وقفة عند البحوث الاقتصادية رئيس التحرير
تتمتع البحوث الفقهية الاجتهادية وما يقاربها من دراسات تحليلية بقيمة علمية ذاتية.. شانها في ذلك شان سائر
الدراسات العلمية في اي مجال معرفي وفي اية زاوية نظرية..
وفي هذا الضوء انبثقت فكرة تخصيص ملف في مجلة
فقه اهل البيت(ع) في محاور عديدة.. وملف هذا العدد يدور
حول المحور الاقتصادي.. نعرض فيه ما تيسر من البحوث
الفقهية في المجال الاقتصادي.. وهي بحوث متنوعة من حيث
المنهج والغاية وزاوية النظر.. ولا شك باننا نمتلك في هذا
المضمار رصيدا معرفيا غنيا.. ولاتكاد تخفى ملامح الابداع في
الدراسات الاقتصادية التي قدمها الباحثون والمفكرون
الاسلاميون..
ثم ان البحوث الفقهية التي عالجت المجال الاقتصادي قد
حققت في الجملة نجاحا ملحوظا وقطعت اشواطا كبيرة لا
يمكن الغض عنها.. الا ان هذه الانجازات العلمية والقفزات
المعرفية لم تسر سيرا متعادلابحيث يغطي كل مساحات
البحث الاقتصادي بصورة متناسبة.. فلاتزال بعض الجوانب
تراوح مكانها او تتحرك حركة بطيئة اقرب ماتكون الى السكون
في الوقت الذي تراكمت فيه الكتابة ووصلت حد الاشباع في
مجالات اقتصادية اخرى.. ومن خلال اجراء جدولة
لهذه الدراسات وعملية فرز وتصنيف لها سيتضح تاويل ما نقول
بصورة مفصلة وواضحة.. وسنسمي بعض هذه
الاصناف ونحصرها في ردهات نظرية: وهذا الصنف من الدراسات يكاد يطغى على سائر الاصناف.. والسرفي ذلك هو المعايشة المباشرة لموضوع البحث وما تثيره تلك المعايشة من احراجات عملية تفرض على الباحث والفقيه ان يلج البحث دون ترد د سعيا وراء الاجابة الشافية.. وكانموذج على ذلك ماقدمه العلماء والفضلاء من دراسات قيمة حول المعاملات والممارسات الربوىة باقسامها وصورها وحالاتها المختلفة.. ولا فرق في الدراسة المقارنة بين كونها داخل الاطار الاسلامي وضمن المذاهب الاسلامية وبين كونها مقارنة مع الفقه الوضعي.. وينبغي لهذه الدراسات المقارنة ان تنحى منحى ميدانيا ولا تتقوقع في حدود التنظير.. وتحاول ان تفتح لنفسها آفاقا جديدة تسد بها الفراغات الفكرية وتسعى بقدر الوسع ان تتجاوز حالة التكرار.. وما احوجنا اليوم الى تدوين موسوعة فقهية مقارنة في المجال الاقتصادي..
كما ان الضرورة تدعو الى اعداد منهج تعليمي متناسب مع
المنهج الحديث يعتمد المعادلات ولغة الارقام والاحصائيات
والخطوط البيانية والمسح الميداني وبيان الخلفية التاريخية
للمصطلحات والبحوث الاقتصادية..
(وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب) دراسة في حالات الاضطرار والجهل آية الله السيد محسن الخرازي بعد وضوح حرمة الربا تكليفا ووضعا، يقع البحث في ان طروبعض العناوين الثانوية كالاضطرار والجهل هل يغى ر من الحكم او لا؟ 1 - المراباة اضطرارا
حكى صاحب الجواهر عن الدروس انه قال: «ولو اضطر
الدافع ولا مندوحة فالاقرب ارتفاع التحريم في حقه»، ثم قال: «وهو جيدفي بعض افراد
الضرورة»((1)).
ولعل مراده من بعض افراد الضرورة هو صورة وصول الاضطرار
الى حد يجوز معه اكل مال الغير. وكيف كان فقداورد عليه:
أولا - بانه لا وجه للتخصيص بالدافع؛ اذ لا فرق بينه
وبين القابض مع فرض الاضطرار، كما اذا فرض انه لا ترتفع
ضرورة القابض الا بمبلغ كذا ولا يتمكن منه الا بالمعاملة الربوية.
وثانيا - بان جواز التصرف في مال الغير من باب الاضطرار لا
يوجب الاضطرار الى عنوان الربا؛ اذ ان عنوان الربا امر قصدي،
فيمكن للقابض او الدافع القبض او الدفع لابعنوان الربا كما في
جامع المدارك، وعليه فالاضطرار يوجب ارتفاع حرمة اكل مال
الغير او يوجب اعطاء ماله الى الغير.
واما حرمة الربا فلا وجه لارتفاعها مع عدم الاضطرار الى الربا
بعنوانه، ولو سلم الاضطرار الى عنوان الربا فلا يوجب ذلك جواز
التصرف في الماخوذ بالمعاملة الربوية؛ لفساد المعاملة؛ اذ
المعاملة الربوية حرام تكليفا ووضعا، فرفع الحرمة التكليفية لا
يلزم منه رفع الحرمة الوضعية، وعليه فلا ترتفع حرمة التصرف
في مال الغير الا بسبب الاضطرار اليه بنفسه،فلا يجدي رفع
الحكم التكليفي في نفس المعاملة؛ لبقاء حرمة التصرف في
الماخوذ، فلا تغفل.
قال السيد اليزدي(قدس سره) في الملحقات: «اذا اضطر
الدافع او القابض الى الربا لا يسوغ له ذلك؛ لامكان تركه
ودفع الضرورة بوجه آخر من احد طرق الفرار منه او بغيره،
وعلى فرض التوقف عليه لا يجوز؛ لان المعاملة فاسدة، فلا
يجوزالتصرف؛ اذ الحكم الوضعي لا يرتفع بالاضطرار، مع انه
يكفي في الفساد كون الطرف الاخر مختارا، نعم لو كان على
وجه الشرط وقلنا ان الشرط الفاسد لا يفسد، جاز»((2)).
ومراده من الجواز - بناء على ان الشرط الفاسد لا يفسد #هو جواز
التصرف في الماخوذ بالمعاملة الربوية بناء على اختصاص الربا
بالشرط الفاسد. 2 - المراباة جهلا اذا ارتكب شخص الربا وهو مسلم جاهل بحرمته اصلا اوبالموضوع او ببعض خصوصيات الموضوع، فما هو الحكم في ذلك؟
لا يخفى عليك ان الاصحاب اختلفوا فيه، فعن الصدوق
في المقنع والشيخ في النهاية انه حلال له ولا يجب عليه رده،
وهوالمحكي عن جماعة كالمحقق الحلي في النافع والابي
والقطيفي والشهيد الاول والاردبيلي والمحقق البحراني
والطباطبائي في الرياض، بل قال في الحدائق: «ولا خلاف في
العذر مع الجهل»، وقال في الرياض: «كفاه الانتهاء عنه والتوبة،
فلا يجب عليه شيء من الامور».
ولكن المحكي عن الدروس انه كالعالم في وجوب الرد،
ونسبه الى المتاخرين.
وكيف كان، فقد استدل له بالاية الشريفة (فمن جاءه
موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف)((3))؛ لظهورها في صورة
الجهل؛
بقرينة الصدر والذيل كما مر.
قال في الرياض: «تعليل حل اكل الربا المختلط بوضع الرسول ما
مضى منه، وهو كالصريح في ان المراد بـ«ما مضى» نفس الربا
في حالة الجهل. ومنه يظهر صحة تفسير الاية بما قدمناه، كما
هو ايضا ظاهرها»((4)).
ثم ان مقتضى عموم الاية هو عدم صحة حملها على خصوص ما
كان في الجاهلية من الربا، هذا مضافا الى ان الحمل المزبورلا
تساعد عليه الاخبار الدالة على استدلال الائمة(ع) بالاية
على حلية ما اخذه الجاهل في حال جهله ولو في زمان ظهور
الاسلام، كما ستاتي الاشارة اليها ان شاء الله تعالى.
ومما ذكر يظهر ضعف ما ذهب اليه ابن ادريس في مفاد
قوله تعالى: (فله ما سلف) من ان المراد انه ليس عليه شيء
من العقاب؛ لبعده عن ظاهر الاية وكلام المفسرين وبعض
الروايات الواردة حول الاية الكريمة.
واستدل له ايضا بالاخبار:
منها - صحيح هشام بن سالم عن ابي عبد الله(ع)، قال: سالته عن
الرجل ياكل الربا وهو يرى انه حلال؟ قال: «لايضره حتى يصير
متعمدا، فاذا اصابه متعمدا فهو بالمنزل (بالمنزلة خ ل) الذي
قال الله عزوجل»((5)).
بدعوى ان ظاهره - كما في الحدائق - هو حل ما اكله حال الجهل،
وانه لا يضره ذلك حتى يكون متعمدا، يعني لا ياثم ولايجب
عليه رده الا في صورة العلم((6))؛ اذ لو وجب عليه الردلاشار
اليه في جواب السؤال عن احكامه، فترك الاستفصال
في السؤال عن انه عن الحكم التكليفي او الوضعي او كليهما
يوجب ظهور الجواب في كليهما، فيدل على انه لا يجب عليه
رده، كمالا اثم عليه.
ثم ان الظاهر منه هو الجهل بالحكم لا الجهل
بالموضوع؛لان الظاهر ان الضمير في قوله: «انه حلال» راجع
الى نفس الربا.
ومنها - صحيحة احمد بن محمد بن عيسى في نوادره، عن ابيه
قال: ان رجلا اربى دهرا من الدهر، فخرج قاصدا اباجعفر(ع)
فساله عن ذلك، فقال له: «مخرجك من كتاب الله عزوجل (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى
فله ما سلف)، والموعظة هي التوبة؛ لجهله بتحريمه ثم معرفته به، فما مضى فحلال، وما
بقي فليحفظ»((7)).
بدعوى انه كالصريح بل صريح في حل ما اكله حال الجهل،كما
في الحدائق، ولعل وجه الصراحة هو قوله(ع): «لجهله بتحريمه...»، هذا مضافا الى تطبيق الاية المخصوصة
بحال الجهل على المورد؛ فانه مما يشهد على ان المورد
صورة الجهل، ولعل ترك الاستفصال بين الجهل بالحكم
والجهل بالموضوع يوجب تعميم الجواب بالنسبة الى كليهما،
ولكن مقتضى اختصاص الجهل بالتحريم في الذيل هو
اختصاص مورد السؤال بصورة الجهل بالحكم.
ومنها - صحيحة محمد بن مسلم: دخل رجل على ابي جعفر(ع)
من اهل خراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله، ثم انه سال
الفقهاء فقالوا: ليس يقبل منك شيء الا ان ترده الى اصحابه،
فجاء الى ابي جعفر(ع) فقص عليه قصته، فقال له ابوجعفر(ع): «مخرجك من كتاب الله عزوجل (فمن جاءه موعظة من ربه
فانتهى فله ما سلف وامره الى الله)، والموعظة التوبة»((8)).
بدعوى ان الاكتفاء بالتوبة في مقابل الفقهاء يدل على
حصر المخرج في التوبة رغما على الفقهاء الذين حصروا المخرج
في الرد، وحيث ان الاية الكريمة - بقرينة صدرها وذيلها - مختصة
بالجاهل؛ فتطبيق الامام(ع) اياها على مورد السؤال يكشف عن
ان المراد من الرجل المذكور هو الذي قد عمل بالربا وهو جاهل.
ولعل هذه الرواية - بقرينة صحيحة احمد بن محمد بن عيسى
التي اشير فيها الى ان الملاك في التحليل هو الجهل بالتحريم - محمولة ايضا على صورة الجهل بالحكم.
ومنها - صحيح الحلبي عن ابي عبد الله(ع): «كل ربا اكله الناس
بجهالة ثم تابوا فانه يقبل منهم اذا عرف منهم التوبة»، وقال(ع): «لو ان رجلا ورث من ابيه مالا وقد عرف ان في ذلك المال ربا
ولكن قد اختلط في التجارة بغيره من الحلال، كان حلالا طيبا
فلياكله، وان عرف منه شيئا انه ربا فلياخذ راس ماله وليرد الربا. وايما رجل افاد
مالا كثيرا قد اكثر فيه من الربافجهل ذلك ثم عرفه بعد فاراد ان ينزعه فيما مضى،
فله،ويدعه فيما يستانف»((9)).
وقوله: «فاراد ان ينزعه» اي اراد ان ينتهي عنه، والظاهران قوله: «فيما مضى» لا يخلو من تصحيف، فالظاهر انه «فما مضى»
بقرينة ذيله. هذا مضافا الى نقل «فما مضى» في الفقيه على
المحكي، واستدل به بدعوى ان ظاهرها هو عدم وجوب الرد
عليه مع الجهل، ولكن مقتضى قوله: «فجهل ذلك ثم عرفه» هو
صورة الجهل بالحكم، فلا يعم غيرها، فتامل.
ومما ذكر يظهر ما في جامع المدارك حيث قال: «ولعل
الجهالة في بعضها (= الاخبار) محمولة على غير الجهل بالحكم
بل على السفاهة، ولاحظ صحيحة محمد بن مسلم المذكورة
وجواب الامام(ع) على المحكي: «مخرجك من كتاب الله» الخ،
ولم يستفصل هل كنت عالما او جاهلا؟ وهل مثل هذا الجواب
يجتمع مع التقييد بالجهل بالحكم او بالموضوع؟! فلا يبعد
كفاية التوبة ممن كان يربي، وانزجار من كان يرث منه وتوجهه
الى قبحه. نعم يظهر من بعض تلك الاخبار مدخلية الجهل،
وربما يقع التعارض بينها»((10))؛ وذلك لان جهالة الصدر
بقرينة قوله(ع) في صحيح الحلبي: «فجهل ذلك ثم عرفه» هو
الجهالة في مقابل العلم لا بمعنى السفاهة؛ وعليه فتكون
الرواية كغيرها في مقام بيان المخرج، فحصرته في التوبة في
صورة كون المرابي جاهلا.
وأما ما أشار اليه في صحيحة محمد بن مسلم من ان موضوعها
هو العالم ففيه ما لا يخفى؛ فان التمسك بالاية الكريمة - اعني
(فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف) - خير شاهد
على اختصاص الموضوع بالجاهل؛ لماعرفت من اختصاص الاية
بالجاهل، ومما ذكر يظهر رفع المعارضة بين صحيحة محمد
بن مسلم وما دل على مدخلية الجهل، بل هي موافقة لغيرها
مما دل على مدخلية الجهل.
ومنها - صحيحه الاخر، عن ابي عبد الله(ع) قال: «اتى رجل ابي
فقال: اني ورثت مالا وقد علمت ان صاحبه الذي ورثته منه قد
كان يربي، وقد اعرف ان عليه ربا واستيقن ذلك، وليس يطيب
لي حلاله لحال علمي به، وقد سالت فقهاء اهل العراق
واهل الحجاز فقالوا: لا يحل اكله، فقال ابو جعفر(ع): ان كنت
تعلم بان فيه مالا معروفا ربا وتعرف اهله فخذ راس مالك
وردما سوى ذلك، وان كان مختلطا فكله هنيئا مريئا؛ فان
المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه؛ فان رسول الله(ص)
قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقي، فمن جهله
وسع له جهله حتى يعرفه، فاذا عرف تحريمه حرم عليه،
ووجبت عليه فيه العقوبة اذا ركبه كما يجب على من
ياكل الربا»((11)).
وحيث ان الوارث عالم بحكم الربا، فتعليل الجواز في
الذيل بالجهالة بالحكم لا ينطبق عليه؛ لانه عالم بالحكم وان
لم يعرف المال الربوي بالخصوص؛ لان المعتبر في التعليل هو
الجهالة بالحكم بناء على ان قوله: «فاذا عرف...» بيان للمراد من
قوله: «فمن جهله وسع له جهله...» لا انه بعض موارده ومصاديقه.
وعليه فالتعليل منطبق على المورث بناء على حمله على
كونه جاهلا بالحكم، وعليه فمقتضى التعليل ان الجهل بالحكم
موجب للسعة والحلية حتى بالنسبة الى المال الذي علم بكونه
من ربا؛ولذا يحمل الامر بالرد فيما اذا كان المال الربوي معروفا
ومعيناعلى الاستحباب.
وكيف كان، فقوله(ع): «فان رسول الله(ص) قد وضع ما
مضى من الربا وحرم عليهم ما بقي، فمن جهله وسع له جهله
حتى يعرفه، فاذا عرف تحريمه حرم عليه، ووجبت عليه
فيه العقوبة...»، كالصريح في ان الجهالة بالحكم موجبة
للسعة والحلية، واما شموله بالنسبة للجهالة بالموضوع
فغير ثابت.
ومنها - خبر ابي الربيع الشامي قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن
رجل اربى بجهالة ثم اراد ان يتركه؟ قال: «اما ما مضى فله،
وليتركه فيما يستقبل» الحديث((12)).
هذا هو العمدة من الادلة، واما التمسك بالاصل فلا مجال له بعد
وجود الادلة الاجتهادية في المقام، كما لا موردلاستصحاب
حال الجهل الى ما بعد المعرفة؛ لان الحكم الظاهري متقوم
بصورة الجهل فلا يمتد الى صورة المعرفة.
وكيف كان، فالقدر المتيقن من الاخبار هو صورة
الجهل بالحكم؛ فلا تشمل الاخبار الجهل بالموضوع. هذا مضافا
الى ان تعليل الحلية بالجهل بالتحريم في جملة من الاخبار
يصلح لتقييد المطلقات ان تمت دلالتها على الاطلاق.
اللهم الا ان يقال: ان قوله(ع) في صحيحة هشام بن سالم: «لايضره حتى يصير متعمدا» يدل على ان المرتكب ما لم
يصر متعمدا فهو في حل. ولكن لقائل ان يقول: ان الضمير في
قوله:«لا يضره» راجع الى من يرى الربا حلالا، وعليه فلا
يشمل صورة الجهل بالموضوع.
ومما ذكر يظهر ما في الملحقات حيث ذهب الى اطلاق
الاخبارمن جهة اقسام الجاهل، مع ما عرفت من قصورها
بالنسبة الى الجاهل بالموضوع، نعم لا فرق بين ان يكون الجهل
تقصيريااو قصوريا، ولا بين ان يكون بسيطا او مركبا.
وكيف كان، فقد اورد في الجواهر على الاستدلال بالاخبار
على حلية الماخوذ في حال الجهالة بانه «لا يصلح للفقيه
الجراة بمثل هذه النصوص التي لا يخفى عليك اضطرابها في
الجملة،وترك الاستفصال فيها عن الربا ان صاحبه كان جاهلا
بحرمته او عالما، والامر فيها بالتوبة مع عدم الذنب حال الجهل
الذي يعذر فيه، بل قد اشترط في الاية الحل بها، وحمله على
الجهل الذي لا يعذر فيه ينافيه ما في خبر الباقر(ع) السابق من
الحاق مثله بالعالم، وترك الاستفصال فيها عن الربا في القرض
والبيع،وقد عرفت الفرق بينهما، وغير ذلك على مخالفته
الضوابط السابقة، والاقدام على حل الربا الذي قد ورد فيه من
التشديد ماورد»((13)).
واجيب عنه:
أولا - بمنع اضطراب الاخبار.
واما ما اورده في الجواهر في ذيل كلامه من «ان
النصوص المزبورة ظاهرة في معذورية من تناول الربا جهلا،
وهو شامل لما اذا كان الطرف الاخر عالما؛ مع ان المعاملة
حينئذ فاسدة قطعا؛ لحرمة الربا وفساد المعاملة بالنسبة الى
العالم، وذلك يقتضي فسادها بالنسبة الى الجاهل؛ فلابد من
التزام امورعظيمة حينئذ بالنسبة الى حل مال الغير في يد
الاخر، وعدم جواز اخذه لمالكه مع وجود عينه، وغير ذلك مما
يصعب التزامه، وايضا الجاهل الغير المعذور الذي قد تاب مندرج
في قوله تعالى: (فان تبتم فلكم رؤوس اموالكم)، ومنه
ينقدح الاشكال في النصوص المزبورة المشتملة على تفسير
الموعظة بالتوبة، مضافا الى ظهور الاية وغيرها ان المراد: (فمن
جاءه موعظة من ربه فانتهى) اي امتثل ما جاء من ربه من
النهي، فهوظاهر في اول النزول، والله العالم»((14)).
ففيه:
أولا - ان مقتضى اطلاق النصوص هو الحكم بصحة
المعاملة الربوية فيما اذا كان الاخذ جاهلا بالحكم ولو كان
الطرف الاخرعالما، ومع تقديم هذه النصوص على مطلقات
حرمة الربا لادليل على فساد المعاملة بالنسبة الى الدافع العالم.
وثانيا - ان دعوى معارضة قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة...) مع
قوله تعالى: (فان تبتم فلكم رؤوس اموالكم) كماترى بعدما
عرفت من ظهور الاولى في صورة الجهل بقرينة صدرها وذيلها،
والاخبار الواردة في تطبيقها مع التعليل بالجهالة فيها، وظهور
الثانية في صورة العلم كما يشعر به قوله تعالى: (فان لم تفعلوا
فاذنوا بحرب من الله ورسوله...)، فاذا كانت الاية الثانية مختصة
بصورة العلم فلا وجه لدعوى اندراج الجاهل غيرالمعذور فيه.
كما لا وقع للاشكال باشتمال بعض الاخبار على
تفسير الموعظة بالتوبة مع ان الظاهر ان المراد منها ورود
النهي المعلوم؛ لما في الملحقات من ان التفسير المذكور
بملاحظة ان العلم بورود النهي سبب للتوبة فهو من باب اطلاق
المسبب على السبب((15))، وهكذا لا وجه لدعوى اختصاص
قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى) باول النزول مع
اطلاق الوارد؛ فان خصوصية المورد لا تسري الى اطلاق الوارد.
وهنا اشكال آخر، وهو - كما في جامع المدارك - ان حرمة الربا
عدت من الضروريات حتى قيل: ان مستحله كافر
لانكار الضروري من الدين «فلا يسمع ممن ادعى من
المسلمين الجهل بحرمة الربا».
ويمكن الجواب عنه: بامكان ذلك لمن كان بعيدا عن
المجتمعات الاسلامية كما لا يخفى. فانقدح من مجموع ما ذكر
قوة الاخذبالاخبار المذكورة للحكم بالحلية بالنسبة الى ما وقع
من الربافي حال الجهل بالحكم، سواء كان الجهل قصوريا او
تقصيريا؛بسيطا او مركبا، وسواء كان الدافع عالما او جاهلا.
واما شمولها للجهل بالموضوع او بعض خصوصياته فهو
غيرواضح. نعم الاحوط هو رد الربا المعلوم الموجود الماخوذ
في حال الجهالة بالحكم، وان كان الاظهر عدم وجوب ذلك.
ومما ذكر ينقدح حكم ما اذا قلد - في بعض المسائل التي اختلف
العلماء في كونه ربا او لا من جهة الشبهة الحكمية - من يقول
بعدم كونه ربا فارتكبه، ثم بعد موت مقلده قلد من يقول بكونه
ربا؛ فان الظاهر انه يصدق عليه انه ارتكب الربا مع كونه جاهلا
بحكمه، فيدخل في الاخبار الدالة على حلية ما اخذه وعدم
وجوب رده وان كان موجودا، ولا حاجة الى ما في الملحقات من
ان فتوى مقلده كانت حكما شرعيا في حقه، ولاينتقض بتقليده
من يقول بالحرمة كما هو الحكم في سائرالموارد، لكن بشرط
ان يكون الدافع ايضا ممن يقلد ذلك المجتهد وان كانت
المعاملة باطلة لاجل بطلانها من طرفه((16)).
هذا مع ما فيه من انتقاض راي الميت براي الحي؛ لكون
فتوى الحي من الامارات، وهي حجة بالنسبة الى ما مضى،
كحجيتها بالنسبة الى ما سياتي؛ اذ لا تختص امارية الفتوى
بزمان دون زمان، فمع انتقاض راي الميت براي الحي لا دليل
على صحة معاملاته السابقة.
اللهم الا ان يقال بالاجزاء في الامارات، بدعوى ان ادلة
اعتبارهاتدل بلسان الحكومة على اكتفاء الشارع بها في مقام
الامتثال،فالامارات كالواقعيات حال الاستناد اليها في كونها
موجبة لسقوط الامر، ومع سقوط الامر لا مجال للاعادة والقضاء،
ولامعنى للاجزاء غير ما ذكرنا، والتفصيل موكول الى محله.
ثم ان اشتراط كون الدافع ممن يقلد ذلك المجتهد لا ملزم
له بعد اطلاق الاخبار الواردة في حلية الماخوذ في حال
الجهالة، كما مر آنفا.
ثم انه لو بقي شيء من المعاملة السابقة فهل يجوز له اخذه بعد
عدوله الى الحي او لا يجوز؟ فان كان الباقي من جهة الامهال
في الديون فلا يجوز اخذه؛ لانه ربا جديد، والمفروض ان
المجتهد الفعلي يفتي بحرمة اخذه، وان كان الباقي من
جهة المعاملة السابقة المحكومة بالصحة امكن القول بجواز
اخذه؛ فانه وفاء لما ملكه سابقا، فهو من امواله، ولا يصدق
عليه الربا، والتمسك بقوله تعالى: (وذروا ما بقي من
الربا)((17))مشكل بعد عدم صدق الربا عليه.
ومما ذكر يظهر حكم ما اذا شرط الجاهل في حال جهالته
في ضمن المعاملة شيئا لا يكون بنظر المجتهد السابق من
المعاملة الربوية، فان اتى به في حال الجهالة فلا كلام، وان لم
يات به:فان كان الشرط بنحو شرط النتيجة فالنقل والانتقال
وقع في حال الجهالة، ومعه لا يصدق عليه الربا، بل اخذه بعد
الجهالة وفاء لماملكه سابقا. وان كان الشرط بنحو شرط الفعل
ولم يات به حال الجهالة فلا يجوز ذلك بعد عدوله الى الحي
ومعرفته بان الفعل المشروط فعل ربوي؛ لانه ليس وفاء بما
ملكه سابقا وان كان وفاءبالشرط السابق، وعليه فهو ربا حادث
فلايجوز.
حكم الشرط الجزائي المالي الاستاذ الشيخ محمد علي التسخيري
ينبغي التحدث اولا عن الشرط الجزائي عموما، ثم التركيز
على عملية اشتراط الغرامة عند التاخير في سداد الديون. أولا - حكم الشرط الجزائي
تعريف الشرط الجزائي:
الامثلة:
وقد يعد من ذلك: العربون الذي يدفعه المشتري الى البائع
عندنكوله عن الشراء، او الضمان الذي يشترطه المشتري على
البائع عند بيعه مالا غير منقول خارج دائرة التسجيل الحكومي.. الى غير ذلك من الامثلة الكثيرة للشرط الجزائي.
حكم الشرط الجزائي:
وعليه، فالضابط العام في صحة الشرط الجزائي هو: الا
يكون مبتنيا على امر باطل، ولا مستتبعا لما هو باطل، وانه اذا
كان كذلك صح ونفذ ووجب الوفاء به وجوبا تكليفيا شرعيا؛
لماذكر من ادلة وجوب الوفاء بالشرط وان المؤمنين - اوالمسلمين - عند شروطهم، مضافا الى ما دل على وجوب الوفاء
بالعقد بعد كون الشرط كالجزء من العقد.
وعلى اساس هذا الضابط، فلا تصح الشروط الجزائية في الموارد
التالية:
1 - الشروط الجزائية في المعاملات الباطلة الفاقدة لما يعتبرفي
صحة العقد من حيث شروط الصيغة او العوضين او المتعاقدين؛
كعقد الصبي اذا تضمن شرطا جزائيا، اوالمعاملات الربوية
المتضمنة لشروط جزائية.
2 - اذا كان الشرط الجزائي مبتنيا على التزام باطل؛كالالتزامات
غير السائغة في انفسها، او المخالفة للكتاب والسنة،او التي
تكون منافية لمقتضى العقد، او الالتزامات الابتدائية، اوما تكون
مجهولة بحيث توجب الغرر في البيع، او الالتزامات غيرالمقدور
عليها، او ما ليس فيها غرض معتد به؛ فلو باعه العنب - مثلا - على
ان يجعله خمرا والا فعليه كذا من المبلغ، فهذاالشرط الجزائي
باطل؛ لكونه مبنيا على التزام غير سائغ في نفسه او مخالف
للكتاب والسنة. او باعه شيئا بشرط الا يتصرف المشتري فيه
والا فعليه كذا غرامة، او اشترطت الزوجة في عقد النكاح الا
يستمتع الزوج بها والا فعليه كذا من المبلغ، فالشرط الجزائي
في هذين المثالين باطل؛ لكونه مبنيا على ماهو مناف
لمقتضى العقد او حكمه. ولو وعد رجل امراة بالزواج منها فان
مجرد الوعد - من حيث انه التزام ابتدائي - لا يترتب عليه الزام
احد الطرفين بالعقد في المستقبل، وكل شرط جزائي يتضمنه
هذا الوعد يكون باطلا، الا ان تترتب عليه بعض الخسائر مما
يوجب جبرها على الواعد. وكذا لو اشترط المشتري في بيع
الانثى من الحيوان كونها حاملا مع جهالة الحمل، فهذا الشرط
باطل من حيث الجهالة ولزوم الغرر، والشرط الجزائي المبتني
عليه يكون باطلا قهرا. وكما لو اشترط البائع في بيع الزرع ان
يجعله سنبلا او الرطب ان يجعله تمرا والا كان عليه كذا من
المبلغ، فان الشرط الجزائي في جميع هذه الصور باطل ببطلان
اصله.
التنبيه على امور:
2 - يثبت الشرط الجزائي في ذمة المشروط عليه بمجردتخلفه
عن الوفاء بما تعهد به، ويجوز للشارط اجباره على ادائه عند
الامتناع، ويثبت له الخيار في الفسخ اذا امتنع عن
الاداء. والظاهر ان خياره غير مشروط بتعذر اجباره، بل له الخيار
عندمخالفته وامتناعه حتى مع التمكن من الاجبار.
3 - لا فرق في ثبوت الشرط الجزائي عند عدم قيام
المتعهدباجراء ما تعهد به بين اخلاله باصل النفع المستهدف
للشارط وبين تاخيره في ذلك؛ فلو اشترطت امراة على رجل
في ضمن عقد لازم ان يتزوج بها في زمان معين والا كان عليه
كذا من المبلغ، فسواء لم يتزوج المشروط عليه بها اصلا او تاخر
في الزواج بها عن الزمان المعين، فانه على كلا التقديرين يثبت
عليه الجزاء المتفق عليه؛ لان المتعهد به لم يكن مجرد الزواج،
بل كان هو الزواج في زمان معين وقد تخلف عنه، فيثبت عليه
الجزاء المقرر.
4 - لا يشترط وقوع الضرر لتحقق الشرط الجزائي؛ فانه بمجرد
تخلف المشروط عليه عما تعهد به يثبت على عهدته الجزاء وان
لم يحصل ضرر للشارط او كان ضرره اقل من مقدار الجزء
المتفق عليه.
5 - الظاهر انه يجوز اخذ الضمان او الرهن او الكفالة
لتوثيق موجب الشرط الجزائي؛ لانه حق مالي يثبت في ذمة
المشروط عليه عند عدم قيامه بما تعهد به، فيجوز اخذ الوثيقة
عليه باحدالانحاء المذكورة.
6 - اذا كان الشرط الجزائي مطلقا غير مقيد بترتيب
خاص، فالظاهر ثبوت الجزاء في ذمة المتعهد بمجرد عدم قيامه
بماتعهد به، سواء كان عدم اجراء التعهد باختيار او ناشئا
عن سبب اضطراري؛ مثل الحرب والثورة والاضراب
والحريق والمرض ونحوها. ثانيا - اشتراط الغرامة عند التاخير في دفع الاقساط
تحدثنا عن الشرط الجزائي، وقلنا: انه لا مانع منه لانه
يدخل تحت عموم: «المؤمنون عند شروطهم»، اما الحديث عن
الغرامة المالية عند التاخير في سداد الديون فيجب ان نلاحظ:
أولا - ان الشرط عموما
- ومنه الشرط الجزائي ويتبعه الشرط
المالي - لا يمكن ان يصح اذا كان ضمن عقد باطل، وكذلك اذا
كان يلازمه امر باطل شرعا كالغرر وامثاله.
ثانيا - ادعي ان اشتراط مبلغ مالي جزاء للتاخير في سدادالديون
يؤدي الى انطباق قاعدة «تعطي او تربي»، وهي الرباالجاهلي
المنهي عنه بالخصوص، فتبطل المعاملة.
وهنا تنشا مشكلة البنوك الاسلامية؛ لانها تتعامل مع
عملائهاعن طريق الالتزامات الاجلة، فتصبح دائنة لهم سواء
نتج الدين عن البيع الاجل ام غير ذلك، وتحسب البنوك
حساباتها على اساس من تسديد الديون في مواعيد استحقاقها،
فاذا تاخرالعملاء عن دفع اقساطهم فانها تحرم من الاستفادة
منها ممايؤثر على ميزانيتها.
هذا في حين لا يواجه البنك الربوي هذه المشكلة؛ فان
التاخير في السداد يرفع مستوى العائدات بمستوى التاخير.
ثالثا - ومن هنا تلجا البنوك الاسلامية الى المبالغة في طلب
الرهونات والضمانات، والتشدد في اعطاء فرص التمويل مما
يقلل من فرص التعاقد الا مع الاغنياء. وربما توجهت
هذه البنوك الى رفع مستوى الربح بما يعلو كثيرا على الفوائد
الربوية مما يقلل الرغبة في التعامل معها. وسوف لن نتعرض الى الحالات التي تؤدي الى عدم
السداد بسبب الافلاس او الموت؛ فلها احكامها، ولكن الحديث
ينصب على حالات المماطلة استفادة من عدم امكان البنك من
فرض غرامات مالية تعويضا عن التاخير في السداد؛ لانطباق
عنوان «الربا». وقد طرح الكثير من الاساليب للتخلص من
هذه المشكلة، من قبيل:
ولكنها كلها حلول تقلل من فرص البنك وحريته في
التعاقد واستجلاب الارباح ومنافسة البنوك الربوية.
رابعا - في سبيل التخلص من هذه المشكلة طرح
الامران التاليان:
اما الحكم القضائي، فرغم ان الاتجاه السائد لدى بعض الفقهاءهو
جوازه الا انه لا يحل المشكلة؛ لانه حتى لو تم الحكم
لصالح البنك تعويضا له عن الضرر، فانه مبتلى عادة بطول
الاجراءات القضائية، كما انه لا يرتب تصاعدا في الغرامة بامتداد
التاخير، فيقل الارتداع به، خصوصا اذا لاحظنا دور الوقت في
العمليات المصرفية المتنوعة واساليب التحايل على القضاء،
على ان هناك اتجاها يمنع منه او يحكم بتسليم الغرامة الى
الخزينة العامة.
واما الشرط الجزائي، فلا يواجهه الا شبهة استلزامه
الربا؛ باعتباره قرضا جر نفعا، وكل قرض جر نفعا فهو ربا،
وهي قاعدة تسالم الفقهاء عليها. وقد مر علينا في كثير من البحوث الماضية ان قاعدة «المؤمنون عند شروطهم الا شرطا احل حراما او حرم حلالا»مسلمة لدى الجميع، فهل تطبيقها هنا يؤدي الى تحليل حرام فيبطل الشرط، ام ان هذا غير مبتلى بذلك اللازم الباطل؟
خامسا - ويحتمل - والله العالم
- ان يكون المورد سليمامن اشكال
تحليل الحرام، خصوصا اذا اقترن ببعض ما يبعده تماما عن
شبهة ارادة الربا من وضع الشرط الجزائي المالي في العقد.
ويتضح هذا بملاحظة بعض النقاط:
وقد راينا مجمع الفقه الاسلامي - في دورته السابعة بجدة #يقر
حالة اتفاق المتداينين على حلول سائر الاقساط عند
امتناع المدين عن وفاء اي قسط من الاقساط المستحقة عليه
في مثل بيوع التقسيط ما لم يكن معسرا. ومما يؤيده ايضا ما ذكر من ان الدين يحل بموت المدين، فهل يمكن ان نعتبر ذلك قرضا جر نفعا رغم ان حلول الاقساط فيه نفع اقتصادي لا محالة؟!
والمائز هنا الذي يمنع تطبيق هذه القاعدة وبالتالي يمنع
كونه مصداقا ايضا لربا الجاهلية، هو «التخلف» الذي يحقق
موضوع الشرط.
ومما يقرب الامر الى الذهن ان نلاحظ ان هذه الحالة لا
تمتلك الاثار الاقتصادية التي يؤدي اليها الربا، بل تنسجم مع
توجهات العدالة الاسلامية التي يلحظ الاسلام فيها الجانبين معا
«لاتظلمون ولا تظلمون».
ومما يقرب الامر ايضا ان العرف لا يرى انطباق قاعدة
«كل قرض جر نفعا» على ما لو علم الدائن بان المدين سوف يحبوه قطعا بحبوة جيدة فاقدم
على الاقراض، بل لا يرى العرف الانطباق فيما لو اغرى البنك المدين بتقديم حبوة
واعطاه وعدا بجعله من العملاء الممتازين في القروض الاتية. يقول الشهيد الامام
الصدر: «فمن كان في تجاربه السابقة يتبرع للبنك، فالبنك يعتبره عميلا من الدرجة
الاولى»((19)).
بل ذهب الامام الشهيد الى ان البنك «يستطيع ان يشترط
على كل مقترض ان يقرضه لدى الوفاء مقدارا يساوي
مجموع العنصرين اللذين الغاهما من الفائدة (عنصر التعويض
عن الديون الميتة، وعنصر ربح راس المال) باجل يمتد الى
خمس سنوات مثلا، وليس في ذلك اي مانع شرعي؛ لانه ليس
من الربا»((20)).
وهو نظير ما تشترطه بعض البنوك والمؤسسات الاسلامية
من لزوم افتتاح المقترض لحساب جار لديها.
وان كنت اعتقد ان الظاهر انطباق قاعدة «كل قرض جر نفعافهو
ربا» على المثالين الانفين، الا ان يشك في اطلاق هذه
القاعدة باعتبارها قاعدة متصيدة.
وعلى اي حال، فان اشتراط دفع مبلغ معين عند التخلف لا
مانع منه، وهو ما اتجه اليه بعض الفقهاء من الامامية وغيرهم،
والله العالم.
سادسا - ولكي يتم ابعاد الامر عن شبهة الربا، اقترح ان يكون
الجزاء المالي اعلى من سعر الفائدة المتداول، وان يحوي الشرط
اثباتا من نوع ما لعنصر المماطلة.
الجزاء المالي الاستاذ الشيخ حسن الجواهري
*
توطئة:
الجزاء المالي قد يقصد به الشرط الجزائي الذي يوضع في العقد
لمصلحة احد المتعاقدين ضد الاخر اذا تخلف الاخر
عن التزاماته في العقد.
والمقصود من الشرط الجزائي: هو التعويض الذي
يحدده المتعاقدان مقدما في العقد جزاء على اخلال احدهما بما
تعاقدعليه او التزم به او تعهده في ضمن العقد، وقد يعبر
عنه بالتعويض الاتفاقي.
وقد يعرف ايضا بانه: اتفاق على تقدير التعويض اذا لم
يقم الملتزم بالتزامه في التنفيذ، او اذا تاخر في
تنفيذ التزامه((21)).
ومعنى ذلك: ان الشرط الجزائي هو:
1 - تقدير لتعويض مستحق على الملتزم؛ لانه اما متمكن
من العمل حسب الاتفاق ولم يعمل فيكون مقصرا، او متمكن
من تسليم العمل في وقته ولم يسلمه فهو مقصر ايضا، وحينئذ
اذاكان هناك ضرر على الطرف الاخر ففي كلتا الحالتين
يجب تعويضه، ولكن الشرط الجزائي قد تكفل من اول الامر
تقدير ذلك التعويض المفترض.
2 - ان تنفيذ الالتزام اذا كان مستحيلا بسبب لم يمت
الى الملتزم بصلة، فلا يحق للمشترط المطالبة بالشرط
الجزائي؛ لان الشرط الجزائي هو تعويض ضرر مستحق على
الملتزم،فما لم يكن المشترط عليه دخيلا في ايجاد الضرر فلا
ياتي الشرط الجزائي.
3 - لو فرضنا ان تقدير الشرط الجزائي كان باطلا - كان يكون عملا
محرما - ولكن هناك الضرر الذي قد سببه احدالمتعاقدين
للاخر، فحينئذ يتمكن ان يطالب المتضرر برفع الضرر الذي
لحقه بسبب فعل الغير اما تعديا او تقصيرا، وهمايوجبان الضمان
بالاتفاق.
اقول: اذا نسبنا الشرط الجزائي الى القاعدة الاسلامية القائلة: «المسلمون عند شروطهم» نراه اخص مطلقا؛ لان الشرط في
الفقه الاسلامي يكون نافذا على المشروط عليه ما لم يخالف
الكتاب والسنة، ومعنى ذلك: ان الشرطيجب على المشترط
عليه تنفيذه سواء كان تعويضا عن ضرر مقدر سابقا سببه
المشترط عليه، او كان تعويضا عن ضرر بسبب غيرالمشترط
عليه - اجنبيا كان او سماويا - او لم يكن هناك ضرر اصلا من عدم
التزام المشترط عليه، فالشرط اذا لم يخالف كتاب الله وسنة
رسوله وقد قبله المشترط عليه باختياره ولم يكن سفيها، يجب
عليه العمل به حسب النبوي الصحيح: «المسلمون عند
شروطهم»، او حسب آية (اوفوا بالعقود)((22)). متى وجد الشرط الجزائي في القوانين الوضعية؟
قال السنهوري في نظرية العقد ما ملخصه:
كان القانون الروماني امينا على قاعدة تقضي: بان العقد
لاينشئ حقا للغير، فاذا اشترط متعاقد لمصلحة غير طرف
في العقد كان اشتراطه باطلا... فلا يكون للغير الذي
اشترط لمصلحته المتعاقد دعوى؛ لانه لم يكن طرفا في العقد،
ولايكون للمشترط نفسه دعوى بما اشترط للغير؛ لان هذا
الذي اشترط لم يشترطه لنفسه، فلا تجوز له المطالبة به.
وبما انه توجد ضرورات عملية دعت الى الخروج على
هذه القاعدة، مثل ما اذا كان المدين قد باع عينا ويريد ان
يشترط دفع الثمن لدائنه سدادا للدين، ومثل ما اذا احب الولد
ان يكفل لابيه ايرادا طول حياته، فيريد ان يشترط له ايرادا مرتبا
ما دام حيا يدفعه المشتري، ويجعل هذا ثمن ما باعه لهذا
المشتري، ففي هذين المثالين توجد مصلحة للمشترط
لمصلحة الغير؛ مادية في الفرض الاول، وادبية في الفرض
الثاني، الا ان المانع من هذا هو القاعدة المتقدمة الضيقة التي
تقضي بان العقد لاينشئ حقا للغير.
هنا فكروا في الشرط الجزائي مع البقاء على حدود
القاعدة،فقالوا بجواز ان ينشئ المتعاقد (المشترط لمصلحة
الغير) حقا له،وهو طرف في العقد، وهذا الحق هو ان يضع
شرطا جزائيا يستوفيه من المتعهد اذا لم يقم بما تعهد به نحو
المنتفع، فكان الشرط الجزائي هو ما تعاقد عليه المشترط اصلا
وجعله معلقا على شرط عدم قيام المتعهد بما اخذه على
نفسه لمصلحة المنتفع. فجعل الشرط الجزائي وسيلة قانونية
لحمل المتعهد على القيام بما تعهد به للمنتفع، ولذا كان يجعل
الشرط الجزائي عادة اشد مؤونة واكثر كلفة حتى يؤثر المتعهد
ان يؤدي للمنتفع ما وعد به من ان يلتزم
بالشرط الجزائي((23)).
اقول:
1 - ان الفقه الاسلامي الذي اقر وامضى العقود العرفية
بقوله: (اوفوا بالعقود) وذكر حديث «المؤمنون - او المسلمون - عند شروطهم»، اوجب على المتعاقدين الالتزام بالوفاء بالعقد
مع الوفاء بكل شرط ذكر في العقد سواء كان لمصلحة المتعاقد
اولمصلحة من هو خارج عن العقد، فلم يقبل تلك النظرية
الضيقة القائلة بان العقد لا ينشئ حقا للغير. 2 - لو سلمنا القاعدة الرومانية القائلة بان العقد لا ينشئ حقاللغير، فلماذا يقال بان الشرط الذي يشترطه المتعاقد لمصلحة الغير لا يجعل له حق الدعوى بما اشترط للغير على المشروط عليه؟!
فان لنا ان نقول: ان هذا المتعاقد قد اشترط شرطا
لنفسه؛حيث ينتفع هو بهذا الشرط اما ماديا او ادبيا، فان في
الشرط الادبي ثواب الله في الاخرة، وهو نوع انتفاع للمشترط
حسب النظرية الاسلامية، وحتى النظرية المسيحية او اليهودية
التي تعتقد بوجود الله سبحانه ووجود الاخرة التي يحشر بها
الناس فيجازون على ما عملوا في هذه الدنيا، فلم يكن هذا
الشرط منفصلا عن المتعاقد، على ان النظرية الاسلامية تقول
بوجوب نفقة الاب على الابن (كما في المثال الذي ذكره
السنهوري)،
فالشرط الذي يشترطه الابن على المتعاقد يرجع
الى شرطي
نتفع به المتعاقد، وهو شرط مادي لا ادبي.
3 - ثم ان المنتفع بهذا الشرط وان لم يكن متعاقدا، يكون له حق
قد نشا من الشرط الذي وضع في متن العقد، فيتمكن
ان يطالب بهذا الحق من المشروط عليه، كما يتمكن من
مطالبته قضاء اذا امتنع من تنفيذ التزاماته الواجبة عليه.
4 - من نافلة القول التنبيه على ان الولد الذي يريد ان يجعل ثمن
ما باعه ايرادا مرتبا لابيه مادام حيا يكون عقده باطلا؛ للجهالة
في الثمن؛ حيث يكون العقد غرريا، وهو باطل في الشريعة
الاسلامية. |
|---|