الصفحة السا بقة

 

الصفحة التالية

سيرة الفقهاء في الدفاع عن البلاد الاسلامية:

لم يكتف الفقهاء بدراسة احكام الجهاد والدفاع ومسائله في كتبهم الفقهية الاستدلالية، بل دخلوا بانفسهم - حاملين حس المسؤولية - معترك الاحداث في مواقع الضرورة عندما كانت البلاد الاسلامية او عزة واستقلال المسلمين في معرض خطر التعدي الاجنبي، وقد سعى الفقهاء - ببيانهم احكام الله للناس الى حثهم على الدفاع والمقاومة والصمود في مقابل الاعداء، بل ارتدوا بانفسهم لباس الحرب وحضروا ميادين القتال، رغم العلاقة غير الحسنة التي كانت تربطهم بالحكام وسلاطين الجور، حيث كانوا يعتبرونهم غاصبين لمنصب الولاية.

وقد أصدر الفقهاء تجويزا بالتعاون والتنسيق مع سلاطين الجور انطلاقا من قاعدة دفع الافسد بالفاسدعندما كانت البلاد الاسلامية تتعرض لهجمات المعتدين، كما منحوهم (اي الحكام) اذنا بالتصدي لامر الدفاع حتى تكون الحرب امرا ونهيا بيدهم مشروعة، مرغبين الناس بالتعاون معهم ومساعدتهم.

الا ان القرنين الماضيين اللذين يمثلان قمة الهجوم الاجنبي على الاسلام وبلاد المسلمين، والسعي الاستعماري لكسر شوكة المسلمين واقتدارهم ونهب ثرواتهم واموالهم... شكلا حضورا ثوريا بارزا لفقهاء الشيعة والسنة على السواء، رغم ان الحضور السياسي واحساس الفقهاء بالمسؤولية ازاء مصيرالمسلمين كان اكبر من مجرد حضورهم على جبهات القتال للدفاع عن البلاد الاسلامية او مواجهتهم للتسلط الاجنبي على شؤون المسلمين بفرض اتفاقيات اقتصادية او سياسية، ولم تكن هجمات الاعداء لتنحصر في الحملات العسكرية او انزال القوات المسلحة، بل شملت استخدام اساليب وطرق لجر الامم بصورة مخفية وغير محسوسة للعيان اليها عبر النفوذ في الهياكل السياسية والاقتصادية والثقافية، ودونما حاجة الى حضور مسلح يتمكن العدو من التسلط على المسلمين وبلادهم عن طريق سياسي او اقتصادي او ثقافي.

وقد كان للفقهاء على هذا الصعيد تاثير بالغ، فهبوا لمواجهة المستعمرين، والدفاع عن عزة المسلمين واقتدارهم، واذا اردنا ان ناتي على ذكر نماذج محدودة وبسيطة من هذا النشاط الفقهائي لامكننا ذكر مواجهة مطامع سفير روسيا في ايران (غريبايدوف) من قبل الميرزا مسيح المجتهد والميرزا القمي، واصدار فتوى الجهاد ضد الروس وعملائهم مما ادى الى مقتله، وكذلك حكم تحريم التنباك من قبل الميرزا الشيرازي في عهد ناصر الدين شاه القاجاري وقطع يد الانجليز بذلك، وعلى نفس المنوال مواجهة التدخلات الروسية واعتداءات الروس ونفوذ الاستعمار الانجليزي في ايام الحركة الدستورية (المشروطة) من قبل علماء الطرازالاول في النجف، وايضا تحريم بعض منتجات الاجانب في بعض المقاطع الزمنية بهدف المواجهة الاقتصادية لهم، ومواجهة السيد حسن المدرس مع الروس في عهد رضا خان، ووقوف آية الله الكاشاني ضد النفوذ الامريكي في عصر محمد رضا بهلوي... واخيرا الثورة الدموية الهائجة للامة الايرانية المسلمة بزعامة الامام الخميني(قدس سره) ضد قوى الشرق والغرب واياديهم الداخلية...

الا اننا نكتفي هنا بذكر بعض نماذج حضور الفقهاء في الساحة وفتاواهم فيما يرجع الى مجاهدة المعتدين على البلاد الاسلامية.

الجهاد ضد المعتدين الروس والانجليز:

شن الشيخ جعفر كاشف الغطاء الفقيه الشيعي البارز والمعروف في عهد فتح علي شاه القاجاري... حملة تعبئة عامة في الوسط العلمائي استهدفت الدفاع عن المدن المقدسة في النجف وكربلاء زمان الحملات الوهابية عليها عام 1217 ه. ق، وقد ادت هذه المقاومة الى هزيمة المهاجمين وفرارهم، وقد وقعت هذه الاحداث في ظروف كان اكثر الناس فيها خارج المدينة، الا ان همة هذا الفقيه الشجاع مع حوالي مائتين من العلماء والمجاهدين في سبيل الله حالت دون وقوع الهزيمة((273)).

كما اعطى الشيخ كاشف الغطاء لفتح علي شاه القاجاري اجازة بالتصدي للدفاع عن البلاد الاسلامية عندما شن الروس هجماتهم ضد ايران، وبعد ذكره اختصاص هذا التصدي في زمان الغيبة بالفقهاء والمجتهدين ووجوب متابعتهم فيه، اجاز الشيخ كاشف الغطاء لاصحاب البصيرة والتدبير والوعي السياسي ومعرفة دقائق السياسة والحرب التصدي بعد ان ابان عذر الفقيه في هذه المرحلة في التصدي المباشر، وراى كاشف الغطاء ان هذه الصفات اذا ما اجتمعت في شخص واحد وفقدت في غيره تعين عليه عينا التصدي لاثارة الناس وتنظيم امورها في مواجهة الروس وغزواتهم، ويجب على الناس مساعدته ونصرته، ثم يقول: «ولما كان الاستئذان من المجتهدين اوفق بالاحتياط، واقرب الى رضا رب العالمين، واقرب الى الرقية،والخضوع لرب البرية، فقد اذنت - ان كنت من اهل الاجتهاد، ومن القابلين للنيابة عن سادات الزمان -للسلطان ابن السلطان، والخاقان ابن الخاقان، المحروس بعين عناية الملك المنان، فتحعلي شاه ادام الله ظلاله على رؤوس الانام، في اخذ ما يتوقف عليه تدبير العساكر والجنود، ورد اهل الكفر والطغيان والجحود، من خراج ارض مفتوحة بغلبة الاسلام، وما يجري مجراها... وزكاة متعلقة بالنقدين، او الشعير او الحنطة من الطعام، او التمر والزبيب او الانواع الثلاثة من الانعام»((274)).

وقد اصدر كاشف الغطاء في تلك الحرب عام 1228 ه. ق بيانا للامة قال فيه: «يا ابناء ايران من العراق وفارس وآذربايجان وخراسان... استعدوا لجهاد الكفار اللئام، وسلوا سيوفكم من اغمادها لحفظ بيضة الاسلام، وانضموا الى سلك انصار الملك العلام، وجاهدوا بدفع الكفار عن شريعة سيد الانام - عليه وآله الصلوة والسلام - وطريقة امير المؤمنين وسيد الوصيين عليه السلام...»((275)).

وقد اصدر السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض (1231 ه) فتوى تشبه سابقتها، داعيا الجميع للدفاع عن ارواح المسلمين واموالهم((276)).

وقد كتب الطباطبائي في رسالته الجهادية قائلا: «ايها المؤمنون، ايها المسلمون، يا شيعة علي بن ابي طالب! اين غيرتكم والروس والكفار يتسلطون على اموالكم واعراضكم ودولتكم، فيرفعون راية الكفر ويزيلون ذكر الشهادتين من بين المسلمين، لقد اصبحت المراة المسلمة فراشا للكفار، وعوض عن الاعياد المحمدية(ص) بالاعياد المسيحية؟!...»((277)).

وقد كتب فقهاء آخرون في ذلك العصر رسائل ومؤلفات حول الجهاد، داعين الناس الى الدفاع ضد المعتدين من الروس، كان من بينهم محمد حسن بن محمد ابراهيم الگيلاني، ومحمد حسين خاتون آبادي((278)).

وفي احداث القوقاز التي وقعت بين روسيا القيصرية وايران زمان فتح علي شاه القاجاري الذي كان آنذاك في حاجة ماسة للعلماء... استفتي الميرزا القمي (1231 ه) في سؤال: «في هذه الاوقات التي اتت فيها روسياعلى ممالك ايران المحروسة وسائر بلاد المسلمين، وعزمت على تسخير بلاد الاسلام لها، لتصير مانعا عن اجراء احكام الدين المسدد من الامام(ع)، هل يجب دفعهم شرعا ويلزم مع ظن غلبة المسلمين عليهم او لا؟

الجواب: كلما كان هدفهم تغيير احكام الاسلام وشرائعه او اذية نفوس المسلمين واعراضهم او نهب اموالهم وسرقتها يكون واجبا، لكن على الاقرب فالاقرب، وفي كل طبقة على الاقرب، فكلما حصل جماعة يكفي الدفاع بهم كان واجبا كفائيا على طوائفهم، وكلما لم تكف الطوائف القريبة منهم وجب على الاقرب اليهم امدادهم بعنوان الواجب الكفائي، وان لم يكف الا باجتماع الجميع وجب عليهم جميعا الدعم والمساندة»((279)).

ولم يعتبر القمي مرافقة العلماء للمجاهدين والمدافعين عن البلاد الاسلامية وارتدائهم لباس الحرب منافياللمروة، بل اضاف: «... اي عالم افضل من امير المؤمنين(ع) الذين كان يزين السلاح على بدنه، ويقدم على الجهاد؟!»((280)).

كما كتب في جواب سؤال عن تصدي المجتهد واذنه في الدفاع يقول: «هذا النوع من الدفاع غير موقوف لاعلى اذن الامام ولا حاكم الشرع، وعلى فرض انه موقوف فاين هو بسط اليد للحاكم الشرعي حتى ياخذالخراج على وفق الشرع، ويصرفه في شؤون الغزاة والمدافعين؟ واين هي تلك السلطة التي تجعل السلطنة والتملك منزلا منزلة الغزو في سبيل الله»((281)).

واضافة الى الرسائل والفتاوى الجهادية المرتبطة بالحرب الاولى بين ايران والروس اعوام 1218 الى 1229ه، والتي انتهت بعقد اتفاقية (گلستان)، فقد كانت هناك رسائل وفتاوى اخرى حول الحرب الثانية بين ايران والروس والتي بدات عام 1241 ه، ومن بين هذه الرسائل، كانت رسالة الملا رضا الهمداني (1247 ه) التي نشرت عشية الحرب عام 1238 ه، وحددت فيها وظائف الشعب ورجال الدولة والقادة العسكريين((282)).

وقد كان السيد محمد الاصفهاني، والملا محمد جعفر الاسترآبادي، والسيد نصر الله الاسترآبادي، والسيدمحمد تقي القزويني، والسيد عزيز الله تالش، والحاج الملا عبد الوهاب القزويني، والملا احمد النراقي ممن اصدر الفتاوى بالجهاد ضد الروس، وارتدوا الاكفان وعزموا على التوجه الى ميدان القتال((283)).

وقد كان لجهود العلماء وحضورهم ميادين القتال اثرا فاعلا في سلسلة من الانتصارات، وتحرير قسم من المدن المحتلة في ايران آنذاك، الا ان جملة من العوامل ادت في نهاية المطاف الى هزيمة ايران في الحرب.

وفي حقبة زمنية اخرى كان للعلماء فيها دور المواجهة مع تعديات الدولة الروسية ودخولهم معترك الحرب... زمن الحركة الدستورية (المشروطة)، فقد عززت روسيا في سنوات 13291327 ه. قواتها المسلحة الى الشمال من ايران ومارست ضغوطا شديدة على اهالي تلك المناطق، وقد تزامنت هذه الاحداث مع الحملة الاستعمارية الايطالية على طرابلس الغرب (ليبيا)، فاصدر الشيخ عبد الله المازندراني، والسيد اسماعيل الصدر، وشيخ الشريعة الاصفهاني، والاخوند كاظم الخراساني فتوى بهذا الصدد كانت كما يلي:«بسم اللهالرحمن الرحيم. الى الشعب الايراني عامة ومسلمي الهند، ان الحملة الروسية على ايران، والايطالية على طرابلس الغرب توجب زوال الاسلام واضمحلال القرآن والشريعة الطاهرة، يجب على جميع المسلمين الاجتماع والتعاضد، ومطالبة دولهم بوضع حد للاعتداءات الروسية والايطالية، ويحرم عليهم السكوت والسكينة ما لم ترتفع هذه الغائلة الكبرى، ان هذه الثورة ضد المعتدين على البلاد الاسلامية جهاد في سبيل الله، وهي كبدر وحنين».

كما اصدر السيد محمد كاظم اليزدي فتوى ضد تعديات الروس، وكذلك الانجليز وحملتهم على جنوب ايران وقال: «في هذه الايام التي تشن فيها الدول الاوربية - كايطاليا - هجوما على طرابلس الغرب، وتحتل فيها روسيا شمال ايران، وينزل فيها الانجليز قواتهم في جنوب ايران، ويصبح الاسلام في معرض الزوال والاندثار... يجب على عموم المسلمين من العرب والايرانيين الاستعداد لاخراج الكفار من الممالك الاسلامية،وعدم التقاعس عن بذل النفس والمال لطرد القوات الايطالية من طرابلس الغرب، والروسية والانجليزية من ايران، فان ذلك من اهم الفرائض الاسلامية، لتحفظ - بعون اللهمملكتين من الممالك الاسلامية من الهجمات الصليبية»((284)).

وقد كان فقهاء آخرون قد اصدروا فتاوى بمحاربة المعتدين واعتبروها فريضة هامة على المسلمين، وان اي تعاون مع الغزاة يوجب الكفر والارتداد، وفاعله بمنزلة المحارب للمسلمين، كان من بينهم محمد حسين قمشه اى، والسيد مصطفى الكاشاني، والشيخ محمد آل الشيخ صاحب الجواهر، والسيد محمد سعيدالحبوبي، ومحمد حسين الحائري المازندراني، والسيد علي التبريزي((285)).

ويمكن في هذا المجال اخذ البيان الذي اصدره شيخ الشريعة الاصفهاني عام 1330 ه بوصفه عينة هامة ودالة، فقد اصدر بيانا خاطب فيه العلماء الكبار والامراء، وزعماء العشائر والقبائل، وشرائح المجتمع المختلفة، كاشفا عن المؤامرات والمخططات التي يقوم بها اعداء الاسلام تحت غطاء زائف مضلل من قبيل التجارة مع البلدان الاسلامية، وتاسيس المدارس والمستشفيات بغية بسط نفوذهم الاقتصادي والثقافي والسياسي، لجعل المسلمين تابعين لهم في مختلف شؤون الحياة، محذرا في نهاية بيانه بالقول: «اليوم يقف الاسلام والكفر في مقابل بعضهما البعض، انه اليوم الذي يجب فيه على كل مسلم مساعدة الاسلام الذي بقي بلا ناصر ولا معين»((286)).

ولم يكن الحضور في ميادين الدفاع عن الشرف، والاستقلال، والبلاد الاسلامية امرا حكرا على فقهاءالشيعة، بل لقد اصدر علماء السنة والمفتون فتاوى وبيانات عدة حثوا فيها المسلمين على الدفاع ضد الغزاة المعتدين((287)).

الجهاد ضد الدول المعتدية في الحرب العالمية الاولى:

بعد سنتين على بداية الحرب العالمية الاولى شن الحلفاء الاوربيون هجومهم على الدولة العثمانية، واعاثوافي مدن ايران والعراق فسادا، وفي هذه المرحلة ايضا اصدر فقهاء الشيعة والسنة فتاوى بالجهاد ودفع المعتدين، وعلموا الناس بذلك وظائفهم الشرعية، ومن بين هؤلاء العلماء كان السيد محمد كاظم اليزدي، وشيخ الشريعة الاصفهاني، والسيد اسماعيل الصدر، والسيد مصطفى الكاشاني، ومحمد علي النخجواني،والسيد علي التبريزي، ومهدي الخراساني، والشيخ جواد نجل صاحب الجواهر، والسيد مصطفى النخجواني، والايرواني، ومحمد سعيد الحبوبي، ومحمد حسين المازندراني، وعلي بن الشيخ مهدي آل سيدحيدر الحسني الحسيني، وعبد الحسين اسد الله، والسيد حسن صدر الدين، وابراهيم السلماسي الكاظمي،وراضي آل المرحوم الشيخ عزيز، ومحمد مهدي، ومحمد امين آل المرحوم الشيخ اسد الله، والميرزا محمدتقي الشيرازي... وغالبا ما عد الدفاع عن البلاد الاسلامية وارواح المسلمين واموالهم في هذه الفتاوى من ضروريات الدين، ومنكرها في عداد الكافرين((288)).

ونكتفي من بين عشرات الفتاوى بنقل فتوى اثنين من الفقهاء المشهورين تحتوي على اثارات هامة هما:

أ - «ليس خفيا ان اوروبا - ولا سيما الانجليز وروسيا وفرنسا - تتعدى منذ قديم الايام على البلاد الاسلامية، كما غصبت اكثر الممالك الاسلامية، وليس لها من هذه التعديات غير محو الدين والعياذ بالله، ومالم يبلغوا هذه المقاصد، فانهم يهجمون على ممالك الدولة العلية العثمانية (اعز الله بنصرها الاسلام)،ويغدو قريبا مد يدهم الى الحرمين الشريفين، ومشاهد الائمة الطاهرين(ع)، ومهاجمة اوطان المسلمين ونفوسهم واعراضهم واموالهم، والتسلط عليها، وعليه، فالواجب على العشائر القاطنة على الثغور، وعلى عموم المسلمين القادرين على حفظ الحدود والدفاع عن بيضة الاسلام مقدار طاقتهم فعل ذلك اذا لم يقم من به الكفاية. والله الناصر والمعين والمؤيد للمسلمين. محمد كاظم الطباطبائي»((289)).
وما يحوز اهمية في هذه الفتوى هو مساندة فقيه شيعي بارز للدولة السنية مساندة قاطعة، الا وهي الدولة العثمانية التي كانت تحتل مركز البلاد الاسلامية، حيث تعرضت لهجوم الاعداء آنذاك.

ب - «ان ابناء المذاهب المعروفة بين المسلمين اليوم منحصرون في فرق السنة، والشيعة الامامية،والاسماعيلية، والزيدية، والوهابية، والخوارج، ويجمع علماء هذه المذاهب قاطبة بوجوب دفاع كل مسلم -حتى المقدور - عن بلاد المسلمين عندما يغزوها الكفار، ويقتلون الرجال، وينهبون الاموال، ويعلون كلمة الكفر، ويخفضون كلمة الاسلام... وان على كل مسلم الدفاع ضد الكفار والمشركين وكسر صولة معاندي الدين، لينجوا بذلك انفسهم من ملامة الدنيا وعذاب الاخرة، وان لا يرضوا عن الميسور بالتقصير والفتور،احدهم بالمال، والاخر بالنفس، وثالث ببذل السلاح، ورابع بالجاه والمكانة، وخامس باعمال الحيلة التدبير،وسادس برمي الرصاص والسهام وهكذا...لقد قال تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)، وما قلناه، كل واحد منه قسم من القوة وصنف من العدة.

يا اخوة الدين ويا معاشر المسلمين! استيقظوا من سبات الغفلة، قبل ان توقظكم نعرات القنابل والرصاص وضجيج صفوف الحرب، ولا ترضوا بان يستبدل توحيدكم تثليثا، ومساجدكم كنائس، واذانكم ناقوسا، ونساؤكم واطفالكم اسرى وغلمانا واماء للاشرار... حافظوا على شرفكم، واجعلوا وجوهكم بيضاء امام اللهورسوله ليحفظ لكم استقلالكم ان شاء الله. شيخ الشريعة الاصفهاني»((290)).

وفي هذه الحرب انهمرت سيول من الفتاوى من مختلف الفقهاء عقب احتلال القوات الانجليزية للبصرة،داعية اهالي المنطقة للدفاع والجهاد ضد المعتدين واخراجهم((291)).

واضافة الى الفتوى بالجهاد، والدفاع عن البصرة، فقد قام جمع من العلماء بتجهيز القوات وترغيب الناس بالدفاع.

ونشير هنا الى نموذج من الوثائق الدالة:
«من سامراء الى سوق الشيوخ (مدينة في جنوب العراق).

حجة الاسلام الشيخ باقر حيدر:
بسم الله الرحمن الرحيم هو المستعان ولا حول ولا قوة الا بالله بعد التحية والسلام، فانتم اليوم اليق من يجب عليه التحرك، وتحريك القبائل كافة للدفاع عن ثغر البصرة،ذلك ان حفظ ثغور المسلمين وبلاد الاسلام واجب، والعمل لدفاع الكفار من اهم الفرائض الالهية، وان شاء اللهتطلعونا سريعا على اطاعة العشائر للاوامر الالهية وحفظ بيضة الاسلام. محمد تقي الشيرازي» ((292)).

وفي هذه المرحلة ايضا تقدمت القوات الانجليزية المعتدية لتحتل بغداد بعد عامين، فاصدر العلماء الكثيرمن الفتاوى، ودعوا الناس الى المقاومة، كما صدرت فتاوى كثيرة في فترة احتلال العراق عقب الحرب العالمية الاولى.

وقد حاول الملك فيصل اجراء انتخابات برلمانية في ظل سلطة الانجليز على العراق، الامر الذي رفضه المراجع العظام باصدارهم فتاوى بتحريم الانتخابات مما ادى الى فقدانها الشرعية((293)).

وقد ادت هذه الفتاوى والمواقف الى ابعاد ثلاثة من كبار المراجع عن العراق هم آية الله الخالصي، وآية الله النائيني، وآية الله الاصفهاني، وقد اصدر آية الله الاصفهاني عند تركه العراق بيانا راى فيه ان حفظ بيضة الاسلام والبلاد الاسلامية وظيفة عامة حتى الامكان سيما على العراقيين، واضاف: من اللازم الدفاع عن بلادالعراق التي تحوي مشاهد الائمة(ع) والمراكز الدينية وحمايتها من تسلط الكافرين والدفاع عن النواميس الدينية، ودعا الناس الى الدفاع ورغبهم فيه((294)).

وقد راى السيد عبد الحسين اللاري في فتوى اصدرها ضد الاعتداء العسكري الانجليزي على جنوب ايران: ان الجهاد مع الكفار الحربيين من الابالسة الانجليز واعوانهم وسد ابواب طمعهم امر واجب، وان من يتخلف عن هذا الجهاد انما هو بمثابة من تخلف عن جيش اسامة وامام العصر(ع)((295)).

الجهاد لتحرير فلسطين:

ابدى العلماء ردة فعل عنيفة عقب مؤامرة الشؤم الانجليزية الامريكية الهادفة الى تسليط الصهاينة على العالم الاسلامي واغتصاب بلاد المسلمين، فقد ارسل آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رسالة الى رئيس وزراء باكستان، مشيرا فيها الى عداوة امريكا، ومقرعا بالدولة الباكستانية لاقامتها علاقات مع دولة ظالمة معتدية كاميركا((296)).

كما اصدر(قدس سره) فتوى بالجهاد لتحرير فلسطين جاء فيها: «اصبح الجهاد في سبيل فلسطين واجبا على كل انسان لا على العرب والمسلمين فقط، نعم، هو واجب على كل انسان لا بحكم الشرائع والاديان فقط بل بحكم الحس والوجدان ووحي الضمير وصحة التفكير، والخطة العملية في ذلك هي ان من يستطيع اللحوق بمجاهدي لسطين بنفسه فليلتحق بهم، واني ضمين انه كالمجاهدين مع النبي(ص) في (بدر)، فان المقام اجلى واعلى من ذلك المقام، مقام وشرف وغيرة وحس وشعور لا مقام طلب اجروثواب، وان كان كل ذلك باعلى مراتبه. ومن لم يستطع اللحوق بنفسه فليمدهم بماله، واما بتجهيز من لا مال له ليلحق بهم، او بارسال المال الى المجاهدين وعيالهم واطفالهم، ومن عجز عن كل ذلك فعليه ان يجاهدويساعد بلسانه وقلمه ومساعيه جهد امكانه... وهذه ادنى المراتب»((297)).

وقد اعتبر كاشف الغطاء ان حل قضية فلسطين انما يكون في اطار الجهاد ضد الصهيونية وازالة الكيان الاسرائيلي، ولن يجد الالتماس والتذلل والتوسل مع الاعداء((298)).

وقد كرر الامام الخميني مفجر الثورة الاسلامية مرات ومرات وفي مناسبات مختلفة... كرر ضرورة الدفاع ضد اعداء الاسلام والمسلمين، وقد اصدر في حرب الايام الستة عام 1967 م بيانا قال فيه: «لقد غزت اسرائيل الممالك الاسلامية بالسلاح بدعم من الاستعمار، وعلى الدول الاسلامية ان تزيلها وتقتلعها من الجذور، ان اعانة اسرائيل - سواء ببيع الاسلحة والمواد المتفجرة لها او النفط - حرام مخالف للاسلام،وان اقامة علاقات معها وعملائها سواء التجارية او السياسية حرام مخالف للاسلام، وعلى المسلمين الامتناع عن استعمال البضائع والسلع الاسرائيلية»((299)).

وفي عام 1987 م، وفي كلمة بجمع من اعضاء شورى حزب الله اللبناني، قال الامام الخميني(قدس سره): «لقد اجتمع الشياطين برمتهم يريدون وقف تنامي الاسلام، وعلينا ان نعي بان من الضروري ان نبقى على استعداد تام بكل قوانا وحتى آخر شخص منا، ونجاهد في سبيل الله، ان الدفاع عن اعراض المسلمين وبلادهم امر لازم، وعلينا ان نجهز انفسنا للاهداف الالهية والدفاع عن المسلمين، سيما في هذه الاوضاع التي هب فيها ابناء فلسطين الاسلامية ولبنان - يعني حزب الله والبلاد المغتصبة يقدمون ارواحهم ودماءهم صارخين «يا للمسلمين»، ليقفوا صامدين بكل طاقاتهم المعنوية والمادية امام اسرائيل والمعتدين، ويبدون شهامة عظيمة في وجه السفاكين، ان علينا ان نعين هؤلاء ونبين للناس امرهم»((300)).

وقد اصدر آيات الله السيد محسن الحكيم، والسيد هادي الميلاني، والسيد شهاب الدين المرعشي النجفي، والسيد ابو القاسم الخوئي، وعلي الموسوي البهبهاني، والشيخ بهاء الدين المحلاتي، والسيد عبد اللهالشيرازي والعديد من العلماء الاخرين بيانات يرفضون فيها الاعتداء الاسرائيلي على البلاد الاسلامية،ويطالبون المسلمين عامة مساعدة مظلومي فلسطين، والبلدان المعتدى عليها، وقد جاء في قسم من بيان الشيخ بهاء الدين المحلاتي: «يجب على جميع مسلمي العالم عدم التذمر والتقاعس عن تقديم اشكال الدعم المادي والمعنوي للمسلمين العرب، وان مختلف انواع المعاملات والعلاقات التي تؤدي الى تقوية اسرائيل اواستعداداتها وقدراتها الحربية ضد البلدان العربية حرام، وفي حكم محاربة الاسلام»((301)).

قاعدة نفي السبيل
منهج في الاستقلال ومقاومة الهيمنة

الشيخ محمد الرحماني

مقدمة

الفقه برنامج متكامل لتنظيم علاقات الانسان في المجال الاجتماعي والفردي، ففقه الحياة وفقه المجتمع وفقه الدولة كما يصفه الامام الراحل(قدس سره) عبارة عن: نظرية ادارة المجتمع من المهد الى اللحد((302)).

ويتكون الفقه السياسي او فقه الدولة من مجموعة من القواعد والقوانين الفقهية والحقوقية - مع ملاحظة القواعد الاصولية التي تتكفل تنظيم العلاقات بين المسلمين فيما بينهم والمسلمين مع غيرهم من الامم وذلك على اساس القيم الاسلامية والانسانية.

تتالف قوانين الفقه السياسي من قسمين رئيسين:
أ - القواعد والقوانين التي تعنى بتنظيم العلاقات الداخلية للامة الاسلامية.
ب - القواعد والقوانين التي تعنى بالشؤون والعلاقات الخارجية للعالم الاسلامي مع الشعوب الاخرى.

وتعتبر «قاعدة نفي السبيل» احدى القواعد المهمة والفاعلة في البعد الخارجي من الفقه السياسي.

وتتجلى اهمية القاعدة في الوقت الراهن الذي تزعم فيه الولايات المتحدة الامريكية ريادة العالم والهيمنة عليه باسره تحت اسم النظام العالمي الجديد، كما تقوم من جهة اخرى باحتلال سافر لبلدين مسلمين هما العراق وافغانستان بعد مهاجمتهما عسكريا، وبهيمنة خفية ومن وراء الكواليس في الكثير من البلاد والحكومات الاسلامية.

وقبل البدء بالبحث نشير الى امرين فيما يرتبط بهذا المقال:
1 - يتالف المقال من قسمين رئيسين، ولكنا اختصرنا الكلام فيما يخص آراء الجمهور.
2 - قد تكون بعض مصاديق القاعدة مما لا تطبيق له اليوم في العصر الحاضر كمسالة ملكية العبدالمسلم من قبل الكافر الا ان ثمة مصاديق وتطبيقات معاصرة لها.

معطيات القاعدة:

يمكن توظيف هذه القاعدة والافادة منها في كثير من المجالات الفقهية والاجتماعية والسياسية وكذلك في كثير من البحوث الفقهية، الا ان اهم المعطيات اليوم لهذه القاعدة هي حركية الفقه السياسي على ضوء قاعدة نفي السبيل، ان مما لا يعلوه الشك ان الدول الاجنبية والمستعمرة تبسط نفوذها اليوم على البلدان الاسلامية بمختلف اساليب الاستعمار القديم والجديد منه. وتعتبر قاعدة نفي السبيل واحدة من افضل الطرق التي يمكن الخروج من خلالها من هذا الوضع المزري للامة الاسلامية، لانها تفيد حرمة كل هيمنة وسلطة للاجنبي ولزوم المقاومة لذلك والمواجهة معه.

وعلى ضوء ذلك فانه يحرم الكثير من الممارسات والعلاقات بين الدول او الشعوب الاسلامية والدول الغربية او الشرقية في المجالات الثقافية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية.

ومن مصاديق ذلك بيع النفظ وشراء البضائع المنافية للدين او المؤدية الى تقوية الاجنبي والسماح باقامة القواعد العسكرية واظهار المودة لسفرائهم ورجال السياسة منهم وتقليدهم في الزي وما شاكل من مظاهرالحياة.

أهمية القاعدة:

لقد قسم المصنفون في القواعد الفقهية هذه القواعد - من زوايا عديدة الى عدة اقسام، ولكي تتضح اهمية القاعدة مورد البحث لا باس بالاشارة الاجمالية لهذه التقسيمات.

1 - تقسيم القواعد الفقهية بلحاظ سعة دائرة المصاديق والتطبيقات لها الى اربعة اقسام:
أ - القواعد العامة والجارية في جميع الابواب الفقهية كقاعدة لا حرج ولا ضرر.
ب - القواعد الخاصة بباب العبادات كقاعدة لا تعاد وقاعدة الامكان وقاعدة من ادرك.
ج - القواعد الخاصة بباب المعاملات بالمعنى الاخص كقاعدة تلف المبيع في زمان الخيار وقاعدة مايضمن.
د - القواعد الجارية في المعاملات بالمعنى الاعم كقاعدة العقود تابعة للقصود وقاعدة اللزوم والسلطنة.

2 - تقسيم القواعد بلحاظ الشبهات الحكمية والموضوعية الى قواعد خاصة بالشبهات الموضوعية كقاعدة الفراغ والتجاوز والحلية، وقواعد مشتركة كقاعدة الميسور وقاعدة نفي العسر والحرج ولا ضرر.

3 - تقسيم القواعد بلحاظ وجود المدرك وعدمه. وقد قسمها الشهيد الصدر(قدس سره) بهذا اللحاظ الى خمسة اقسام((303)).

4 - تقسيم القواعد بلحاظ المدرك الى قسمين اساسيين:
أ - القواعد المستفادة من الايات والروايات كقاعدة لا ضرر وقاعدة من ادرك.
ب - القواعد المستفادة والمنتزعة من الموارد الفقهية المختلفة المعبر عنها بالاشباه والنظائر كقاعدة الاولوية وقاعدة الاهم والمهم وقاعدة العقود تتبع القصود.

وقاعدتنا مورد البحث تعتبر بلحاظ التقسيم الاول من القواعد العامة في جميع الابواب الفقهية وبلحاظ التقسيم الثاني من القواعد المشتركة بين الشبهات الموضوعية والحكمية. وبلحاظ التقسيم الثالث من القواعدالتي يستدل عليها بالعقل والنقل. وبلحاظ التقسيم الرابع من القواعد المستفاد لفظها من الادلة الخاصة سيما الكتاب العزيز.

ومما تقدم ذكره تتضح اهمية القاعدة من جهات عديدة.

أدلة القاعدة:

يحظى البحث في ادلة القاعدة باهمية كبيرة في المقام، فهو مضافا الى ما يحدده من دائرة البحث ونطاق القاعدة يفيد ثمرات وفوائد فقهية اخرى سنشير اليها. وسوف نبسط البحث والكلام في هذا المقام فنقول:

ان الادلة الدالة على القاعدة يمكن تقسيمها الى قسمين رئيسين:

أ - الادلة اللبية:
1 - الاجماع:
لقد عد المصنفون في القواعد الفقهية الاجماع واحدا من ادلة القاعدة.

قال السيد البجنوردي(قدس سره): «الثالث هو الاجماع المحصل القطعي على انه ليس هناك حكم مجعول في الاسلام يكون موجبا لتسلط الكافر على المسلم، بل جميع الاحكام المجعولة فيه روعي فيها علوالمسلمين على غيرهم»((304)).

وقريب منه ما ذكره المير فتاح المراغي((305)).

نقد وتحقيق:
الظاهر عدم صحة الاستدلال بالاجماع من جهات عديدة بعضها صغروية واخرى كبروية.

اما الاشكالات الصغروية فهي:
1 - ان قاعدة نفي السبيل لم تكن مطروحة للبحث بين الفقهاء في الصدر الاول ليكون الاجماع دليلا معتبرا عليها، بل الموجود فيما بينهم هو بعض المصاديق للقاعدة كبيع العبد المسلم والمصحف للكافر وتزويج المسلمة له وامثال ذلك، والاجماع المدعى من قبل صاحب القواعد الفقهية انما هو على المصاديق دون اصل القاعدة، وعلى فرض صحة هذا الاجماع فانه من قبيل اجماعات من يقطع بثبوت الصغرى فيدعي الاجماع على ثبوت الكبرى كاجماعات السيد ابن زهرة، وهي اجماعات عارية عن الاعتبار والحجية.

(2) - المناقشة في اصل الاجماع المدعى على المصاديق والصغريات، وذلك لان اعرف المصاديق واهمهاهو مسالة بيع العبد المسلم على الكافر حيث ادعى الاجماع على بطلانه، ومع ذلك فان ثمة من خالف في ذلك.

قال المحقق الحلي(قدس سره): «وان يكون المشتري مسلما اذا ابتاع عبدا مسلما، وقيل يجوز لوكان كافرا»((306)).

وقد نقل صاحب الجواهر على المقطع الاول من كلامه - يعني اشتراط الاسلام عن ابن زهرة - دعوى الاجماع عليه مع ان المحقق نقل القول بالخلاف في ذلك.

واما الاشكالات الكبروية فهي:
1 - ان مثل هذه الاجماعات المقترنة بالاستدلال من الكتاب والسنة على الحكم هي محتملة المدركية على اقل تقدير لو لم نقل انها مدركية قطعا. والاجماع المدركي ليس معتبرا ولا كاشفا عن قول المعصوم(ع).
(2) - ان الاجماع المدعى هو من قسم الاجماع المنقول، وقد ثبت في علم الاصول ان ادلة حجية الخبر الواحد لا تشمل الاخبار عن الاجماع المنقول، لان نقل الاجماع هو اخبار عن قول المعصوم اخبارا حدسيا لاحسيا، وادلة حجية الخبر الواحد تشمل الاخبار الحسي عن قول المعصوم دون الحدسي.

2 - العقل:
لا شك ان العقل يقضي برجحان الاسلام وتعاليمه على سائر الاديان الالهية الاخرى، وذلك لجامعية احكامه وشموليتها((307)). فهو مضافا لاستيعابه لجميع ما يلزم من امر الدنيا والاخرة لا يختص بزمان اومكان او طائفة من البشر بل هو عام لجميع الامكنة والازمنة والناس اجمعين، وذلك لتناغم احكامه مع الفطرة الانسانية. ولذا فان الاسلام ناسخ لجميع الاديان الاخرى، فالاسلام هو الدين الوحيد الذي يحظى بالقبول من زاوية العقل، واما سائر الاديان فهي وان كانت حجة في زمانها ولكنها مضافا لنسخها بالاسلام قد تعرضت للتحريف ايضا.

وعلى هذا الاساس - اي شرافة الدين الاسلامي ورجحانه على سائر الاديان - فان المسلمين بحكم العقل هم اشرف من غيرهم حتى اتباع الديانات السماوية الاخرى.

ومن هنا فان كل حكم يؤدي الى ذلة المسلمين فهو باطل ومحرم، لان القبول بما يوجب ذلتهم من الاحكام لا ينسجم وتعاليم الاسلام بل يتناقض معها.

ومما تقدم فان العقل لا يقضي بانتفاء الاحكام التي تؤدي الى سلطة الاجنبي وهيمنته على المسلمين فحسب بل انه يحكم بلزوم المواجهة لكل تسلط وهيمنة مفروضة من الاجانب سيما الولايات المتحدة الامريكية وربيبتها اسرائيل، وان كل تعاون او تنسيق ينتهي بحاكميتهم وتسلطهم مصداق بارز للتعاون على الاثم وهو محرم للادلة الدالة على ذلك والتي منها قوله تعالى: (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)((308)).

وعلى كل حال فان حكم العقل بقبح الهيمنة الاجنبية ونفوذ الكفار في الدول والحكومات الاسلامية يمكن تقريره ببيانات عديدة نكتفي منها بما تقدم ذكره.

3 - مناسبات الحكم والموضوع:
لكي يتضح المراد بهذا الاستدلال لابد من الالتفات الى ان تعاليم الاسلام واحكامه تدل على عزة المسلمين ومكانتهم ويدل على ذلك من الشواهدما يلي:

أ - الايات: فقد تكرر لفظ (العزة) ومشتقاتها اكثر من مئة واربعين موردا في القرآن الكريم، وقد دلت هذه الايات بصورة صريحة او تضمنية او التزامية على انحصار العزة بالله والرسول والمؤمنين (والله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)((309)).
فقد حصرت هذه الاية ونظائرها((310)) العزة بالله والرسول والمؤمنين الذين يراد بهم هنا المسلمون بشهادة كلمة (الرسول) في الاية.

ب - الروايات: حيث وردت جملة من الروايات عن الائمة(ع) ما يدل على عزة المؤمن وشرفه وان ليس للمسلمين اذلال انفسهم، ومن هذه الروايات:
ما عن ابي عبد الله الصادق(ع) قال: «ان الله فوض الى المؤمن اموره كلها ولم يفوض اليه ان يكون ذليلا،اما تسمع قول الله تعالى يقول: (والله العزة...)؟! فالمؤمن يكون عزيزا ولا يكون ذليلا. ان المؤمن اعز من الجبل، لان الجبل يستقل منه بالمعاول والمؤمن لا يستقل من دينه بشيء»((311)).

والايات والروايات الدالة على عزة المسلمين وعدم قبولهم بعلو الغير وهيمنته عليهم اكثر مماذكرناه.

ولذا فان الاسلام ينفي اية سلطة للكفار سيما الحربيين منهم على المسلمين، وكل حكم يستشم منه حاكمية غير الله سبحانه فهو باطل، وهذا هو المستفاد من قاعدة نفي السبيل.

وجدير ذكره ان ثمة اختلافا وفرقا بين الدليل الثاني والثالث من جهات عديدة منها: ان تشخيص الصغرى والكبرى في الدليل الثاني يكون بعهدة العقل فهو - اصطلاحا - من المستقلات العقلية، واما بيان الكبرى في الدليل الثالث فهو بعهدة الشارع ويعتبر من المستقلات غير العقلية.

4 - تنقيح المناط:
يحفل الفقه الامامي بالكثير من الاحكام التي يعتبر الملاك فيها الحد من سلطة الاجنبي وحاكمية الكفار على المسلمين ومقدساتهم.

وقد توسع الفقهاء تمسكا بقاعدة تنقيح المناط القطعي في الموارد التي يحرز فيها الملاك والعلة لتعدية الحكم الى الموارد المشابهة باعتبار ان العلة تعمم وتخصص.

وكمثال لذلك مسالة المنع من بيع العبد المسلم وكذا المصحف للكافر، والعلة في هذا المنع هو سلطة الكافرعلى المسلم وعلى المقدسات، وكذلك زواج الكافر بالمسلمة لنفس العلة. ولذا فانه يحرم - استنادا لقاعدة تنقيح المناط - كل فعل يوجب سلطة الكافر على المسلم او يؤدي الى ذلك.

ولا يخفى الفرق على اهل الفن بين هذا الاستدلال والدليل الثاني والثالث.

ب - الادلة اللفظية:
وتعتبر الادلة اللفظية اهم الادلة في اثبات القاعدة، لان الادلة اللبية على فرض تماميتها لا اطلاق فيهايتمسك بها في حالات الشك، وهذا بعكس الادلة اللفظية حيث يمكن التمسك باطلاقها في حالات الشك.

ومن جهة اخرى فان الفاظ القاعدة مستفادة من الادلة اللفظية مما يدل على ان هذا النوع من الادلة هوالاساس بنظر المصنفين في القواعد الفقهية في هذه القاعدة. ولذا تحظى الادلة اللفظية باهمية خاصة، وهي تنقسم الى قسمين:

* 1 - الكتاب.
أ - آية نفي السبيل.
من الايات التي تمسك بها الفقهاء كثيرا في موارد مختلفة قوله تعالى: (الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا الم نكن معكم وان كان للكافرين نصيب قالوا الم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)((312)).

وقد حظيت هذه الاية بعناية خاصة لاستفادة لفظ القاعدة منها، وقد تعرض لها الفقهاء بالبحث من زواياوجهات عديدة، نذكر منها:

الجهة الاولى: في تحديد مفهوم السبيل، وقد ذكرت فيه معاني مختلفة انهاها بعضهم الى خمسة معاني.قال الامام الخميني(قدس سره): «اما الاية الكريمة وهي قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) ففيها مع قطع النظر عن صدرها احتمالات حسب ما في التفاسير وغيرها لكون السبيل بمعنى الغلبة او بمعنى الحجة في الدنيا او الاخرة او بمعنى السلطنة الاعتبارية اوالخارجية»((313)).

والظاهر عدم تمامية دعوى استعمال السبيل في معنى واحد من هذه المعاني، فان المستفاد من الاية معنى عام يمكن ان يكون كل واحد من هذه المعاني مصداقا له. فالاية تدل على حرمة كل عمل - تكوينيا اوتشريعيا - يوجب مساعدة الكفار او هيمنتهم الثقافية والفكرية في الدنيا او غلبة حجتهم وظهورها في الاخرة، او يوجب سلطتهم وحاكميتهم الاعتبارية او الخارجية.

فالمستفاد من الاية ان الارادة الالهية بقسميها التكويني والتشريعي تمنع من نفوذ الكفار وسلطتهم على المسلمين باي شكل من اشكال التحقق خارجيا كان او معنويا، ثقافيا او اعتباريا.

ومما يشهد لهذا المعنى الايات والروايات الدالة على استغناء المسلمين من الناحية الفكرية ومن حيث الاستدلال والبرهان، ومن تلك الايات قوله تعالى: (لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)((314)).

وكذلك الايات والروايات الدالة على ظهور المسلمين على الكافرين في مواقع مختلفة مثل قوله تعالى:(ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين)((315)).

وكذلك الايات والروايات الدالة على ان السلطة الاعتبارية بمعنى (الحكومة والولاية) انما هي الله والرسول والائمة(ع) والفقهاء من بعدهم في عصر الغيبة: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)((316)).

وايضا الايات والروايات الدالة على انتفاء اي حكم في مقام التشريع والتقنين يسمح بموجبه بنفوذ الكفاروالاجانب، وسياتي مزيد بيان لذلك.

فهذه الايات ونظائرها تدل بوضوح على نفي مطلق السبيل والحاكمية للكفار على المسلمين سيما اذا كان الكفار من امثال الولايات المتحدة واسرائيل.

ومضافا لهذه الايات والروايات فان مناسبات الحكم والموضوع تقتضي ايضا نفي مطلق السبيل ايضا.

واما الجمهور فقد طرح فقهاؤهم عدة احتمالات في تعيين المقصود بنفي السبيل:

1 - ان يراد به نفي الحجة والدليل للكافرين على المؤمنين يوم القيامة مستندين في ذلك الى رواية نقلوهاعن امير المؤمنين(ع) بتعابير مختلفة، منها ما رواه اليسع قال: «كنت عند علي فقال له رجل: يا اميرالمؤمنين، ارايت قول الله: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) كيف ذلك وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا احيانا؟ فقال علي رضي الله عنه: معنى ذلك يوم القيامة يوم الحكم»((317)). ونظيره ما نقلوه من قول ابن عباس.
وقد ضعف ابن عربي هذا الاحتمال بالرغم من اعترافه بان صدر الاية يؤيد هذا الاحتمال، الا ان معنى ذلك - كما يقول يجعل الاية في مقام الاخبار، فتكون في معنى (فالله يحكم بينكم يوم القيامة)، وهو تكرارواضح((318)).

2 - ان يراد نفي اي قوة للكافرين يمكن ان تقهر شوكة المؤمنين لرواية ثوبان عن النبي(ص) قال: «...واني سالت ربي الا يهلكها... والا يسلط عليهم عدوا من سوى انفسهم فيستبيح بيضتهم. وان ربي قال: يامحمد،اني اذا قضيت قضاء فانه لا يرد، واني قد اعطيتك لامتك الا اهلكهم بسنة عامة والا اسلط عليهم عدوا من سوى انفسهم...»((319)).

3 - ان يراد بنفي السبيل نفي سلطة الاجانب وهيمنتهم بشرط ترك المسلمين التواصي بالباطل والمنكرات والانابة والتوبة، والا يسلط عليهم الكفار فيكون من باب (وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم).
والمستند في ذلك رواية ثوبان الدالة على انتفاء سلطة الكفار على المسلمين الا ان يهلك المسلمون بعضهم بعضا كما هو واقع في العصر الحاضر. وقد استحسن ابن عربي هذا الاحتمال((320)).

4 - ان يراد بنفي السبيل نفي السبيل الشرعي، اذ لو كان لهم سلطة شرعا على المسلمين كان ذلك مخالفا للشرع((321)).

5 - ان يراد نفي الحجة والبرهان العقلي الذي يتغلبون من خلاله على المسلمين.

قال الشيخ رشيد رضا بعد بحث طويل في معنى نفي السبيل:

«ان الكافرين لا يكون لهم من حيث هم كافرون سبيل على المؤمنين من حيث هم مؤمنون يقومون بحقوق الايمان». ثم ناقش من فسر نفي السبيل بنفي الحجة فقال: «وكلمة (سبيل) هنا نكرة في سياق النفي تفيد العموم، وقد اخطا من خصها بالحجة»((322)).

وللمفسرين من الجمهور كلام وتفصيل في معنى نفي السبيل في الاية.

الجهة الثانية: معنى الاسلام والكفر.
قد اتضح مما تقدم في الاشكال الثالث وجوابه المقصود من الاسلام في «المسلمين» وانه هو الاعم لكل من يعتقد بالتوحيد والنبوة والمعاد وان كان ثمة احكام خاصة لبعض طوائف المسلمين. قال صاحب الجواهر(قدس سره): «والمراد بالمسلم من وصف بالاسلام وهو الاقرار بالشهادتين ولم يصدرمنه ما يقتضي الكفر»((323)).

كما اتضح بقرينة المقابلة معنى الكفر في «الكافرين»، وهو انكار التوحيد او النبوة او المعاد فيشمل الاعم من الملحد الذي لا يؤمن بواحد من الاديان السماوية سواء كان ماديا او غير مادي وكذلك يشمل المؤمن باحد الاديان السماوية وان كان الفرد البارز للكافر المحارب في العصر الحاضر هو امريكا واسرائيل.

وقد ذهب الى نفس التعريف فقهاء الجمهور. قال الاستاذ محمد رواس قلعة جي: «الكفر هو تكذيب النبي(ص) بما جاء به مما هو معلوم في الدين بالضرورة سواء كان تكذيبه صراحة او ضمنا وهو ضدالايمان»((324)). والمستفاد من هذه العبارة ان الكافر هو المنكر لضروري الدين بنحو يستلزم انكار الرسالة او التوحيد وهو نفس ما ذكره فقهاء الامامية. وقال الاستاذ وهبة الزحيلي اعلان الاسلام صراحة يكون بالنطق بالشهادتين او بالشهادة مع التبري من عقيدته السابقة، وعن ابي مالك عن ابيه قال: سمعت رسول الله(ص) يقول: «من قال لا اله الا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله»((325)).

وذكر محمد رواس قلعة جي في تعريف الاسلام انه عبارة عن الاعتقاد بمحمد كرسول من عند الله وبجميع ما جاء به((326)).

الجهة الثالثة: الايرادات:
بعد بيان مدلول الاية والقاعدة فان من المناسب التعرض للايرادات المتعلقة بالاستدلال بالاية:

الايراد الاول: لما كان الواقع الخارجي يدل على غلبة الكفار على المسلمين فلابد من حمل الاية والقاعدة على معنى لا يلزم منه الكذب كحمل السبيل في الاية على الحجة في الاخرة.

قال الشيخ الانصاري(قدس سره): «اما الاية.. سياقها الابي عن التخصيص فلابد من حملها على معنى لا يتحقق فيه تخصيص او بقرينة ما قبلها الدالة على ارادة نفي الجعل في الاخرة»((327)).

وقد سبق بعض المفسرين الشيخ الانصاري(قدس سره) في هذا الاشكال مستندين في ذلك الى رواية رووها عن امير المؤمنين(ع) والى قول ابن عباس والى قوله تعالى: «الله يحكم بينكم يوم القيامة».

ويمكن الاجابة على ذلك بامور:
الاول: ان تفسير الاية بنفي الحجة في الاخرة وان كان معنى واسعا الا انه قد ثبت في محله ان المورد لايخصص الوارد.
الثاني: ان سند الرواية المذكورة ضعيف، وفي تخصيص الاية بخبر الواحد الصحيح كلام وبحث فكيف بالضعيف؟
الثالث: ان ما ذكره الشيخ من علو الكفار وظهورهم على المسلمين المنشا فيه هو الانسان نفسه وليس الله او الدين.
وعليه فالاية باقية على نفي اي جعل او عمل يوجب هيمنة الكفار على المسلمين وما يتراءى من ظهورهم على المسلمين لا يوجب تخصيص الاية ليتنافى مع اباء الاية عن التخصيص.

الايراد الثاني: اشكل البعض بنفس البيان السابق في الاشكال الاول ولكن مع جعل المنفي مطلق الحجة في الدنيا والاخرة.
والجواب عليه بنفس ما تقدم من الاجوبة الثلاثة.

الايراد الثالث: ان المقصود بالمؤمن الاخص من المسلم، لان الايمان هو الاسلام المستقر او الاسلام بالمعنى الاخص المقرون بالاعتقاد بالولاية كما يشهد له قوله: (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم)((328)). فيكون مفاد الاية خاصا بالمؤمنين بالمعنى الخاص للايمان دون مطلق المسلمين.

والجواب على ذلك:
1 - ان الايمان عبارة عن الطاعة والانقياد فالمؤمن هو المطيع المنقاد، وهذا المعنى حاصل بالاسلام ايضا.
2 - ان الايمان بمعنى الاسلام الخاص اصطلاح متاخر عن زمن نزول الاية، حيث لم يكن هذا المعنى موجودا زمن نزولها.
3 - ان الادلة السابقة واللاحقة للقاعدة شاملة لجميع المسلمين دون اختصاص بطائفة دون اخرى.
4 - ان مدلول الاية وكذا القاعدة الدال على بطلان كل ما يوجب استيلاء الكفار وهيمنتهم يتعارض مع ما يدل على الصحة، فادلة الوفاء بالعقود مثلا تدل على صحة العقد وصحة كل ما يوجب بيعه تقوية الكفارواستيلاءهم كالسلاح، او كبيع العبد المسلم للكافر كما في الازمنة السابقة، مع ان الاية تدل على البطلان،قال الشيخ الانصاري(قدس سره): «فلابد من حملها على معنى لا يتحقق فيه تخصيص اوبقرينة ما قبلها الدالة على ارادة نفي الجعل في الاخرة»((329)).

والجواب هو ان آية نفي السبيل حاكمة على باقي الادلة، فهي نظير قاعدة لا ضرر ونفي العسر والحرج الحاكمة على سائر الادلة كما ذهب الى ذلك الفقهاء في رفع مثل هذا التعارض.

ب - الايات الناهية عن مودة الكافرين:
لقد نهت جملة من الايات بشكل اكيد مودة الكافرين واهل الكتاب واتخاذهم اولياء. قال تعالى: (يا ايهاالذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين اتريدون ان تجعلوا الله عليكم سلطانامبينا)((330)).