ويجب على المسلمين الحاضرين والغائبين ان لم يكن في الثغور من يقوم بدفعهم عن ارضهم ان يتركوا عيالهم واطفالهم واموالهم ويهاجروا الى دفع اعداء الله عن اولياء الله، فمن كان عنده جاه بذل جاهه، او مال بذل ماله، او سلاح بذل سلاحه، او حيلة او تدبير صرفها في هذا المقام، لحفظ بيضة الاسلام واهل الاسلام من تسلط الكفرة اللئام.
خامسها: جهاد الكفرة والتوجه الى محالهم للرد الى الاسلام
والاذعان بما اتى به النبي(ص)... فكل من هذه الاقسام الخمسة
مندرج في الجهاد على سبيل الحقيقة، ويجري على قتلاهم
في المعركة حكم الشهيد في الدنيا والاخرة... ويسقط في الدنيا
وجوب تغسيلهم وتحنيطهم وتكفينهم اذا لم يكونوا عراة
فيدفنون في ثيابهم مع الدماء، ولا ينزع شيء منها سوى ما كان
من الفرى والجلود وسوى ما كان ابقاؤه مضرا ضرراعظيما على
الورثة اذا قتل بين الصفين، وادركه المسلمون ولم يكن به رمق
الحياة.
وتفترق الاربعة المتقدمة عن الخامس بوجوه:
احدها: انه يشترط في الجهاد بالمعنى الاخير - وهو ما اريد به
الجلب الى الاسلام - حضور الامام اونائبه الخاص دون العام، ولا
يشترط في الاقسام الاربعة المتقدمة ذلك، فان الحكم فيها انه
ان حضر الامام ووسدت له الوسادة توقف على قيامه او قيام
نائبه الخاص، وان حضر ولم يتمكن او كان غائبا وقام
مقام النائب العام من المجتهدين الافضل فالافضل فهو اولى،
وان عجز المجتهدون عن القيام به وجب على كل من له قابلية
السياسة وتدبير الحروب وجمع العساكر اذا توقف الامر على
ذلك - القيام به، وتجب على المسلمين طاعته كما تجب عليهم
طاعة المجتهدين في الاحكام، ومن عصاه فكانما
عصى الامام»((158)).
وقال النجفي في الجواهر في بيان حكم الجهاد: «وكيف كان
فلا اشكال في اصل الحكم بعد الامر به والحث الاكيد عليه كتابا
وسنة، بل هو ان لم يكن من الضروريات فلا ريب في كونه من
القطعيات.
نعم، قد يمنع الوجوب بل قد يقال بالحرمة لو اراد الكفار ملك
بعض بلدان الاسلام او جميعها في هذه الازمنة من حيث
السلطنة مع ابقاء المسلمين على اقامة شعار الاسلام وعدم
تعرضهم في احكامهم بوجه من الوجوه، ضرورة عدم جواز
التغرير بالنفس من دون اذن شرعي، بل الظاهر اندراجه في
النواهي عن القتال في زمن الغيبة مع الكفار في غير ما استثني،
اذ هو في الحقيقة اعانة لدولة الباطل على مثلها.
نعم، لو اراد الكفار محو الاسلام ودرس شعائره، وعدم ذكر
محمد(ص) وشريعته فلا اشكال في وجوب الجهاد حينئذ ولو
مع الجائر، لكن بقصد الدفع عن ذلك لا اعانة سلطان الجور، بل
الاجماع بقسميه عليه،مضافا الى النصوص بالخصوص التي
تقدم بعضها، والى عموم الامر بالقتال في الايات المتكثرة
الشاملة للفرض، بل ظاهر الاصحاب انه من اقسام الجهاد،
فتشمله حينئذ آياته ورواياته، وان كان لا يشترط فيه الشرائط
الخاصة التي هي للجهاد الابتدائي للدعاء الى الاسلام»((159)).
وقال الامام الخميني(رحمه الله) في بيان احكام الدفاع عن
بيضة الاسلام وحوزته:
«المسالة 1: لو غشي بلاد المسلمين او ثغورها عدو يخشى منه
على بيضة الاسلام ومجتمعهم يجب عليهم الدفاع عنها باية
وسيلة ممكنة من بذل الاموال والنفوس.
المسالة 2: لا يشترط ذلك بحضور الامام(ع) واذنه، ولا اذن
نائبه الخاص او العام، فيجب الدفاع على كل مكلف باية وسيلة
بلا قيد وشرط.
المسالة 3: لو خيف زيادة الاستيلاء على بلاد المسلمين
وتوسعة ذلك واخذ بلادهم او اسرهم، وجب الدفاع باية وسيلة
ممكنة.
المسالة 4: لو خيف على حوزة الاسلام من الاستيلاء السياسي
والاقتصادي ووهن الاسلام والمسلمين وضعفهم، يجب الدفاع
بالوسائل المشابهة والمقاومات المنفية (السلبية)، كترك شراء
امتعتهم، وترك استعمالها، وترك المراودة والمعاملة معهم
مطلقا.
المسالة 5: لو كان في المراودات التجارية وغيرها مخافة على
حوزة الاسلام وبلاد المسلمين من استيلاءالاجانب عليها
سياسيا او غيرها الموجب لاستعمارهم او استعمار بلادهم ولو
معنويا - يجب على كافة المسلمين التجنب عنها، وتحرم تلك
المراودات.
المسالة 6: لو كانت الروابط السياسية بين الدول الاسلامية
والاجانب موجبة لاستيلائهم على بلادهم اونفوسهم او اموالهم
او موجبة لاسرهم السياسي، يحرم على رؤساء الدول تلك
الروابط والمناسبات، وبطلت عقودها، ويجب على المسلمين
ارشادهم، والزامهم بتركها ولو بالمقاومات المنفية.
المسالة 7: لو خيف على احدى الدول الاسلامية من هجمة
الاجانب، يجب على جميع الدول الاسلامية الدفاع عنها باي
وسيلة ممكنة كما يجب على سائر المسلمين.
المسالة 8: لو اوقع احدى الدول الاسلامية عقد رابطة مخالفة
لمصلحة الاسلام والمسلمين...»((160)).
قراءة في السطح:
يتضح مما خضناه في كتب التراث الفقهي امور:
أولا - ان الفقهاء ميزوا بين استراتيجيتين عسكريتين في
الشريعة الاسلامية:
ثانيا - قسم الفقهاء الدفاع الشرعي من حيث طبيعة
الشيء
الواجبة صيانته والمحافظة عليه الى قسمين:
ثالثا - ان ما تعرض له الفقهاء في بحوثهم عن الدفاع الشرعي وان
كان الغرض منه كليا وهو بيان الاحكام الشرعية المتعلقة بهذا
الباب، لكن لا بمعزل عن النظر الى الحالة الشائعة من تسلط
الحاكم الجائر في الغالب على بلاد المسلمين.
فمن اوجب الدفاع في مورد اوجبه على المكلفين وان كانت
الحكومة حكومة جائرة، وفي الكلمات التي نقلناها عبارات تدل
على ذلك، كالتعبير بعدم قصد المدافع الدفاع عن الجائر، او
تصدير الكلام بحرمة الجهاد مع ائمة الجور، او التنصيص على
عدم اشتراط اذن الامام العادل في الدفاع، ونحو ذلك مما له
دلالة على ملاحظة الغرض المذكور.
وحينئذ لا يبقى مجال لاعمال المزاحمة بين وجوب الدفاع عن
الاسلام والمسلمين وبلادهم واستقلالهم وبين حرمة اعانة
الجائر، باعتبار ان وجوب الدفاع عن ذلك صدر ملحوظا فيه
الحرمة المزاحمة.
رابعا - ان الفقهاء اختلفوا فيما يجب من اجله الدفاع، ويمكن
تصنيف ذلك على ثلاثة مستويات:
المستوى الاول:
او باماتة شعائر الاسلام، كالغاء بث الاذان من المحطات الاذاعية
والتلفزيونية، او ازالة شعار «الله» و «اللهاكبر» و «لا اله الا الله» من
العلم الرسمي للبلاد، او الترويج للثقافة الغربية المنادية
بحرية المراة ونبذ الحجاب،ومهاجمة المتدينين بوصمهم
بالرجعية والتخلف وغير ذلك.
او بتعطيل شرائعه باصدار القوانين الوضعية المخالفة للشريعة،
كالقوانين التي تمنح حق الطلاق للمراة اوتساوي بينها وبين
الرجل في الديات والمواريث، او تلغي حق الاعدام في القاتل
عمدا، ونحو ذلك.
وظاهر ما ذكر من الاقتصار في العنوان - وان ربما كان اقتصارا
غير مقصود واقعا - هو عدم وجوب الدفاع ان كان ذلك مجرد
استيلاء على الارض، ولم تترتب عليه المحاذير المتقدمة من
بوار الاسلام او انتهاك حرمة المجتمع الاسلامي.
وهذا المعنى هو المقدار المتيقن من عبارات بعض من تقدم
من الفقهاء خصوصا المحقق النجفي(رحمه الله) حيث ذكر
ذلك صريحا - وعبارات كثير ممن لم ننقل عباراتهم.
المستوى الثاني:
وقد تبنى هذا الراي بعض الفقهاء صريحا، منهم الشيخ جعفر
كاشف الغطاء (رحمه الله) في عبارته المتقدمة التي لم يكتف
فيها فقط بدفع غائلة العدو عن الاستيلاء على بلاد المسلمين
التي في ايديهم قبل هجوم الكفار عليهم فحسب، بل عداها الى
بلدان المسلمين وقراهم واراضيهم المحتلة قبل ذلك.
المستوى الثالث: قراءة في العمق:
المتتبع للفقه الشيعي وطبيعة الاراء التي يخرج بها فقهاؤه
يعلم بان هذه الاراء لا تعبر عن استحسانات شخصية، بل تبتني
على قواعد واسس مستلة من صميم الادلة الشرعية التي ترجع
اولا واخيرا الى الكتاب والسنة وان اختلف الفقهاء في كيفية
الاستلال او في مصداقية المورد التي يجري تطبيق
القواعد عليه.
ولهذا السبب فالراي الذي يبديه الفقيه يكمن وراءه دائما دليل
شرعي يعبر عن العمق التنظيري لذلك الفقيه، وعلى الباحث
في مجال الفقه الا يكتفي باخذ الراي من الفقيه فحسب، بل
يبحث في عمقه عن الدليل الشرعي الذي استند اليه الفقيه
للتوصل الى هذا الراي.
وهكذا نجد انفسنا مرة اخرى مع المسالة وجها لوجه، لكن لا
ببعدها السطحي بل بعمقها التنظيري،لنبحث عن الادلة
الكامنة وراء الاراء الفقهية المطروحة في المسالة بمستوياتها
الثلاثة.
وبنظرة فاحصة لطبيعة هذه المستويات ولحاظ ما يناسبها من
الادلة، نجد ان المستويات الثلاثة المتقدمة مترتبة من حيث
سعة دائرة وجوب الدفاع وضيقها. فالمستوى الاول يمثل اضيق
الدوائر لوجوب الدفاع، حيث ينحصر مورده بتعرض الاسلام
والمسلمين للخطر، والمستوى الثاني يقع في الرتبة الثانية من
حيث السعة والضيق، والثالث اوسع الجميع.
ولذلك فايما دليل يقام على وجوب الدفاع بالمستوى الثالث
يثبت به وجوبه بالمستويين الاخرين، كما ان الدليل المقام على
وجوب الدفاع بالمستوى الثاني يثبت به وجوبه على المستوى
الاول ايضا دون العكس.
دراسة في الادلة:
نجد من المناسب التدرج في استعراض الادلة التي اقيمت او
تصلح للاقامة على اي من هذه المستويات من الاوسع دائرة الى
الاضيق، لان مناقشة الدليل المثبت للمستوى الاضيق دائرة لا
يدفع اثباته بالدليل المثبت للمستوى الاوسع، بخلاف العكس
حيث ينتفي الدليل عليه كاملا، ولا يعود مجال للقول به.
أولا - ادلة وجوب الدفاع عن عزة الاسلام:
الدليل الاول - الروايات الدالة على ان الجهاد عز الاسلام:
رواية زرارة بن اعين، عن ابي جعفر(ع)، عن آبائه(ع) قال: «قال
رسول الله(ص): بني الاسلام على عشرة اسهم: على شهادة ان
لا اله الا الله وهي الملة، والصلاة وهي الفريضة، والصوم وهو
الجنة، والزكاة وهي المطهرة، والحج وهو الشريعة، والجهاد وهو
العز...»((161)).
ورواية انس قال: قال رسول الله(ص): «جاءني جبرئيل فقال لي:
يا احمد، الاسلام عشرة اسهم، وقد خاب من لا سهم له فيها...
والسادسة: الجهاد وهو العز»((162)).
وعن زينب بنت علي(ع) قالت: قالت فاطمة(قدس سره) في
خطبتها: «فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك... والجهاد عزا
للاسلام»((163)). وغيرها.
وذلك بتقريب ان تحقيق العزة للاسلام ان كان امرا يجب
القتال لاجله فالقتال بدافع المحافظة على عزة الاسلام اولى
واحرى بالوجوب، لان حفظ ما هو كائن اوجب واهم من
الحصول على ما لم يكن. بل قد يقال بان تحقيق العزة للاسلام
مطلوب في كل آن فلذلك يجب تهيئة جميع ما يتوقف على
تحققها كذلك ومن جملة ذلك الدفاع.
تقييم الدليل الاول:
الدليل الثاني:
فان هذه القواعد نفت تسلط الكافر وعلوه على المسلم بنفي
السبب والسبيل الى ذلك. وحيث ان بعض التشريعات - كتشريع
حرمة قتال الكفار بدون اذن الامام، وحرمة تعريض النفس
للهلكة - قد تشكل سببا وسبيلا لهيمنة الكفار وتسلطهم على
المسلمين، فهي منفية بالقواعد المذكورة التي ينتفي
بسبب اطلاقها كل انوع التسلط والهيمنة، من غير فرق بين
الهيمنة العسكرية او السياسية او الاقتصادية او الادارية.
تقييم الدليل الثاني:
الاولى: ان القواعد المذكورة لسانها لسان نفي الموضوعات
التي يحتمل ان يراد به نفي تحققها تكويناوخارجا، فمثلا لا يدع الله - سبحانه - الكافر يتسلط على المسلم ويعلو عليه، كما يحتمل
ان يراد به نفي تحققها بتشريع ما يؤدي الى تسلط الكافر وعلوه
على المسلمين. ومع وجود الاحتمال المذكورلا يمكن التمسك
بالقواعد المذكورة لنفي التشريعات المانعة من قتال الكفار اذا
قصدوا التسلط على المسلمين ببعض انواع التسلط الذي لا
يؤدي الى زوال بيضة الاسلام وانتهاك حرمات المسلمين.
الثانية: ان القواعد المذكورة غاية ما تدل على نفي التشريعات
المؤدية الى تسلط الكافر وعلوه على المسلم، فترفع كل تشريع
يترتب عليه مثل ذلك، ليكون المكلف في سعة من امره، لا انها
تثبت حكما آخرعليه مثل وجوب القتال والدفاع، فانه بعيد عن
مفاد هذه القواعد.
الثالثة: ان القواعد الفقهية لا تصلح للاستدلال بها حتى تكون
متسالما عليها من جميع الفقهاء بنحو لاينتاب الفقيه ادنى
شك بانطباقها على المورد المستدل بها عليه.
وفي غير هذه الصورة يرجع الى دليلها للتحقق من وفائه
بالاستدلال على المورد وعدمه، فان كان الدليل عليها تسالم
الاصحاب واجماعهم اقتصر في الاستدلال بها على القدر
المتيقن دون الخصوصيات الزائدة التي يحتمل تاثيرها في
ثبوت الحكم وارتفاعه، وان كان الدليل عليها دليلا لفظيا رجع
اليه في الاستدلال ايضا لمعرفة شموله للمورد.
ومن الواضح ان انطباق القواعد المذكورة في مورد الدفاع عن
عزة الاسلام والمسلمين المؤدي الى تثبيت حكم الحاكم الجائر
غير ثابت، والا لم يختلف الفقهاء فيه، فلابد من الرجوع الى
الادلة اللفظية للقواعد - ان كانت - لمعرفة مدى وفائها بمورد
الاستدلال.
الدليل الثالث:
تقييم الدليل الثالث:
والجواب نفسه ياتي في الاستدلال بدليل «الاسلام يعلو ولا
يعلى عليه»، فانه مجمل لا يعلم ما هو المرادمنه، ولذلك قال
السيد الخوئي(رحمه الله) عنه في مصباح الفقاهة: «ان النبوي
المذكور مجمل، فلا يجوزالاستدلال به على المطلوب، اذ
يمكن ان يراد به ان الاسلام يغلب على بقية الاديان في العالم،
ويمكن ان يرادبه ان الاسلام اشرف من سائر المذاهب، ويمكن
ان يراد به علو حجته وسمو برهانه، لان حقيقة الاسلام مستندة
الى الحجج الواضحة والبراهين اللائحة بحيث يفهمها كل عاقل
مميز حتى الصبيان.
ويتضح ذلك جليا لمن يلاحظ الايات القرآنية وكيفية استدلاله
تعالى على المبدا والمعاد وغيرهما ببيان واضح يفهمه اي احد
بلا احتياج الى مقدمات بعيدة، بخلاف سائر الاديان فانها تبتني
على خيالات واهية وتوهمات باردة تشبه اضغاث
الاحلام»((166)).
مضافا الى انه ضعيف السند غير مروي من طرقنا اصلا.
ثانيا - ادلة وجوب الدفاع عن الوطن الاسلامي:
الدليل الاول - ارتكاز المتشرعة:
وحين نتعمق في مكنونات هذه الاذهان وندرس خلفيات هذه الظاهرة، نجدها لم تنشا من عبث
او من لاشيء، بل هي
اختزانات لا شعورية نشات عن اثارات متفرقة اوحى بها النسيج
الديني المؤلف من عوامل متعددة منها: النصوص الدينية،
والاحكام الشرعية، والاستنتاجات الفقهية، واساليب الاجتهاد،
بل قد تدخل المفاهيم والانتزاعات الفكرية والاتجاهات
التحليلية العقلية في ضمن هذه المجموعة ايضا.
ولدى العودة الى مسالة الدفاع الشرعي ووجوبه على المسلمين
نلاحظ في اذهان المتشرعة والمتدينين من الناس تصورا عاما
عن وجوب الدفاع على جميع المسلمين اذا هجم على بلادهم
عدو كافر.
وان وجوب الدفاع هذا يرتبط بتعرض بلاد المسلمين لخطر
الغزو، لا بعزتهم ومكانتهم ولا باصل الاسلام وارواح المسلمين
واموالهم واعراضهم فقط.
واذا كان هذا الارتكاز ناشئا من صميم الدين والشريعة فيكون
كاشفا عن راي المعصوم(ع)، ويكون حجة.
تقييم الدليل الاول:
وحيث يحتمل في فتاوى الفقهاء والوقائع الخارجية خطا
المستند فلا يمكن التعويل على مثل هذا الارتكازللكشف عن
راي المعصوم(ع)، بل لابد من التقصي عن منشا هذا الارتكاز،
والتحري عن مدى تكفله اثبات النتيجة الفقهية التي يسعى
للاستدلال عليها بالارتكاز.
الدليل الثاني - الروايات الخاصة:
الاولى: الرواية التي رواها محمد بن عيسى عن يونس بطرق
مختلفة، قال: سال ابا الحسن(ع) رجل واناحاضر، فقلت له: جعلت فداك! ان رجلا من
مواليك بلغه ان رجلا يعطي سيفا
وقوسا في سبيل الله، فاتاه فاخذهما منه، ثم لقيه اصحابه
فاخبروه ان السبيل مع هؤلاء لا يجوز، وامروه بردهما؟ قال:
«فليفعل».
والثانية: ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد،
عن محمد ابن عيسى، عن الرضا(ع)، قال: ان يونس ساله وهو
حاضر عن رجل من هؤلاء مات واوصى ان يدفع من ماله فرس
والف درهم وسيف لمن يرابط عنه ويقاتل في بعض هذه الثغور،
فعمد الوصي فدفع ذلك كله الى رجل من اصحابنا، فاخذه منه
وهولا يعلم انه لم يات لذلك وقت بعد، فما تقول، يحل له ان
يرابط عن الرجل في بعض هذه الثغور ام لا؟ فقال:«يرد الى
الوصي ما اخذ منه، ولا يرابط، فانه لم يات لذلك وقت بعد -
فقال: - يرده عليه». فقال يونس:فانه لا يعرف الوصي! قال:
«يسال عنه». فقال له يونس بن عبد الرحمان: فقد سال عنه فلم
يقع عليه، كيف يصنع؟ فقال: «ان كان هذا فليرابط، ولا يقاتل».
قال: فانه مرابط فجاءه العدو حتى كاد ان يدخل عليه،
كيف يصنع يقاتل ام لا؟ فقال له الرضا(ع): «اذا كان كذلك فلا
يقاتل عن هؤلاء ولكن يقاتل عن بيضة الاسلام، فان في ذهاب
بيضة الاسلام دروس ذكر محمد(ص)...»((168)).
والظاهر ان الروايتين واحدة وان اختلفتا متنا بحسب النقلين
بقرينة وحدة المضمون والراوي والمروي عنه.
وكون السائل يونس بن عبد الرحمان او رجلا بحضوره، وراوي
الرواية محمد بن عيسى او يونس، لايضر بذلك، لاحتمال
اشتباه ذلك على بعض الرواة الواقعين في سند الرواية الى
محمد بن عيسى، اواشتباه محمد بن عيسى نفسه.
ووجه الاستدلال بها: ان الراوي سال الامام(ع) عما يجب على
المكلف فعله اذا وجبت عليه المرابطة،فرابط، فغزاه العدو واراد
احتلال ارض المسلمين التي هو مرابط عليها، فامره الامام(ع)
بالقتال دفاعا عن ارض المسلمين لا عن الجائر.
وامر الامام(ع) ظاهر في وجوب الدفاع عن بلد المسلمين مع
مداهمة العدو له ان كان تحت سلطان الحاكم الجائر.
تقييم الدليل الثاني:
المناقشة الاولى: وهي ان الراوي للرواية هو محمد بن عيسى
بن عبيد اليقطيني الذي لم يصحح الصدوق(رحمه الله)
وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد رواياته التي يرويها عن
يونس، وهذه الرواية من جملة رواياته التي رواها محمد بن
عيسى عن يونس بن عبد الرحمان، فلا تكون صحيحة.
المناقشة الثانية: ان الامام(ع) لم يامر بالقتال دفاعا عن ارض
المسلمين بل دفاعا عن بيضة الاسلام والمسلمين، وقد صرح
في الرواية الاولى بذلك مرتين وكذا في الرواية الثانية ايضا.
بل ان السائل لما اختلط عليه الامر من كلام الامام(ع) حيث
نهاه اولا عن القتال ثم امره به دفاعا عن بيضة الاسلام حاول
التاكد من الحكم فقال: يجاهد؟ فانكر الامام(ع) ذلك ايضا
وقيده بالخوف على دار المسلمين،ثم اوضح مراده من الخوف
على دار المسلمين بالتفصيل بين ما اذا خاف على بيضة
الاسلام والمسلمين فيقاتل، وبين ما اذا لم يخف فلا يقاتل.
ومقتضى كلامه ان الكفار ان دخلوا على المسلمين في
مواضعهم واحتلوا ارضهم وبلدهم ولم يحصل منهم خوف على
ذهاب الدين والاعتداء على المسلمين، لا يجب الدفاع.
واوضح من ذلك تعليله الحكم بوجوب القتال دفاعا عن بيضة
الاسلام بان دروس الاسلام وذهاب بيضته دروس لذكر
محمد(ص) وشريعته.
فلذلك كله الرواية على خلاف ما يذهب اليه اصحاب الراي
الثاني من الفقهاء ادل، والى ما قاله المحقق النجفي من احتمال
الحرمة في غير الخوف على الاسلام وشريعته وذكر محمد(ص)
اقرب، لانها تنفي صراحة وجوب الجهاد، بل تنهى عنه في غير
الفرض المذكور.
نعم، قد يدعى التلازم الخارجي بين احتلال الكفار بلاد
المسلمين وذهاب بيضة الاسلام ولو بلحاظ المستقبل، بشهادة
تفسير الامام(ع) مراده من الخوف على دار المسلمين بالخوف
على بيضة الاسلام اوالخوف على نفسه.
لكن ما ذكر من التلازم ليس من الملازمات غير القابلة
للانفكاك فقد تثبت في بعض الحقب التاريخية وقدتنتفي في
بعضها الاخر، ويؤيد ما ذكرناه الواقع التاريخي لبلاد المسلمين،
اذ طالما انتابتها فترات خضعت جميعها او بعض اجزائها
لاحتلال الكفرة ولم يحدث ما كان يخشى منه من دروس
الاسلام ونحوه.
وتفسير الامام(ع) قد يكون تفسيرا بالاعم او بالغالب لا
بالمساوي، ولذلك اثبت المحقق النجفي عدم تحقق التسلط
الملحوظ في زمانه. ولا اقل من امكان التفكيك فرضا بين
احتلال البلد وتغيير عقيدته واحكامه وشرائعه، او احتلاله
وانتهاك حرمة دماء المسلمين واعراضهم واموالهم في حالة
السلم، فيختلف الحكم،ومقتضى الدقة في احكام الله رعاية
الفرض المذكور، خصوصا في مثل المقام الذي لا يخلو من
تعريض للنفس والعرض والمال للخطر بسبب المقاومة.
ومما ذكرنا يتضح ان الدليل على القول الاول هو الرواية
المذكورة بعد تنزيلها على التعبد.
تصحيح المسار:
اعتاد الباحث في مجال الفقه على ان يركز عند البحث في
الدليل على المراد الاستعمالي للمتكلم والالفاظ المستعملة
وما يمكن ان تدل عليه من المعاني، واسرع هذه المعاني تبادرا
الى ذهن العرف عند سماع اللفظ، والنحو الذي يجمع فيه بينها
وبين القرائن الواردة في سياق الدليل او الخارجة عنه
بحيث يرتفع التنافي ان كان، ويتوصل الى النتيجة الفقهية، او
على اتصال سند ذلك الدليل بالمعصوم(ع) بسلسلة من الرواة لا
يتخللهم ضعيف او مجهول او غير ذلك. ويغفل عادة عن المراد الجدي للمتكلم وان ما ورد في لسان الدليل هل قصد به بيان الحكم الشرعي الكلي ام ابراز حكم حكومي؟ وانه بصدد الكشف عن الحكم المولوي ام ارشاد لما يجب عليه ان يكون التطبيق في المورد المسؤول عنه الامام(ع) او لما عليه الواقع في عصره؟
ومن هنا فقد يقال فيما يخص الرواية المتقدمة: انها لم تؤسس
حكما فقهيا جديدا، بل قد اعمل الامام الرضا(ع) تطبيقا للقواعد
الجارية في المورد، اذ انه منع من القتال اعانة للجائر، وجوزه
دفاعا عن بيضة الاسلام، فلم تتضمن الرواية اي حكم جديد،
ولذلك فلا المنع من القتال في غير تعرض بيضة
الاسلام وحرمة المسلمين للخطر منع مولوي يدل على
الحرمة، ولا الامر به في مورد التعرض يدل على الوجوب. ويتعين حينئذ النظر الى المسالة من زاوية اخرى وتصحيح مسار الاستدلال، فان تشخيص وجوب الدفاع:هل هو من الشؤون ذات الطابع الحكومي المطاط الذي ترك فيه الاختيار للحاكم الشرعي ليرى فيه رايه ومايرجح في نظره من المصالح والمفاسد، فنظره هو المعيار اولا واخيرا في حسم المسالة لصالح وجوب الدفاع عن ارض المسلمين او الامتناع عن ذلك؟ او هو من الشؤون ذات الطابع الشرعي الذي لا مجال معه لنظر الحاكم ورايه الا بنحو العنوان الثانوي الذي يشترط فيه وجود مصلحة ضرورية التحصيل تقتضي تعطيل الحكم الشرعي لاجلها؟
او هو من المسائل الشرعية ذات العنوانين او العناوين المتكثرة
المتزاحمة فيما بينها في مقام الامتثال مع وضوح الحكم
بالنسبة الى كل عنوان من هذه العناوين؟ فهذه وجوه ثلاثة:
الوجه الاول - وجوب الدفاع حكم حكومي:
وبعبارة اخرى: ان الشارع قد صنف الوقائع المتعلقة بالتشريع
صنفين: صنف ثابت في محتواه وقيمه الملحوظة في عالم
التشريع، فجعل في مورده احكاما معينة تمثل عنصر الثبات في
الشريعة الاسلامية واحكامها، وصنف متغير في محتواه وقيمه
من وقت لاخر ولظرف وعدمه، فاوكل امره الى الحاكم الشرعي
ليبت فيه طبقا لما يرتئيه من المصلحة والمفسدة، وهو يمثل
عنصر التغير في الشريعة الاسلامية.
ووجوب الدفاع عن بلاد المسلمين في ظل حكومة الحاكم
الجائر واحد من الامور التي تتغير قيمهاالمعنوية وفقا لظروف
المجتمع الاسلامي، وظرف كل واحد من الحاكم الشرعي،
والحاكم الجائر، والغازي الكافر، ومقدار ما يتصف به كل واحد
من سجايا واخلاق، وما يتمتع به من امكانات وقدرات.
فلذلك ناسب الا يحدد الشارع صيغة معينة ويبرز حكما محددا
لمفروض المسالة، ويترك تحديد ذلك فيها للحاكم الشرعي
ليتخذ الموقف الذي يتلاءم وظروف الحدث، وما تمليه طبيعة
الاوضاع الحاكمة فيه، فيكون من الاحكام الحكومية لا الشرعية،
ويجب حينئذ حمل اي كلام يصدر عن اي امام على انه بصدد
بيان مايقتضيه ظرفه في ذلك الزمان.
تقييم حكومية الدفاع:
الوجه الثاني - وجوب الدفاع حكم شرعي:
ونبينا محمد(ص) والائمة المعصومون(ع) وان تجسد فيهم
الطابع الشخصي كما في كل كائن، الا انهم حملوا صفات
ومناصب اخرى، منها عرفية ككونهم بشرا، ومنها شرعية
ككونهم ائمة هدى الى اللهمعصومين، وولاة على البشر
منصوبين من قبله سبحانه.
ولذلك فهم تارة يعبرون عن لسان اهل العرف، واخرى عن
لسان الشرع المقدس، وثالثة عن لسان منصب الحكومة
والولاية.
وتمييز الكلام الصادر منهم وارجاعه الى احد هذه المناشئ يعتمد على الظهور الحالي او
المقالي لهم، لاعلى شيء آخر،
فكل رواية او كلام ينقل عنهم بحاجة الى الفحص عن القرائن
الحالية او اللفظية المشكلة لذلك الظهور. ورواية محمد بن عيسى او يونس المتقدمة من جملة كلماتهم، فلابد من الرجوع فيها الى ما يظهر منها ان كان يعبر عن حكم شرعي ام لا؟
والظاهر من طبيعة سؤال السائل فيها وطريقة جواب الامام(ع)
عنه ان كلامهما كان يدور عن الحكم الشرعي، لا عن موقف
الامام(ع) بعنوانه حاكما ووليا، ولا عن موقف اهل العرف وعامة
الناس.
تقييم شرعية الدفاع:
ومع وجود مثل هذا الاحتمال يكون الامام(ع) قد تقمص
قميص الفقيه المستنبط لا قميص الناقل للحكم على سبيل
التعبد، ويكون قد اعتمد في احراز الموضوع - اعني اهمية ملاك
الدفاع عن بيضة الاسلام من حرمة اعانة الظالم - على شخصيته
العرفية، وان كان اعتمد في بيان الكبرى - اعني لزوم تقديم
الفعل الاهم ملاكا عند التزاحم - على شخصيته ومنصبه
الشرعي.
وحيث يحتمل ان يحصل في غير زمان الامام(ع) ما هو اهم
ملاكا من حرمة اعانة الظالم غير وجوب الدفاع عن بيضة
الاسلام والمسلمين - مثل وجوب الدفاع عن استقلال الدولة
ذات الاكثرية الاسلامية وحفظ كيانها السياسي كما هو متداول
في ازمنتنا - فيجب الدفاع ايضا وان كان ذلك على خلاف ما
يتراءى من ظاهرالرواية من عدم وجوب الدفاع بل حرمته من
غير تعرض بيضة الاسلام والمسلمين لخطر الزوال والضياع.
الوجه الثالث - وجوب الدفاع تطبيق لقاعدة التزاحم:
ويشهد لهذا الوجه كثرة التساؤلات المطروحة من قبل السائل
بما يشبه حالة الاستنكار مع كل جواب يجيب به الامام(ع).
كما يشهد له ايضا التعليل الذي ذكره الامام(ع) في ذيل الرواية
تنبيها على اهمية لازم عدم الدفاع عن بيضة الاسلام، وهو
دروس شريعة النبي محمد(ص) مما كانه اقناع له بالوجه في
تقديم وجوب الدفاع على حرمة اعانة الجائر.
بل ربما يستفاد من لحن الحوار الدائر بين الامام(ع) والسائل ان
السائل ممن اعتادوا اساليب البحث الفقهي وثبتت في اذهانهم
مرتكزاته، وهو محرز على رواية قرب الاسناد، لان السائل فيها
هو يونس بن عبدالرحمان المعروف بكونه احد فقهاء اصحاب
الائمة المعروفين.
ومع كل هذه القرائن لا يبقى مجال لفرض التعبدية في كلام
الامام(ع)ليقال بان منع الامام(ع) من مقاتلة الكفار في ظل
حكومة السلطان الجائر في غير الخوف على بيضة الاسلام منع
تعبدي، وانما هو تطبيق لقواعد التزاحم على مورد السؤال، غاية
الامر ان الحفاظ على بيضة الاسلام لما كان بدرجة عالية
من الاهمية قدمها الامام(ع) على حرمة اعانة الجائر، وقد حرص
على تعليل ذلك لبيان الوجه في التقديم.
تقييم تطبيق قاعدة التزاحم:
نتيجة البحث:
اتضح من خلال البحث ان مسالة الدفاع عند هجوم الكفار على
بلاد المسلمين التي يحكمها الحاكم الجائرهي من مصاديق
كبرى قاعدة التزاحم التي يكون المناط فيها تقديم ما هو اهم
ملاكا من الدفاع عن بلادالمسلمين وحرمة الاعانة وفقا لما
يبدو للمكلف من مصالح ومفاسد تمليها عليه الظروف
المحيطة بالحادث الواقع. [الملحق رقم 1]
قد يقال ان جميع الروايات المذكورة ضعيفة السند، اما وجه
الضعف في رواية انس فالظاهر انه ابن مالك او محمد واكثر
الرواة الواقعين في سند الصدوق بين مجهول او ضعيف بما في
ذلك الراوي نفسه، اذ ابن مالك ورد فيه تضعيف وقدح حيث
كتم عن علي شهادته بحديث الغدير فابتلي بالبرص. وانس بن
محمدمجهول، لم يرد فيه توثيق في كتب الرجال او
الروايات((169)).
واما رواية زينب بنت علي(ع) فقد رويت بعدة طرق:
أحدها: الشيخ الصدوق(رحمه الله)، عن محمد بن موسى بن
المتوكل، عن علي بن الحسين السعدآبادي، عن احمد بن ابي
عبد الله البرقي، عن اسماعيل بن مهران، عن احمد بن محمد
بن جابر، عن زينب بنت علي(ع)، عن فاطمة(قدس
سره)((170)).
والظاهر ان احمد بن محمد بن جابر وقع فيه تحريف
والصحيح: احمد بن محمد - والمراد منه الخزاعي - عن محمد بن
جابر عن عباد العامري، بقرينة الطريق الذي ذكره في مشيخة
من لا يحضره الفقيه((171)).
لكن محمد بن موسى بن المتوكل وعلي بن الحسين
السعدآبادي مجهولان، وان يظهر من الشيخ الصدوق(رحمه
الله) الاعتماد عليهما بل وثق ابن المتوكل العلامة وابن داود
وادعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته وعلى هذا اعتمد السيد
الخوئي((172)). وكذا احمد بن محمد الخزاعي((173))
ومحمد بن جابر((174)) وعباد العامري كلهم
مجهولون((175)).
ثانيها: الشيخ الصدوق(رحمه الله)، عن علي بن حاتم، عن
محمد بن اسلم، عن عبد الجليل الباقلاني، عن الحسن بن
موسى الخشاب، عن عبد الله بن محمد العلوي، عن رجال من
اهل بيته، عن زينب بنت علي(ع)،عن فاطمة(قدس سره).
لكن هذا الطريق ضعيف ايضا، فان محمد بن اسلم مجهول بل
قيل: انه فاسد الحديث على ما ذكر ذلك النجاشي في
ترجمته((176))، وعبد الجليل الباقلاني مجهول، حيث لم ترد
له ترجمة في كتب الرجال اصلا،فضلا عن توثيقه او تضعيفه،
وعبد الله بن محمد العلوي قد يراد به عبد الله بن محمدابن
علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب وهو ممدوح((177))،
لكن الرجال من اهل بيته مجهولو الهوية، وبه تكون
الرواية مرسلة.
وعلى هذا الاساس فالرواية ضعيفة بتضعيف بعض رواتها،
وجهالة البعض الاخر، وبالارسال.
ثالثها: علي بن حاتم، عن محمد بن ابي عمير، عن محمد بن
عمارة، عن محمد بن ابراهيم المصري، عن هارون بن يحيى
الناشب، عن عبيد الله بن موسى العبسي، عن عبيد الله بن
موسى العمري، عن حفص الاحمر، عن زيد ابن علي، عن عمته
زينب بنت علي(ع)، عن فاطمة(قدس سره).
لكن محمد بن ابراهيم المصري وهارون بن يحيى الناشب
وعبيد الله بن موسى العبسي وعبيد الله بن موسى العمري
وحفص الاحمر كلهم مجهولون((178))، حتى اذا قلنا بان
محمد بن عمارة ثقة لرواية ابن ابي عمير عنه الذي لا يروي ولا
يرسل الا عن ثقة.
رابعها: الشيخ المفيد(رحمه الله)، عن ابي بكر محمد بن عمر
الجعابي، عن ابي عبد الله جعفر بن محمد بن جعفر الحسيني،
عن عيسى بن مهران، عن يونس، عن عبد الله بن محمد بن
سليمان الهاشمي، عن ابيه، عن جده، عن زينب بنت علي بن
ابي طالب(ع)، عن فاطمة(قدس سره).
وطريق هذه الرواية وان كان صحيحا الى يونس، لكن عبد الله
بن محمد ابن سليمان الهاشمي هو عبد اللهبن محمد بن
سليمان بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن ابي
طالب(ع) المعروف بالمدائني والهاشمي الذي يروي عن ابيه
عن جده في عدة روايات، وروى عنه: دارم بن قبيصة((179))،
وابوسعيد((180))، ومحمد بن عبد الرحمان المهلبي((181)).
وقد نقل ابن عنبة عن الموضح النسابة انه قال: كان عبد الله بن
محمد بن سليمان ورد الكوفة، وروى الحديث، وكان ذا قدر
جليل((182)).
فلو كان هذا المدح كافيا للاخذ برواياته يبقى والده محمد بن
سليمان بن عبد الله لم يرد فيه توثيق ما لم يكن هو الاصفهاني
الذي وثقه النجاشي((183))، وهو بعيد جدا. كما يبقى جده سليمان بن عبد الله الهاشمي الذي روى عن ابيه عن الامام الباقر(ع) وروى عنه ابان((184)) مجهولا، اذ لم يرد له توثيق في كتب الرجال. هذا اذا اعيد الضمير في «جده» على عبد الله نفسه، واما اذااعيد على جد ابي عبد الله - اي جد محمد بن سليمان - فيكون المقصود هو عبد الله بن الحسن المثنى الذي وردت عدة روايات بذمه والطعن في وثاقته فضلا عن عدالته((185)).
وعلى هذا فالرواية بجميع طرقها ضعيفة.
واما رواية زرارة فرواها الشيخ ابو علي الطوسي في المجالس،
عن ابيه، عن المفيد، عن احمد بن محمدبن الحسن بن الوليد،
عن ابيه، عن محمد بن الحسن الصفار، عن احمد بن محمد بن
عيسى، عن محمد بن ابي عمير، عن عبد الله بن بكير، عن
زرارة بن اعين، عن الامام الباقر(ع)((186)).
وليس فيهم من يتامل فيه الا احمد بن محمد بن الحسن بن
الوليد، فانه لم يرد فيه توثيق في كتب الرجال بخصوصه، نعم
قد يبنى على وثاقته بالطريق العام اما بناء على ان شيخوخة
الاجازة تفيد الوثاقة، او على ان من اكثرت عنه الرواية من
الثقات ولو من جهة انه لا يعقل ان يكون مجهولا وضعيفا
ورويت عنه كل هذه الروايات، فلابد ان يكون معروفا بالوثاقة
لتروى عنه، وحينئذ يثبت للرواية الاعتبار. |