الصفحة السا بقة

 

الصفحة التالية

لقد نهت هذه الاية ونظائرها نهيا اكيدا عن مودة الكافرين التي تكون سببا لسلطتهم الاعتبارية والواقعية،وقد ورد في الاية التي تلي هذه الاية ان جزاء من يفعل ذلك الدرك الاسفل من الجحيم. ومن الواضح ان النهي عن مودتهم يدل بالالتزام او بشكل صريح على حرمة كل ما يوجب سلطتهم وهيمنتهم.

ومن الايات ايضا في هذا المضمار قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يالونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من افواههم وما تخفي الصدور اكبر)((331)).

والاية صريحة في عدم الاطمئنان والوثوق بالكافرين وافشاء السر لهم واتخاذهم بطانة، كما تدل من جهة اخرى على ان المودة لهم توجب الخبال والضياع الفكري والعقلي. الى غير ذلك من الايات الاخرى التي يطول البحث بذكرها.

وقد استند فقهاء الجمهور الى هذه الايات في تحريم هيمنة الكفار والاجانب على المسلمين.

وذكر القرطبي ان المستفاد من الاية (118 من آل عمران) عدة امور، منها:
1 - نهى الله عزوجل المؤمنين بهذه الاية ان يتخذوا من الكفار واليهود واهل الاهواء دخلاء وولجاءيفاوضونهم في الاراء ويسندون اليهم امورهم، وفي سنن ابي داود عن ابي هريرة عن النبي(ص) قال:«المرء على دين خليله، فلينظر احدكم من يخالل»((332)).
2 - ان المشركين عدو للمسلمين دائما ولا يمكن ان يكونوا محبين لهم.
3 - انهم يبطنون من البغضاء اكثر مما يظهرون بافواههم((333)).

وقد ورد في شان نزول الاية: «اخرج ابن جرير الطبري وابن اسحاق عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فانزل الله فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم»((334)).

* 2 - الروايات:
قد وردت روايات كثيرة دالة على علو المسلمين وشرفهم على غيرهم:

منها: النبوي المشهور الذي رواه الشيخ الصدوق عليه الرحمة وهو قوله(ع): «الاسلام يعلو ولا يعلى عليه،والكفار بمنزلة الموتى لا يحجبون ولا يورثون»((335)).

ودلالة الرواية على القاعدة تتم بالبحث في جهتين:

الجهة الاولى: الجهة الدلالية.
لكي تتضح دلالة الرواية على المطلوب فان من المناسب نقل خلاصة ما ذكره العلا مة المراغي حول الرواية. قال(قدس سره): «فان قلنا: ان دلالته على نفي السبيل مما يكشف عنها فهم الفقهاء -لانهم يستدلون به في هذه المقامات من دون نكير، وهو من اعظم القرائن على معرفة المراد - فلا بحث اذمقتضاه كون المراد من الخبر: عدم تسلط الكافر على المسلم.

وان بنينا على تتميم الدلالة على قواعد الالفاظ، فنقول: ان الخبر دل على ان الاسلام يعلو على غيره، لان المتعلق محذوف، فاما ان يراد مطلق الغير، سواء كان كفرا او واسطة بين الكفر والاسلام لو قلنا بالواسطة، او يراد به الكفر بخصوصه بقرينة المقابلة، فيكون المراد الاسلام يعلو على الكفر والكفر لا يعلو عليه.وقوله: «ولا يعلى عليه» تاكيد لبعض ما استفيد من العبارة الاولى، فان المستفاد من الاولى انه يعلو، وهوناف لعلو الكفر وناف لمساواته ايضا، فان علو الاسلام قاض بانحطاط الكفر، والجزء الثاني ناف لعلو غيره عليه او لعلو الكفر عليه على الوجهين، وهو احد جزاي العبارة الاولى، وورود التاكيد لاحد الجزاين لا يدل على ان المراد بالعبارة الاولى ايضا ذلك حتى يقال ان الرواية انما قضت بان الاسلام لا يعلو عليه غيره، ولم تدل على عدم المساواة.

وبالجملة: دل الخبر بجزايه على عدم علو الكفر، وبجزئه الاول على عدم مساواة الكفر معه، فلم يبق الا علو الاسلام.

فنقول: ان كان المراد بالعلو: علو الشرف والرتبة لانه سبيل للنجاة دون سائر الاديان، فلا ريب ان هذاخلاف ظاهر لفظ «العلو» فان المتبادر منه العلو الحسي، او ما يقرب منه الاستيلاء والتسلط، مضافا الى انه ينبغي على هذا ان يقول: «الاسلام عال» ولا ينبغي ان يقول: «يعلو» مع ان ذلك في الحقيقة يصير بيانا لما هواوضح الامور عند المسلمين، فان من البديهي ان دين الله اشرف من الاديان الباطلة، مع منافرته للتاكيد بقوله: «ولا يعلى عليه».

وان كان المراد الاخبار عن ان الاسلام تزيد شوكته وقوته بحيث يعلو على سائر الاديان بكثرة المتدينين والاعوان، فلا ريب ان الاخبار عن هذا المعنى ليس مما هو وظيفة للشارع من حيث هو كذلك، مع انا نرى علو سائر الاديان وكثرة الكفر والشرك، مضافا الى ان نفي علو غيره في المستقبل مع حذف المتعلق والزمان ظاهر في النفي دائما، يعني ان الاسلام لا يعلو عليه غيره في زمان من الازمنة المستقبلة كما هوقاعدة الالفاظ، فان المتبادر من قولنا «لا يضرب زيد» نفي ضربه بالمرة لا في وقت دون وقت». ثم اضاف قائلا:

«فلا وجه لحمل هذا الخبر على الاخبار بعدما ذكرناه من وجه الدلالة، كما لا وجه لحمله على علو الشرف بالقرائن التي ذكرناها، فانحصر الطريق في حمل الخبر على الانشاء المطابق لمنصب الشارع وجعله لبيان الحكم وارادته ان الاسلام حكمه العلو والتسلط على غيره وليس لغيره التسلط عليه، ولا ريب ان علوالاسلام عبارة عن علو المسلمين فيكون المراد: ان المسلم يتسلط على الكافر، والكافر لا يتسلط عليه في الشرع، بمعنى: ان الحكم الشرعي ذلك»((336)).

الجهة الثانية: الجهة السندية:
ان الرواية وان كانت نبوية ومرسلة ولكن ثمة شواهد تدل على اعتبارها، وهي:

1 - ان راويها وهو المحدث الكبير الشيخ الصدوق قد جزم بنقلها واسنادها اليه(ع) حيث قال: «قوله(ع)» ولم يعبر ب «روي» وقد فرق كثير من الاعاظم بين التعبيرين في كلام الصدوق من حيث الاعتبار.

2 - انه بناء على جابرية عمل المشهور لضعف الرواية فان الرواية منجبرة بعملهم بهذه الرواية. وسياتي التعرض للموارد التي استدلوا بها في بحث تطبيقات القاعدة، ولكن نكتفي هنا بذكر كلام بعض الاعلام.

قال السيد البجنوردي(قدس سره): «الخبر مشهور معروف ذكره في الفقيه عن النبي(ص)،فعمدة الكلام دلالته والا فمن حيث السند موثوق الصدور عن النبي(ص) لاشتهاره بين الفقهاء وعملهم به»((337)).

وقال العلا مة المراغي: «الخبر المشهور في السنة الفقهاء المتلقى بالقبول بحيث يغني عن ملاحظة سنده»((338)).

وقال الامام الخميني(قدس سره): «لا اشكال في كونه معتمدا عليه لكونه مشهورا بين الفريقين على ما شهد به الاعلام»((339)).

ان ما تقدم وان كان كل واحد منه بمفرده قابلا للاشكال والمناقشة الا انه من حيث المجموع يورث الاطمئنان والوثوق بصدور الرواية.

ومنها: ما دل على علو المسلم مما يؤيد بالدلالة الالتزامية مفاد القاعدة، كالمروي عن الامام الصادق(ع):«ان الله فوض الى المؤمن اموره كلها ولم يفوض اليه ان يكون ذليلا، اما تسمع قول الله تعالى يقول: (واللهالعزة...)؟!»((340)).

وقد رواه الجمهور في كثير من مصادرهم بانحاء مختلفة مستفيدين منه احكاما كثيرة سنشير اليهالاحقا.

وعلى كل حال فان الرواية مورد قبول لدى الفريقين، وقد رواها الجمهور في صحيح البخاري((341))والجامع الصغير((342)) وكنز العمال((343)).

تطبيقات القاعدة:

لقد تعرض الفقهاء في مواضع عديدة من الفقه الى قاعدة السبيل وادلتها سيما آية نفي السبيل وحديث «الاسلام يعلو ولا يعلى عليه». والتعرض لجميع تلك الموارد خارج عن المقام فلذا نكتفي ببعض الموارد في ذلك، ولكنا ننبه على بعض الامور قبل التعرض لها:

الامر الاول: ان بعض التطبيقات وان كانت لا وجود لها في العصر الحاضر ولكنها كانت موجودة في السابق وانما نشير اليها لبيان اهمية القاعدة.

الامر الثاني: ان مجال الافادة من القاعدة واسع جدا ويرتبط بمدى دقة الفقيه وسعة نظره، ولذا فانه يمكن على ضوء هذه القاعدة الحكم بحرمة الكثير من العلاقات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية وبعض المعاملات مع الاجانب والكفار سيما المحاربين منهم ووجوب ما يؤدي الى الخلاص من ذلك، وعلى كل حال فان الافادة من هذه القاعدة ترتبط بمدى سعة نظر الفقيه، فقد يقتصر البعض فيها على مسائل امثال بيع العبد المسلم للكافر وقد يتوسع الى اكثر من ذلك. وقد كان الامام الخميني(قدس سره) يستند الى هذه القاعدة في تحريم اقامة العلاقات مع الولايات المتحدة وحكمه بتحريم القانون القاضي بصيانة الامريكان المتواجدين في ايران قضائيا.

الامر الثالث: ان نقل آراء الفقهاء لا يعني بالضرورة القبول بها.

الامر الرابع: لقد تمسك الفقهاء في موارد هذه التطبيقات بالقاعدة المذكورة بناء على ان ذلك يوجب سلطة الاجانب والكفار وهيمنتهم.

وعلى كل حال فانا نشير الى بعض تطبيقات القاعدة المذكورة في كلمات الفقهاء بنحو الاجمال هي مايلي:

1- بيع المصحف للكافر((344)).
2- رهن المصحف للكافر((345)).
3- بيع كتب الحديث للكافر((346)).
4- بيع كتب التفسير والخطب والوعظ والدعاء((347)).
5- بيع ستار الكعبة((348)).
6- بيع ارض الاماكن المقدسة((349)).
7- بيع تربة اضرحة الائمة(ع)((350)).
8- عدم ارث الكافر من المسلم((351)).
9- عدم حجب الكافر من الطبقة الاولى للمسلم من الطبقة الثانية((352)).
10- بطلان نكاح المسلمة من الكافر((353)).
11- عدم ثبوت حق القصاص لولي الكافر من المسلم((354)).
12- استئجار الكافر للمسلم((355)).
13- بيع العبد المسلم للكافر((356)).
14- رهن العبد المسلم للكافر((357)).
15- اعارة العبد المسلم للكافر((358)).
16- جعل العبد المسلم لدى الكافر وديعة((359)).
17- وقف العبد المسلم لمنفعة الكافر((360)).
18- جواز زواج المسلمة الباكرة بدون اذن ابيها الكافر.
19- عدم جواز تولي الكافر لاوقاف المسلمين((361)).
20- عدم ثبوت حق الشفعة للشريك الكافر((362)).
21- انفساخ عقد النكاح بكفر الزوج((363)).
22- عدم نفوذ قضاء الكافر وان كان واجدا لجميع شرائط القضاء الاخرى((364)).
23- بطلان ولاية الكافر على الصغير والمجنون والسفيه في النكاح والاموال((365)).
24- عدم ثبوت الولاية للكافر في احكام الاموات((366)).
25- عدم ثبوت حق له في ذمة المسلم من جانب الله تعالى من زكاة او خمس او كفارة ونحو ذلك من الحقوق((367)).
26- عدم اشتراط اذن الاب الكافر في صحة نذر ولده المسلم ويمينه وعهده((368)).
27- بطلان الوصية بالعبد المسلم للكافر((369)).

هذه هي بعض المصاديق والتطبيقات التي ذكرها الفقهاء للقاعدة.

تطبيقات القاعدة في العصر الحاضر:

تجدر الاشارة هنا الى بعض الاحكام والفتاوى الصادرة من الفقهاء في القرن الاخير استنادا الى هذه القاعدة وذلك ابرازا لوجه الاهمية في هذه القاعدة، وان التعمق فيها والنظر الدقيق والشامل لها يمكن ان يكون سدا منيعا بوجه الهيمنة الاجنبية سيما الامريكية والصهيونية العالمية منها.

1 - الفتوى بالجهاد ضد الانجليز:
اثر انزال القوات البريطانية واحتلالها لمدينة (بوشهر) الايرانية افتى آية الله اللاري بوجوب الجهاد، وقد جاءفي نص فتواه ان «الجهاد والدفاع واجب عيني وفوري، وان كل من يتخلف ويتقاعس عن جيش المجاهدين وعن هذا الجهاد الاكبر والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فكانه قد تخلف عن جيش اسامة والامام صاحب العصر عجل الله فرجه»((370)).

2 - فتوى الجهاد ضد الروس والانجليز والايطاليين:
افتى آية الله السيد محمد كاظم اليزدي(قدس سره) بوجوب انهاء الاحتلال واخراج المحتلين،وقد ورد في نص فتواه: «في مثل هذه الايام التي تقوم فيه القوات الايطالية بالهجوم على طرابلس... ومن جهة يحتل الروس شمال ايران وتنزل بريطانيا قواتها في جنوب الاراضي الايرانية والخطر يهدد كيان الاسلام فان من الواجب على جميع المسلمين من العرب والفرس اخراج الكافرين من بلاد المسلمين، فان هذامن اهم الفرائض الاسلامية»((371)).

3 - فتوى تاميم النفط:
اصدر آية الله الخونساري بيانا حول تاميم النفط وذلك قطعا للايادي الاجنبية عن اقتصاد الدول الاسلامية سيما دولة الشاه جاء فيه: «اذا لم يقبلوا بهذا الحكم فانهم بذلك يردون قول رسول الله(ص) وعندئذ فلا عذريبقى لنا سيما مع ما يبذله سماحة آية الله الكاشاني دامت بركاته - وهو من المجتهدين العدول وذوي الشهامة والتضحية - من جهود لمصالح الدين والناس بكل جدية وحرص لتوعية الناس وتنبيههم»((372)).

4 - فتوى تحريم الاقمشة والالبسة الاجنبية:
افتى السيد محمد كاظم اليزدي(قدس سره) بحرمة الالبسة والاقمشة وذلك ادراكامنه لامكان نفوذ الثقافة الغربية عن طريق الازياء واشكال الالبسة الى داخل الامة الاسلامية، وقد جاء في نص كلامه:«يجدر بعامة المؤمنين وكافة المتدينين من كل صنف ونوع وكل حسب مقدوره والمتيسر له الاهتمام بتشييد اساس هذا الامر وترويجه والتحرز مهما امكن عن الالبسة والاقمشة الاجنبية بل الانسب التحرز في سائرالجهات والحركات والسكنات والكيفيات والملبس والمطعم والمشرب والسلوك والزي عن وضع الكفاروالتحذر من ذلك»((373)).

5 - فتوى تحريم انتخاب الملك فيصل في العراق:
بعد اندحار القوات البريطانية في العراق فقد قررت انكلترا ترشيح الملك فيصل ليتسنى لها ابرام اتفاقية معه على بقائها في العراق، وقد حرم كثير من الفقهاء تلك الانتخابات مما جر الى ابعادهم الى ايران كالشيخ الخالصي والاصفهاني، وقد كتب المحقق النائيني(قدس سره): «لقد حرمنا هذه الانتخابات واشتراك الشعب العراقي فيها، وكل من يشترك او يساعد فيها بادنى مساعدة فقد تجرا على حكم اللهورسوله واوليائه»((374)).

6 - تحريم المظاهر الغربية:
حاول بعض العملاء ترويج الثقافة الغربية عن طريق استيراد وادخال البضائع الاجنبية الى سوق الدول الاسلامية، فبادر ثلة من الفقهاء الى تحريم تلك البضائع كالسيد اسماعيل الصدر والسيد محمد كاظم اليزدي، والميرزا محمد الغروي الشربياني والشيخ حسن المامقاني والميرزا حسين النوري والميرزا فتح الله الشيرازي المعروف بشيخ الشريعة الاصفهاني والميرزا حسين والميرزا خليل. وقد كتب الاخوند الخراساني(قدس سره) في ذلك: «يلزم ويتحتم على عامة الرعايا والمسلمين قاطبة التاسي والانصياع، وخلع ثياب المذلة وادخال السرور بارتداء ثياب العزة والالبسة الاسلامية»((375)).

7 - فتوى حرمة استعمال التتن والتنباك:
لقد اشتهرت في الاعوام الاخيرة قضية فتوى تحريم التنباك والتتن وذلك من اجل قطع ايادي المستعمرين سيما البريطانيين، وكتبت حول تلك الفتوى وصداها الكثير من الكتب والمؤلفات. وكان نص الفتوى التي اصدرها الميرزا الشيرازي كالتالي: «اليوم استعمال التتن والتنباك باي نحو كان في حكم المحاربة مع الامام صاحب العصر والزمان صلوات الله وسلامه عليه»((376)).

8 - الحكم بكفر الانتماء للحزب الشيوعي:
حرم الامام الحكيم(قدس سره) الانتماء للحزب الشيوعي في العراق وذلك للحد من نفوذ الكفاروالعقائد الالحادية في هذا البلد فاصدر نص فتواه: «لا يجوز الانتماء الى الحزب الشيوعي فان ذلك كفروالحاد او ترويج الكفر»((377)).

9 - فتاوى وآراء الامام الراحل(قدس سره) على ضوء قاعدة نفي السبيل:
قد تقدم في البحث عن (معطيات القاعدة) ان تطبيقات القاعدة في عصرنا الحاضر كثيرة وواسعة سيما عندمثل الامام الخميني(قدس سره) الذي يعتبر المستفاد من هذه القاعدة هو الانشاء بلسان الاخبار، فقد كتب(قدس سره) عن مصاديقها وتطبيقاتها، وانطلاقا من هذا المنطلق فقد سار(قدس سره) في كثير من الموارد ومواضع الفقه على هذا النهج معتبرا ان كل ما يسبب ويؤدي الى سلطة ونفوذ الاجانب - وعلى وجه الخصوص امريكا واسرائيل - فانه محرم، وان كل ما يوجب الخروج من هذه الذلة والمهانة فهو واجب، وقد ذهب في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بناء على هذه الرؤية الى اعتبار الكثير من الامور التي قد يعتبرها الاخرون معروفا منكرا او بالعكس. قال(قدس سره): «القرآن الكريم صريح في ان الله سبحانه لم يجعل سلطانا لغير المسلم على المسلم،فلا ينبغي حصول مثل هذا الامر اصلا (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)، لا يجوز ان يكون للمشركين وهذه القوى الفاسدة سبيل على المسلمين»((378)).

وقال ايضا: «شعارنا في جميع الاحوال هو قطع ايدي الاجانب في الغرب والشرق عن بلادنا، وكل من يسمح - ايا كان مقامه ومسؤوليته وباي صورة - بتدخل الاجانب في بلادنا الغالية سواء كان ذلك بشكل صريح او عبر المخططات المؤدية لاستمرار سلطة الاجنبي او عودة تسلطه فهو خائن للاسلام والبلاد»((379)).

وفيما يتعلق بلزوم اجتثاث العوامل المؤدية الى سلطة الاجانب قال(قدس سره): «ان من واجب المسلمين نفي الهيمنة الثقافية للاجانب ونشر الثقافة الاسلامية الغنية»((380)).

وذكر في مجال الاستقلال المطلق عن الاجانب: «علينا ان نبني بلدنا من دون الاعتماد على امريكا وروسياوانكلترا والقوى مصاصة الدماء في العالم، وان نمسك باستقلالنا السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي ونعتمد على ذواتنا ونعرف العالم بهويتنا الاصيلة»((381)).

وقد اصدر بيانه التاريخي حول قانون الحصانة القضائية للامريكان المتواجدين في ايران الذي اصدرته حكومة الشاه اوضح فيه خطر الولايات المتحدة واسرائيل وحرمة هذا القانون استنادا الى آية نفي السبيل، جاء فيه: «ان امريكا هي التي تدعم اسرائيل واصدقاءها وهي التي تمد اسرائيل لترحل المسلمين العرب وتنصب عملاءها بطريق مباشر وغير مباشر على بلادنا... وهي التي تضغط على الحكومة والمجلس للتصويت على مثل هذا القانون المذل والمخالف لكافة المفاخر الاسلامية والوطنية»((382)).

القوانين العامة للحرب والدفاع
في الاسلام

عباس علي عظيمي التستري

ملخص:

بعد استعراضه للتعاريف المطروحة لمفهوم الحرب في علم الاجتماع والسياسة والحقوق تناول كاتب المقال تعريف الحرب وآثارها الحقوقية في الاسلام وما يميزها عن مفهوم الجهاد.

كما تعرض ايضا الى قانون حظر اللجوء لاستخدام القوة في القانون الدولي الذي ينص عليه ميثاق عصبة الامم واعلان الامم المتحدة والذي ينص عليه الاسلام ايضا من خلال القرآن والسنة وآراء العلماء والمجتهدين.. ثم بحث مسالة الدفاع والقتال المشروع في الاسلام.

وقد اشتمل عنوان «البدء بالحرب» على مسائل من قبيل: اعلان الحرب، المرجع القانوني الصالح لاعلان الحرب، ما يترتب على اعلان الحرب كاعتبار ارض العدو دارا للحرب وحظر التجارة معه، وفسخ الاتفاقيات المبرمة بين الجانبين، والموقف من اموال العدو.

تناول المقال ايضا مسالة الدعوة الى الاسلام التي تسبق بدء القتال، ومسالة التمييز في معركة القتال بين المقاتلين والمدنيين ومسالة الضحايا والاسرى والجرحى.

وهكذا واصل المقال البحث في اساليب الحرب ووسائلها وانواع الاسلحة المستخدمة فيها وختم الكاتب مقاله بموضوع الغنيمة والجانب الحقوقي فيها.

مقدمة عامة:

لا تزال الحرب باعتبارها ظاهرة ماساوية مذمومة موضع دراسة وبحث في علوم مختلفة، ولكل من علماء الاجتماع والسياسة والدراسات العسكرية تعريفه الخاص بها، وقد عرفها الحقوقيون من جهتهم ايضا، وذلك لترتيب الاثار الحقوقية عليها وتطبيق القوانين المتعلقة بها بما يلي:

«هي النزاع المسلح الحاصل بين جهتين منظمتين او اكثر (دولتين كانتا او لا)، مع سابق قصد في مدة زمنية متعارفة».

وقد ورد مصطلحا «الحرب» و «الجهاد» معا في قانون الحقوق الاسلامي. ويقصد بالجهاد الحرب مع اعداء الله في الله وفي سبيل الله فهو اعم مفهوما من «الحرب» من جهة، واخص منها من جهة اخرى.

وبهذا الفهم لمصطلحي الحرب والجهاد فان الحرب المشروعة هي ما كان الله سبحانه خاصة، بمعنى ان الاصل والقاعدة في الاسلام هو عدم استخدام القوة، واما الدفاع والجهاد الابتدائي فهما استثناء من هذه القاعدة.

وللدفاع انحاء عديدة، فهو يشمل الدفاع عن الاراضي الاسلامية، وعن نفوس المسلمين واموالهم التي يتم الاعتداء عليها، وكذلك يشمل الدفاع الوقائي.

ويعتبر الدفاع من جهة فقهية امرا واجبا وتكليفا ربانيا لازما على كل مسلم، سواء مع حضور المعصوم او عدمه.

وقد شرع الاسلام مضافا للدفاع المقاصة والمعاملة بالمثل، باعتبارهما حقا طبيعيا للمسلمين عندمايتعرضون للظلم وارتكاب الجرائم بشانهم كقصف الاحياء السكنية مثلا، شريطة ان يكون الرد متناسبا مع الجريمة.

ويشرع الجهاد الابتدائي (او الحرب العادلة او المشروعة) مع الكفار الكتابيين او سواهم بهدف تحقيق الاهداف التالية:
- مساعدة المظلومين ورفع الظلم عنهم.
- مقاومة الاضطهاد.
- الدفاع عن الحقوق والقيم الانسانية.

وسواء سمينا ذلك جهادا ابتدائيا او نوعا من انواع الدفاع - على الخلاف بين العلماء في ذلك - فانه سوف لن يختلف في مفهومه اذا نظرنا اليه من زاوية مصطلح: «التدخل لاغراض انسانية» بمعناه العام الواسع.

اما الحرب فهي تتحقق بالاعلان عنها رسميا، والذي له حق الاعلان عنها او عن حالة الصلح في قانون الحقوق الاسلامي هو امام المسلمين ورئيسهم. وتترتب فور اعلان الحرب الاثار التالية:
1 - اعتبار الارض التي تعلن عليها الحرب ارض الحرب.
2 - حظر التجارة مع العدو.
3 - فسخ العقود الممضاة سابقا والغاؤها.
4 - الاستيلاء على اموال العدو (والمراد بها الاموال العامة فانها تؤخذ غنيمة، دون الاموال الخاصة فهي محترمة سواء دخل الحربي دار الاسلام بموجب عقد الامان او المعاهدة).

ويجب ان يسبق الجهاد الابتدائي الدعوة الى الاسلام وهي نوع من انواع الانذار يقوم به الامام اونائبه.

بعد هذه الجولة العامة والاشارة الى الكليات نتعرض للاحكام التي يلزم مراعاتها حال الحرب، وفي البدء يجب التمييز بين المقاتلين وغيرهم لترتيب حقوق كل فريق منهم بشكل واضح، فالمقاتل في الاسلام هو كل من يقوم بعمل عسكري (فيزيائيا كان او عقليا) واما من عدا ذلك فلا يعد مقاتلا ولا يسوغ التعرض له ولاقتله، وقد دلت على ذلك الايات والروايات.

والى جانب هاتين الطائفتين فان ثمة طائفة اخرى وهي: ضحايا الحرب، وتشمل: الاسرى، والمجروحين،والقتلى.

وقد بحثت حقوق الاسرى بشكل مفصل من زاوية حقوقية اسلامية مثل:
زمان الاسر، حقوق الاسرى، الوضع الغذائي، مكان الاسر، حقوق العمل اثناء الاسر، واطلاق سراحهم الى غير ذلك من البحوث المتعلقة بهذا الجانب.

ولا يجوز لمقاتلي الاسلام قتل جرحى الحرب مطلقا، بل يسعون في علاجهم، ويرجعونهم الى اوطانهم على قول، كما لا يجوز المثلة بهم وحرق اجسادهم وكذلك كل ما يعد اهانة وازراء بهم.

ولا يشرع ايضا في الايات والروايات استخدام الاسلحة الفتاكة كالاسلحة الكميائية والجرثومية والذرية وكذلك تغيير البيئة واستخدام وسائل الحيلة والمكر.

وتفصيل البحث يقع في عدة مباحث:

* المبحث الاول - في تعريف الحرب:
التاريخ البشري مليء بالنزاعات المسلحة والحروب، وقد بحثت ظاهرة الحرب في علوم شتى خاصة في علم الاجتماع والعلوم السياسية والحقوقية.

الف - علم الاجتماع:
يرى علماء الاجتماع في ظاهرة الحرب نوعا من التقاطع الاجتماعي الذي يظهر في نطاق واسع، كما يرون فيها حالة تتقاطع فيها اهداف ومصالح جماعة معينة (قبلية كانت هذه المصالح والاهداف او قومية، اولغوية او ثقافية او دينية او اقتصادية او اجتماعية او سياسية او غير ذلك) مع جماعة معينة اخرى، فيؤدي عدم الانسجام الحقيقي او الظاهري بينهما الى تقاطع مقصود)((383)). فالحرب هي مظهر لهذا التقاطع. ويرى «كلمن» في الحرب «فعلا اجتماعيا» يحصل في المجتمع ضمن منظومة سياسية وطنية او عالمية((384)). ولذافان استئصال النزاعات في راي الكثير من علماء الاجتماع لا يعد غير ممكن فحسب بل وغير مستحسن ايضا، حتى ذهب ابن خلدون الى القول: بان الحروب والمنازعات كانت منذ يوم خلق الله البشرية، ويوعزالسبب في ذلك الى الاحقاد الموجودة وحالات الثار والانتقام بين الناس((385)).

ب - علم السياسة:
يقول «كلاسويتز»((386)) الخبير العسكري والاستراتيجي الالماني في القرن التاسع عشر: «ان الحرب استمرار للسياسة ولكن باساليب واسلحة اخرى»، وعليه فان الحرب كما يراها السياسيون هي استمرار للنهج السياسي من اجل تحقيق الاغراض الفئوية والحزبية، ويعتبر العنف - اساسا - ظاهرة طبيعية من مظاهر العمل السياسي((387)).

ج - علم الحقوق:
يهتم الحقوقيون في المجال العسكري بملاحظة ما يمكن ان يصل اليه اي تقاطع اجتماعي لتترتب عليه الاثار الحقوقية، وقد طرحت نظريات عديدة في هذا الخصوص.

ويرى «ابنهايم» في الحرب انها عبارة عن: «جدل يقوم بين دولتين بالوسائل العسكرية بهدف الظهور والغلبة على الخصم وتحقيق ما يرمي اليه الطرف المنتصر»((388)).

ويرى «وردوس» في الحرب انها «جدل مسلح بين دولتين تتوقف فيه العلاقات السلمية كافة»((389)).

انا لو اردنا التوصل الى تعريف يتم بموجبه تشخيص حالة الحرب التي تنطبق عليها القواعد والاحكام الحقوقية للحرب، اي تحديد حالة الحرب والزام الطرفين المتنازعين بتطبيق المقررات، فانه يجب - وبغض النظر عن هوية الطرفين المتنازعين ودرجة النزاع والقتال الحاصل بينهما، واعلان الحرب وعدمه - تحديد الحرب من الناحية المادية والمعنوية، وبعبارة يجب تعريف الحرب بـ«النزاع المسلح الحاصل بين جهتين منظمتين او اكثر (دولتين كانتا او لا) مع سبق القصد في مدة زمنية متعارفة».

وعلى ضوء هذه العناصر الماخوذة في التعريف فان حقوق الحرب تشمل:
1 - العنصر المادي: القتال المسلح.
2 - عنصر التنظيم: المجموعة او المجاميع المنظمة.
3 - القصد: وقوع الحرب بقصد الحرب لا الرد بالمثل.
4 - المدة الزمنية المتعارفة: فتخرج من هذا التعريف الاشتباكات الحدودية والمحدودة في ليلة واحدة اوالغارات المحدودة.

حقوق الحرب في القانون الدولي:

حقوق الحرب عبارة عن: العلاقة القائمة بين الطرفين المتناحرين في الحرب وكذا علاقتهما بالاطراف الاخرى او الاطراف المحايدة.

الحقوق القانونية للحرب في قانون الحقوق الاسلامي:

لكي نصل الى تعريف لحقوق الحرب في الاسلام فان من الضروري في البدء تحديد الفرق بين المفهوم الحقوقي للحرب الذي اشرنا اليه وبين مفهوم الجهاد، ثم تسليط الضوء على ان قواعد حقوق الحرب في الاسلام هل تختص بالجهاد حسب او تعم جميع انواع الحرب؟

أولا - المائز بين مفهوم الجهاد وبين المفهوم الحقوقي للحرب:
تاتي كلمة الجهاد من «جهد» بمعنى «المشقة» ومن «الجهد» بمعنى الطاقة والوسع((390)).

وباي المعنيين فسرناها فالجهاد لغة هو بذل الجهد والسعي مهما امكن وبما تسمح به طاقة الفرد.

وينقسم الجهاد في المفهوم الاسلامي الى الجهاد الاكبر الذي يعني جهاد النفس، والجهاد الاصغر وهو لقاءاعداء الله وقتالهم.

وينقسم الجهاد الاصغر بدوره الى جهاد الكفار وجهاد الخوارج والبغاة، وعليه فانه على ضوء ما تقدم يمكن القول باعمية مفهوم حقوق الحرب من مفهوم الحرب من جهة لشموله جميع انواع المنازعات، ويعد الجهاد احدها. ومن جهة اخرى فان مفهوم الجهاد يعم مفهوم الحرب لصدقه على حرب البغاة وهم عبارة عن جماعة تفتقد التنظيم.

ومن هنا فانه يمكن تقسيم قواعد النزاع في الفقه الاسلامي الى قسمين:
الاول: القواعد الخاصة بالجهاد والتي تشمل سائر انواع الحرب، كالقواعد التي تتعلق بوجوب الجهاد ولزومه في حضور المعصوم وغير ذلك.
الثاني: القواعد العامة لكل حرب كمعاملة الاسرى وضحايا الحرب وعدم استخدام الاسلحة الفتاكة واسلحة الابادة الجماعية، وكيفية ادارة العمليات وغير ذلك((391)). وهذا القسم هو المقصود بالبحث هنا.

ثانيا - تعريف حقوق الحرب في الاسلام:

وعلى ضوء ما تقدم فانه يمكن القول بان: «حقوق الحرب في الاسلام هي عبارة عن مجموعة الاحكام التي يلزم على الدولة الاسلامية وجميع المسلمين حين قتالهم مع العدو (ايا كان) رعايتها والالتزام بها.

* المبحث الثاني - حظر استخدام القوة في قانون الحقوق العالمي:

يوعز الدبلماسيون بعد الحرب العالمية الاولى السبب في اندلاع هذه الحرب الى فقدان العالم لنظام اومجلس لتبادل الراي والنظر((392)). وقد جاء تاسيس الجمعية العامة تتويجا للفكرة المذكورة.

الف - ميثاق عصبة الامم:
لم يكن المقصود من هذا الميثاق الحد الكامل من نشوب الحروب في الساحة العالمية بل انه (الميثاق) يعتبرها مشكلة عالمية ليست خاصة بالدول فيما بينها ليتسنى له بذلك (اي تدويل المشكلة) بذل كافة الجهود والمساعي لحل الخلافات. ولذا فان المادة الحادية عشرة من هذا الميثاق تنص على: «ان الحرب اوالتهديد بالحرب امر يهم جميع الدول الاعضاء في عصبة الامم». وقد حددت محكمة العدل الدولية الحرب غير المشروعة وغير القانونية، واضافة الى ذلك بذلت جهود لتحديد آلية خاصة بحل الخلافات العالقة بين الدول بالطرق السلمية، بل ان تاسيس هذه المحكمة جاء في هذا السياق.

ب - اعلان الامم المتحدة:
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما جرته من مصائب على المجتمع البشري لم يقتصر المدونون لاعلان الامم المتحدة على حظر الحرب فحسب، بل صرحوا في البند الرابع من المادة الثانية بان «جميع الاعضاء ملزمون في علاقاتهم الدولية بالامتناع عن التهديد بالقوة او اللجوء اليها واستخدامها ضد سيادة اي دولة او استقلالها السياسي او استخدام اي سلوك او طريقة تتنافى ومقاصد سائر الشعوب الاخرى».

اضافة الى ذلك اتخذت التدابير اللازمة لتعزيز الحلول السلمية عند الاختلاف والردع عن العدوان وحق الدفاع المشروع.

وعلى اية حال فانه يمنع اللجوء الى القوة (بمعنى الاستفادة من الالة العسكرية) بموجب اعلان الامم المتحدة.

منع استخدام القوة في الاسلام:
تسود في اذهان البعض من المستشرقين بل وحتى بعض المفكرين الشرقيين فكرة ان الاسلام يلجا الى القوة كاسلوب اول في نشر دعوته، وبعبارة اخرى ان الاسلام لا يمنع استخدام القوة فحسب بل انه يرى في الحرب افضل اسلوب لنشر الدعوة والرسالة.

ولكي نمحص هذه الفكرة ونتبين صحتها او فسادها في المفهوم الاسلامي ونستكشف راي الاسلام في قضية «استخدام القوة» لابد اولا من قراءة للايات الكريمة والسنة الشريفة واقوال العلماء في ذلك:

أولا - الايات الكريمة:
شرع الاذن بالجهاد في السنة الثانية للهجرة، بمعنى ان الدعوة السلمية استمرت قبل ذلك خمسة عشرعاما وانما شرع الجهاد في الثمان سنوات التي تلت ذلك.

وقد بدا حكم الجهاد بقوله تعالى: (ان الله يدافع عن الذين آمنوا ان الله لا يحب كل خوان كفور - اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير - الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا اءن يقولوا ربنالله...)((393)).

فالايات الكريمة التي هي طليعة الايات النازلة في الجهاد لا تدعو الى فرض الدعوة وتحميلها بل انها تجيز للمسلمين الحرب في الحالات التالية:
1 - الدفاع عن النفس.
2 - مقاومة الظلم وقتال الظالمين.
3 - قتال الذين اخرجوا المسلمين من ديارهم.
4 - قتال الذين يصدون عن الايمان والاسلام.

وتدل هذه الايات وشان النزول فيها على ان الاسلام يعتبر استخدام القوة حالة استثنائية يلجا اليها في موارد خاصة تقدم ذكرها. بل ان الحرب في المفهوم الاسلامي فضلا عن انه يراد بها فرض العقيدة على الغير تعتبر مشروع مواجهة مع من يريد سلب حق اختيار العقيدة من الناس ويروعهم باصناف العذاب لعدم اعتقادهم بما يعتقده هو او يدين به، فمن هنا شرع الله الجهاد واذن به للدفاع عن دينه وبهذا الاسلوب ارادان يدافع عن دينه((394)).

ولم يرد في اي من آي القرآن الكريم ما يتضمن الدعوة الى نشر الرسالة بالقوة والحرب، بل العكس صحيح، فان القرآن يرجح اسلوب الدعوة في قوله تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن)((395)).

وعليه فانه(ص) قد امر ان يدعو باحد هذه الطرق الثلاثة((396)).

فالاية «تشير الى ان وظيفتكم هي الدعوة الى طريق الحق بالطرق الثلاثة المتقدمة»((397)).

ولذا ياتي قوله تعالى تباعا: (ان ربك اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين)((398)).

والعقيدة اساسا هي من الامور الباطنية غير الظاهرة التي لا يمكن الاطلاع عليها، فكان الاية تريد ان تقرربان من يهتدي عن طريق احد هذه الطرق الثلاثة فهو مؤمن حقيقة. وفي غير هذه الحال فانه حتى لو اظهرالايمان لا يمكن الوثوق بذلك والتصديق به ولا يمكن فرض العقيدة فرضا على اي انسان، وذلك «لانا اذااعتبرنا عقيدة التوحيد من الحقوق الانسانية حقا فانه لا يمكن ان نخوض حربا نفرض بها على الامم الاخرى مثل هذه العقيدة، لان العقيدة في حد ذاتها لا تقبل الفرض»((399)).

ان الحرب او معاقبة العدو في المنظور القرآني تعتبر آخر الحلول: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)((400)). فاذا استنفذت اساليب الحوار المنطقي والعاطفي والجدل اغراضهاولم ينتج المامول وتحقق التجاوز والاعتداء من قبل العدو و «اريد العقوبة (بسبب التعدي) بمقدار التجاوز الحاصل»((401)) فانه تجوز العقوبة حينئذ بالمثل لا ازيد، بل الاية توصي في آخرها بالصبر. وعلى كل حال فان القرآن الكريم لم يرد فيه ترخيص للمسلمين بنشر الدعوة بالحرب والقسر.

ثانيا - السنة الشريفة:
كان المسلمون في بدايات الدعوة يستاذنون النبي(ص) في القتال فلم يكن ياذن لهم لعدم مجيء الامر به الى ذلك الحين، وكان المشركون آنذاك قد صادروا اموال المسلمين، يقول العلا مة الطباطبائي: «وقد كان المؤمنون منذ زمان يسالون النبي(ص) ان ياذن لهم في قتال المشركين فيقول لهم: لم اؤمر بشيء في القتال،وكان ياتيه كل يوم وهو بمكة قبل الهجرة افراد من المؤمنين بين مضروب ومشجوج ومعذب بالفتنة يشكون اليه ما يلقونه من عتاة مكة من المشركين فيسليهم ويامرهم بالصبر وانتظار الفرج حتى نزلت الايات وهي تشتمل على قوله: (اذن للذين يقاتلون...) الخ»((402)).

ان من يلاحظ حروب النبي(ص) يجد ان المنطلق فيها اما هو الرد بالمثل او لنقض العدو العهد اولمهاجمته المسلمين، ولا يوجد في مورد واحد من تاريخ الاسلام ما يشير الى ان الرسول(ص) انطلق في حروبه وغزواته لهدف الحرب ولنشر الدعوة بالقوة، بل انا نجد انه(ص) يبرم الاتفاقيات والعقود مع بعض المشركين الذين لم يسلموا لتحييدهم وعدم تعرضهم له(ص)((403)) في مقابل ان يتركهم على الشرك.

ثالثا - آراء الفقهاء:
بالرغم من الخلاف الموجود بين الفقهاء في حقيقة الجهاد حيث ذهب البعض الى اعتباره نوعا من القتال الدفاعي((404)) فيما اجاز البعض الاخر اللجوء الى القوة لنشر الدعوة((405)) الا ان الجميع متفقون على ان الاصل هو عدم جواز اللجوء الى القوة الا في موارد خاصة تستنفذ الدعوة السلمية فيها اغراضها. ويرى البعض ان القرآن «لم يشرع الجهاد للغلبة والظهور بل لرد العدوان والتجاوز»((406)).

وعليه فانه يمكن اللجوء الى القوة في مقام الدفاع فحسب لا غير((407)).

من يرى المغايرة بين الجهاد الابتدائي والدفاع الى ان بدء الدعوة كان «بالدعوة المجردة والصبر على الاذى في جنب ثم الدفاع عن بيضة الاسلام ونفوس المسلمين واعراضهم واموالهم ثم القتال الابتدائي الذي هو دفاع عن حق الانسانية وكلمة التوحيد ولم يبدا بشيء من القتال الا بعد اتمام الحجة بالدعوة الحسنة كما جرت عليه السنة النبوية»((408)).

وعليه فما دامت الدعوة السلمية ممكنة فلا يجوز اللجوء الى القوة (وحقيقة الامر هي ان الاسلام قد سمح بالقتال دفاعا عن النفس، كما سمح بقتال البغاة والمارقين ايضا مع اذن الامام او نائبه الخاص في الثاني).وعليه فحتى الجهاد الابتدائي الذي وقع موقع الاشكال هو استثناء وليس قاعدة.

فالخلاصة ان مجموع الايات والسنة الشريفة واقوال العلماء تدل على ان الاصل في التعامل مع غيرالمسلمين هو الدعوة السلمية، فاذا استنفذت الدعوة اهدافها وقامت الحجة وتمت الدعوة المتكررة على الكفاروتكرر الرفض منهم جاز استعمال السيف في موارد خاصة، واما في خلاف ذلك كتوسيع نطاق السيطرة على الغير واستثمار الموارد الطبيعية والثروة لديه بل حتى حل الخلافات (كالخلافات الحدودية مثلا) معه اذا لم يصدر منه عدوان وكان يجنح للسلم فانه لا يجوز البدء بالحرب، واما الموارد التي تشكل استثناء من هذه القاعدة فهو ما سنتعرض له في بحثنا القادم.

* المبحث الثالث - المستثنيات من قاعدة حظر استخدام القوة:
الدفاع المشروع:
ياتي الدفاع المشروع في صدارة المستثنيات من القاعدة المذكورة، فقد نصت المادة (51) من اعلان الامم المتحدة في هذه الحالة على انه «اذا تعرضت احدى الدول الاعضاء في مجلس الامم المتحدة الى هجوم مسلح فما لم يبادر مجلس الامن الى اتخاذ الخطوات اللازمة لحفظ السلام العالمي فان مواد الاعلان لا يجيزالدفاع عن النفس سواء كان بصورة فردية او جماعية ويجب على الدول الاعضاء ان يرفعوا الى مجلس الامن تقريرا عن الخطوات التي تمارسها في طريق اعمال حقها في الدفاع».

انا نلاحظ انه وبالرغم مما ينص عليه الاعلان من احتفاظ المعتدى عليه باعمال حق الدفاع عن النفس الا انه (الاعلان) يوقت ذلك بمدة زمنية محددة الى ان يبادر مجلس الامن للتدخل.

وقد اعتبر قانون الحقوق الاسلامي هذا الحق حقا طبيعيا بين عامة البشر وبين المسلمين انفسهم ايضا فهوقانون سار في علاقات المسلمين انفسهم وفي العلاقات الدولية العامة، ولذا قسم الفقهاء الدفاع الى دفاع عن النفس ودفاع عن الارض وكيان الاسلام((409))، وموضوع بحثنا هو القسم الثاني.

أ - وجوب الدفاع المشروع:
يجمع فقهاء الاسلام كافة على وجوب الدفاع اذا داهم العدو المسلمين او ارضهم او بيضة الاسلام بجميع الوسائل المتاحة((410)). ولا يختص هذا الوجوب باهالي تلك البقعة بل يعم المسلمين كافة (وان كانوابعيدين عنها)((411)). وبالرغم من سقوط الجهاد عن النساء فان من الفقهاء من يعتقد «جوازه لهن للدفاع في حالات الضرورة»((412)).

ويستند وجوب الدفاع في الاسلام الى آيات عديدة منها:
قوله تعالى: (وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين)((413)). وقد ورد في الاية لفظ «القتال» وهو محاولة الرجل قتل من يحاول قتله((414)).
وهذا هو الدفاع بعينه، فان «الدفاع محدود بالذات، والتعدي خروج عنه»((415)).

ب - عدم اشتراط حضور الامام في وجوب الدفاع:
لا يشترط في لزوم الدفاع ان يكون في حضور الامام(ع) او اذن نائبه الخاص او العام باجماع فقهاء الاسلام قاطبة، فلو كان الفقهاء عاجزين عن الدفاع فانه يجب على كل من يتمكن من النهوض للدفاع او جمع القوة له ان يقوم بذلك وعلى سائر المسلمين اتباعه((416)).

ج - مصاديق الدفاع المشروع:
1 - الدفاع عن اراضي المسلمين: وما تقدم البحث فيه حتى الان يرجع الى هذا القسم.

2 - الدفاع عن نفوس المسلمين واموالهم: يختلف الحقوقيون في مشروعية الالتجاء الى القوة فيما لوتعرض اتباع الدولة الى العدوان، الا ان الواقع العملي للدول (سيما الدول العظمى) وراي الكثير من الحقوقيين اعتبار ذلك من الدفاع المشروع((417)) ولا ينحصر الدفاع في الاسلام بالدفاع عن بلاد المسلمين حسب، بل يشمل الدفاع عن غير بلادهم، اذ لا فرق في الدفاع بين كونه عن النفس او عن الارض، ولابد من القول بان للدولة الاحتفاظ بحق الدفاع عن مواطنيهاما دام توفير الامن والسلام لهم يقع على عاتقها، ويعتبر من اول مهامها فلها هذا الحق، طبعا ما لم تسئ الاستفادة منه واستغلاله.. حتى قيل انه لو اسرالكفار احد المسلمين وجب على باقي المسلمين استنقاذه منهم((418)) فمن باب اولى حينئذ ان يستنقذ منهم من دخل من المسلمين للتجارة او غيرها من الاغراض فتعرض من قبلهم للاذى والخطر على نفسه.

3 - الدفاع الوقائي: وهو ان تدعي دولة ما ان دولة اخرى جارة لها او غير جارة تستعد لمهاجمتها كان تحشد قواتها على حدودها او تقوم بايجاد مواقع غير ضرورية على الحدود وامثال ذلك فيكون هذا مبررالهجومها((419))، وقد وقعت المبادرة للهجوم موقع البحث في اعتبارها امرا قانونيا او غير قانوني. ومن جهة فقد وقع هذا الحق موضعا للاستغلال المفرط في فترات مختلفة. ويمكن ان يكون هذا الدفاع مشروعا فيمااذا توفر على الشروط التالية:
1 - اذا كان هناك تهديد بشكل سافر وعلني وعلى اثر ازمة وخلافات سياسية حادة بين الجانبين اوبشكل غير سافر كاحضار السفراء والهيئات الدبلوماسية لدى البلدين ورفض المحادثات المباشرة وانزال القوات والمعدات على الحدود((420)).
2 - تمكن الدولة التي تهدد من تنفيذ تهديداتها والقيام بعمل عسكري.
3 - انسداد الحلول السلمية لايقاف العدوان او عدم جدواها((421)).

وللمسلمين حسب الحقوق الاسلامية حق الدفاع عن انفسهم اذا خافوا هجوم العدو خوفا مدعما بالشواهدوالادلة القوية لا الاحتمالات الواهية.

يقول الامام الخميني(قدس سره) في هذا الخصوص: «لو غشي بلاد المسلمين او ثغورها عدو يخشى منه على بيضة الاسلام ومجتمعهم يجب عليهم الدفاع عنها باية وسيلة ممكنة من بذل الاموال والنفوس»((422)).

والمقصود بالخوف هنا ما كان مبتنيا على الادلة والارقام الواضحة، وعليه فانه «لو خيف على زيادة الاستيلاء على بلاد المسلمين وتوسعة ذلك واخذ بلادهم او اسرهم وجب الدفاع باية وسيلة ممكنة»((423)).

وبهذا فانه يمكن الدفاع الوقائي وذلك باقتحام اراضي العدو لحفظ اراضي المسلمين من نيران العدو.والنكتة المهمة هنا هي سقوط التكليف بالقتال عن المسلمين بمجرد زوال الخطر من قبل العدو اذ لا مفهوم حينئذ للدفاع بما يبرر استمرار القتال.

ان المقابلة بالمثل((424)) تعني «اعمال الحق للرد من خلاله على عمل مشابه لدولة اخرى» (وان كان البدءبتحريك ساكن امرا خلاف القانون). ولذا فان القانون العالمي يعطي للمتضرر الحق في التدارك بمقدارالضرر المتوجه اليه. قال تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا اءن الله مع المتقين)((425)). والحرمات جمع حرمة، وهي الامر المحرم والممنوع في نفسه، ولكنه يسمح به قصاصا وردا على عمل غير قانوني صادر من الغير، وانما«شرع القصاص في الحرمات لانه شرع جواز الاعتداء بالمثل»((426)).

ولكن يشترط في هذا القصاص ان يكون بالمثل لا ازيد منه ولذا عبر عنه ب (القصاص) هنا وفي آية اخرى بالمماثلة (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم).

لقد قام المشركون في معركة بدر بعمل اجرامي مخالف للانسانية عندما مثلوا باجساد المسلمين سيما حمزة عم النبي(ص) مما بعث على حزنه(ص) حتى قال لئن ظفرت بقريش لامثلن بسبعين رجلا منهم نزل قوله((427)) ( وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)((428)).

والحاصل فان المماثلة والقصاص حق طبيعي في الاسلام هذا اولا، وثانيا ان شرط القصاص المماثلة بلازيادة وافراط.

الحرب المشروعة او العادلة:
1 - الكليات:
تزامنا مع الحروب المدمرة التي اجتاحت القارة الاوربية فقد طرحت نظريات عديدة حول الحرب والحرب المشروعة، وقد راجت ثم تبلورت فكرة ان الحرب ليست اسلوبا ناجعا لتحقيق الاغراض السياسية، فالحرب يلجا اليها اذا كانت مشروعة وقانونية، ولكن ما هي الحرب المشروعة؟ هذا ما اختلفت الاجابات عنه، فقدقدم (ماكياول) اجابة تقول بان الحرب المشروعة هي التي يشخص الحاكم ضرورتها((429))، واعتبر (روسو)الحرب من اجل الحرية حربا مقدسة((430)).

وعرفتها الماركسية بالحرب التي تخوضها الطبقة المستعمرة ضد المستعمرين اي طبقة الاثرياء((431)).

واخيرا فقد اعتبر الفلاسفة وذوو الفكر المعاصرون ان الحرب اسلوب لحل الخلافات واضعين للحرب القانونية المشروعة شروطا هي:
(1) - ان تكون قانونية اي مقرة من مرجع قانوني صالح.
(2) - ان تتوفر على سبب قانوني مبرر، بمعنى قيامها على العدل وبما يتناسب والاضرار الحاصلة من العدوان.
(3) - الضرورة، اي انسداد جميع السبل المتاحة لاحقاق الحق.
(4) - التوجيه الصحيح بنحو يمكن معه استعادة السلام والنظم((432)).

وفي هذه الظروف وتاثرا بهذه النظريات دون ميثاق الامم ونص البند الاول من المادة 12 منه على شروط البدء بالحرب، وقد اجيز بموجب هذه المادة لخمس دول او مجموعات اللجوء الى الحرب.