الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وقد اعتبر اعلان الامم المتحدة «منع اللجوء الى الحرب» ردعا عن وقوع كل حرب معتبرا هذه القاعدة قاعدة حاكمة الا انه يستثنى منها حالتان:
احدهما: الدفاع المشروع الذي تقدم الكلام عنه.
وثانيهما: القرارات الجماعية المتخذة لحفظ السلام والامن العالمي.

وقد طرح اخيرا الى جانب هاتين الحالتين ما يسمى ب «التدخل لاغراض انسانية»، وقد استصدرت تحت هذاالعنوان بعض القرارات في حالات معينة من مجلس الامن لاستعمال القوة، مثل ارسال الولايات المتحدة قواتها الى الصومال والعمليات التي قامت بها القوات الامريكية وحلفاؤها ضد العراق سنة 1991 م في حرب تحرير الكويت، الا ان مثل هذه القرارات تفتقد الضابطة في تحديد حقيقتها((433)).

فما هو التوجيه الذي يقدمه مجلس الامن للتدخل الانساني مع ان اعلان الامم المتحدة يقر حالتين فقط هماحفظ الامن العالمي وحالة الدفاع المشروع؟

نعم يمكن اخضاع ذلك الى المادة 39 التي تنص على «حفظ السلام»، وقد سمح القرار 688 الصادر من مجلس الامن في ابريل 1991 بالتدخل المباشر في امور العراق استنادا لمسؤولية مجلس الامن في حفظ الامن والسلام العالمي وذلك ردا على سوء المعاملة غير الانسانية للحكومة العراقية مع شعبها خصوصا الشعب الكردي في الشمال، وكذلك القرار رقم 794 الصادر في سنة 1992 الذي يسمح للقوات الامريكية بالتدخل في الصومال بسبب التهديد الذي يشكله النظام الصومالي على السلام والامن العالميين. وعليه فانه لا مجال في الحقوق العالمية لما يسمى بالتدخل الانساني غير عنوان «حفظ السلام والامن العالميين».

2 - راي الاسلام في الحرب المشروعة:
سبق وان قلنا بان الاسلام يرى ان الاصل هو عدم اللجوء الى القوة، ما عدا حالة الدفاع التي تشكل استثناء من هذه القاعدة، والاستثناء الاخر هو القتال المشروع (الذي يمكن ان يدخل فيه الدفاع ايضا، الا ان مقصودنا من الحرب المشروعة هنا معناها الخاص) الذي يشمل الجهاد وكذلك محاربة البغاة الخارجين على الحكم الاسلامي، وهو موضوع (اي محاربة البغاة) خارج فعلا عن دائرة بحثنا.

(1) - مع من تكون الحرب المشروعة (الجهاد الابتدائي)؟
تقع هذه الحرب مع فئتين: اهل الكتاب والكفار.

أ - اهل الكتاب:
قال تعالى: (قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ماحرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)((434)).

وللمفسرين في تفسير الاية رايان:

قول يرى ان «من» هنا «بيانية» وليست تبعيضية((435)) فتكون الاية شاملة لاهل الكتاب كافة، لعدم ايمانهم الصحيح بالله وباليوم الاخر.

وقول آخر يرى ان الاية الكريمة صنفت اهل الكتاب صنفين: صنف يؤمن بالله واليوم الاخر (طبقا لدينهم) والمراد بالرسول هنا هو رسولهم و «دين الحق» هو دينهم الذي يدينون به، فالصفات الواردة في صدر الاية هي قيود لاهل الكتاب، بمعنى ان كل كتابي يؤمن بالله ورسوله واليوم الاخر فانه لا يجوزقتاله((436)).

وبغض النظر عما هو الصحيح من هذين الرايين فان القدر المتيقن من مفاد الاية هو جواز الحرب مع فئة من اهل الكتاب ممن يتصف بالايمان بالله واليوم الاخر.

ب - سائر الكفار:
قال تعالى: (فاذا انسلخ الا شهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد...)((437)).

فهؤلاء الكفار - وهم الفئة الثانية التي اباح القرآن قتالها - لا يعتقدون باي دين من الاديان السماوية، الا ان هذه الحرب سواء كانت مع اهل الكتاب او الكفار لها اهدافها وحقيقتها الخاصة بها.

(2) - اهداف الجهاد الابتدائي وحقيقته:
أ - اهداف الجهاد الابتدائي:
-
مساعدة المظلومين: قال تعالى: (اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير)((438)).

لقد اعتبر الاسلام مقاومة الظلم حقا من حقوق المظلوم فيما دعا الاخرين للدفاع عن المظلوم، وفي ذلك يقول الامام علي(ع) لولديه الحسن والحسين(ع): «كونا للظالم خصما وللمظلوم عونا»((439)). وهذا ما تنص عليه المادة الثانية والثالثة من دستور الجمهورية الاسلامية من رفض الظلم واعتبار معاضدة المظلوم ونصرته من مسؤوليات وواجبات الجمهورية الاسلامية.

- مقاومة الاضطهاد: ان من اهداف الجهاد هو مقاومة الحكومات التي تصادر راي الناس وحريتهم في اختيار العقيدة التي يريدونها وتقوم بقمعهم فكريا وابقائهم في حالة من الاستضعاف والبؤس الفكري حفاظا على سلطانها، فالاسلام يدعو الى مقاومة امثال هذه الحكومات ليتسنى للشعوب اختيار الافضل.

- الدفاع عن الحقوق والقيم الانسانية:
تصنف بعض الحقوق والقيم الانسانية في قسم الحقوق الذاتية للبشر والتي لا تختص بقوم دون آخرين وبعقيدة دون اخرى، بل هي حق طبيعي ملازم لانسانية الانسان، وعليه فان كل من يحاول (وباي اسلوب كان سواء بالقوة او الخدعة او وسائل الاعلام) غمط هذه الحقوق ومصادرتها او طمسها وازالتها من قاموس المجتمعات البشرية (لا من فئة خاصة) فهو خائن ومجرم بحق الانسانية. وتمثل هذه الجماعات خط الانحراف والزيغ عن خط الفطرة الانسانية من امثال الدعوات العنصرية والحكومات التي تقوم حركتها على اعتبار الانسان اداة اقتصادية.. هؤلاء الذين يديرون عجلة الاقتصاد على شبكات توزيع المخدرات وترويج الفساد وجر الشعوب الى السقوط الاخلاقي لتخدير الراي العام واقصائه عن القيم الانسانية.

يقول الامام علي(ع): «ولعمري ما علي من قتال من خالف الحق وخابط الغي من ادهان ولاايهان»((440)).

ان فلسفة بعث الرسل والانبياء هي ما عبر عنها الامام(ع) بقوله: «ارسله على حين فترة من الرسل وتنازع الانسان فقضى به الرسل وختم به الوحي، فجاهد في الله المدبرين عنه والعادلين»((441)).

قال تعالى: (ان فرعون علا في الا رض وجعل اءهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم انه كان من المفسدين)((442)).

ب - حقيقة الجهاد الابتدائي:
سبق وان قلنا بان ثمة خلافا بين الفقهاء في اعتبار الجهاد الابتدائي نوعا من انواع الدفاع او انه قتال (لادفاع) لكنه مشروع لاهداف مشروعة رسمها الاسلام له وايا كان اعتبار هذا العمل دفاعيا او هجوميا فانه تاسيس خاص ينسجم - اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار الاهداف التي ذكرناها للجهاد - وما يصطلح عليه اليوم في قاموس القانون الدولي بـ«التدخل لاغراض انسانية»، ولهذا السبب ايضا لم ندخل في تحديد وبحث ماهية هذا العمل (التدخل لاغراض انسانية) هل هو عمل دفاعي او هجومي؟

ان الراي العام العالمي قد بلغ من النضج والوعي ما لا يسمح له بالحيادية مع اي انتهاك يحصل في العالم لحقوق الانسان، ولذا نجده يدافع بشكل فطري وتلقائي عن تلك الحقوق، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان من واجبات الدولة الاسلامية - وهي تطبق الاحكام الاسلامية - مواجهة كل من يحاول الاعتداء على الحقوق والكرامة الانسانية لتخليص المظلومين في جميع العالم من براثن هذا العدوان واسترداد هويتهم الانسانية، وليس هذا من العدوان في شيء لانه لا يراد من ورائه بسط النفوذ والسيطرة على البلاد والشعوب، ولا هو من الاستعمار لانه لا يراد منه جلب الاستثمارات الاقتصادية والسيطرة على الثروة، بل هو لتحقيق العدالة الاجتماعية فتنطبق عليه مقولة «التدخل لاغراض انسانية» ولا يمكن لاي ضمير حي اوقانون صالح ان يمنع ذلك او يقف بوجهه. بل هي حقيقة ادركت ضرورتها جميع الشعوب في العالم.

ان الاشكالية الرئيسية في قانون الحقوق العالمي تكمن في العجز عن تشريع القواعد المطلوبة لمثل هذاالحق وذلك بسبب وجود القوى السلطوية الموجودة واستغلالها السياسي للحق المذكور مع انها ترفع شعار تطبيق العدالة في المجتمع العالمي.. اجل لقد عجز اعلان حقوق الانسان بسبب استمداده من قوانين النهضة الفكرية في الغرب من تعيين الحقوق الحقيقية للانسان ومعرفة موارد نقضها وانتهاكها، ولطالما تخبطت بين الافراط والتفريط في التعامل مع هذه المسالة، وعليه فانه من غير الصحيح ابدا ان ننتظر من مثل هذا النظام الحقوقي السقيم ان يخطو باتجاه تخليص الانسان وتحريره.

وهذا بعكس الاسلام - الذي يقوم على النظرة الربانية - فانه يحدد وبدقة موارد انتهاك حقوق الانسان بعيدا عن كل افراط او تفريط كما يؤسس لنظرية «التدخل للاغراض الانسانية» على اسس متينة وقوانين رصينة لانتشال الانسانية وتخليصها.

اعلان الحرب:

1 - الكليات:
مسالة اعلان الحرب هي من المسائل القديمة في تاريخ العلاقات الدولية ولكنا نجد اغلب الدول تتحاشى عادة الاعلان عنها لتوفر عنصر المباغتة في الحرب. وقد نصت المعاهدة الثالثة في لاهاي والمؤرخة في 18 اكتوبر 1907 م على ان الحرب يجب ان يسبقها الانذار المسبق.

وتختلف الاساليب في اعلان الحرب، فتارة تكون بقطع العلاقات الدبلوماسية او التجارية((443)) او اعلانهابصورة صريحة من قبل مسؤول ذي صلاحية في البلاد.

ومن الواضح ان قطع العلاقات الدبلوماسية او التجارية لا يعني دائما اعلانا للحرب، الا اذا صرح من يقوم بذلك بان المقصود هو اعلان الحرب او تتوفر الشواهد والقرائن على هذا المقصود.

ولا تحتاج الحرب من وجهة حقوق اسلامية الى اعلان اذا اندلعت مع دارالحرب او اذا تعرضت بلادالاسلام لهجوم الكفار.

نعم تمس الضرورة الى اعلانها في حالتين:
أ - اذا خانت الدولة المعاهدة العهد (بالتعاون مع العدو) او تسامحت في تطبيقه مع الدولة الاسلامية، فانه يسوغ حينئذ فسخ المعاهدة ولكن يجب اعلام الجانب الاخر ببدء الحرب((444)).
ب - فيما لو كانت الاتفاقية باطلة (كما لو كان قد تم امضاؤها من طرف فاقد للصلاحية) فانه يجب اعلام العدو بالحرب وعدم مباغتته((445)).

2 - المرجع الصالح لاعلان الحرب:
ينص القانون الاساسي لكل دولة على تعيين المرجع الواجد لصلاحية اعلان شن الحرب((446))، واسلاميا فان الامام(ع) او رئيس المسلمين بشكل عام هو الذي يتمتع بصلاحية ذلك((447)). ويترتب على ذلك:

أ - اعتبار البلد الذي تشن عليه الحرب من قبل الحكومة الاسلامية دارا للحرب:
انه وبمجرد ان تعلن الحكومة الاسلامية شن الحرب على اراضي البلاد الاخرى فان تلك البلاد تتحول الى دار الحرب وتترتب عليها جميع احكام دار الحرب.

ب - حظر التجارة مع العدو((448)):
من القواعد العامة في الحقوق الدولية قاعدة حظر التجارة مع العدو، وتتمتع هذه القاعدة بمكانة خاصة في الحقوق الداخلية لبعض البلدان بشكل تضمن جميع القوانين الداخلية منع التجارة مع العدو بضمانات جزائية ومدنية للردع عن هكذا اتفاقيات((449)).

ويناط تشخيص هذا الموضوع بنظر الحكومة الاسلامية. ولا يسمح قانون الحقوق الاسلامي بدخول الكافرالحربي مطلقا الى الدول الاسلامية باي سبب كان واذا دخل اعتبر جاسوسا ويتم القاء القبض عليه.

نعم له ان يدخل بترخيص (امان) من الحكومة الاسلامية او اي مسلم من مواطنيها ويكون حينئذ مستامناوله حق التجارة ولكن ضمن مقررات الدولة وقوانينها، فيستورد الى بلاد المسلمين البضائع سيما اذا كانت تضاعف في القدرة العسكرية والاقتصادية للبلد، كما يقوم بالتصدير منها ولكن شريطة ان لا يؤدي الى قوة العدو العسكرية ويصدق هذا الحكم على التجار المسلمين ايضا وللدولة بشكل عام المنع من اي تجارة تشخص عدم المصلحة فيها.

ج - فسخ الاتفاقيات بين الجانبين:
لا يمكن اللجوء الى خيار الحرب من وجهة النظر الاسلامية ما دامت معاهدة السلام نافذة وموجودة، فلابداولا من فسخ هذه المعاهدة بواحد من اسباب الفسخ ثم اعلان الحرب بعد ذلك. وعليه فالحرب ليست سبباموجبا للفسخ بل هي ناتجة عن فسخ المعاهدة اولا، وحينئذ تنفسخ بتبعها سائر العقود والاتفاقيات المنعقدة على ضوء معاهدة السلام، فمثلا عقد الامان بحق الافراد المستامنين الذين دخلوا البلدان الاسلامية يعتبرالعقد لاغيا بشانهم ويجب عليهم مغادرة البلاد الاسلامية وايقاف عقودهم الممضاة مع الاخرين.

د - اموال العدو:
لابد من التمييز هنا بين الاموال العامة للدولة وبين الاموال الخاصة وذلك بما يلي:

أولا - الاموال العامة للدولة:
تعتبر جميع الاموال العامة لدولة العدو غنيمة مع بدء الحرب سواء كانت هذه الاموال في ارض العدو وتم الاستيلاء عليها او كانت في ارض المسلمين سيما اذا كانت هذه الاموال ذات ابعاد عسكرية ومؤثرة في تعزيز القدرة العسكرية للجيش الاسلامي((450)). وتدخل هذه الاموال ملكا للدولة الاسلامية لا ملكا خاصا للافراد.

ثانيا - الاموال الخاصة:
تعتبر اموال الافراد المستامنين المتواجدين على ارض البلاد الاسلامية محترمة حتى في صورة اندلاع الحرب مع حكوماتهم وانفساخ معاهدة السلام معها، ويتم التعامل مع هذه الاموال بالاشكال التالية:
الاول: ان يقوم امام المسلمين بحماية المستامنين بجعل نفوسهم واموالهم في اماكن آمنة((451)) حتى يبلغهم مامنهم من بلادهم او اي مكان يريدون، ولكن للحكومة الاسلامية المنع من تصديرهم للبضائع التي تضاعف في القدرة العسكرية للعدو.
الثاني: ان اموال المستامن محترمة الى آخر مدة الامان، وحتى في حال ترك المستامن دار الاسلام وموته في دار الحرب فان امواله تنتقل الى وارثه المسلم او الذمي((452)).

4 - الدعوة الى الاسلام:
كان الانسب بحث مسالة الدعوة الى الاسلام قبل البحث في قضية الاعلان بشن الحرب، لان الدعوة الاسلامية اساسا هي نوع من «الانذار والتحذير= التيمتوم»((453)) يصار اليها قبل بدء الحرب((454)) ولاتجوز الحرب في الاسلام قبل البدء بالدعوة وامهال العدو فرصة البحث والتنقيب((455))، ففي خبر مسمع بن عبد الملك عن الامام الصادق(ع) عن آبائه(ع) قال: «قال امير المؤمنين(ع): بعثني رسول الله(ص) الى اليمن فقال: يا علي، لا تقاتلن احدا حتى تدعوه...»((456)).

وبشكل عام فان فتوى الفقهاء قاطبة هي لزوم تقدم الدعوة اولا قبل البدء بالقتال((457))، بل يرى بعض الفقهاء عدم مشروعية البدء بالحرب ما لم يكن العدو هو البادئ بها اتماما للحجة عليه((458))، ويجب هنا التذكير والاشارة الى عدة امور:
الاول: لقد سبق القول بان الجهاد الابتدائي هو نوع من انواع «التدخل لاغراض انسانية» وان الهدف منه ليس فرض الدعوة بالقسر، وعليه فاذا وافق الجانب الاخر على شروط الدولة الاسلامية ولم يعارض نشرالدعوة بالسلم امكن حينئذ عقد الصلح معه لقوله تعالى: (وان جنحوا للسلم...)((459)).
الثاني: ان لزوم تقدم الدعوة قبل القتال خاص بالجهاد الابتدائي دون الدفاعي.
الثالث: ان الجهاد الابتدائي انما يشرع حسب مشهور فقهاء الامامية بحضور الامام(ع) وان يكون في ركابه وان يقوم هو بامر الدعوة او نائبه الخاص من قبله((460)).

ساحة المعركة:

1 - المنطقة الحربية:
تطلق منطقة القتال والحرب على جميع ارجاء الدول المتنازعة، جوا وبحرا وبرا. فساحة الحرب تعم الدولتين، دولة دار الحرب ودولة دار الاسلام، واما سائر المناطق والبلاد الاخرى فان لها وظائف خاصة بهاتجاه الدولتين المتحاربتين. وهناك جملة من الاحكام التي تترتب على اعلان دولة ما دارا للحرب، وهي:
(
1) - دخول جميع اموال دار الحرب في الغنيمة باستثناء الموارد التي يستثنيها المسلمون او امامهم في اتفاق سابق على الحرب((461)).
(2) - عدم اقامة الحدود في دار الحرب((462)) فعن الامام الصادق عن جده امير المؤمنين(ع) قال: «لا يقام على احد حد بارض العدو»((463)).

2 - ساحة القتال:
وهي عبارة عن كلا الارضين ارض دار الحرب وارض دار الاسلام التي تكون محلا للعمليات العسكرية،ولهذه الساحة احكامها الخاصة بها، فمثلا يعتبر القتلى في داخل هذه الساحة شهداء لا يغسلون ولايكفنون((464)). وهناك مناطق محرمة لا يجوز القتال فيها ما لم يعتد عليها العدو.

الفرق بين المقاتلين وغيرهم:
(
1) - المقاتلون:
كل من له القدرة على القتال ضد القوات الاسلامية ويحمل السلاح فعلا بوجهها فهو مقاتل يجيز الاسلام قتاله وقتله واسره((465)) ويشمل هذا الحكم كل من يخطط ويساعد في الخطط العسكرية وان لم يكن حاملاللسلاح بالفعل، كما في قتل «دريد بن الصمة» بامر النبي(ص) في خيبر((466)).
وكذلك يقتل الجاسوس الكافر((467)) واما المسلم فلا يجوز قتله اذا تجسس لصالح العدو على بعض الاقوال، لعدم قتل النبي(ص) «حاطب بن ابي بلتعة» في فتح مكة((468)).

(2) - المدنيون:
تحظى مسالة حفظ نفوس المدنيين في الحرب باهمية بالغة سيما في العصر الراهن الذي تستخدم فيه الاسلحة البعيدة المدى واسلحة الدمار الشامل.

وتشكل هذه القضية وعدم اهتمام الدول المتحاربة بابعادها والقرارات المتعلقة بها مشكلة كبيرة في العصر الراهن((469)).

ويعتبر الاسلام المدنيين والابرياء آمنين على انفسهم، سيما وان مقاتلي الاسلام ليس من حقهم التعرض بوجه للنساء والاطفال من المدنيين بل لايجوز التعرض للنساء حتى لو كن يساعدن في القتال((470)). قال الامام الصادق(ع): «كان رسول الله(ص) اذا اراد ان يبعث سرية دعاهم فاجلسهم بين يديه ثم يقول: سيرواباسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا صبياولا امراة»((471)).

وثمة موارد مستثناة من هذا الحكم - اي عدم التعرض للمدنيين -فقد اجاز الاسلام الهجوم على المناطق غير العسكرية في حالتين فقط:
الاولى: اذا تحصن العدو في بلدة وكانت منطلقا له في مهاجمة القوات الاسلامية ولم يمكن فتح الحصار الا بالحاق الضرر بالمدنيين، فانه يجوز في مثل هذه الحال قصف البلدة وضربها بنيران القوات الاسلامية كمافعل النبي(ص) عندما ضرب اهل الطائف بالمنجنيق مع وجود النساء والاطفال فيها، ففي هذه الصورة يجوزالضرب حتى لو كان في المدينة اسرى المسلمين اذا كان خلاف ذلك يؤدي الى هزيمة جيش المسلمين((472)).

الثانية: فيما لو تدرع الكفار بالمدنيين لمهاجمة المسلمين، كما لو عززوا قواعدهم الجوية او الصاروخية اوالمدفعية في داخل المدن، او حشدوا الاسرى المسلمين او المدنيين حول مواقعهم كدروع بشرية ولم يكن طريق للانقضاض على العدو سوى الهجوم عليهم وتوقف النصر على ذلك جاز ضربهم وان ادى ذلك الى قتل المدنيين((473)).

(3) - ضحايا الحرب:
وهم عبارة عن جرحى الحرب والاسرى:

(1) - الاسرى: بالرغم مما تنص عليه معاهدة جنيف عام 1929 بخصوص معاملة الاسرى فقد كان وضع الاسرى في الحرب العالمية الثانية وضعا مؤسفا للغاية((474)).

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية شرعت قوانين جديدة فيما يخص الاسرى من خلال تدوين معاهدة جنيف الثالثة والبروتوكول الملحق بها.

وللتشريع الاسلامي احكام مستوعبة لاحكام الاسرى:

أولا - زمان الاسر:
من القواعد والمسلمات الحربية المتفق عليها اليوم ان زمان الاسر يكون بعد انتهاء العمليات العسكرية وليس في حالها او عند تقدم القوات او مجابهتها للعدو.

قال تعالى: (ما كان لنبيءن يكون له اءسرى حتى يثخن في الا رض)((475)).

وقد افتى الفقهاء بان من ياسره المسلمون قبل وضع الحرب اوزارها (لا من يقوم بتسليم نفسه وفرق بين الحالين، فان من يقوم بتسليم نفسه ويطلب الامان يؤمن عليه اذا قبل امانه، وهذا بخلاف القانون العالمي فان له رايا آخر في من يسلم نفسه اثناء الحرب) يقتله الامام((476)). (طبعا لو اريد به المعصوم(ع) كان تعيين الوظيفة له محل تامل) ما لم يسلم((477))، نعم يحرم قتل الاسير الذي اسر بعد انتهاء الحرب((478)).

ثانيا - حقوق الاسير وكيفية التعامل معه:
من الوظائف الاسلامية حسن التعامل مع الاسرى مطلقا وحرمة ايذائهم واهانتهم حتى قال نبي الاسلام(ص) في معركة بدر: «استوصوا بالاسارى خيرا»((479)).

وقال الامام الصادق(ع): «يجب ان يطعم الاسير ويسقى ويرفق به وان اريد به القتل»((480)).

ومن هنا لا يجوز ايذاء الاسير والمس بكرامته، بل يجب ان يعامل معاملة اخلاقية((481)) وذلك من خلال مراعاة ما يلي:

- اطعام الاسير:
يعتبر القرآن الكريم اطعام الاسير من خصائص الفرد المسلم. قال تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا)((482)).
يقول ابو عزيز بن عمير (وهو اخ لمصعب بن عمير) عندما اسره المسلمون في واقعة بدر: «كنت في رهط من الانصار حين اقبلوا بي من بدر فكانوا اذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز واكلوا التمر لوصية رسول الله اياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز الا نفحني بها قال: - فاستحي فاردها على احدهم فيردها علي ما يمسها»((483)).
ومن هنا فقد اوجب الفقهاء تامين الطعام على المسلمين لاسراهم بما يكفيهم((484)).

- مكان الاسر:
تنص المادة 25 من معاهدة جنيف بخصوص معاملة الاسرى المقرة في سنة 1970 م على لزوم مماثلة محل اقامة الاسرى لمعسكرات القوات التي اسرتهم في تلك المنطقة ولزوم معاملتهم بما يناسبهم من الاخلاق والعادات وبما لا يضر بسلامتهم.
وقد كان النبي(ص) يتعامل مع الاسرى اما باسكانهم في بيوت المسلمين او في المسجد((485))، فهم يشتركون في السكن مع باقي المسلمين، وحتى نقل انه(ص) كان يسكن بعض الاسرى في بيته((486)).

- تشغيل الاسرى:
اجاز قانون الحقوق العالمي اخيرا - طبقا للمادة 49 من اتفاقية جنيف بخصوص معاملة الاسرى -للدولة التي تم فيها الاسر ان تقوم بتشغيل الاسرى بما يضمن سلامتهم البدنية والنفسية في مقابل اجر
يتقاضونه على ذلك((487)).

وقد سبق الاسلام في ذلك قبل اكثر من الف واربعمئة سنة، حيث اوجب دفع اجرة الاسير العامل وعدم جواز الخيانة به((488)).

- اطلاق سراح الاسرى:
يتم اطلاق سراح الاسرى طبقا لتشخيص امام المسلمين، ويكون ذلك باحد ثلاثة طرق:
1 - اطلاق سراحهم من دون قيد او شرط((489)).
2 - مبادلة الاسرى((490)).
3 - قبول الفدية((491)).

(وينبغي ان يعلم ان بعض الفقهاء طرح هنا مسالة «الرقية» وبعضهم جعل الامام مخيرا بين اطلاقهم مع الفداء وبين اطلاقهم بدونه((492))، ولم يتعرضوا لمسالة الرقية، هذا مضافا الى ان هذه المسالة مما لا تطبيق لها اليوم في زماننا).

وفي الوقت ذاته فانه لا يحق استخدامهم في كل ما يمت للحرب بصلة.

(2) - الجرحى والمرضى والقتلى:
أ - جرحى الحرب:
لا يجيز قانون الحقوق الاسلامي لمقاتلي الاسلام الاجهاز على جرحى الحرب من العدو((493))، حتى ان البعض يرى لزوم ارجاعهم الى بلدانهم((494)).كما يجب بمقتضى الاحسان علاجهم، فقد امر الامام علي(ع)بنقل جرحى الخوارج الذين تركوا على ارض المعركة - وكانوا اربعين شخصا - الى الكوفة، وارجاع جميع الجرحى ممن كان فيهم رمق الى ذويهم سواء كان يمكن علاجهم او لم يمكن((495)).

ب - قتلى الحرب:
لم يسمح قانون الحقوق الاسلامي بهتك حرمة اجساد العدو واحراقها والمثلة بها على الاطلاق((496))، ففي رواية عن الامام علي(ع) يقول فيها: «لا يجوز المثلة ولو بالكلب العقور».

وهذا الحكم ثابت حين الحرب وبعدها بلا فرق((497)). وقد كانت السنة قائمة على السماح للكفار باخلاءقتلاهم من ارض المعركة، ولكن فيما لو لم يفعلوا فانه يجب - على بعض الاراء الفقهية - دفن تلك الاجساد((498))، فقد روي عن النبي(ص) انه امر بدفن جثة كانت في الطريق ولم يسال عن الميت مسلماكان او كافرا((499)).

اساليب الحرب ووسائلها:

أ - منع استخدام الاسلحة المخيفة:
والمقصود من الاسلحة المخيفة والمرعبة هي الاسلحة القاذفة او المواد التي يوجب استخدامها لغيرضرورة الحاق الاذى الشديد بالناس((500)). وقد عقدت معاهدات عديدة للحد من استخدام هذه الاسلحة((501)).

وقد قسمت هذه المعاهدات اسلحة الدمار الشامل والقتل الجماعي الى القنابل الانشطارية والاسلحة الكيميائية والاسلحة البيولوجية، وبرامج تغيير البيئة والاسلحة النووية((502)).

ويمكن استفادة راي الاسلام حول الاسلحة المخيفة واسلحة الدمار الشامل من امور ثلاثة هي:
اهداف الاسلام في الجهاد، سيرة النبي الاعظم(ص)، قواعد قانون حقوق الاسلام في هذا المجال.

أولا - اهداف الاسلام في الجهاد:
سبق وان ذكرنا بان اهداف الاسلام في الجهاد تتلخص في الدفاع وفي تحقيق الاغراض الانسانية، وتاسيسا على هذا فانه لا يجوز تسديد اي ضرر غير متعارف للمقابل، فليست الحرب في الاسلام من اجل الابادة والاستيلاء على البلاد والعباد، بل هي لتخليصهم وحريتهم، الامر الذي يمنع معه استخدام اي سلاح مدمر للبشرية او يوجب ايلامها وايذاءها، وعلى مقاتلي الاسلام ان يعملوا على الحاق اقل الخسائر حتى بجنود العدو وقواته فضلا عن المدنيين.

ثانيا - سيرة النبي الاعظم(ص):
بالرغم من عدم وجود الاسلحة المحرمة الموجودة اليوم في صدر الاسلام، الا ان النبي الاكرم(ص) حظراي نوع من انواع الاسلحة غير المتعارفة والتي تؤدي الى خسائر فادحة في صفوف العدو كالحرق والقاءالسموم في الماء((503))، فعن الامام الصادق(ع) قال: «ان رسول الله(ص) كان اذا بعث اميرا له على سرية امره بتقوى الله عزوجل في خاصة نفسه ثم يقول: اغزباسم الله... لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا... ولاتحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تحرقوا زرعا»((504)).

ثالثا - قواعد قانون حقوق الاسلام:
افتى فقهاء الاسلام - استنادا لسيرة النبي(ص) - بحرمة القاء السموم على العدو((505))، كما منعوا من اغراقهم بالسيل وفتح الماء عليهم بنحو يؤدي الى تلف اراضيهم((506)).

واعتبر البعض ذلك امرا مكروها((507))، كما ان البعض حرم الحرق بالنار((508))، فيما كرهه آخر((509)). فلوجاز التعدي من السموم الى استخدام اي نوع من المواد السامة التي تؤدي الى تلوث البيئة والمياه باعتبار ان الفقهاء لم يحصروا الامر بمادة خاصة اذ المهم هو الاثار الناتجة عن السموم - فانه لا يمكن حينئذ استثناءواخراج الاسلحة الجرثومية والبيولوجية، سيما وان مثل السموم التي تحملها وتبثها مثل هذه الاسلحة لاتقاس بالسموم الموجودة آنذاك. وعليه فاذا كانت تلك السموم - مع آثارها المحدودة - محرمة وممنوعة لاضرارها بالمدنيين وتسبيبها في خسائر غيرلازمة((510)) فان تحريم الاسلحة الكيميائية والجرثومية والبيولوجية التي يستدعي استخدامها خسائر اوسع وتمتد آثارها التخريبية الى عدة سنوات بل الى عدة اجيال يكون اولى واجدر. وهكذا في القاء النار اذا كان تحريمها لاجل ما تنجم عنه من آثار مضرة بالبيئة والزرع والانسان فان استخدام السلاح النووي الذي يستتبع خسائر تفوق التصور ولا تذر على الارض دياراهي اولى بالتحريم والمنع.

ب - استخدام الاساليب غير النزيهة:
1 - الغدر والمكر:
ويدخل في هذا العنوان: اضمار التقلب في التعامل مع العدو
((511))، التمويه عليه برفع الراية البيضاء،والتظاهر بالاستسلام او طلب الصلح كذبا، او التظاهر بترك النزاع مع تبييت النية بالخديعة والغدر.

روى الامام الصادق(ع) عن النبي(ص): «اغز باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغدروا ولاتغلوا»((512)).

ويقول الامام علي(ع) لمالك الاشتر: «فلا تغدرن بذمتك»((513)). بل بلغ التحذير من الغدر وذمه بمقاطعة الدول التي تمارس الغدر، فقد سئل الامام الصادق(ع) عن متحاربين اصطلحا ثم غدر احدهما ونقض ثم التجا للمسلمين يطلب منهم الحلف معه على الاخر فقال(ع): «لا ينبغي للمسلمين ان يغدروا ولا يامروا بالغدرولا يقاتلوا مع الذين غدروا...»((514)).

وعليه فانه لا يجوز للمسلمين ارتكاب الغدر او التعاون، وبناء العلاقات مع من يقوم به وان كان ذلك مع الكفار.

2 - التجسس:
وهو جمع المعلومات بالخفية في ساحة المعركة لاحد الجانبين بغرض ايصالها الى الجانب الاخر((515)).

والجاسوس هو اما من افراد العدو المتلبسين بزي الطرف المقابل، اومن نفس القوات، وايا كان فانه يخضع للملاحقة القانونية ويحاكم - طبقا للقانون الدولي - بموجب القضاء المحلي للدولة التي القي القبض عليه في سيادتها.

ويشرع قانون الحقوق الاسلامي قتل الجاسوس الكافر الذي يدخل دار الاسلام للتجسس بلا اي خلاف في هذا الحكم((516)). واما الجاسوس المسلم الذي يتجسس لصالح العدو على الحكومة الاسلامية فثمة راي بعدم قتله - كما اسلفنا - استنادا لقضية حاطب ابن ابي بلتعة.

الا ان التامل في قضية حاطب توقفنا على ان عدم معاقبة النبي(ص) لحاطب كان مصدرها ثلاثة امور:
الأول: لعدم تمكن حاطب من ايصال الرسالة الى المشركين((517)).
الثاني: لقوله(ص): «لعل الله اطلع الى اصحاب بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»((518)).
الثالث: لعدم ارتكاب حاطب ما قام به عن سوء طوية((519)).

وعليه فان قضية حاطب خاصة لا يمكن اسراء الحكم فيها الى باقي الموارد والحالات.

هذا مضافا الى ان هذا النمط من القضايا منوط بنظر الامام ورئيس المسلمين، اذ كيف يعفى عن شخص يتسبب في قتل مئات المقاتلين من المسلمين او يؤدي الى دحر معسكرهم؟!

ولذا ينص قانون العقوبات لجرائم القوات المسلحة - المقر بتاريخ 1992 م من قبل لجنة الشؤون القضائية والحقوقية في مجلس الشورى الاسلامي والذي حظي بتاييد مجلس صيانة الدستور - على جوازتنفيذ الاعدام بالجاسوس وان كان مسلما في بعض الحالات، فلو كان هذا القانون مخالفا للشرع لما حظي بموافقة مجلس صيانة الدستور الذي يقوم بتطبيق مقررات مجلس الشورى مع الموازين الشرعية.

الغنيمة:

وتعني الغنيمة في مفهومها المعاصر عما يتم الاستيلاء عليه من اموال الدول المحاربة. وعليه لا تشمل الاموال الخاصة للناس، فهي تقابل مصطلح الغارة الذي يعني الاستيلاء على الاموال الخاصة للناس، وتطلق الغنيمة في الاسلام على كل ما يستولى عليه في دار الحرب بالقهر والغلبة((520)) في قبال (الفيء) الذي يؤخذ بلا قتال. فما يؤخذ من العدو اذا اما (فيء) او (غنيمة)، ويظهر الفرق بينهما في تقسيم الغنيمة. وقدشرعت آيات عديدة الاغتنام، قال تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا)((521)).

وتدرج عادة في بحث الغنائم مسائل من قبيل: كيفية تقسيم الغنائم، وانواع الاراضي المفتوحة وغيرها، ممالا يهمنا الدخول في تفاصيلها. بل نكتفي بالاشارة الى ان ملكية الغنيمة هي للمقاتلين وملكية الفيء هي للدولة الاسلامية. بيد انه لا يمكن الالتزام في عصرنا الحاضر بملكية المقاتلين المطلقة للغنائم على تنوعها من الاسلحة الخفيفة والثقيلة والمدافع والقاذفات والدبابات وغيرها، بل يصدق هذا حتى في الاسلحة الخفيفة والبسيطة كالمسدس مثلا، سواء اخذت بالصلح او الاستيلاء والقهر، فالجميع غير قابل للملكية الشخصية ولابد من تسليمه الى الحكومة الاسلامية((522)) فهي المالك في مثل هذه الموارد((523)).

الرسالة الجهادية
للملا رضا الهمداني (1247 هـ)

 تحقيق: ابو الفضل حافظيان
ترجمة: الشيخ حيدر حب الله

مدخل:

قبل قرابة القرنين من الزمن اندلعت حرب ضروس بين ايران وروسيا، اعتدت فيها الاخيرة، مرات ومرات،على حريم الدولة الايرانية.

وقد مرت هذه الحرب بمرحلتين:
الاولى: من عام 1218 ه الى 1229 ه، لتنتهي بالتوقيع على معاهدة (گلستان).
الثانية: وتبتدئ من عام 1241 ه.

ان تطاول امد الحرب الاولى، واستثارة الناس للحضور في ميادين القتال في الحرب الثانية، وضع زعماءالدولة الايرانية وقادة القوات المسلحة امام مشكلات جادة، كان اهمها: شرعية الحرب نفسها، ولتفادي هذه الشبهات وجهت اوامر لبعض الافراد لجمع فتاوى العلماء الاعلام، كما ابدى العلماء من جانبهم ايضا ردة فعل مناسبة ازاء اعتداءات الروس، فصنفوا رسائل متعددة تحث الناس على المشاركة في القتال والحضور في ميادين الحرب.

وفي مدة قصيرة، كتبت عدة رسائل اتت من مختلف المناطق والاطراف، وفي رسالة الشيخ جعفر والسيدعلي اللذين كانا على راس المجتهدين، جرى الحديث - وبصراحة - عن نيابة الامام(ع) ووكالة الفقهاءذوي العز والاحترام في هذا المقام، كما صرحا بدلائل واضحة وبراهين ساطعة: ان محاربة الروس في هذه الايام نوع من الجهاد((524)).

والرسالة التي بين ايدينا، واحدة من الرسائل الجهادية التي كانت قد دونت في الحرب الثانية بين ايران وروسيا، فقد ادرج في آخر الرسالة عام 1238 ه بوصفه العام الذي كتبت فيه. والذي يبدو ان هذه الرسالة كانت قد كتبت في تلك الفترة التي كانت ايران فيها في حالة الاستعداد لدخول الحرب.

اما مؤلف الرسالة، فهو الحاج الملا رضا بن محمد الهمداني((525))، احد الفقهاء والعلماء الكبار المشهورين في عهد فتح علي شاه القاجاري، كما كان اسمه على الالسن ايضا في مجال الادب والعرفان، فعرف بذلك بين الخواص والعوام((526))، وكانت للملا الهمداني ايضا اليد الطولى في العلوم الاسلامية لا سيما التفسيروالكلام، فقد صنف كتابا في التفسير طبع تحت عنوان «الدر النظيم»((527))، وله ايضا «مفتاح النبوة»، و«ارشاد المضلين»((528)).

وكانت للملا الهمداني اشعار عديدة في الادب والعرفان بلغت 8000 بيت، كما كان له اسم شعري((529)) معروف يدعى «كوثر»((530)).

توفي الملا الهمداني عام 1247 ه.

وقد لاحظنا في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي (في ايران) عددا من الرسائل باسمه تحت رقم 7571،كانت منها الرسالة الجهادية التي بين ايدينا.

لقد كان الهدف الرئيس للمؤلف من وراء هذه الرسالة حث المسلمين على الجهاد ضد المعتدين الروس، كما تعرض في مطاوي الرسالة ايضا لشرح وظائف القادة العسكريين، واصحاب الرتب المختلفة للقوات المسلحة والادارات، مشيرا الى نقاط هامة تتعلق بالرقابة والاشراف، وكذلك الحيلولة دون حصول مخالفات من رجال الدولة، محذرا الحكام من الظلم والاعتداء على الرعايا.

وللرسالة - في الاغلب - طابع اجتماعي سياسي، وقلما تعرضت للموضوعات الفقهية الفرعية، ويحوزهذا النوع من الرسائل على اهمية خاصة كونه يرشد الى حوادث وقعت في برهة من الزمن في بلاد ايران الاسلامية، كما ينبئ عن نمط تعطي علماء الدين مع المسائل الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة.

بسمه تعالى

الرسالة الجهادية لجناب الاستاذ الحاج الملا رضا الهمداني سلمه الله.

بسم الله تبارك وتعالى، الحمد الله بنواله والصلاة على محمد وآله.

اعلم ان هذه الفترة من الزمان التي هجم فيها كفرة روسياخذلهم الله - على المسلمين، واحتلوا بعضا من ولايات الاسلام واخضعوا اهاليها، وفتحوا يد الاعتداء عليهم، وعطلوا اغلب احكام المسلمين وشعائرهم واهملوها، واجروا شريعتهم فيهم، مما زاد يوما فيوما في قدرتهم واستعدادهم، فبلغ الخوف على بيضة الاسلام مبلغه.

في هذه الفترة... يصنف المجاهدون في سبيل الله والمكلفون بمقاتلة المعاندين للدين المبين الى ثلاثة اصناف:
1 - الاخص.
2 - الخواص.
3 - العوام.

ومرادنا من «الاخص» القائد الذي بيده امر الجهاد والمقاتلة، وبحكمه وامره يتحقق الجهاد والقتال، كالشاه(الملك) الحامي للاسلام - شيد الله اركانه - والمدافع عنه، وكذلك امراؤه ونوابه كنواب ولي العهد عالي المقام، المامورون بحفظ الثغور والمشغولون بتيسير امور العباد.

والمقصود من «الخواص» المباشرون لشؤون تجهيز العساكر والعمال على ذلك، ممن تحمل مهام القتال وقضايا المجاهدة وكان له بذلك حسن دراية، من امثال اصحاب الخبرات واهل المشورات ممن يقوم الغزوعلى تدبيرهم للامور وتقديرهم لها من قبيل: الوزراء، والوكلاء، واهل الديوان وغيرهم.

واما الصنف الثالث «العوام»، فهم افراد الجند والعساكر، وما كان من قبيلهم من الرجال المتدينين العاملين(الامينين؟)((531)) بشريعة سيد المرسلين والحافظين لرسومها. ممن اعد نفسه للجهاد والمواجهة.

ولكل من الاصناف الثلاثة تكليفه الخاص المقرر من جانب الشرع الشريف، وحكمه اللازم كذلك، رغم ان احكامهم - عاليهم ودانيهم - ليست على وجه واحد ونحو فارد، فالصنف الاول اشد من الثاني، والثاني اشد من الثالث، الا ان كل واحد من جهة، ذلك ان حقيقة المقاتلة تشبه صورة الانسان، وكل واحد من الاصناف المزبورة بمثابة جزء من اجزائه وعضو من اعضائه،فالامير مثلا وكذا امير الامراء بمثابة القلب،اما الوزراء، واصحاب الامر والتدبير فبمنزلة تتمة الاعضاء الرئيسية، وما بقي من العساكر بمنزلة سائراعضاء بدن الانسان.

او ان الامير بمنزلة القوى، والعساكر والجنود بمنزلة البدن، او فقل: ان الامير بمثابة الراس، واصحاب التدبير بمثابة الاركان والاطراف الرئيسية، اما الجنود فبمنزلة اللحم وسائر الاعضاء البدنية.

وعلى هذا، فكلما تقاعس القلب والروح او قواهما، وكذلك الراس والاركان، عن عملهم ولو دقيقة واحدة، اواهملوا ولو اهمالا بسيطا في اعمالهم ووظائفهم المتعلقة بهم.. اختل امر البدن، بل ضاع وانعدم، وهكذاالحال مع اولي الامر، فاذا ما تسامحوا والقادة او الوزراء واصحاب التدبير في امورهم الراجعة اليهم في الجملة او تكاسلوا - والعياذ بالله - اختل امر القتال والجهاد وضاع.

واليوم، حيث يجب الجهاد والمواجهة على المسلمين كافة، لا ينحصر التقاعس ببعض دون بعض، بل ولايقتصر فساد ذلك على قتل النفوس المحترمة، ونهب الاموال، وهتك اعراض المسلمين، بل يتعداه لانكساربيضة الاسلام، وانهدام بنيان الدين وشريعة سيد الانام - عليه الصلاة والسلام - ولبلغ ذلك العالم كافة،ولوصل ضرره الى الصغير والكبير، والى الشاب والشيخ الهرم، وهو ما يبعث - وبلا شبهة - على الخسران الابدي، كما ان معصيته مغايرة لبقية المعاصي، بل هي من قبيل قتل امير المؤمنين(ع) وعامة ائمة الدين، ذلك ان القتل لا يجر لنفوس هؤلاء العظماء النفيسة ضررا، بل ان فساده يعود على اختلال الدين وشريعة النبي الامين(ص)، وبهذايستحق فاعله الخسران الابدي.. ان هذا الضرر - بل اشد منه - يحصل في هذه الصورة ايضا.

وعليه، يلزم على العاقل المتدين الاهتمام بامر المجاهدة، وعدم الخلود للراحة والدعة ولو لدقيقة، ولاالهدوء ولا السكينة في ذلك، ذلك انه كما يكون تكليف الخواص والاخص اشد، كذلك اجرهم وثوابهم اعظم من غيرهم واكبر.

فطوبى لمن شمر عن ساعد الجد والاجتهاد في هذا الطريق، وسعى بليغا لافراغ ذمته من التكاليف التي في عهدته، وقد كتب العبد الحقير الداعي - كسائر علماء العصر وفضلاء الدهر كثر الله امثالهم - رسائل متعددة في ذلك، فلا نجد ضرورة لبيان تفاصيل هذه التكاليف كل على حدة.

وبشكل اجمالي، الواجب ان لا يهمل كل واحد العمل المسند اليه ولا دقيقة واحدة، وليعلم ان الاهتمام بهذاالتكليف اكبر من الصوم والصلاة والزكاة والحج الواجب، ذلك انه مع انهدام بنيان الاسلام - والعياذ بالله -تصبح ركعتا الصلاة بلا حاصل، او لن يكون بمقدور احد اقامة اي من الاحكام الشرعية.

وعليه، يلزم على الجميع عدم التقصير فيما يواجههم، وعلى كل شخص مراعاة امر الجهاد والاهتمام به،فلكل عمله، فان لم يكن يحمل السيف او يقاتل، فيجب على البعض الاهتمام بتامين اسباب القتال، فالعالم عالم الاسباب، وكل مسبب منوط بسببه ومربوط بشرطه، واذا فقد السبب والشرط فقد المسبب والمشروط.

وليعلم ايضا انه كلما كان امر الجهاد مضبوطا ومنتظما كلما تعززت اقامة امر الشريعة.. لا سيما على الملك والامراء والعساكر، فقد قيل: الناس على دين ملوكهم.

وبقيام الملك والقادة بالعمل في امورهم وفق ضابط الشرع ورعاية العدالة في الاعمال كافة يقوم سائرالناس ايضا بامورهم الراجعة اليهم على طريق الشرع والعدل، هذا بقطع النظر عن ان ذلك يعمر البلاد ويحيي العباد، كما يورث - وبلا شبهة - المحبة والاتحاد، ويقرب القلوب من بعضها ويزرع فيها التلف والمودة، فيرى الجميع انفسهم شركاء في دولة السلطان، مما يوجب على العسكر خدمتهم عن اخلاص،ووضع اقدام الصبر والجلادة في ميادين القتال عن شوق اكيد، فيكونون في هذه الحالة منظورين لنظرالرحمة الالهية، فتقوى قلوبهم وتشتد، وينتصرون - بذلك - على عدوهم ويظفرون به، ويزداد عند ذاك اجرهم وثوابهم.

والاهم من ذلك كله، ملاحظة احوال الرعايا، فلا يظلمهم الحكام والعمال ولا يتعدوا عليهم، وان يسيروابهم بالعدل والانصاف فقد قالوا: «بالعدل قامت السماوات والارض»، واذا ما اطلعوا على انهم تعرضوا للاجبار والقهر فليؤاخذوا على قانون الشرع، وليطالبوا اعظم مطالبة، لكي لا يقوم بعد ذلك احد بظلم، ولايجوز الاهمال ولا التسامح في هذا الامر، لان المسامحة تؤدي الى اجتراء الاخرين، مما يذهب شيئا فشيئاباخلاص الرعية لملكهم، بل ويدعو المظلومون حينئذ بالسوء، وتترك آهات الايتام اثرها، فان دعاء الارامل مقرون بالاجابة، ونفس العجزة المنكسرين احد من السيف القاطع، وهذا ما يؤدي بالضرورة - الى سقوط النظام وسيادة الهرج والمرج، فيختل بذلك امر الرعية، وتغدو جماعة من الرعايا فقراء، لا يتمكنون بعد ذلك من امور كسبهم ومعاشهم، ومن قدر منهم لم يعد لديه شوق الى الاكتساب، ولامقاسمة للسلطان، وباختلال ذلك كله يصبح امر الجهاد في معرض الاختلال،وينكفئ الناس عن تهيئة اسباب القتال، ويميل العوام الى حماية العدو وولايته، فتنكسر بذلك شوكة امير العسكر.

وما يجب مراعاته اكثر فاكثر، ويلزم الانتباه اليه بدقة كاملة، ملاحظة كيفية سلوك المباشرين لامورالجباية والضرائب، ان ديوان الدولة الذي كان باعثا - في اغلب الاوقات - على خراب الولايات واضمحلال امر السلطنة،وانهدام بنيان شوكة الدولة له دور خطير في هذا المجال((532))، ومن المشهور ان الدولة يمكن ان تجتمع مع الكفر وتدوم، اما مع الظلم فلا.

وعليه، فعلى الحاكم الحكيم ان يضاعف اهتمامه بهذا الامر اكثر من بقية الامور، اي عندما لا يعود النفع الدنيوي على صاحب العمل بسبب ظلم العمال وانما ينجر للعامل نفسه، ذلك ان التساهل في هذا الامرسيؤدي الى وقوع الضرر على الحاكم نفسه ايضا وغيرهما، بل في هذه الصورة يقع الظلم كله في الحقيقة على الامير ذي الاقتدار، لان رب الارباب سيجعل للعجزة والمظلومين من عباده سبيلا، وسيجعل الحاكم نفسه عاجزا خائرا، فعندما يرى سبحانه انهم لا يعيرون اهمية للمظلومين ومن يقع تحت يدهم فسوف يسلبهم امر الدولة ويحولها الى غيرهم، ان خدمته وعماله وجنوده لا حد لهم ولا حصر، فلا يظنن ظان انه حيث كانت الاسباب الظاهرة لصالحه دون غيره، فان عظمة الله وسلطانه ستكون مخصوصة به،فكثيرا ما يتفق ان تسلب العظمة ممن هي في يده، وتحول الى من لا تظهر الاسباب له ابدا، ويغدو ذلك سبباعاما لاختلال امور السلطنة اذا لم يؤاخذ السلطان على الظلم بعد الاطلاع على وقوعه بل اهمل الامر، اوصرف الاوقات في اللهو واللعب،فيما غفل عن احوال الرعايا، فان الطمع الجزئي قد يكون باعثا على طمع كلي، كما يمكن من باب قلة الدراية ان لا يقع تدقيق او تشدد في محاسبة اهل الديوان، فلا يطلع على الاوضاع والاحوال وغيرها.

ومن اللازم ان يوضع جمع من الامناء العدول في مقام الاشراف على العمال المباشرين، وان يسلموا امرالرعايا، وان يحضروا جماعة عند المحاسبة يكونون امناء للرعية لا ظلمة من اتباع الهوى والنفس الامارة،وعلى الحاكم ايضا ان لا يذر نفسه غافلا غير مطلع على الامور، بل يعي ما يجري، حتى يفهم العمال والمباشرون انه لا يكون مسرورا باخذ اموال الرعايا باي نحو كان، كيلا يروا حسن خدمته باخذهم المال من اي طريق كان، بل على صاحب المملكة ان يكون وكيلا عن الرعايا فيدقق ويلتفت الى انه لا يجوز ان يحصل في محاسبتهم حيف او ميل، كما ان عليه ان يعتبر ما عند الرعايا في بيوتهم كله له، وانهم بمنزلة الخزان، ولاتفاوت بين ان تكون هذه الاموال في الخزانة او عندهم، فاذا لم تكن لديه طاقة على الدقة والغور في هذه الامور، فليعين وزيرا مدبرا يكون امينا للدولة، وطالبا لخير الرعية، يخشى الله، ويتدين بدينه، غير راغب في ذخائر الزخارف، بل واقف على وجوه المصارف، وليحول زمام مهام الامور اليه، وليضع عنده الرعايا كافة،وامور البرايا عامة، وليكن مراقبا لاحواله، غير مغتر بحسن عدالته وديانته، فالشيطان قوي، ومصائده بالغة الكثرة.

ان على السلاطين - بناء على ذلك - ان يكونوا على الدوام، كمن نصب عقلاء حكماء لمشورتهم في اموره، ذلك ان اعمال السلطنة كثيرة جدا، والمراجعون لا حد لهم ولا حصر، ومن الصعب على شخص واحد ان يقوم بهذه الامور كافة.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية