[الملحق رقم 2] ان الشيخ الصدوق وشيخه ابن الوليد لم يذكرا الوجه في عدم
تصحيح روايات محمد بن عيسى بن عبيدعن يونس، ولعله
اجتهاد منهم، ولا يجب اتباعهم في اجتهادهم في تصحيح
الروايات.
نعم، يجب اتباعهم في توثيقهم وتضعيفهم الرواة، باعتبارهم
من اهل الخبرة في ذلك.
لكنهم لم يضعفوا الرجل، بل روى عنه الصدوق(رحمه الله)
عددا كبيرا من الروايات عن غير يونس((187))رغم انه التزم
في اول كتابه بالا يروي فيه غير ما يعتقد صحته وما يكون حجة
بينه وبين ربه((188)).
ووثقه كثير من اجلة الاصحاب، حيث قال عنه النجاشي:
«جليل في اصحابنا، ثقة، عين، كثير الرواية،حسن
التصانيف»((189))، وقال: «ورايت اصحابنا يذكرون هذا القول
(اي قول الصدوق وابن الوليد) ويقولون:
من مثل ابي جعفر
محمد بن عيسى!!»((190)).
ونقل الكشي عن علي بن محمد القتيبي انه قال: «كان الفضل
يحب العبيدي ويثني عليه، ويمدحه ويميل اليه، ويقول: ليس
في اقرانه مثله»((191)).
وقال عنه ابن نوح في ترجمة النجاشي احمد بن محمد بن
يحيى صاحب كتاب النوادر - الذي استثنى الصدوق وشيخه ابن
الوليد روايات جملة من الرواة منه، منها روايات محمد بن
عيسى التي يرويها عن يونس بن عبد الرحمان : «وقد اصاب
شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كله، وتبعه ابو
جعفر بن بابويه(رحمه الله) على ذلك، الا في محمد بن عيسى
بن عبيد فلا ادري ما رابه فيه! لانه كان على ظاهر
العدالة
والثقة»((192)).
وقال الكشي في ترجمة محمد بن سنان ايضا: «وقد روى عنه
(اي ابن سنان) الفضل وابوه ومحمد بن عيسى العبيدي...
وغيرهم من العدول والثقات من اهل العلم»((193)).
ونقل الكشي عن بورق قوله: «خرجت حاجا، فاتيت محمد بن
عيسى العبيدي فرايته شيخا
فاضلا»((194)).
كما نقل ايضا عن جعفر بن معروف قوله: «صرت الى محمد بن
عيسى لاكتب عنه فرايته يتعيش بالسواد،فخرجت من عنده
ولم اعد عليه، ثم اشتدت ندامتي لما تركت من الاستكثار منه
لما رجعت وعلمت اني قدغلطت»((195)).
لكن الشيخ الطوسي(رحمه الله) قال في ترجمته: «محمد بن
عيسى بن عبيد اليقطيني، ضعيف، استثناه ابو جعفر محمد بن
علي بن بابويه عن رجال نوادر الحكمة وقال: لا اروي ما يختص
بروايته. وقيل: انه كان يذهب مذهب الغلاة»((196)).
وذكره في اصحاب الهادي(ع) قائلا: «محمد بن عيسى بن
عبيد اليقطيني، يونسي، ضعيف»((197)).
وذكره فيمن لم يرو عنهم(ع) فقال: «محمد بن عيسى
اليقطيني ضعيف»((198)).
وقال في الاستبصار: «ان هذا الخبر مرسل منقطع، وطريقه
محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس، وهوضعيف، وقد استثناه
ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه(رحمه الله) من
جملة الرجال الذين روى عنهم صاحب نوادر الحكمة، وقال: ما
يختص بروايته لا ارويه، ومن هذه صورته في الضعف لايعترض
بحديثه»((199)).
الا ان الوجه في تضعيف الشيخ الطوسي له هو استثناء الصدوق
وابن الوليد لرواياته لا غير. وقد صرح الشيخ الطوسي بذلك في
عبارة الاستبصار المتقدمة، وفي ترجمته في الفهرست،
واطلاقه التضعيف في رجاله يحمل عليه، وقد تقدم الجواب عن
ذلك، فتضعيف الشيخ الطوسي له معلوم الوجه ومردود،
فلاينهض لمواجهة التوثيقات المتقدمة.
المبادئ التشريعية لنظرية
تاليف: السيد جواد الورعي تمهيد
يعد وجوب الدفاع عن البلاد الاسلامية من ضروريات الفقه
الاسلامي، وهو موضوع لطالما درسه فقهاءالشيعة والسنة على
السواء في نتاجاتهم الفقهية، ونظرا لوضوح المسالة وبداهتها
عندهم كانوا يمرون عليهاعادة مرورا عابرا، الا ان بعض الفقهاء -
وانطلاقا من الضرورات الزمانية والمكانية التي عاصروها
نتيجة تعرض بعض البلاد الاسلامية في زمانهم لهجوم
الاعداءوتهديد استقلال المسلمين تهديدا جديا - اسهب
في دراسة هذا المحور الفقهي الهام، مؤلفا الرسائل، ومصدرا
البيانات والفتاوى المناسبة، واضافة الى شرح الاحكام والمسائل
الدفاعية لعامة الناس فقد تصدى الفقهاء لحثهم الجماهير على
ابداء كل مظاهر الصمودوالتصدي امام اعداء الاسلام
والمسلمين.
وعطفا على ذلك، لم يمر وقت على البلاد الاسلامية لم تكن
فيها امام خطر هجوم الاعداء منذ ان سطع نجم الاسلام وعزته
واقتدار المسلمين على سطح المعمورة، الا ان بعض الحقب
الزمنية امتاز بدخول الاعداءدخولا مباشرا على الخط،
واستهدافهم البلاد والاراضي الاسلامية بشكل جاد.
وقد تصدى علماء الاسلام لهذا الخطر المحدق، شاعرين اكثر
فاكثر بالمسؤولية الكبيرة، فكانوا انفسهم في مقدمة صفوف
المجاهدين والمناضلين المدافعين عن كيان الاسلام وبلاد
المسلمين، كما كانوا ايضا في مقدمة من يحث الناس
ويحرضهم على المقاومة والاستبسال.
والفترة الراهنة التي نعيش تعد هي الاخرى احدى الحقب
الزمنية الحساسة في عمر الاسلام والتاريخ الاسلامي، فقد
افصح الاعداء عن مواقفهم ازاء الاسلام والمسلمين نظرا للخطر
الذي شعروا به من نفوذهم واقتدارهم على الساحة الدولية،
فمارسوا عليهم مختلف انواع الضغط والتهديد كائنة ما كانت
اتجاهاتهم ومذاهبهم، وشمروا عن سواعدهم للسيطرة على
بلاد المسلمين ونهب ثرواتهم... وهذه فلسطين،وافغانستان،
والعراق... نماذج بارزة لهذا الغزو الاجنبي.
لقد انتاب مستكبري العالم شعور عميق بالخوف لتلك الصحوة
الاسلامية، واءخذ المسلمين قراراتهم بايديهم لتقرير مصيرهم
على مختلف الصعد، كما اصيبوا بالهلع من ذاك الاتحاد
والتلاحم الذي حصل بين المسلمين انفسهم، فسعوا جادين -
وبمختلف السبل - للحيلولة دون ظهور مجدد
للحضارة الاسلامية.
لقد غدت الاوضاع العالمية الجديدة ملزما صارما
للمسلمين سيما جيل الشباب الصاعد - للافتخار اكثرفاكثر
بالماضي العريق، والدفاع المشروع عن عزتهم وشرفهم
واستقلالهم، انطلاقا مما يوفره التراث والثقافة الدينية من
استعداد وجهوزية.
ومن بين الموضوعات المتنوعة على هذا الصعيد، يبدو موضوع
«الدفاع عن البلاد الاسلامية» متميزا وعلى درجة عالية من
الاهمية، رغم ان مبدا وجوبه يعد من ضروريات الاسلام، ومما
لا شبهة فيه ولا ترديد، الا ان معرفتنا باهمية الدفاع وقيمته من
جهة، واحكامه وقضاياه من جهة اخرى، والتاريخ الاسلامي
العملي من جهة ثالثة تجعل من هذا الموضوع موضوعا فائق
الاهمية في الفترة الراهنة.
فلسفة الدفاع في الاسلام:
قبل الحديث عن هذا الموضوع في الثقافة الاسلامية، من
الضروري ان ندرك بان الدفاع عن النفس،والمال، والعرض،
والوطن، والارض، والشرف، والامة، والاستقلال... مقولة مقدسة
يتفق عليها البشر كافة، فلا يرضى احد ولا ترضى امة
بالاستسلام للمعتدي، بل يرى الناس - على اية عقيدة او مذهب
كانوا - ان الدفاع عن بلادهم امر مقدس وممدوح، ومن هنا لم
يحتكر الاسلام امر الدفاع والمقاومة امام المعتدين،بل لقد
شرعت ذلك عامة الامم وسائر الملل واعتبرته حقا مسلما.
لقد اعتبر القرآن الكريم الحياة البشرية، وديمومة العقائد
الدينية والاماكن المقدسة رهنا لحس الدفاع الفطري عند بني
البشر، فقد قال تعالى: (اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله
على نصرهم لقدير - الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا اءن
يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت
صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا
ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز)((200)).
لقد منح الله سبحانه وتعالى في هذه الاية الكريمة اذنا بالحرب
والجهاد لاولئك الذين مورست عليهم مظاهر الظلم والجور،
وتفيد الشواهد بان شان نزول الاية كان اخراج المسلمين من
مدينتهم (مكة) وديارهم، ومصادرة اموالهم من جانب
المشركين، مما يعني ان مفهوم المظلوم في هذه الاية شامل
لاولئك الذين اخرجوا من بلادهم وديارهم بغير حق، عدا انهم
استجابوا لدعوة الحق والتحقوا بدين الاسلام وآمنوا باللهالواحد
ربا والها.
ويمكن ان يستنتج من هذه الايات امور:
ويعالج القسم الثاني من الايات فلسفة الدفاع في الاسلام،
فبحسب المنطق القرآني، سيؤدي تراجع المؤمنين بالاديان
التوحيدية مقابل هجمات الغازين والمعتدين الى تهدم مراكز
العبادة وزوال اماكن الذكروالدعاء، ومن هنا يعلم ان الاديان
الالهية شرعت حق الدفاع بغية الحفاظ على وجودها وكيانها،
وحراسة معتقداتها الدينية ومراكزها العبادية.
اذا، فاحد اوجه مشروعية الدفاع حفظ المعابد والمراكز الدينية
وحراستها، وهو ما لا يختص بالمسلمين فقط، ومن هنا نجد ان
حق الدفاع هذا مما اعترفت به الشرائع السماوية كافة.
والاهم من ذلك كله، ان الدفاع في المنطق القرآني يشكل
ضمانة صلاح المجتمعات، وبالمقابل يمثل الاستسلام عاملا
نشطا من عوامل ظهور الفساد في الارض، (ولولا دفع الناس
بعضهم ببعض لفسدت الارض).
ويرى بعض المفسرين ان الجهاد - فيما تفيده آياته القرآنية
عامل من عوامل احياء المؤمنين انفسهم، بمعنى ان الجهاد
والحرب - سواء في ذلك الدفاعي منه عن الاسلام او المسلمين،
والابتدائي - كله يمثل دفاعا عن حق الانسانية في الحياة
البشرية، ذلك ان في الشرك هلاكا للانسانية وموتا للفطرة،
وهذا معناه ان الحرب في واقعها ليست سوى دفاع عن حق
الانسانية وضخ حياة جديدة فيها، وهو بمثابة بعث الروح بعد
موتها((201)).
ان محاولة بعض المفسرين والعلماء((202)) ارجاع الجهاد
الابتدائي هو الاخر الى الدفاع عن حق الانسانية(التوحيد)، انما
هو لكي يتسنى فهمه للجميع، ذلك ان حق الدفاع عن النفس
ومختلف الشؤون الحياتية امرمعروف مفهوم للجميع، كما انه
مسلم غير قابل للانكار، وبناء عليه يغدو تفسير التوحيد جزءا من
الحقوق الانسانية العامة، ومن ثم فالجهاد لاجل هذه الحقوق
ليس سوى دفاع في واقعه عن حقوق الانسان تماماكالحرب
لاجل الحرية.
ان حفظ الدين ومراكز العبادة لامر سهل يسير على الله
سبحانه، الا ان السنة الالهية جرت على حفظ الاديان والشرائع
الالهية بيد الناس انفسهم، بحيث يستشعر الناس المسؤولية
ازاء عقائدهم ومراكزهم الدينية والعبادية وكذلك بلادهم
واراضيهم، لكي يهبوا مدافعين صامدين، ان وجود مثل هذا
الاحساس بين الناس،وممارستهم الدفاع والتصدي لهجمات
الاعداء لمما يوجب المساندة الالهية والنصر الرباني.
هذا، وقد اشار الفقهاء ايضا في نتاجاتهم الى فلسفة الدفاع بما
يناسب، فقد اعتبر ابو الصلاح الحلبي - بعد ذكره لوجوب الدفاع
ان علته هو «منع اضمحلال الحق» و «هزيمة دار الايمان» و
«انتصار الشرك والكفر»((203))، فيما كتب الشيخ النجفي
صاحب الجواهر في هذا المجال قائلا: «لو اراد الكفار محو
الاسلام، ودرس شعائره، وعدم ذكر محمد(ص) وشريعته، فلا
اشكال في وجوب الجهاد حينئذ»((204)).
اما السيد عبد الحسين اللاري، فقد اصدر بيانا ابان الحرب
العالمية الاولى استهدف فيه ذكر وجوب الدفاع عن بلاد
الاسلام، فقال: «ان عزة وعظمة الدين، وهلاك وافتضاح
الكافرين، وحفظ اساس الاسلام، وانكسارالاصنام والاوثان،
وحفظ احكام الحلال الالهي والحرام، وظهور الحق والعدل
والاستقامة، وابطال الكفروالظلم والفسق» كلها من آثار الجهاد
في سبيل الله وبركاته((205)).
الدفاع عن البلاد الاسلامية جهاد في سبيل الله:
لقد استنبط الفقهاء للجهاد اقساما واحكاما مختلفة انطلاقا من
الايات والروايات ذاكرينها تفصيلا في دراساتهم ومؤلفاتهم، وفي
واحد من هذه التقسيمات ذات السعة، ينقسم الجهاد الى:
وتذهب الاغلبية الساحقة من الفقهاء الى القول بان الدفاع عن
كيان الاسلام والمسلمين وبلادهم الاسلامية،قسم من اقسام
الجهاد، وهو مشمول لاطلاقات ادلته وعموماتها، مجيبين عن
التصور القائل: بان الايات والروايات كافة تتعلق فقط بالجهاد
الابتدائي دون ان تجري احكام الجهاد على الدفاع.
وبالرغم من الفوارق والامتيازات العديدة في الفروع والاحكام،
والتي تفصل الجهاد الابتدائي عن الدفاعي، الا ان الكثير من
الاحكام تعد عناصر مشتركة بينهما، ومن هنا لم يعتبر الفقهاء
ان وجود امتيازات في الاحكام يوجب خروج الدفاع عن دائرة
الجهاد.
فبعد ذكره لاقسام الجهاد، وحديثه عن الجهاد الابتدائي، يعتبر
الشهيد الثاني الدفاع نوعا ثانيا من انواع الجهاد... يقول: «والثاني:
ان يدهم المسلمين عدو من الكفار يريد الاستيلاء على بلادهم،
او اسرهم، او اخذمالهم وما اشبه من الحريم والذرية»((206)).
ويقسم الشيخ جعفر كاشف الغطاء الجهاد الى اقسام خمسة:
احدها الابتدائي واربعة اخرى دفاعية، فقديكون «الجهاد لحفظ
بيضة الاسلام اذا اراد الكفار الهجوم على اراضي المسلمين
وبلدانهم وقراهم»، فيكون الهدف محو الاسلام واقامة حكم
الكفر وعلائمه، وقد يكون الجهاد لدفع عدوان المعتدي على
دماء المسلمين واعراضهم، وربما يكون دفاعا عن جماعة من
المسلمين وقعت بينهم وبين جماعة من الكفار حرب
ومقاتلة بحيث خيف استيلاء الكفار عليهم، واخيرا ربما يكون
الجهاد لاخراج الكافرين من بلاد المسلمين التي تسلطوا عليها،
وخلاص المسلمين الذين يرزحون تحت نير الكفر من سلطة
المعتدين، ف «الجهاد لدفعهم عن بلدان المسلمين، وقراهم،
واراضيهم، واخراجهم منها بعد التسلط عليها، واصلاح بيضة
الاسلام بعد كسرها،واصلاحها بعد ثلمها، والسعي في نجاة
المسلمين من ايدي الكفرة الملاعين».
ويواصل الشيخ كاشف الغطاء كلامه بشرح تكليف المسلمين
ومسؤوليتهم ازاء تحرير البلاد الاسلامية، حتى لو استلزم ذلك
بذل النفس والمال والسلاح و... مصنفا هذا النوع من الجهاد
بانه افضل انواع الجهاد، قائلا: «وهذا القسم افضل اقسام الجهاد،
واعظم الوسائل الى رب العباد، وافضل من الجهاد الرد الكفار
الى الاسلام كما كان في ايام النبي عليه وآله افضل الصلاة
والسلام»((207)). ان اصرار الفقهاء على اعتبار الدفاع جهادا يهدف الى خلع القيمة المضفاة للجهاد مع المعصوم(ع) في الاسلام على هذا النوع من الدفاع، ومن هنا فان الاحكام التي تترتب على الجهاد وعنوان المجاهد في سبيل الله لا تنحصر بالجهاد الابتدائي، وانما تضم كذلك الدفاعي ايضا، ولذلك استند الفقهاء للغاية نفسها - الى اطلاقات وعمومات آيات واحاديث الجهاد، بل من غير المعقول ان تكون كل هذه الفضائل للجهاد في سبيل الله منحصرة باشخاص معدودين في زمان معين مخصص بحضور المعصوم(ع) والسير في ركبه، امااكثرية المؤمنين المخلصين زمن الغيبة فانهم محرومون منها، افهل هناك من تفاوت بين من يقدم نفسه وماله لرضا الله والدفاع عن دينه ومجتمع الاسلام وبلاد المسلمين وبين من يقاتل في ركاب المعصوم(ع)زمن حضوره؟!
ان من البعيد على الله الحكيم ان يقرر امتيازا مثل هذا، ذلك ان
الطرفين معا قاتل في سبيل الله، بل لعله يمكن القول بان مكانة
المقاتل زمن الغيبة والمجاهد بنفسه وماله في سبيل الله اكثر
من ذاك الذي يقاتل على نفس المنوال زمن حضور
المعصوم(ع)، ذلك ان - وعلى حد تعبير الميرزا القمي: «حضور
الامام، وظهورالمعجز، وتاثير شريعته في الامتثال، وحصول
اليقين بالحقيقة له تمام المدخلية في الامتثال والاطاعة،
الامرالمفقود زمن الغيبة.
وعليه فاجر هذا العمل في زمان الغيبة اكبر، تماما كما ورد في
الاخبار من مدح للايمان بالغيب»((208)).
ويعتقد سلار الديلمي - احد فقهاء القرن الخامس الهجري - ان
الجهاد الدفاعي لا يحتاج الى اذن الامام او نائبه، ثم يقول: «واما
الجهاد فالى السلطان او من يامره ويؤمره، الا ان يغشى
المؤمنين العدو فيدفعوا عن نفوسهم واموالهم واهليهم، وهم
في ذلك مثابون، قاتلهم ومقتولهم، جارحهم
ومجروحهم»((209)).
ويرى الشيخ محمد رضا الهمداني في رسالة «ترغيب
المسلمين الى دفاع المشركين» ان الدفاع جهاد في سبيل الله،
بل اهم القربات الالهية((210)).
ان الدفاع الذي لا يعده الفقهاء عادة مصداقا للجهاد، هو الدفاع
الشخصي عن النفس والمال والعرض والاهل مقابل السراق
وقطاع الطرق... مما يخرج عن بحثنا هنا، رغم وجود بعض
الروايات ايضا على اعتبارالمقتول في هذه الحال شهيدا، الا ان
الدفاع عن الدين في مقابل هجوم الكافرين او المشركين او
المسلمين الباغين الفاسقين مما يجعل الكيان الاسلامي
ومجتمع المسلمين وبلادهم واموالهم في معرض
الخطروالتهديد... هذا الدفاع هو بالقطع واليقين فرد من افراد
الجهاد في سبيل الله.
ونكتفي هنا بنقل كلامين لاثنين من كبار فقهاء الشيعة
المشهورين:
الجهاد الدفاعي ووجوبه في القرآن الكريم:
يعد وجوب الجهاد الدفاعي من ضروريات الفقه الاسلامي، وهو
ما يحكم به العقل والشرع معا.
يعتقد صاحب الجواهر ان هناك اجماعا منقولا ومحصلا على
وجوب الجهاد الدفاعي، كما يرى بان الروايات الخاصة والايات
العامة تدل على ذلك ايضا، ولذا تشمله الايات والروايات رغم
عدم اعتبار الشرائط الخاصة بالجهاد الابتدائي فيه((213)).
ولاستكمال الصورة التي تطلعنا على الموضوع، من المناسب
استعراض مجموعة من الايات والروايات، مرفقة ببعض النكات
القيمة المتصلة بها، وهي:
الاية الاولى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا
ان الله لا يحب المعتدين - واقتلوهم حيث ثقفتموهم
واءخرجوهم من حيث اءخرجوكم والفتنة اءشد من القتل ولا
تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم
فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين)((214)).
تدل الاية - بظهور جلي - على وجوب الجهاد الدفاعي، وتجويز
المقاتلة للكفار المحاربين، ويعود شان نزول الاية الى المرحلة
التي تلت صلح الحديبية، فقد تعهد المشركون - على اساس هذا
الصلح - بتسليم مكة للمسلمين ثلاثة ايام في العام القادم لكي
يتسنى لهم السفر اليها للحج، الا ان الرسول(ص) لم
يكن مطمئنا من وعود الكافرين، فكان يحتمل خلفهم للوعد،
واقفالهم سبيل مكة امامهم، وقد تاذى الرسول(ص) من ان
يغدو الشهر الحرام الفترة الزمنية التي قد يواجه فيها الكافرين
نتيجة اخلافهم الوعد،وهو ما ادى الى نزول هذه الاية عليه،
واعلامه بقرار الحرب مع من يقاتل المسلمين، محذرة من
التعدي عماحدد لهم (المسلمين) من حدود الجهاد الدفاعي.
وتعتبر الاية التالية فتنة المشركين اشد من القتال في الاشهر
الحرم، وهي بذلك تمسح القلق من قلب النبي(ص).
ويحتمل المحقق الاردبيلي شمول الاية للدفاع الشخصي عن
النفس والمال مقابل المحارب، فهو يرى بان الاية ظاهرة في
الجهاد الدفاعي، وان المكان الحرام والزمان الحرام لا يحولان
دون الدفاع الشرعي والجائز((215)).
اما العلامة الطباطبائي، فيرى الاية اعم من الجهاد الابتدائي
والدفاعي، مستدلا على ذلك بان ظاهرها الامربالحرب لمن
يكون بينه وبين المسلمين خصومة ولو لم يقدم على
محاربتهم، تماما كمشركي مكة الذين كانوا اعداء للمسلمين،
وعليه فتكون هذه الاية في سياقها شبيهة - عنده - بقوله تعالى:
(اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا...)((216)).
وبهذا البيان يظهر ان ظهور الاية في الشمول للجهاد الدفاعي
امر مسلم، وان بعض المفسرين انما كان بصدد محاولة تعميم
هذا الظهور للجهاد الابتدائي ايضا.
المسالة الهامة الاخرى التي ترشد اليها الاية وبما يختص ببحثنا
هنا هي وصف استعادة البلاد الاسلامية من يد اعداء الدين،
واخراجهم منها بالضرورة، وكذلك محاربتهم وجهاد
المشركين الذين احتلوا البلادالاسلامية((217))، لقد كانت
مكة مركز التوحيد، ومدينة رسول الله(ص)، ومعقلا للوحي
وللاسلام، ومن ثم فهي تعود للمسلمين، وعليه فليس
للمشركين حق اخراج المسلمين منها، بل انهم هم من كان
يجب ان يخرج من هذه الاراضي المقدسة والحرم الالهي، ومن
هنا وجب على المسلمين - بحكم هذه الاية -استعادة هذه الارض
الاسلامية ومجاهدة المفتنين واخراجهم من مكة، كما حصل
في السنوات اللاحقة، حيث فتحت مكة بيد المسلمين،
وصدرت الاوامر بمنع اي مشرك من دخولها.
الاية الثانية: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار
وليجدوا فيكم غلظة...)((218)).
يرى امين الاسلام الطبرسي بان هذه الاية دالة على وجوب
دفاع اهل كل منطقة ضد العدو الذي يخشى منه على اساس
الاسلام واصله، حتى لو لم يكن هناك امام عادل
بينهم((219)).
ويذهب العلامة الطباطبائي الى ان الاية تامر بالجهاد العام
الذي يستتبع انتشار الاسلام في العالم، فكل جماعة من
المؤمنين ملزمة بالحرب للجماعة الكافرة القريبة منها بغية
نشر الاسلام، واقرار حكومته على العالم، ومد ظله على رؤوس
الانام كافة((220)).
والذي يبدو، ان الاية الشريفة ناظرة الى امر عقلائي يعود
لكيفية مقاتلة العدو، ففي الحرب مع الكافرين ثمة فريق من
المسلمين يقع على مقربة من جماعة الكفار ويكون اكثر من
غيره عرضة لخطرهم، هذا الفريق له الاولوية سيما عندما تكون
الحرب قائمة بين المسلمين والكافرين بحيث تكون مقاتلة
القريب والبعيد امراعصيبا، بل من الاساس يجب ان يكون
سلوك المسلمين بحيث يقلع الكافرون حتى عن التفكير
بالمؤامرة والنفوذ، وهذا هو ما يفسر الدعوة القرآنية للجهوزية
العسكرية والدفاعية الدائمة للمسلمين.
وعلى اية حال، فقد استدل بعض الفقهاء بهذه الاية على شرعية -
بل وجوب - الجهاد الدفاعي، استناداالى ما جاء في «مجمع
البيان»((221)).
الاية الثالثة: (وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة ومن رباط الخيل
ترهبون به عدو الله وعدوكم...)((222)).
تصدر الاية الكريمة امرا للمسلمين بان يكونوا على جهوزية
واستعداد عسكريين دائمين، لكي يظل الاعداءفي حال من
الخوف والهلع من قدرتهم وقوتهم، وعادة ما يصدر مثل هذا
المرسوم للاستعداد العسكري للدفاع ضد اي اعتداء قد يحدث،
ومن ثم تكون له سمة الوقائية لكي تصبح القدرة العسكرية سدا
يحول دون حصول اعتداء او تعدي.
ورغم ان مفاد الاية شامل لصورة وجود دولة وجيش عازمين
على شن هجوم الا انها اكثر انسجاما مع الاستعداد الدفاعي،
فعندما يكون الاستعداد باي وسيلة امرا واجبا على المسلمين
فمن المقطوع به ان الدفاع امام الاعتداء الذي هو الهدف من
وراء الاستعداد العسكري هذا واجب ايضا، والا فان الاستسلام
للعدو ليس بذاك الامر الذي يحتاج لتجهيز عسكري، ومن ثم
يصبح هذا الامر لغوا وعبثا، ان على المسلمين ان يبقواعلى
اهبة الاستعداد لكي يخلقوا في نفوس الاعداء خوفا وقلقا
يحولان دون ارتكاب اي اعتداء او تعدي، ومن هنا كان وجوب
الدفاع امام الاعتداء الاجنبي امرا مفروغا منه ومسلما بحسب
دلالة الاية المباركة، ولذلك اصدرت امرا بالاستعداد
والجهوزية.
الاية الرابعة: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين
سبيلا)((223)).
تنفي الاية الكريمة اي تسلط للكافرين على المسلمين، والنكرة
في سياق النفي تفيد العموم، وقد اعتبر المفسرون والفقهاء الاية
في مقام الانشاء((224))، بمعنى ان الله سبحانه لم يجعل قانونا
يكون للكافر على المسلم فيه سلطة وولاية، وهذا معناه ان على
المسلمين العمل بالقوانين الالهية، وعن طريق ذلك،
الحيلولة دون قبولهم لاي تسلط عليهم من قبل الاعداء.
وقد استنبط الفقهاء من هذه الاية - وغيرها - قاعدة «نفي السبيل»
ونفوا بها في مباحثهم الفقهية مختلف انواع الولاية والسلطنة
للكافر على المسلم، من قبيل زواج المراة المسلمة من الرجل
الكافر، وملكية الكافرللعبد المسلم، وعقد اي اتفاقية تفضي الى
تسلط الكافرين على المسلمين، ومانعية الكفر للارث...
وعشرات الموارد الاخرى((225)).
لم يعترف الدين الاسلامي باية سلطة للكافر على المسلم، بل
طرح ولاية وعزة الاسلام والمسلمين على الملل والمذاهب
والاديان كافة، قال تعالى: (والله العزة ولرسوله
وللمؤمنين)((226)).
ومن الطبيعي في هذا السياق ان يمنع المسلمون من السماح
بتسلط الكافرين عليهم وعلى بلادهم الاسلامية، لينقضوا بذلك
امر الله ورسوله، فرغم ان كل انسان حر تكوينا، الا ان المسلم
ليس لديه حق -تشريعا - في قبول سلطة الكافر عليه، وهذا هو ما
كانت عليه سيرة الفقهاء وائمة الدين وزعمائه، فقد أبدوا قبال
اي قانون او سياسة او حركة يشم منها رائحة تسلط الكافرين
على المسلمين، واندثار شرفهم وعزتهم واستقلالهم و... ابدوا
معارضة حاسمة وردة فعل مناسبة.
ويشبه هذه الاية، حديث نبوي مشهور يقول: «الاسلام يعلو ولا
يعلى عليه»((227))، وقد ادت شهرة هذا الحديث واستقباله
بالترحاب في اوساط الفقهاء الى عدم الحاجة للبحث والتنقيب
في سنده((228))، وقد استفاد الفقهاء منه مبدا العلو المطلق
للاسلام، اي ليس للكفر علو وتقدم على الاسلام بل ليس بينه
وبينه مساواة، ومعنى العلو في الرواية السلطة والاستيلاء، وقهرا
يكون المراد اثبات علو المسلمين امام اتباع المذاهب والديانات
الاخرى.
ومن الواضح ان هجوم العدو على بلاد المسلمين سوف يؤدي
في نهاية المطاف الى تسلطه عليهم وعلى مختلف شؤون
حياتهم مما يجعله - بحكم هذه الرواية - غير مشروع، ومن ثم
يكون الدفاع حينئذ واجبا،والاستسلام في مقابل هذا الهجوم
الذي يخدش عزة وشرف وعلو المسلمين غير جائز بل مذموم
في القرآن والروايات.
ان على المسلم وظائف ومسؤوليات، من اهمها الدفاع عن
الدين، والمجتمع والبلاد الاسلامية، وكذلك عن نفوس
المسلمين واموالهم واعراضهم، رغم ان الدفاع عن البلد،
والشرف، والاستقلال، والنفس، والمال، والاهل، والاعراض امر
نابع من الفطرة الانسانية، وضرورة يراها كل مذهب وكل
عقيدة.
علاوة على الايات المشار اليها، ثمة آيات اخرى تشمل باطلاقها
الجهاد الدفاعي، وقد استند اليها الفقهاءايضا، منها:
وبالاضافة الى آيات الجهاد الدالة على ضرورة الدفاع عن
استقلال المسلمين وبلادهم بوصفه نوعا من انواع الجهاد، ثمة
روايات تدل هي الاخرى على ضرورة الجهاد الدفاعي، نصرف
النظر عنها فعلا تجنبا للاطالة.
اهمية الجهاد الدفاعي من الجهاد الابتدائي:
يظهر من مقارنة احكام الجهاد الابتدائي والدفاعي ان الاخير
ارجح من الاول واكثر اهمية، ووجه ذلك واضح الى حد معين،
فالجهاد الابتدائي يهدف لدعوة الكفار الى الاسلام ونشر الدين،
اما الدفاعي فيهدف الى الحيلولة دون محو الاسلام وزوال
المجتمع الاسلامي، وحراسة استقلال المسلمين وانفسهم
واموالهم واعراضهم.
ونستعرض - عجالة - بعض الاحكام التي تدلل على اهمية الجهاد
الدفاعي:
1 - الوجوب المطلق للجهاد الدفاعي:
اما الجهاد الدفاعي فغير مشروط باي من الشروط السالفة
الاشارة اليها، وفقط القدرة على الدفاع والمقاومة امام العدو هي
الشرط الوحيد والكافي لكي يغدو الجهاد واجبا على الانسان.
صرح بذلك من القدماء الشيخ المفيد((233))، وابن
حمزة((234))، وابن زهرة((235))، وابن البراج((236))،
وابوالحسن الحلبي((237))، والكيدري((238))، والشيخ
الطوسي((239)).
ومن المتاخرين فريق قائل باطلاق وجوب الجهاد الدفاعي من
امثال العلامة الحلي((240))، والشهيدالثاني((241))، وابن
فهد الحلي((242))، والسيد علي الطباطبائي((243))،
والشيخ النجفي((244))، والميرزا القمي((245))، وكاشف
الغطاء... بل صرح البعض بهذا الامر، نافيا شروط الجهاد
الابتدائي عن الدفاعي.
وفي سياق تعداده شروط وجوب الجهاد الابتدائي، لا يعتبر
كاشف الغطاء ايا منها شرطا في الجهادالدفاعي، مكتفيا بذكر
القدرة وعدم العجز، انه يرى ان على جميع الافراد - القريب
والبعيد - الحضور في جيش المسلمين، وهذا الوجوب وجوب
كفائي متواصل ما دامت الحاجة موجودة، وعليه فيكون
التكليف في عهدة الجميع((246)).
ويضيف صاحب الرياض: «اذا دفع الضرر بكثرة السواد وجب
على اولياء المجانين والاطفال احضارهم في جيش
الاسلام»((247)).
وقد فتح الامام الخميني(قدس سره) في كتاب الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر فصلا موسعاتحت عنوان «الدفاع»، طارحا
مختلف زوايا الموضوع، واشكال الهجوم العسكري،
والاقتصادي، والسياسي، والثقافي لاعداء الاسلام، فاعتبر الدفاع
عن بلاد المسلمين مقابل هجمات الاعداء التي تضع
الاسلام والمسلمين في خطر واجبا شرعيا مطلقا بلا قيد ولا
شرط، وباي وسيلة كان حتى لو اقتضى الامر بذل النفس
والمال، كما ذهب الى وجوب الدفاع ضد الاستيلاء السياسي
والاقتصادي للاعداء، والمفضي الى جعل المسلمين اسرى
سياسيا واقتصاديا، ووهنهم والاسلام... وهذا الوجوب يشمل
مختلف الاساليب والطرق وانواع المقاومة والتصدي من قبيل
تحريم الاتجار ببضائعهم، وترك مختلف اشكال المراودة
والعلاقة السياسية والتجارية معهم((248)).
يجب في الجهاد الابتدائي اخذ اذن الوالدين، واذن المولى
بالنسبة للعبد، واذن الدائن ممن استدان منه اذاحل اجل
الدين... اما في الجهاد الدفاعي فان هذه الشروط غير معتبرة
عند الفقهاء، والوجه في ذلك واضح، ذلك ان الاساس والهدف
في مورد هجوم العدو هو الدفاع والتصدي، وهو تكليف
يستوعب افراد المسلمين كافة، فلو ان المسلمين الاحرار لم
يكونوا قادرين على الدفاع فلا يعني ذلك ان على عموم
المسلمين الاستسلام للعدو، بل يجب حتى على العبيد والارقاء
الدفاع حينئذ، دون ان يتمكن المولى من منعهم من ذلك ابدا،
ذلك ان العقل والشرع يحكمان بان وجوب الدفاع ضد هجمات
المعتدين اكثر اهمية من اطاعة الوالدين اوالمولى.
ويحاول ابن البراج الجواب عن سؤال: هل يجب الجهاد على من
كان في ذمته دين او لا؟ بتشريح جملة صور، قال:
«اذا كان عليه دين، فليس يخلو من ان يكون حالا او مؤجلا، فان
كان حالا لم يجز له الخروج حتى يقضيه، لانه حق قد وجب
عليه التخلص منه، فان خرج كان مغررا بالحق، لانه يطلب
الشهادة بالخروج الى الجهاد، فان اذن له صاحب الحق جاز له
ذلك، وان كان مؤجلا جاز له الخروج، لانه قبل الاجل، ممن لم
يجب عليه حتى يلزمه التخلص منه، وقد قيل: ان لصاحب الحق
منعه، والظاهر الاول.
هذا اذا لم يتعين الجهاد، فان تعين واحاط العدو بالبلد او
المكان، وجب على الكل الجهاد والدفع، ولم يكن لاحد المنع
من ذلك في هذه الحال»((249)).
وهكذا ابن الجنيد، يمنع عصيان اوامر الاب والام في حالة
الجهاد غير الدفاعي((250)).
ان القول باطلاق وجوب الجهاد الدفاعي لا يختص بفقهاء
الشيعة، بل لقد اعتبر فقهاء السنة ايضا ان الجهاد الدفاعي واجب
عيني غير مشروط بشروط الجهاد الابتدائي((251)).
2 - اشكالية التعاون مع الجائر في الجهاد الدفاعي:
يقول الشيخ الطوسي في هذا المجال: «والجهاد مع ائمة الجور
او من غير امام، خطا يستحق فاعله به الاثم،وان اصاب لم يؤجر
عليه، وان اصيب كان ماثوما، اللهم الا ان يدهم المسلمين امر
من قبل العدو يخاف منه على بيضة الاسلام، ويخشى بواره، او
يخاف على قوم منهم، وجب حينئذ ايضا جهادهم ودفاعهم،
غير انه يقصد المجاهد - والحال على ما وصفناه الدفاع عن نفسه
وعن حوزة الاسلام وعن المؤمنين، ولا يقصد الجهاد مع الامام
الجائر، ولا مجاهدتهم ليدخلهم في الاسلام»((253)).
وهكذا اعتبر العلامة الحلي - في كتبه المتعددة - الجهاد
الدفاعي مع السلطان واجبا عندما يكون المرادمواجهة اعداء
الاسلام والمسلمين((254)).
3 - الجهاد الدفاعي وظيفة عامة:
ان هذا الحكم متفق عليه بين فقهاء الشيعة والسنة، ذلك ان
الادلة عامة لا تختص بفئة دون فئة من المسلمين، اضافة الى
مجموعة من الاحاديث من قبيل: «من سمع مسلما ينادي يا
للمسلمين ولم يجبه فليس بمسلم»((255))، و «من اصبح لا
يهتم بامور المسلمين فليس بمسلم»((256))، و «المؤمنون
اخوة تتكافئ دماؤهم وهم يد على من سواهم»((257))، وهي
احاديث يضع النبي(ص) المسؤولية فيها على عاتق الجميع.
الا ان انفصال المسلمين عن بعضهم البعض مع الاسف، وتكون
البلدان الاسلامية بحدود فاصلة، وتجزءة هذه القدرة الواحدة
للمسلمين وتفتتيها الى قدرات صغيرة... جعل كل دولة مسلمة
غير معنية باختها، وتم اعتبار اهتمام اي دولة اسلامية بامور
المسلمين في مكان ما اذا ما تعرضوا للظلم والحيف «تدخلا
في شؤون الاخرين» يؤدي الى آثار وخيمة على الصعيد الدولي.
ان الدفاع عن المسلمين الذين يتعرضون لهجوم الكفار
والمشركين وظيفة ملزمة في الثقافة الاسلامية تطال عامة
المسلمين دولا وامما وافرادا، وهو دفاع يشمل مجالات مختلفة
سياسية، واقتصادية وعسكرية.
ان عبائر بعض الفقهاء في هذا المجال عامة، فلم تخصص
الجهاد بمن وقع عليهم الهجوم والاعتداء فعلا، بل صرح بعضها
بتحمل المسلمين كافة مسؤولية الجهاد الدفاعي، يقول ابو
الصلاح الحلبي: «فان خيف على بعض بلاد الاسلام من بعض
الكفار او المحاربين وجب على اهل كل اقليم قتال من يليهم
ودفعه عن دار الايمان، وعلى قطان البلاد النائية عن مجاورة
دار الكفر او الحرب النفور الى اقرب ثغورهم بشرط الحاجة الى
نصرتهم حتى يحصل بكل ثغر من انصار المسلمين من يقوم
بجهاد العدو ودفعه عنه، فيسقط فرض النفور عن من
عداهم»((258)).
ويصرح الشهيد الثاني بان: «جهاد هذا القسم (الدفاعي) ودفعه
واجب على الحر والعبد والذكر والانثى ان احتيج اليها، ولا
يتوقف على اذن الامام ولا حضوره، ولا يختص بمن قصدوه من
المسلمين، بل يجب على من علم بالحال النهوض، اذا لم يعلم
قدرة المقصودين على المقاومة، ويتاكد الوجوب على
الاقربين فالاقربين»((259)).
اما الشيخ كاشف الغطاء فيرى الوجوب كفائيا متعلقا بالجميع،
ما دام لم يقم بالدفاع المقدار الكافي، فلايسقط التكليف الا
بقيام من به الكفاية((260)).
ويكتب الشيخ محمد رضا الهمداني في «الرسالة الجهادية»
فيقول: «دفع الكفار عن المسلمين نوع من الجهاد، وهو غير
مشروط بحضور الامام(ع) او نائبه الخاص، بل يمكن للفقيه
الجامع للشرائط في عصرالغيبة تولي امر الجهاد بهذا المعنى،
وعليه، فكلما دخل المشركون حربا مع طائفة من طوائف
المسلمين، فان استطاعت تلك الطائفة درا الشر عن نفسها لم
يجب على البقية المشاركة في القتال، والا وجب على
الاقرب الى تلك الطائفة اعانتها، ودفع فتنة الكفار عنها، فان لم
يكف الاقرب وجب على الاقرب فالاقرب وهكذا حتى يتم رفع
الكفار، واذا لم يقدم احد على ذلك كان الجميع مؤاخذا معاقبا،
ولا فرق في وجوب الاعانة بين الخوف على الدين والخوف على
اعراض المسلمين واموالهم، بل تجب الاعانة في
الصور كافة»((261)).
ويذكر صاحب الرياض نكاتا ملفتة وجديرة في مقام تفسير
عمومية الوجوب الدفاعي، وعدم اختصاصه بالجماعة المسلمة
التي تعرضت للهجوم، فيقول: «ان هذا العدو لا يكتفي بقصد
بيضة الاسلام او بمسلم دون آخر، اوولاية دون اخرى، سواء عزم
على ذلك بالفعل ام لا، نعم، ان الغاية هي انه حيث لم يقدر
على التسلط على عامة ديار المسلمين دفعة واحدة، قصد بعض
بلادهم، وقدم ذلك والاستيلاء على نفوس واموال اهلها على
غيره حتى يتسنى له تسخير سائر البلاد بعد استقلاله بهذا البلد
وافناء اهله، فهو جازم على استئصال سائر المسلمين، ولن يبقى
من الاسلام في النهاية الا رسمه ومن المسلم الا اسمه، كما ان
كل من يتتبع احوال الملوك يحصل له علم عادي بان الملوك
لا يكتفون ببلد دون آخر ولا بجماعة دون اخرى، بل ان مضاعفة
ملكهم يدعوهم الى مزيد من الطمع»((262)).
4 - الدفاع امام الكفار باي مقدار كانوا:
وبناء عليه، فلا يصح التهرب من وظيفة الدفاع بحجة ان قدرة
المسلمين العسكرية اقل بكثير من قدرات العدو، فالدفاع عن
النفس والمال، وعن الاسلام والبلاد الاسلامية مشروع شرعية
كاملة، ولا يمكن التملص منه، وعليه فاحراز النصر في هذه
المعركة ليس شرطا لوجوب الدفاع.
5 - العموم الزماني والمكاني للدفاع:
6 - عدم شرطية دعوة الكفار للاسلام:
7 - الاجبار في الجهاد الدفاعي:
8 - ميزانية الحرب وظيفة عموم المسلمين:
9 - الوجوب المطلق للمرابطة:
10 - وجوب الدفاع ضد مختلف انواع الاعداء:
هذه المسالة تدلل على مدى اهمية الدفاع عن البلاد
الاسلامية، وعلى اباحة دماء هذا المسلم الذي تكاتف والعدو
الكافر مقاتلا اخيه المسلم.
وفي طي شرحه لهذا الحكم، يحذر صاحب الرياض المسلمين
من التعاون مع الكفار والمشركين مشيرا الى قضايا هامة
وحساسة حين يقول: «اذا كان المسلمون يتصورون ان متابعة
الكفار ومرافقتهم ليس فيه من ضرر على الدين فان تصورهم
هذا باطل، ذلك ان قصد المشركين ابطال الدين المبين
واستئصال شافة ديانة المسلمين، تماما كما هو حكم العادة في
ان يطلب اتباع اي امة رواج ملتهم وكساد غيرهم، واذا ما
اخفى الكفار - مراعاة للمصلحة - قصدهم وغايتهم، وانهم لا
يريدون ضررا بدينهم، فانهم بلا شبهة سوف يظهرون
مقصودهم بعد الابتلاء التام، ولن يذروا للدين من اثر، واذا لم
يكن من قصد الكفار محو الدين الا ان دين المسلمين
المرفوض عندهم سوف يكون عرضة للتلف والتلاشي
بمتابعتهم والجري معهم، فان المتابعة ذات تاثير تام، وحب
الجاه والمال من طبيعة اكثر العوام، والكفار المتسلطون
سيغدون اصحاب جاه وسلطان، واهل اعتبار، ومصدر خير وشر،
ومنشا نفع وضر، ينفذ امرهم، ويسمع لقولهم، اما المسلم الذي
لاارادة له ولا طاقة فهم العوام غالبا ممن لا قوة ايمان لديهم،
فلا يثبتون على دينهم بمتابعة الكفار ومعاونتهم، بل يميلون
اليهم بحكم البديهة، والخوف كل الخوف ان ينجر الاسلام الى
الكفر، واذا لم يكن من خوف في ارتداد الكبار فان الخوف حاصل
لا محالة من فساد عقيدة الصغار...»((270)).
11 - نقض الامان والعهد في حالات الضرورة:
ان تجويز نقض العهود من جانب واحد - رغم التاكيد الاسلامي
البالغ على الوفاء بالعهود والعقود
والاتفاقيات - يدلل ايضا على
اهمية الدفاع عن الاسلام والبلاد الاسلامية.
ان الموارد المشار اليها اعلاه كلها تحكي عن اهمية الجهاد
الدفاعي، ذلك ان اساس الاسلام او المجتمع الاسلامي او اموال
وارواح واعراض المسلمين عندما تكون عرضة للخطر فان
الدفاع عنها يغدو على اهمية قصوى تفوق اية اهمية اخرى،
ووفقا للقانون العقلائي القاضي بتقديم الاهم على المهم فان
التضحية بالمهم لصالح الاهم تغدو ضرورة حينئذ، وهذا هو ما
يفسر مقولة الشيخ كاشف الغطاء في افضلية الجهاد
الابتدائي على الدفاعي، وتقدم الدفاع عن البلاد الاسلامية
واخراج المعتدين منها على بقية انواع الدفاع((272)).
|