، فتبقى مشروعية
الجهاد حال الغيبة مع الفقيه العادل جائزة ومشروعة. نعم
القدرالمتيقن من هذا الصنف من الروايات هو حرمة الجهاد مع
الامام الجائر حال حضور الامام وقصور يده اوحال غيبة الامام
وقصور يد الفقهاء والمؤمنين العدول.
وفيما يلي بيان وجه الاستدلال بالنظر الى خصوصية بعض
الروايات في هذا الصنف:
1 - خبر عبد الله الاصم: قوله(ع): «الجهاد افضل الاشياء بعد
الفرائض» يعني الصلوات اليومية، لانها افضل العبادات البدنية،
كما يدل عليه «حي على خير العمل»((119)). وقيل: المراد بعد
الفرائض العينية لا الكفائية. ولا يخفى بعده. ويحتمل ان يكون
المراد بالجهاد: المستحب منه، وبالفرائض: جميعها((120)).
ولا يبعد ان يكون المراد من الجهاد هنا هو الرباط في دولة
الجائرين، وهو مستحب لكن مع ذلك يتوقف على اذن
الامام، واما الجهاد الابتدائي فلا شك في حرمته مع الجائر.
2 - وفي خبر الفضل بن شاذان هناك قرينة توضح المراد من
الجهاد الواجب مع الامام العادل، وهي قوله: «لا يجوز قتل الكفار
-في دار التقية - الى ان يقول(ع): والتقية في دار التقية واجبة»،
يعني لولاالتقية لجاز قتل الكفار، ومن الواضح في فرض
تاسيس دولة اسلامية عادلة برئاسة فقيه عادل مبسوط
اليدليس الدار دار تقية، والرواية تشير الى اشتراط وجوب
الجهاد مع الامام العادل المعصوم في دار التقية يعني دولة
الجائرين، وهو واضح. ولا دلالة للرواية على المطلوب.
3 - خبر عمرة السلمي: قوله: «على نياتهم» نقل المجلسي عن
والده العلا مة قوله: «اي لما كنت تعتقد فيه الثواب تثاب على ما
فعلت، بفضله تعالى لا باستحقاقك، وبعد السؤال والعلم لا
يتاتى منك القربة وتكون معاقبا على الجهاد معهم». انتهى. ثم
قال المجلسي: «ويحتمل ان يكون المعنى: ان كان جهادك
بقصد حفظ بيضة الاسلام فانت ماجور، وان كان غرضك نصرة
المخالفين فمازور»((121)).
وقال: «قوله: «وان شئت ان الخص»: قال في الصحاح:
«التلخيص: التبيين والشرح». انتهى. ولعل المراد من التلخيص
ابسط من الاجمال مع اختصار»((122)). وقال: «قوله: «هات»:
اي آت ما تريد ان تسال عنه. وقوله(ع):«ان كانوا غزوا»: الظاهر
انه(ع) اتقى»((123)).
اقول: الرواية واضحة وصريحة في النهي عن القتال مع
الجائرين، حيث السائل يسال انه كان يغزو وهوفي دولتهم فما
هو حكمه؟ وان الاصحاب منعوه وقالوا له: «لا غزو الا مع امام
عادل»، وبقرينة المقابلة نعرف انه لا يجوز الغزو مع ائمة الجور.
ثم يسال السائل عن قضية واقعة وانه قد غزا مع ائمة الجور
فهل هو معاقب او مثاب؟ وهذا اجنبي عن فرض المسالة،
فالصحيح انه لا يجوز الاخذ باطلاق «لا غزو الا مع الامام»،
ولذلك ذكرها الكافي في الحديث الاول من باب الغزو مع
الناس اذا خيف على الاسلام.
4 - خبر تحف العقول في وصية امير المؤمنين لكميل بن زياد:
قوله: «نفل: اي غنيمة»، وفي بشارة المصطفى: «نقل»، وعليه
يكون المعنى: «ولا نقل للرواية والحديث الا من امام فاضل»،
ففي الواقع يكون العادل والفاضل صفتين للامام، وعلى كلا
الحالين فتكرار الصفة يدل على خصوصية كل
واحدة، وباحترازية القيود نعرف ان المراد من الامام هنا ليس
هو المعصوم. والرواية لا تخلو من اضطراب في المتن والسند
وتصحيف في الكتابة.
5 - ورواية الاعمش لا خصوصية لها الا ما يشمل الروايات بشكل
عام، وقد مر بيان ذلك.
6 - واما رواية المستدرك عن كتاب كشف اليقين للسيد ابن
طاووس، فقد مر الكلام في ذلك وان في المصدر الاصلي:
«والمشي على الاقدام الى الجمعات». ثم لو كانت كلمة
«الجهاد» هي الصحيحة لما دلت على المراد ايضا، لان الكلام
عن الدرجات والحسنات وليس عن التكليف الالزامي، والدليل
على ذلك انه ذكرانتظار الصلاة بعد الصلاة وافشاء السلام
واطعام الطعام والتهجد بالليل والناس نيام مع ان كل واحد
منهاليس بواجب، وعلى هذا السياق يكون الجهاد مع الائمة
مشيا على الاقدام من مراتب الجهاد الكاملة وليست المنحصرة،
بل منه يعرف عدم وجوب الجهاد مع الائمة، والا لذكره بنحو
الالزام. والعجيب من المحدث النوري درج هذا الحديث في
عداد ما سماه «باب اشتراط وجوبه الجهاد بامر الامام العادل
وتحريم الجهادمع الامام غير العادل» مع ما عرفت ما في
الحديث من تصحيف وتحريف.
حصيلة الدليل الثاني:
والمتحصل من اخبار اشتراط الجهاد مع الامام العادل في
المطلب الثاني: هو ان جميع اخبار هذا الصنف غير تامة سندا،
فلا يصح الاستناد اليها للدلالة الشرعية، وانما بحثناها دلالة
لفتوى مشهور القدماءبمضمونها.
ثم ان غاية المستفاد منها:
وهذا الصنف من الروايات لا يتحدث اصلا عن حكم الجهاد
الابتدائي حال الغيبة، وان فرضنا الاخذ بمفهوم الوصف او اللقب
او الشرط على قول، فنفي الوجوب في عصر الغيبة لا ينافي
المشروعية مع ما مرمن مناقشات الروايات الواحدة تلو الاخرى،
واثبات وجود قرائن دالة على ان لسان الروايات ليس ناظرا
الى عصر الغيبة.
واخيرا نقول: بعد ان عرفت ان اخبار هذا الدليل لا تدل على
عدم المشروعية، ما عدا خبر بشير الدهان الذي نشك في صدق
اطلاقه، لا سيما وان الجملة صادرة من السائل لا من الامام(ع)
ومع ما فيه من بحث في السند، فالخبر لا يقاوم الاستظهار
بعدم دلالة كل هذه الاخبار، فيحمل على ان المراد من «حرمة
الجهاد مع غير المعصوم» هو «حرمة الجهاد مع الامام الجائر»،
وان استشكلنا على ذلك من حيث الاسلوب الفني للدلالة كما
مر. الدليل الثالث: عدم صدور الاذن من الائمة بجهاد الكفار في عصر الغيبة لعلمهم بقصور اليد في تلك الظروف والاحوال والا لظهر الحجة
قال صاحب الجواهر في حرمة الجهاد لعدم اذن الائمة(ع):
«نعم لم ياذنوا لهم في زمن الغيبة ببعض الامور التي يعلمون
عدم حاجتهم اليها، كجهاد الدعوة المحتاج الى سلطان
وجيوش وامراء ونحو ذلك ممايعلمون قصور اليد فيها عن ذلك
ونحوه، والا لظهرت دولة الحق كما اوما اليه الصادق(ع) بقوله:
«ولو ان لي عدد هذه الشويهات - وكانت اربعين - لخرجت»،
وبالجملة، فالمسالة من الواضحات التي لا تحتاج
الى ادلة»((124)). يعرف من هذه العبارة امور:
ولنشرع في استجلاء حقيقة هذين الامرين ومدى تمامية هذا
المدعى او رده:
اما الامر الاول - وهو توقف جهاد الدعوة على اذن المعصوم(ع) -
فلو تم الاستدلال به فهو في غنى عن اثبات الاجماع - كما في
الدليل الاول - او اثبات اخبار دالة على النهي عن مباشرة الجهاد
حال الغيبة، بل حتى لو لم يكن اجماع ولا اخبار ناهية لكفى في
الدلالة على عدم المشروعية عدم صدور اذن من
الائمة(ع)،ولذلك جعلناه وجها مستقلا، ونبحث عنه في
مقامين: المقام الاول: ما هي الامور المتوقفة على الاذن منهم(ع)؟ وهل الجهاد منها؟
والجواب: ان لرسول الله(ص) والائمة الطاهرين شؤونا، من
جملتها:
1 - بيان الاحكام الالهية من الاحكام الوضعية والتكليفية حتى
ارش الخدش، فهم بما انهم مبلغون ليس لهم امر ونهي،
واوامرهم ونواهيهم المتعلقة بهذه الاحكام هي ارشاد لامر الله
ونهيه، ومخالفة المكلف تعدمخالفة الله (تبارك وتعالى)، واوامر
الفقهاء لمقلديهم - على ما هو مبين في رسائلهم العملية - على
هذا النحو. والاحكام الشرعية من هذه الجهة ليست متوقفة على
اذن الامام(ع).
نعم، لو ثبت ان الحكم الشرعي مشروط بوجود الامام او اي
شخص آخرفهو من هذه الجهة يحتاج الى اذن، كما في جهاد
الولد المشروط باذن الوالدين بناء على انه ماخوذ في الدليل
الشرعي، فكذلك اذن الامام هنا، فلو اخذ في موضوع الحكم
الشرعي لتوقف حينئذ على اذنه كما لو ثبت باحد الوجوه ان
الجهاد مشترط بوجود الامام. وقد مضى منا عدم مساعدة ادعاء
الاجماع ونفي الخلاف ولا اخبار المنع من الجهادالابتدائي
حال الغيبة الا مع الامام - في الدليلين الاول والثاني - على
اشتراطه كذلك.
2 - السلطة والرئاسة في الحكومة: فالاوامر والنواهي الصادرة
منهم بنحو الاستقلال لا بما انهم مبلغون، تجب اطاعتها
بمقتضى قوله تعالى: (واطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر
منكم)
((125)). فاوامرهم ونواهيهم مطاعة بما انهم سلاطين
واولياء على الناس وبما هم ساسة العباد، ولا شك ان الجهاد
حكم شرعي متقوم بمنصب، ولا يعقل ان يكون من دون منصب
وسلطنة. فمن هذه الجهة لو صدر من ناحيتهم(ع) امر بوجوبه
على احد او جماعة او في فترة فهو يجب كذلك، واذا نهوا عنه
مثلا في حال كحال الغيبة يحرم كذلك، ولو جعلوه منوطا
باجازة واذن احد فهو يتوقف على ذلك، ولكن من خلال الادلة
التي مضت من اخبار واجماع لم يثبت لنا منهم(ع) امر بذلك او
نهي عنه او جعله منوطا باجازة واذن صنف مثل الفقهاء.
وهل عدم صدور اذن منهم(ع) يكفي هنا للقول بعدم
مشروعيته باعتبار ان الخروج الى الجهاد والعمل بهذا الحكم
الشرعي يستلزم حكومة واماما وامرا ونهيا، ومن يجاهد بغير
اذنهم او يامر بالجهاد كذلك فهوغاصب لمنصبهم؟ الظاهر انه
كذلك، وهذا ما نركز عليه الان تحت عنوان «المقام الثاني». المقام الثاني: هل يستفاد صدور الاذن من ناحيتهم(ع) من ادلة الولاية العامة للفقيه المبسوط اليد اولا؟
والجواب: انه تارة نريد ان نثبت الولاية العامة للفقيه عن طريق
اثبات المناصب المختلفة له في الابواب الفقهية، كالولاية على
القصر والايتام او الخمس والزكاة والانفال والجهاد ونحو ذلك،
فاثبات ولايته بالنسبة للجهاد وكفايتها بعنوان صدور الاذن
متوقف على ان يكون ماخوذا في الحكم الشرعي لذلك، وقد
سبق مناعدمه. وتارة نبحث الولاية من طريق آخر اعم يشمل
امر الجهاد مثلا، وهذا الطريق اوسع دائرة من دليل الحسبة
والاخذ بالقدر المتيقن، مثل القول بان دين الاسلام يشتمل
على مساحة واسعة من الاحكام الاجتماعية والسياسية وليس
دينا مختصا بالظهور، وبضميمة قاعدة عدم اختصاص الحكم
بالمشافهين اوقاعدة الاشتراك في الحكم بيننا وبين من
خوطب، نصل الى نتيجة وهي: ان للفقيه ما للامام ومنها
الجهاد الابتدائي، وبناء على ذلك فان الولاية العامة للفقيه
يستفاد منها اذن الائمة(ع) بالجهاد الابتدائي مع
الفقيه المبسوط اليد اذا راى مصلحة في ذلك، الا ان ياتي دليل
خاص للمنع من الجهاد الابتدائي واستثنائه من اختيارات
الفقيه، وقد مضى منا عدمه.
ثم ان للمحقق الفذ واستاذ اساتذتنا السيد البروجردي(قدس
سره) كلاما فيما يتعلق بالمقام ننقله على ما في تقريرات درسه:
يقول(قدس سره): «ان الامور التي ترتبط بالامام وتعد من
وظائفه على صنفين:
صنف منها من وظائف الامام اذا كان مبسوط اليد، كحفظ
الانتظامات الداخلية، وسد ثغور المملكة، والامربالجهاد
والدفاع، ونحو ذلك.
وصنف منها من وظائفه ولو لم يكن مبسوط اليد اذا امكنه
القيام به ولو بالتوكيل والارجاع الى غيره، وذلك كالامور
المهمة التي لا يرضى الشارع باهمالها كيفما كان، كالتصرف
في اموال اليتامى والمجانين والغيب، وكالقضاء بين الناس،
ونحو ذلك»((126)).
اقول: من اين يثبت لنا ان الجهاد من وظائفه(ع) اذا كان
مبسوط اليد فقط ولا يصح فيه الارجاع الى الغير؟! فان ثبت
ذلك من دليل شرعي فهو الملاك، وحيث لم يثبت دليل
الاشتراط لا من الاجماع ولا من الاخبار باقسامها الثلاثة كما مر
فلابد من الاعتماد على امر آخر مثل ولاية الفقيه على اساس
الحسبة، والجهاد ليس منها.
اما لو اثبتنا ولاية الفقيه العامة على اساس طبيعة الاسلام
واحكامه وقاعدة الاشتراك في الاحكام في الحضور والغيبة،
فالامر بالجهاد يكون داخلا في نطاق صلاحية الولي الفقيه، الا
ان نخرجه بتخصيص اوتقييد من ناحية الامام المعصوم(ع).
والحاصل من ذلك كله: ان عدم صدور الاذن والرخصة من
الائمة(ع) للجهاد الابتدائي في عصر الغيبة مبني على اساس
اثبات الولاية في الامور الحسبية فقط بضميمة عدم دلالة دليل
شرعي على الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة حتى يكون الجهاد
من مصاديق الحسبة، او مبني على اساس التشكيك وانكار
ولاية الفقيه ولا يستقيم على اساس الولاية العامة، او يبتني على
اساس اشتراط الاذن في الحكم الشرعي ولم يثبت ذلك كما مر.
اذا لابد لاثبات الجهاد الابتدائي على مبنى التشكيك في
الولاية وانكارها من اثبات صدور الاذن والرخصة منهم(ع) عن
طريق الاخبار والروايات، وهو ما نتعرض له في ادلة القول
الثاني.
واما الامر الثاني - وهو ان علم الائمة بحتمية عدم الانتصار يمنع
القول بالجهاد الابتدائي في عصر الغيبة - فيرد عليه:
أولا - ان علم الائمة بما يقع واقعا ليس مانعا من التكليف ظاهرا،
لاننا مكلفون بالظاهر لا بالواقع، وليس علم الائمة ماخوذا في
شروط التكليف اوموانعه كما هو معلوم. ثم ان عدم الاذن لا يفي
الا بناء على التشكيك في الولاية وانكارها، وهذا ما نعالجه باخبار
الماذون لهم في الجهاد في القول الثاني. واما ترتب عدم الاذن
على حتمية عدم الانتصار حسب علمهم(ع) فليس معلوما، بل
لعل عدم الاذن لرفع التكليف بسبب غيبة الحجة واشتراط
الجهاد بوجود الامام او بسبب امر آخر.
ثانيا - ان بناء حتمية عدم الانتصار على عدم الاذن ليس
صحيحا، اذ الانتصار والانكسار له اسبابه وشروطه، فمتى
وجدت تحقق الانتصار ومتى فقدت لم يتحقق الانتصار، وهذه
الاسباب والشروط ليست متعلقة بعصرالرسول(ص) او الحضور،
بل احد اسباب الغيبة وطولها عدم توفر هذه الاسباب، ولذلك
فكل من لم يعمل بالتكليف من اجل الانتصار النهائي على يد
الحجة (عجل الله تعالى فرجه) ومن اجل تعجيل الفرج فهو
ماثوم.
ثالثا - ان ثمة آيات مباركة عدت النصر قانونا عاما لمن وفر
شروطه من المؤمنين وليس مختصابزمان دون زمان، واليك
جانبا منها:
1 - (يا أيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت
أقدامكم)((217)).
رابعا - ان اهم عناصر النصر اربعة: القوة، والمال، والتسديد،
والتثبيت.
اما الاول فالقوة والقدرة كلها الله، والله يامرنا قائلا: (وأعدوا لهم
مااستطعتم من قوة)((136))، وهو القائل: (والله جنود السماوات
والارض وكان الله عزيزا حكيما)((137)).
واما المال فيقول تعالى: (والله خزائن السماوات والارض ولكن
المنافقين لا يفقهون)((138)).
واما التسديد والتعليم فيقول عزوجل: (وكفى بربك هاديا
ونصيرا)((139))، ويقول ايضا: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم
سبلنا وان الله لمع المحسنين)((140)).
واما الثقة بالنصر والتثبت فيقول تعالى: (وليربط على قلوبكم
ويثبت به الا قدام)((141))، ويقول ايضا: (سنلقي في قلوب
الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله)((142))، وكذلك يقول:
(وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم
يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم
وأيدي المؤمنين)((143)).
خامسا - ان من شروط النصر:
1 - الايمان: فان الايمان بالله يمنح الانسان المؤمن الثقة والقوة
والتوازن والطمانينة والسكينة، وهي اهم القضايا في تحقيق النصر، ولا يتحقق شيء من ذلك من دون الايمان بالله، قال
تعالى بعد نكبة احد: (ولاتهنوا ولا تحزنوا وأنتم الا علون ان
كنتم مؤمنين)((144))، ويخاطب الله المشركين: (ولن تغني
عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت واءن الله مع المؤمنين)((145)).
2 - العمل: (وكاين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما
أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب
الصابرين)((146))، وقال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا
يره - ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)((147)).
3 - الاخلاص: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء
الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون
محيط)((148)).
4 - الصبر والاستقامة: (ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل
عليهم الملائكة)((149)) وقال تعالى: (اصبروا وصابروا
ورابطوا)((150)).
5 - استخدام جميع الوسائل الطبيعية والالات والمعدات
العسكرية الدارجة في الحرب: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)((151)). وبعد هذا كله هل من المعقول تخصيص هذه الايات بفترة زمنية محددة، ام هذه الايات والشروط من باب قضايا قياساتها معها تحكي لنا واقعنا المروالروح الانهزامية وعدم الثقة والاعتماد على الله فيمن يظن ان النصر الحتمي ولو في بقعة صغيرة لا يتحقق؟! نعم ان النصر النهائي على مستوى العالم يتحقق بيدالحجة (عجل الله تعالى فرجه) وهو الا يحتاج الى اسباب ومعدات ومقدمات؟! ثم لنفترض امكان الانتصار ولوعلى مستوى قرية او بلد صغير من غير كلفة شاقة وامكانية رواج التوحيد وقطع دابر الكافرين هل من الصحيح القول بان الظروف غير مؤاتية بعد لعدم ظهور الحجة ولا يجب علينا الجهاد؟!
سادسا - يقول الشيخ الاصفي (دام عزه): «ان الفرد والمجتمع
والعقول والعواطف والاقتصاد والسياسة والحكم والراي العام
والحركة والثورة والمال والادارة والتاريخ... وكل ما يتصل بعالم
الانسان يخضع لسنن الهية ثابتة... كما تخضع الجاذبية والكهرباء
والبخار وطبقات الارض وتكون الجبال والبحار والجزر
والمدونبات الارض لنواميس وقوانين الهية ثابتة، كذلك عالم
الانسان بكل تعقيداته»((152)).
ويلفت الانظار السيد كاظم الحائري (حفظه الله)((153)) بان
القوى والقدرات والطاقات الاولية وزعت على المجتمعات
البشرية بصورة متساوية تقريبا من دون فرق بين المؤمنين
والكافرين، وليس من سنة اللهتعالى على وجه الارض اختصاص
اسباب الانتصار بالمجتمعات الكافرة وكون الايمان ملازما
للضعف والانكسار، مع ان بالنظر الى طبيعة احكام الاسلام في
الادارة والمجتمع والسلطة يقتضي كون الاوامربالجهاد
والنضال واعداد القوة تكون مطلقة لكل زمان وفق الفرص
المؤاتية. واما القول بان نفس غيبة الامام اقوى شاهد على عدم
امكان الانتصار والا لظهر الحجة، فقد اجاب عن ذلك: بانه
ليس هناك قرينة او شاهدعلى ان فلسفة الغيبة هي العجز
المطلق للمؤمنين في اية بقعة من بقاع الارض وفي اية فترة
زمنية قبل ظهوره(ع)، فان ما اشير اليه في الروايات بصدد
تعليل غيبته(ع) - من مخافة القتل او لكي لا تقع على عنقه بيعة
لطاغية او لاجل امتحان الناس او لاجل حكمة مجهولة - لا
ينافي امكان انتصار المؤمنين في فترة زمنية وفي بعض بقاع
الارض قبل ظهوره(ع) ويبقى هو مدخرا لاعلاء كلمة الدين
وقطع دابر الكافرين واقامة الحكم الاسلامي في جميع ارجاء
العالم حتى تزول هذه الاسباب وتسنح الفرصة لانتصار الحق
على الباطل في ربوع الارض.
فتحصل من ذلك: عدم صحة ربط الغيبة بحتمية عدم
الانتصار، وعدم صحة الاعتماد على ذلك بالقول بنفي
مشروعية الجهاد الابتدائي، اما عدم الاذن فلا ينفع هنا
للمطلوب لما ابطلنا ادلة النافين للمشروعية من الاجماع
والاخبار لاسيما بالنظر الى الولاية العامة للفقيه لو اثبتناها على
اساس طبيعة الشريعة الاسلامية،واما على اساس التشكيك او
انكار الولاية كذلك فلابد من ذكر اخبار تدل على ورود اذن،
وهذا ما سنذكره في ادلة القائلين بوجوب الجهاد مع تحقق
سائر الشروط في عصر الغيبة.
واما الدليل الرابع وهو: المنع من اطلاقات وعمومات الكتاب
والسنة فلاختصاره لم نفرد له بحثا خاصا، بل نقتصر على
الاجابة عنه، فنقول: اما عن دليل الاجماع: فهو دليل لبي لا
يخصص الا بالقدر المتيقن، وقدعرفت عدم تمامية الاجماع
ايضا، واما عن دليل اخبار المنع: فقد عرفت المناقشة فيها سندا
ودلالة، واما عن دليل عدم صدور اذن: فلان ذلك لا يخصص
الادلة المطلقة والعامة بعدما لم يثبت اخذ الاشتراط والاذن
في موضوع الحكم، واما عن دليل الاشكال حول الايات
والروايات العامة والمطلقة وعدم تمامية اطلاقها وعمومها:
فذلك سيتضح بما نبينه في وجه الاطلاق والعموم فيها على ما
سياتي في القول بالوجوب.
الدفاع الشرعي الشيخ قاسم الابراهيمي مقدمة
اشتهر بين فقهاء المسلمين - سنة وشيعة - حكمان فقهيان:
وقد يحدث ان يهاجم الكافر البلاد التي يحكمها الحاكم الجائر
فيقع تنازع بين الحكمين، لان هجوم الكافرعلى بلد المسلمين
يلزم جميع المكلفين بمقاتلة الكافر والدفاع عن بلد المسلمين،
مع ان الدفاع عنه يقوي الحاكم الجائر، ويثبت سلطانه، ويديم
حكمه.
وهذه المشكلة وان عالج فقهاؤنا بعض جوانبها في بحوثهم،
لكن تطور اساليب الاستنباط، وتبلورعناصره، وتميز حيثياته،
يستدعي تجديد البحث في هذه المسالة، خصوصا وانها من
المسائل التي قدنجد لها في عالمنا المعاصر امثلة وتطبيقات.
جولة في التراث الفقهي:
اذا رجعنا الى التراث الذي خلفه فقهاؤنا الاعلام - قدس الله
اسرارهم - فيما يتعلق بهاتين المسالتين وجدناه يحتوي على
عدد وفير من الابحاث المرتبطة بهذا الموضوع التي يرجع
تاريخ بعضها الى اقدم عصور الفقه التاريخية.
قال الحلبي في الكافي: «ان خيف على بعض بلاد الاسلام من
بعض الكفار او المحاربين وجب على اهل كل اقليم قتال من
يليهم ودفعه عن دار الايمان، وعلى قطان البلاد النائية عن
مجاورة دار الكفر او الحرب النفورالى اقرب ثغورهم بشرط
الحاجة الى نصرتهم حتى يحصل بكل ثغر من انصارالمسلمين
من يقوم بجهاد العدو ودفعه عنه، فيسقط فرض النفور عمن
عداهم.
وليقصد المجاهد والحال هذه نصرة الاسلام والدفع عن دار
الايمان، دون معاونة المتغلب على البلاد من الامر»((154)).
ثم فرق بين هذا القسم من الجهاد الذي يجب بسبب مهاجمة
الكفار بلاد المسلمين ويسمى بالجهاد الدفاعي، والجهاد الذي
يهاجم فيه المسلمون بلاد الكفار ويغزونهم في ديارهم
والمسمى عند الفقهاءبالجهاد الابتدائي، وقد ذكره اولا فقال:
«وخالف الثاني الاول، لان الاول جهاد مبتدا وقف فرض النصرة
فيه على داعي الحق لوجوب معونته، دون داعي الضلال
لوجوب خذلانه، وحال الجهاد الثاني (الدفاعي) بخلاف ذلك،
لتعلقه بنصرة الاسلام ودفع العدو عن دار الايمان، لانه ان لم
يدفع العدو درس الحق، وغلب على دارالايمان، وظهرت بها
كلمة الكفر»((155)).
وقال الشيخ الطوسي(رحمه الله): «والجهاد مع ائمة الجور او
من غير امام خطا يستحق فاعله به الاثم،وان اصاب لم يؤجر
عليه، وان اصيب كان ماثوما.
اللهم الا ان يدهم المسلمين امر من قبل العدو يخاف منه على
بيضة الاسلام ويخشى بواره، او يخاف على قوم منهم، وجب
حينئذ ايضا جهادهم ودفاعهم، غير انه يقصد المجاهد - والحال
على ما وصفناه -الدفاع عن نفسه وعن حوزة الاسلام وعن
المؤمنين، ولا يقصد الجهاد مع الامام الجائر، ولا
مجاهدتهم ليدخلهم في الاسلام»((156)).
وقال العلامة الحلي(رحمه الله): «اما القسم الثاني من انواع
الجهاد (اي الجهاد الدفاعي) فانه يجب مطلقا، فانه متى دهم
المسلمين - والعياذ بالله - عدو يخشى منه على بيضة الاسلام
وجب على المسلمين كافة النفور اليهم ودفعهم، سواء كان
الداعي الى جهادهم برا او فاجرا، لان دفع الضرر لا يحصل الا
به، فيجب»((157)).
وقال الشيخ كاشف الغطاء(رحمه الله): «الجهاد ينقسم من جهة
اختلاف متعلقاته الى اقسام خمسة:
احدها: الجهاد لحفظ بيضة الاسلام اذا اراد الكفار المستحقون
لغضب الجبار الهجوم على اراضي المسلمين وبلدانهم وقراهم
وقد استعدوا لذلك وجمعوا الجموع لاجله، لتعلو كلمة الكفر،
وتهبط كلمة الاسلام، ويضربوا فيها بالنواقيس، ويبنوا فيها البيع
والكنائس، ويعلنوا فيها سائر شعائر الكفر، ويكون الشرع
باسم موسى وعيسى(ع)، ويشتد الكفر، ويتزايد باستيلاء القائلين
بالتثليث وغيرها من المناكير النافين في الحقيقة لوحدة
الصانع الخبير كالفرقة الاروسية خذلهم الله بمحمد وآله.
والواجب هنا انه ان حصل من يقوم بذلك سقط عن المكلفين،
والا وجبت على جميع اهل الاسلام ممن له قدرة على الهجرة
ومدخلية في اذلال العدو، وكل من له قابلية لجمع الجنود
والعساكر ان يقوم بهذا الامر مع غيبة الامام وحضوره(ع)...
ثانيها: الجهاد لدفع الملاعين عن التسلط على دماء المسلمين
واعراضهم، بالتعرض بالزنا بنسائهم واللواط باولادهم،
ويجب على ذلك - على من غاب او حضر مع عدم قيام الحاضرين
به.
ثالثها: الجهاد لدفعهم عن طائفة من المسلمين التقت مع
طائفة من الكفار فخيف من استيلائهم عليها.
رابعها: الجهاد لدفعهم عن بلدان المسلمين وقراهم واراضيهم،
واخراجهم منها بعد التسلط عليها، واصلاح بيضة الاسلام بعد
كسرها، واصلاحها بعد ثلمها، والسعي في نجاة المسلمين من
ايدي الكفرة الملاعين.
|