اذا، لا حاجة الى الالتفاف في الفقه الاسلامي كما حصل
في الفقه الروماني والفرنسي اللذين اخذا يتطوران((24)) في
الخروج على هذه القاعدة الضيقة حتى وصلا الى ما ذكره
الفقه الاسلامي من وجوب الوفاء بالعقد مع الشروط التي ذكرت
في العقد وان كانت شروطا لمصلحة الغير.
اما الشرط الجزائي: فهو قد يكون بين الدائن والمدين، حيث
لايتركان تقدير التعويض الى القاضي، بل يعمدان الى
الاتفاق مقدما على تقدير هذا التعويض، فيتفقان على مقدار
التعويض الذي يستحقه الدائن اذا لم يقم المدين بالتزامه، وهذا
هو
التعويض عن عدم التنفيذ، او يتفقان على مقدار التعويض
الذي يستحقه الدائن اذا تاخر المدين في تنفيذ التزامه، وهذا
هو
التعويض عن التاخير. وهذا الاتفاق يكون مقدما على
التعويض،
ويسمى بالشرط الجزائي، والمقياس فيه ان يقاس
بمقياس الضرر.
وقد يكون الشرط الجزائي في عقد المقاولة بالزام المقاول
بدفع مبلغ معين عن كل يوم او عن كل اسبوع او عن كل مدة
اخرى من الزمن يتاخر فيها المقاول عن تسليم العمل المعهود
اليه انجازه.
كما قد يكون الشرط الجزائي بخصم مبلغ معين من
اجرة العامل جزاء له على الاخلال بالتزاماته المختلفة.
وقد يكون الشرط الجزائي في التعاقد مع مصلحة
السكك الحديدية او مصلحة البريد، حيث يتضمن الشرط
الجزائي تحديد مبلغ معين هو الذي تدفعه المصلحة للمتعاقد
معها في حالة فقد طرد او فقد رسالة((25)).
وقد يكون الشرط الجزائي اشتراط حلول جميع الاقساط
عندالتخلف عن اداء قسط في وقته، كما يمكن ان يكون تملك
الزراعة القائمة على الارض عند انتهاء مدة اجارتها عند الاخلال
بتسليم الارض خالية عند انتهاء مدة الاجارة، كما يمكن ان
يكون عملا،او امتناعا عن عمل، او تقصير ميعاد استعمال الحق،
او تشديدا
في شروط استعمال الحق، او اشتراط تغيير مكان
تنفيذ الالتزام.
وقد يكون الشرط الجزائي عند وقوع جريمة
جنائية.
ولكن الشيء المهم هنا هو عدم ضرورة وضع الشرط
الجزائي ضمن شروط العقد الاصلي؛ اذ قد يكون الشرط
الجزائي في اتفاق لاحق للعقد (قبل وقوع الضرر الذي يقدر
الشرط الجزائي التعويض عنه)، او يكون الشرط الجزائي على
تقدير التعويض المستحق من مصدر غير العقد كالعمل غير
المشروع، من قبيل الاخلال بوعود الزواج، حيث تترتب على
الاخلال بوعد الزواج مسؤولية تقصيرية لا عقدية((26)).
وقد نصت المادة (223) من التقنين المدني المصري على
مايلي:
«يجوز للمتعاقدين ان يحددا مقدما قيمة التعويض
بالنص عليهافي العقد او في اتفاق لاحق»((27)).
يتميز الشرط الجزائي بانه ليس هو السبب في
استحقاق التعويض، فلا يتولد عنه التزام اصلي بالتعويض، ولكن
يتولد
عنه التزام تبعي بتقدير التعويض بمبلغ معين.
ما دام الشرط الجزائي هو تقدير عن تعويض الضرر الذي حصل
من الملتزم الناشئ من مخالفة التزامه، اذا يجوز تخفيضه من
قبل القاضي في حالتين:
1 - اذا نفذ المدين الالتزام الاصلي في جزء منه وكان
تقدير
التعويض على عدم التنفيذ اصلا، فالقاضي يخفض
الشرط الجزائي بنسبة ما نفذ المدين من التزامه، اما اذا كان
الشرط الجزائي في صورة عدم التنفيذ الكامل، فحينئذ ينفذ
الشرط الجزائي باكمله وان اقدم المشترط عليه على تنفيذ
بعض التزاماته.
2 - اذا اثبت المشترط عليه ان تقدير التعويض كان مبالغافيه الى
درجة كبيرة وذلك لان الاصل في الشرط الجزائي هوتقدير
لتعويض الضرر، فاذا كان الضرر اقل بكثير من تقديرتعويضه
السابق كان للقاضي ان يخفض الشرط الجزائي.
ومع هذا فقد خالف القانون المدني الفرنسي في المادة
(1152)
ذلك، وطبق القضاء عدم تخفيض الشرط الجزائي لو
ثبت انه مبالغ فيه الى درجة كبيرة؛ لان الفائدة من الشرط
الجزائي هوقطع السبيل على الملتزم في المحاجة والجدل في
مقدار التعويض المستحق، وقد اتفق مع المشترط على تقديره،
فلا محل لاعادة النظر فيه لتقليله((28)).
وقد يزاد الشرط الجزائي في حالتين:
1 - نصت المادة (225) على ذلك فيما اذا جاوز الضرر
قيمة التعويض المقدر واثبت الدائن ان المدين قد ارتكب غشا
او
خطاء
جسيما، فيجوز للقاضي ان يزيد في تقدير التعويض
حتى يصبح معادلا للضرر الذي وقع؛ لان الدائن الذي اتفق
مع المدين على تقدير التعويض لم يدخل في حسابه غش
المدين او
خطؤه الجسيم.
2 - نصت الفقرة الثالثة من المادة (217) على انه «يقع باطلاكل
شرطيقضي بالاعفاء من المسؤولية المترتبة على العمل
غير
المشروع». ويتبين من ذلك انه لا يجوز ان يتفق الطرفان
على اعفاء المدين من مسؤوليته التقصيرية، ويكون هذا الاتفاق
باطلالو تم؛ لتعارضه مع النظام العام.
قال السنهوري: وكما لا يستطيع الطرفان ان يبرما هذا
الاتفاق بطريق مباشر، كذلك لا يستطيعان ابرامه بطريق غير
مباشر؛بان يتفقا على شرط جزائي يكون من التفاهة بحيث
يكون المقصود به ان يصل الى اشتراط اعفائه من
مسؤوليته التقصيرية، ففي هذه الحالة يجوز للقاضي ان يحكم
بتعويض ازيد بكثير من التقدير التافه الذي ورد في الشرط
الجزائي؛
لاجل تطبيق القواعد العامة في التقدير
القضائي للتعويض((29)).
اقول: لابد من التفصيل بين كون الشرط هو تقدير
الضرر
المتوقع من قبل المتعاقدين قبل وقوعه؛ حسما
للاختلاف بعدذلك، فياتي كلام الفقه الوضعي في اثبات كونه
مبالغا فيه اوتافها جدا، فيخفضه القاضي او يزيده اذا ثبت كونه
مبالغا فيه او تافها جدا.
اما اذا كان الشرط الجزائي غير مرتبط بالضرر اصلا بل
كان مطلقا (اي سواء وجد الضرر ام لا)، فحينئذ يكون الشرط
نافذا،الا في صورة ما اذا فهمنا من الشرط سفاهة المشترط
عليه او
المشترط، فيبطل العقد من اساسه، ويبطل الشرط تبعا
له، كما
سياتي ذلك. مضافا الى اننا لم نفهم اصرار الفقه الوضعي على عدم قبول اعفاء احد المتعاقدين للاخر عن بعض مسؤولياته؛ اذ ما هوالمانع في تخفيض مسؤولية احد المتعاقدين ما دام المخفض هوالمالك الحقيقي الذي يثبت الشرط الجزائي؟! فلو رضي الشارط ان يكون الشرط تافها ورضي الا يربطه بالضرر فما هو المانع من ذلك؟! اليست سلطنته الشخصية هي الحاكمة مع افعاله وانشاءاته؟! اليس تحديد هذه السلطنة لا يجوز لمن كان بالغاعاقلا رشيدا، فلماذا هذا الاصرار على عدم اعفاء المتخلف عن المسؤولية وان اقدم عليها المتعاقد وقررها في متن العقد؟!
نعم، اذا كان المتعاقد وكيلا عن شركة او موظفا في
الدولة وابرم العقد لها عافيا مسؤولية الطرف الاخر عند حصولها
بان قلل الشرط الجزائي الى صورة باهتة في صورة تخلف
الطرف الاخر عن المسؤولية، فيمكن ان ياتي كلام الفقه
الوضعي حيث يكون تصرف الوكيل (المسؤول عن ايجاد العقد)
باطلا؛ لعدم امانته، وعدم مراعاة المصلحة العامة التي هو
مسؤول عنها،
وحينئذ ياتي القاضي فيقرر الشرط الجزائي
حسب الضرر الذي حصل تبعا للقواعد العامة من الضمان.
ذكروا:
2 - ولو اتفق الطرفان على ان الشرط الجزائي واجب الدفع على
كل حال عند مخالفة المشروط له حتى اذا كان الضرر اقل من
تقديره كثيرا، فهذا الاتفاق باطل؛ لمخالفته النظام العام،ويجوز
للقاضي ان يخفض هذا الشرط الجزائي.
3 - اذا كان الشرط الجزائي باهتا (اقل من الضرر بكثير)حيث
يعفي مسؤولية المتخلف، فهو اتفاق باطل؛ لمخالفته للنظام
العام.
اقول: ان هذه الاحكام في الفقه الوضعي (الغربي) لا
تنسجم مع الفقه الاسلامي الذي جعل النظام العام قاعدة
«المسلمون عن شروطهم»، و (اوفوا بالعقود)، فكل شرط اوجده
المتعاقدان في العقد يجب الوفاء به اذا كان لم يخالف الكتاب
والسنة والضوابط المقررة فقهيا في الشروط كما ستاتي،
وحينئذ اذاارتاى المتعاقدان ان يدفع المتخلف الى الاخر كمية
من النقودفي صورة عدم قيامه بما اشترط عليه، فهو واجب
الوفاء؛ لانه شرط لم يخالف كتابا او سنة، وكذا اذا كان الشرط
غير مرتبط بالضرر او كان الشرط الجزائي يعفي المتخلف عن
بعض المسؤولية التي اوجدها نتيجة تخلفه.
نعم، اذا ثبت من هذه الشروط او من غيرها ان المشترط
عليه سفيه بطل العقد والشرط، ورجعنا الى القواعد العامة من
ضمان المقصر او المتعدي.
ان شروط استحقاق الشرط الجزائي هي نفس شروط
استحقاق التعويض، وهي:
1 - وجود خطا من احد المتعاقدين الذي اشترط عليه
الشرط الجزائي.
ان الملتزم بالعقد او الملتزم بمصدر من مصادر الالتزام
غيرالعقد - كان يلتزم بنقل ملكية او بعمل او بالامتناع عن عمل
-
اذا اتفق مع الطرف الاخر على مبلغ معين يقدران به التعويض فيما اذا اخل من عليه
الالتزام بالتزامه، يترتب عليه:
فصاحب الشرط
يطالب المشروط عليه بالتنفيذ لما التزم
به اولا، ولا يجوز له ان يطالبه بالشرط الجزائي اولا؛ لان
الشرط الجزائي تعويض. وكذا المشروط عليه ليس له الا العمل
على تنفيذ ما التزم به، ولا يجوز له ان يعدل من تنفيذ التزامه - اذا
كان ممكنا - الى الشرط الجزائي؛ لان الشرط الجزائي كما
قلناليس بديلا للالتزام الاولي، بل هو تعويض فيما اذا صار
الالتزام الاصلي مستحيلا بخطا المشروط عليه وحصل ضرر من
جراء
الخطا تكفل الشرط الجزائي بتقديره.
ثم اذا كان العقد باطلا؛ بطل الشرط الجزائي تبعا له، وكذا
اذاكان محل الالتزام غير العقد الا انه باطل، كما اذا تعهد
شخص بارتكاب جريمة والا فيدفع مبلغا معينا كشرط جزائي،
فيبطل التعهد والشرط معا.
واما اذا بطل الشرط الجزائي فلا مبرر لبطلان العقد، كما
اذاشرط المرتهن انه عند عدم سداد الدين يكون الرهن ملكا
له،فيبطل الشرط الجزائي دون الرهن.
وعلى هذا سوف يكون فرق واضح بين الشرط
الجزائي والعربون؛ لان العربون اذا كان معناه عبارة عن جواز
العدول عن العقد لقاء دفع مبلغ العربون، فيحق لاي متعاقد ان
يعدل عن الوفاء بالعقد مقابل دفع العربون، كما يكون الالتزام
بدفع العربون مقابل العدول وان لم يحصل ضرر للمتعاقد
الاخر،
بينما الشرط الجزائي لا يحصل الا اذا كان هناك ضرر
وقع على الطرف الاخر، ولا يجوز المصير الى الشرط الجزائي اذا
كان بالامكان تنفيذ العقد((31)).
قالوا: اذا كان الشرط الجزائي مبالغا فيه وكان المتعاملان
على علم بهذه المبالغة وقد قصدا اليها، كان الشرط الجزائي
هناشرطا تهديديا (وليس واقعيا) لحمل المدين على عدم
الاخلال بالتزامه.
وقد ذكر السنهوري: ان مؤدى ذلك ان يكون الشرط
الجزائي المبالغ فيه ينطوي في الواقع من الامر على عقوبة
فرضها الدائن على المدين، فيكون باطلا، وحينئذ يعمد القاضي
الى تقديرالتعويض وفقا للقواعد العامة في تقديره.
ثم ذكر السنهوري تبريرا آخر للبطلان، حاصله: ان
الشرط الجزائي هو تقدير التعويض المستحق من الطرفين
وفقاللاعتبارات والظروف، فاذا اتضح بعد ذلك ان الضرر الذي
وقع لم يكن بالمقدار الذي ظنه الطرفان قبل وقوعه وان
تقديره كان مبالغا فيه كثيرا، فحينئذ لا يخلو الامر: من غلط
وقع فيه الطرفان، او ضغط وقع على احدهما فقبل شرطا يعلم
انه مجحف به، وفي كلتا الحالتين يكون الواجب تخفيض
الشرط الجزائي الى الحد الذي يناسب الضرر((32)).
أقول: ان ما تقدم عن الفقه الغربي لا يصح بصورة مطلقة حسب
منطق الفقه الاسلامي الذي صحح كل شرط الا ما خالف الكتاب
والسنة، كما سياتي، فقد يكون الشرط الجزائي لتقدير تعويض
الضرر الذي يحصل من عدم تنفيذ الشرائط برمتها كاملة، وقد
يكون لتاخير التنفيذ، وهنا ياتي كلام القوم من كونه مبالغا فيه،
فيتمكن المشترط عليه ان يدعي زيادة الشرط الجزائي كثيرا
فيطلب تنقيصه، اما اذا كان الشرط هو ان يدفع المتخلف مقدارا
معينا من المال (غير مرتبط بالضرر وجودا، وغير مرتبط
بتقديره) فهنا يكون الشرط نافذا اذا لم يخالف الكتاب والسنة،
وحينئذ لا يصح دعوى كونه مبالغا فيه، فيجب على المشترط
عليه تنفيذه كاملا.
نعم، اذا تبين ان قبول هذا الشرط من قبل المشترط
عليه لسفاهة فيه فيبطل اصل العقد؛ للادلة الدالة على بطلان
عقد السفيه، فيبطل الشرط تبعا له.
ان التهديد المالي في الفقه الوضعي هو حكم قضائي
على الملتزم المتعنت من تنفيذ التزامه او تاخيره((33))، فهو
عقوبة من قبل المحكمة. ولكن يمكن لاحد المتعاقدين ان
يجعل الشرط الجزائي مبالغا فيه كثيرا بحيث ينطوي في الواقع
من الامر على عقوبة فرضها الدائن على المدين((34)). وعلى
هذا الذي تقدم يوجد فرق اساسي بين الشرط الجزائي والتهديد
المالي في الفقه الوضعي، حيث يكون التهديد المالي تحكميا لا
يقاس بالضرر،فهو يكون فيما اذا كان هناك التزام امتنع من
تنفيذه الملتزم مع ان تنفيذه العيني لا يزال قائما، وان يكون
التدخل الشخصي من الملتزم له دخل في التنفيذ العيني، وان
يطالب الملتزم له بالتهديد المالي.
وميدان التهديد المالي واسع، مثل: الالتزام بعمل فني،
اوالالتزام بتقديم الخدمات للمشتركين في شركة الكهرباء
والماءوالتلفون، والالتزام باخلاء عين مؤجرة او تسليمها. وحتى
في نطاق الاحوال الشخصية، حيث يمكن ان يلتجا للتهديد
المالي في الالتزام بتسليم الاولاد الى من له حق حضانتهم،
وفي التزام الزوجة بالذهاب الى محل الطاعة، ومثل ان يلتزم
الممثل بالا يمثل في مسرح معين، والتزام المهندس بالا يعمل
في مصنع منافس، والتزام بائع المتجر بالامتناع عن
منافسة المشتري.
وقد قلنا: ان التهديد المالي تحكمي لا يقاس بالضرر، ولا
يقدر التهديد المالي مبلغا دفعة واحدة؛ وذلك حتى يتحقق
التهديد، فالملتزم يحس بانه كلما طال وقت التاخير عن
التنفيذ زاد مبلغ الغرامة التهديدية المحكوم بها. والتهديد
المالي ليس عقوبة، ولاينفذ الا عندما يتحول الى تعويض نهائي،
واذا تحول الى تعويض نهائي فقد ينقص وقد يلغى.
ومن هنا يفهم ان الغرامة التهديدية وسيلة للضغط على
الملتزم والتغلب على عناده، ليحمل على تنفيذ التزامه، فهي
وسيلة من وسائل التنفيذ العيني الجبري، ولهذا فهي تتفق مع
الاكراه البدني على تنفيذ الالتزام، ولذلك فهذا التهديد المالي
قد ينجح وقد لاينجح تبعا لما انتهى اليه المدين من تنفيذ
التزامه او الاصرارعلى عدم التنفيذ.
والسند القانوني لهذا التهديد المالي لا يوجد في التقنين
المدني الفرنسي ولا يوجد في التقنين المدني المصري السابق،
بل استند القضاء الفرنسي بطريق غير مباشر الى المادة (1036)
من تقنين المرافعات الفرنسي، وقد جاء فيها:
«فالحكم الصادر بالغرامة التهديدية هو امر يصدر من
المحكمة بما لها من سلطة الامر لا بما لها من ولاية الحكم
للمدين المتعنت الممتنع عن تنفيذ التزامه بتنفيذ هذا الالتزام،
فان لم يفعل فجزاؤه على العصيان غرامة تهديدية».
وهذا النص الذي استند اليه القضاء الفرنسي قصد به بسط سلطة
القاضي في ادارة الجلسة، وهو قضاء اجتهادي لا سند له في
النصوص التشريعية، فنظرية التهديد المالي نظرية خلقها القضاء
لا المشرع.
ولكن القانون المصري الجديد اوجد السند التشريعي
لنظرية التهديد المالي، فقد ذكر في المادة (213): «1 - اذا كان
تنفيذالالتزام عينا غير ممكن او غير ملائم الا اذا قام به
المدين نفسه، جاز للدائن ان يحصل على حكم بالزام المدين
بهذا التنفيذ، وبدفع غرامة تهديدية ان امتنع عن ذلك. 2 - واذا
راى القاضي ان مقدار الغرامة ليس كافيا لاكراه المدين
الممتنع عن التنفيذ، جاز له ان يزيد في الغرامة كلما راى
داعيا للزيادة».
ونصت المادة (214) على ما ياتي: «اذا تم التنفيذ العيني اواصر
المدين على رفض التنفيذ، حدد القاضي مقدار التعويض الذي
يلزم به المدين، مراعيا في ذلك الضرر الذي اصاب
الدائن والعنت الذي بدا من المدين»((35)).
اقول: الذي يمكن ان نلاحظه على الشرط الجزائي في
الفقه الوضعي هو:
1 - عدم اشتراطه ان يكون في ضمن عقد لازم، بل سوغوا
ان يكون لاحقا للعقد ولكن قبل وقوع الضرر، وهذا ما لم يكن
في ضمن عقد لازم لا يقره الفقه الاسلامي الامامي على الاقل،
كماسياتي بيانه.
2 - ذكر الفقه الوضعي امكان ان يكون الشرط الجزائي ترتب على
عمل غير مشروع، كالاخلال بوعد الزواج، حيث تترتب مسؤولية
تقصيرية لا عقدية.
وهذا الكلام قد يقصد به حصول ضرر على المراة التي
وعدت بالزواج، والمفروض زوال هذا الضرر، وهذا امر لا يحصل
دائمامن الوعد بالزواج، كما قد يقصد به حصول تعاهد بين
اثنين على الزواج فترتب الزوجة الاثر على هذا التعاهد؛ بمعنى
انهاالتزمت بان تتزوج بهذا الفرد وهو قد التزم بان يتزوج
بها فحصل عهد وعقد بينهما، فاذا حصل ضرر من فسخ
هذاالتعاهد فيجب ان يرفع، وعلى هذا يمكن للمتعاهدين على
ايقاع الزواج ان يجعلا شرطا جزائيا يقدران فيه الضرر الذي
استندالى الاخلال بهذا العهد، وحينئذ لا يكون هذا الشرط
الجزائي مستندا الى مصدر غير العقد.
واما اذا كان الوعد بالزواج والاخلال به لم يحصل منه
ضرر وليس هو قد وصل الى حد التعهد بالزواج، فلا يكون
الشرط الجزائي مستندا الى عقد ولا يوجد ضرر في البين، فلا
يكون صحيحا.
3 - ان المصدر للالتزام مع عدم كونه عقدا لا يمكن ان نتصوره
الا في النذر والعهد واليمين؛ حيث يمكن للناذر - مثلا# ان ينذر لله ترك عمل مرجوح ويجعل شرطا جزائيا عليه في صورة
مخالفة نذره (غير الكفارة التي جعلها الله عليه عند مخالفة
النذر)؛ كان يدفع الف دولار الى الفقراء اذا صدر منه العمل
المرجوح، فهذا شرط جزائي صحيح. اما اذا كان مصدر الالتزام
عقدا غير صحيح او ارتكاب جريمة، فالشرط الجزائي لايكون
صحيحا؛ لان الشرط الجزائي تابع للعقد وتابع للجريمة، وبما ان
العقد باطل والجريمة محرمة فيبطل الشرط الجزائي المترتب
عليهما حتى في الفقه الوضعي - كما تقدم - حيث قالوا بان الشرط
الجزائي تابع للالتزام الاصلي.
اقول: ان القوانين غير الاسلامية حينما تكون ناشئة من العقول
البشرية نراها تقول شيئا وتنسفه بعد ذلك بحجة التطورالذي
يجب ان يتبع، فما ان يقول الفكر البشري شيئا ك « #عدم انشاء
حق للغير في العقد» حتى يصطدم بضرورات عملية
تدفع للخروج على القاعدة، فيحتال على القانون للخروج عنه
بحدودضيقة اولا، ثم ما ان تزداد الحاجة حتى يزداد في
استثناءاتهاوالخروج عليها حتى تهدم القاعدة ويقنن قبالها
«جواز انشاء حق للغير في العقد»، فينشا عقد التامين الذي هو
اشتراط لمصلحة الغير فيما اذا امن لمصلحة ورثته من بعده اذا
مات قبل سن معينة، وكما في تامين رب العمل لمصلحة العمال
ضد مايصيبهم من الضرر اثناء العمل((36)).
اما القوانين الاسلامية فبما انها صادرة من المشرع
الاعظم الذي يعلم بما يحتاج اليه البشر، فتكون قوانينه
متطورة وثابتة في نفس الوقت، فقد اوجب الشارع هنا الوفاء
بالعقد بعد ان تتم كل الشروط لصحته، واوجب ايضا الوفاء
بالشروط الموجودة في متن العقد بعد ان تكون شروطا صالحة
مفيدة مقدورة لم تخالف مصدر التشريع الاسلامي.
وبناء على ما تقدم نقول: بامكاننا ان نجعل التهديد المالي
في متن العقد كشرط اتفق عليه المتعاقدان، فحينئذ يكون
شرطا يجب الوفاء به ويكون تابعا للعقد، ومع هذا يختلف عن
الشرط الجزائي بكون الشرط الجزائي يقاس بالضرر دون
التهديد المالي الذي يقصد به التغلب على عناد المدين وتنفيذه
اذا حصل العناد، وبان الشرط الجزائي يكون متصلا بتعويض
الضرر بينما التهديد المالي يكون متصلا بالتنفيذ العيني،
وبتنفيذه ان لم يحصل التنفيذ العيني.
ومع هذا يتفق الشرط الجزائي مع التهديد المالي بكونه
اتفاقانهائيا قابلا للتنفيذ على حاله.
وحينئذ يمكن للفقه الاسلامي ان يقول: ان المتعاقدين اذا
تعاقدا وكانت شروط العوضين والعقد والمتعاوضين موجودة،
فلهما ان يشترطا في هذا العقد كل شرط، سواء كان تعويضا
للضرر اذا حصل ضرر في البين، او ان يتفقا على ان يدفع الضار
الى المتضرر مقدارا مقطوعا من المال، كما يصح ان يشترط
احد المتعاقدين على الاخر ان لم يقم بالتزاماته المعينة مبلغا
معينامن المال، وهو ما يسمى بالتهديد المالي لحمله على
الوفاء بالالتزامات حرفيا، ودفع المال ان لم يقم بذلك الالتزام
الحرفي،فهو سلاح ذو حدين للمشترط؛ فاما ان تنفذ
الالتزامات كما ذكرت في العقد، او ان يدفع المبلغ المعين عند
التخلف وان لم يحصل ضرر بتخلفه.
وعلى هذا الذي تقدم لا حاجة اذا الى التطويلات التي
ذكرهاالفقه الوضعي والتشقيقات والفروقات بين الشرط
الجزائي والتهديد المالي؛ لان المتعاقدين قد تعاقدا بصورة
اختيارية وكان رضاهما موجودا بهذه الشروط - سواء كانت
شروطا للتعويض عن الضرر الحاصل، او شروطا تهديدية نفعية
ينتفع بها المشترط له ان لم تنفذ الالتزامات التي تعهد بها
الملتزم - ولم يكن هناك مانع من موانع العقد، فيجب الوفاء بكل
هذه الشروط شرعا، ويكون الحق للمشترط له في اجبار
المشترط عليه بالتنفيذ ولو بالدعوى عليه في المحاكم،
والحاكم ليس له الا ان يطبق ما جرى العقد عليه من شروط،
فلا يزيد ولا ينقص الا اذا راى ان الشروط منافية للدستور
الاسلامي (القرآن اوالسنة الشريفة).
وسندنا في ذلك هو:
1 - ما عن عبد الله بن سنان - بسند تام - عن الامام الصادق(ع)،
قال: سمعته يقول: «من اشترط شرطا مخالف الكتاب الله فلا
يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند
شروطهم مما وافق كتاب الله عزوجل»((37)).
2 - وما عن عبد الله بن سنان ايضا - بسند تام ايضا #عن الامام
الصادق(ع) انه قال: «المسلمون عند شروطهم، الا كل شرط
خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز»((38)).
3 - روى الشيخ الطوسي باسناده عن الصفار، عن الحسن
بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن اسحاق بن عمار،
عن جعفر، عن ابيه (الامام الباقر(ع)) قال: «ان علي بن
ابي طالب(ع) كان يقول: من شرط لامراته شرطا فليف لها به؛
فان المسلمين عند شروطهم، الا شرطا حرم حلالا او
احل حراما»((39)). والسند تام ايضا؛ فان بعض اسانيد الشيخ
الطوسي الى الصفار تامة، وغياث بن كلوب يفهم توثيقه من
كلام الشيخ الطوسي في كتاب العدة، وحسن بن موسى
الخشاب يفهم توثيقه من نص النجاشي حيث قال: «من وجوه
اصحابنا، مشهور، كثير العلم والحديث».
4 - وعن علي بن رئاب - بسند تام - عن ابي الحسن موسى بن
جعفر (الامام الكاظم(ع))، قال: سئل وانا حاضر عن رجل تزو ج
امراة على مئة دينار على ان تخرج معه الى بلاده، فان لم تخرج
معه فان مهرها خمسون دينارا ان ابت ان تخرج معه الى بلاده؟
قال: «ان اراد ان يخرج بها الى بلاد الشرك فلاشرط له عليها في
ذلك، ولها مئة دينار التي اصدقها اياها، وان اراد ان يخرج بها
الى بلاد المسلمين ودار الاسلام فله ما اشترط عليها،
والمسلمون عند شروطهم»((40)).
5 - وعن منصور بزرج - بسند تام - عن عبد صالح(المقصود بعبد
صالح هو الامام الكاظم او الصادق(ع)؛ لان منصور بزرج يروي
عن الامام الكاظم والصادق(ع). وينصرف هذا التعبير الى الامام
رغم عدم الالف واللام، كانصراف الرواية المضمرة الى الامام
التي حصلت من تقطيع الروايات، للظروف التي مرت على
الائمة التي تستوجب اخفاء اسمائهم في بعض الاحيان). قال: قلت له: ان رجلا من مواليك تزوج امراة ثم طلقها فبانت منه،
فاراد ان يراجعها فابت عليه الى ان يجعل لله عليه الا يطلقها ولا
يتزوج عليها، فاعطاها ذلك، ثم بداله في التزويج بعد ذلك،
فكيف يصنع؟ فقال: «بئس ما صنع! وما كان يدريه ما يقع في
قلبه بالليل والنهار، قل له فليف للمراة بشرطها؛ فان رسول
الله(ص) قال: المؤمنون عند شروطهم»((41)).
اقول: قد فهم الامام(ع) ان الزوج قد شرط لها الا يتزوج عليها
ولا يطلقها، فابت عليه الا ان يجعل لله عليه الا يطلقها
ولايتزوج عليها، فاعطاها ذلك، اضافة الى شرطه لها، لذا قال
الامام:«فليف لها بشرطها»، او نقول: ان نفس جعله لله (الا
يطلقها ولايتزوج عليها) مستبطن لشرطها عليه ذلك، ولو لم
يقبل ذلك فهذالا يضر باصل الحديث المروي فيه عن رسول
الله(ص) قوله: «المؤمنون عند شروطهم».
وعلى اية حال، فان عموم وجوب الوفاء بالعقد بعد كون الشرط
كالجزء من العقد يوجب وجوب الوفاء بكل شرط؛ لانه جزء من
العقد وقد اوجب المولى الوفاء بالعقد بين الطرفين، وكذا ظاهر
النبوي «المسلمون - او المؤمنون - عند شروطهم، الا شرطا حرم
حلالا او حلل حراما»؛ فان معنى كون المؤمن عند شرطه هو
ملازمته اياه، وقيامه بمقتضاه، وتعين انهائه واتمامه وتنفيذه
شرعا، وهو يعني وجوب الوفاء به تكليفا. واذا امتنع المشروط
عليه عن الوفاء بالشرط جاز اجباره عليه؛ لان الشرط حق
للشارط في ذمة المشروط عليه بمقتضى العقد المقرون
بالشرط، فيجبر على تنفيذه؛ لكونه ممتنعا عما يستحقه الغير
عليه.
وهذا الاجبار يمكن ان يصل اليه المشترط عن طريق القضاء.
ذكر الفقهاء انه يعتبر في صحة الشروط ووجوب الوفاء بهاعدة
امور:
1 - ان يكون الشرط سائغا غير مخالف لكتاب الله
وسنة الرسول(ص)، وقد عبر عن هذا بالا يكون الشرط محللا
للحرام او محرما للحلال.
2 - الا يكون الشرط مخالفا لمقتضى العقد، كما اذا اشترى سلعة
بشرط الا يكون لها ثمن، او آجر الدار بشرط الا تكون لهااجرة،
فان هذا الشرط يكون منافيا لمدلول العقد، وحينئذ مع هذه
الشروط لا يتحقق قصد انشاء المدلول، ومع عدم قصد المدلول
لا يتحقق العقد؛ لان العقود تابعة للقصود ولا عقد من دون
قصد.
3 - ان يكون الشرط ملتزما به في ضمن العقد او مبنيا
عليه العقد، فلا يكفي ان يذكراه قبل العقد؛ لانه يكون شرطا
ابتدائيا. وهذا الاطار ادعي عليه اجماع الامامية.
4 - الا يكون الشرط مجهولا جهالة توجب الغرر في البيع؛لان
الشرط في الحقيقة كالجزء من العوضين، وبما ان الجهالة
في احد العوضين غرر في البيع توجب بطلانه؛ لنهي
النبي(ص) عن بيع الغرر، فحينئذ يكون الالتزام بامر مجهول
مبطلا للبيع، ويبطل الالتزام الذي في ضمن هذا البيع الباطل.
5 - ان يكون الشرط مقدورا للمشروط عليه؛ لان
الالتزام والشرط لا يتعلق بغير المقدور.
6 - ان يكون في الشرط غرض عقلائي معتد به؛ لان
الشرط يوجب حقا للشارط، وما لم يكن في الشرط غرض
عقلائي لا يعدحقا للشارط ولا يعتني به الشارع، فيوجب الوفاء
به.
(ب) - ويوجد دليل آخر ورد في الاجارة يدل على نفوذالشرط
الجزائي والتهديد المالي بخصوصهما، فقد ذكر
صاحب الجواهر((42)) انه: لو استاجره ليحمل له متاعا الى
موضع معين باجرة معينة واشترط عليه وصوله في وقت معين،
فان قصرعنه نقص من اجرته شيئا معينا، جاز وفاقا للاكثر
نقلاوتحصيلا، بل المشهور (المشهور عند الامامية) كذلك؛
للاصل، وقاعدة: المؤمنون عند شروطهم، والصحيح او الموثق
اوالخبر((43)) المنجبر بما عرفت عن محمد الحلبي قال: كنت قاعدا عند قاض من القضاة عنده ابو جعفر (الامام
الباقر)(ع) جالس، فاتاه رجلان، فقال احدهما: اني تكاريت ابل
هذا الرجل ليحمل لي متاعا الى بعض المعادن، واشترطت عليه
ان يدخلني المعدن يوم كذا وكذا؛ لانها سوق اتخوف ان
يفوتني، فان احتبست عن ذلك حططت من الكرى بكل يوم
احتبسته كذا وكذا، وانه حبسني عن ذلك الوقت كذا وكذا يوما؟
فقال القاضي: هذا شرط فاسد، وفه كراه، فلما قام الرجل اقبل
الي ابو جعفر(ع) فقال:«شرط هذا جائز ما لم يحط بجميع
كراه»((44)).
ومقابل قول الاكثر: من اشكل في صحة هذا الشرط؛
لكونه يوجب تعليقا وجهالة وابهاما، وانه كالبيع بثمنين نقدا
ونسيئة مثلا، ولذا ذهب المحقق الكركي في كتابه جامع
المقاصد وغيره من المتاخرين الى البطلان في ذلك، وطرح
الرواية او حملها على الجعالة او نحو ذلك((45)).
اقول: ان ما ذهب اليه مخالف الاكثر هو كالاجتهاد في مقابلة
النص الذي لا يقبل الحمل على الجعالة. ثم اننا لا نرى تعليقا
في الاجارة؛ لانه لم يستاجره بالناقص لو لم يصل في اليوم
المعين، بل وصل بعده، بل الاجرة معينة ان وصل في
اليوم المعين، فان تاخر نقص من الاجرة، وهذا شرط في متن
العقد على نحو شرط النتيجة او شرط الفعل، والفرق بينهما
واضح؛ اذ على النحو الاول يكون المشروط له (على تقدير
مخالفة الشرط) قد ملك مقدار النقصان على ذمة المشروط
عليه، بينما على النحو الثاني لا يوجد اشتغال ذمة المشروط
عليه، بل يجب عليه تمليك مقدار النقصان، فان لم يفعل فعل
حراما فقط.
كما ان التشبيه بالبيع بثمنين ليس بصحيح؛ لان
المشابهة للبيع بثمنين ان يقول مثلا: ان خطته روميا فلك
درهم، وفارسيانصفه، اما ما نحن فيه فهو ليس كذلك، ولذا
صرح بالصحة هنا من لم يقل بها في مثال الخياطة بالرومية
والفارسية؛ وذلك لان المستاجر عليه فيما نحن فيه معين،
ولكن اشترط عليه التنقيص على تقدير المخالفة، وهذا شرط
صحيح؛ لعموم «المسلمون عند شروطهم» واطلاق الرواية
المعتضدة بفتوى الاكثر.
وقد وردت عن ابناء السنة بعض النصوص في حلية
الشرط الجزائي في الاجارة، منها: عن ابن سيرين قال: قال رجل
لكريه (المكاري، المؤجر): ادخل ركابك (اي شد رحلك على
ظهر دابتك) فان لم ارحل معك يوم كذا وكذا فلك مئة درهم،
فلم يخرج. فقال شريح: من شرط على نفسه طائعا غير مكره
فهوعليه((46)).
اذا تم الدليل الاخر على صحة الشروط في العقود (سواء
كانت تعويضية او تهديدية مالية)؛ لاطلاق الرواية التامة سندا
الواردة في الاجارة، ولا فرق بين عقد الاجارة وغيرها من العقود.
لو كان الشرط الجزائي او التهديد المالي هو التنقيص من الاجرة
بدون ذكر لمقداره لو اوصله متاخرا، فهو شرط باطل؛لجهالة
الاجرة على تقدير الايصال المتاخر، وحينئذ تبطل الاجارة،
وتنتقل الى اجرة المثل بعد البطلان.
ويدل عليه: كونه على مقتضى القواعد القائلة بصحة
الاجارة، وبطلان الاجرة عند جهالتها، والانتقال الى اجرة
المثل؛ لان الاجيرلم يعمل مجانا. ويؤيده ما ورد في كتاب
دعائم الاسلام عن الامام الصادق(ع)انه سئل عن الرجل يكتري
الدابة او السفينة على ان يوصله الى مكان كذا يوم كذا، فان لم
يوصله يوم كذاكان الكرى دون ما عقده؟ قال(ع): «الكرى على
هذا فاسد وعلى المكري اجر مثل حمله»((47)).
اذا كان الشرط الجزائي او التهديد المالي هو سقوط
الاجرة باكملها ان لم يوصله في الوقت المعين، فهو شرط
باطل؛لكونه شرطا منافيا لمقتضى الاجارة؛ لانه يرجع الى
استحقاق المستاجر العمل بقصد الاجارة بلا اجرة، فهو مثل
قوله: آجرتك بلا اجرة، وحينئذ فان فسد هذا الشرط فسد العقد
على راي؛ لانه شرط اساسي بني عليه العقد، ويدل على بطلان
الشرط الرواية المتقدمة عن الحلبي بقول الامام الباقر(ع): «شرط هذا جائز مالم يحط بجميع كراه»، وعلى قول آخر عدم
بطلان العقد اذا فسد الشرط، ولكن لا باس بالتنبيه على ان
المؤجر يستحق اجرة مثله على كلا التقديرين (من بطلان عقد
الاجارة او عدم بطلانه)؛ لانه عمل عملا بدون تبرع بطلب من
الجانب الاخر في العقد، فيستحق اجرة المثل لما عمل، ولقاعدة
«ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، والاجارة عقد مضمون لو
كان صحيحا بالاجرة المسماة، فلو كان فاسدا فهو مضمون
باجرة المثل ايضا.
والى هنا اثبتنا ان العقد الذي وجد برضا الطرفين
ووجدت شرائطه هو عقد يجب الوفاء به في الفقه الاسلامي،
سواء اوجدحقا لموجده او للغير، وسواء كان الشرط فيه لمصلحة
المنشئ للشرط او لغيره، فان الذكر الحكيم قال: (اوفوا
بالعقود)؛بمعنى وجوب الوفاء بها، فهو مطلق لكل عقد وجدت
فيه خصائص الصحة، كما ان الحديث النبوي القائل: «المسلمون
- أو المؤمنون - عند شروطهم» يوجب العمل بالشرط
على المشترط عليه لصالح المشترط او لغيره (اذا قبلنا ان الشرط يكون لصالح الغير دون ان يكون لصالح المشترط)،
وهكذا نجدان المشرع الاسلامي قد كرم تراضي الطرفين في
وجوب الوفاء بالعقد الذي نشا عن تراضيهما.
ونحن عندما نقول بهذا لا نعني عدم امكان اقالة العقود
اذاوجدت او عدم امكان اسقاط الشرط من قبل المشترط؛ فان
هذاجائز اذا تراضيا على الاقالة او رضي الشارط اسقاط شرطه،
الا اننا عندما نقول بوجوب الوفاء بالشرط وبالعقد فهو انما
يكون في صورة عدم رضا احد الطرفين بالاقالة وعدم رضا
الشارط باسقاط شرطه.
يبطل الشرط الجزائي والتهديد المالي في موارد:
نعم، اذا اشترطت الزوجة على زوجها ضمن عقد النكاح او
اي عقد آخر لازم: ان طلقها او تزوج عليها كان عليه كذا من
المال (تعويضا عن الضرر الذي يصيبها من جراء ذلك او
تهديدا ماليا)، فهو شرط صحيح. واما اذا اشترطت عليه الا يكون
له حق الطلاق او لا يكون له حق التزوج بامراة ثانية، فهذا
شرط باطل؛ لانه يخالف الكتاب والسنة. واما اذا اشترطت عليه
مجردان يترك طلاقها او عدم التزوج عليها، فهو من
الشروط الصحيحة.
ومن الشرط الجزائي الصحيح خطاب الضمان النهائي
الذي تستلمه الشركة الداعية الى المناقصة من البنك عند
تخلف المقاول عن الالتزامات والشروط المشترطة عليه بصورة
عامة في العقد.
كما قد يشترط الداعي الى المناقصة شرطا جزائيا عند
تخلف المقاول عن تسليم المصنع مثلا في الموعد المقرر عند
حصول الضرر او مطلقا، فيكون تهديدا ماليا قد قبله المقاول
باختياره في ضمن العقد اللازم، فهو شرط صحيح حسب
ما تقدم.
ونحن وان قبلنا الشرط الجزائي والتهديد المالي في العقود، الا
اننا نستثني من العقود ما اذا كان الشرط الجزائي او
التهديدالمالي مؤديا الى الربا، كما في بيوع السلم والتوريد
والاستصناع الذي يكون المثمن كليا في الذمة ومؤجلا الى
اجل((48))، وبماان الثمن اذا كان مؤجلا فلا يجوز الزيادة في
الاجل في مقابل المال لانه ربا «اتقضي ام تربي؟!»، فكذا لا
يجوز الزيادة في اجل المثمن في البيع السلمي في مقابل المال
لنفس العلة «اتقضي ام تربي؟!»، وحيث ان الشرط الجزائي تكون
نتيجته رضاالمشتري في تاخير المثمن في مقابل المال، فهو
ربا
جاهلي.
وكذا نستثني من العقود القرض؛ فان الشرط الجزائي فيه
لوتاخر المدين في السداد هو الربا المحرم، وهذا واضح.
ان هذا يمكن ان يكون شرطا جزائيا الا انه من نوع مختلف؛لانه
هنا ليس مقدارا معينا من النقود قدر به التعويض، بل هوتعجيل
اقساط مؤجلة.
ونحن بما اننا وسعنا من معنى الشرط الجزائي سابقا
حيث جعلناه شاملا للتهديد المالي كما تقدم، حيث فرضنا ان
الشرط تارة يكون لتقدير تعويض الضرر الحاصل من عدم تنفيذ
التزام المشترط عليه، وتارة يكون تهديدا ماليا للضغط على
الملتزم بانجاز التزاماته كاملة غير منقوصة، فاذا لم ينجز
التزاماته كاملة يجب عليه الوفاء بالشرط من تسليم التهديد
المالي المشترط عليه في العقد وقد قبله بكامل اختياره.
وقد قلنا سابقا: ان كل عقد يجب الوفاء به؛ لاية (اوفوا
بالعقود)،
وكل شرط
يجب الوفاء به اذا لم يكن مخالفا للكتاب والسنة
وكان مقدورا او لم يكن مخالفا لمقتضى العقد وكان له غرض
صحيح، فعلى هذا يجب ان يكون هذا الشرط الجزائي بحلول
بقية الاقساط عند عدم الالتزام بتسديد قسط في
وقته صحيحا؛ لان هذا لا يلزم منه الربا وليس تحليلا لحرام
اوتحريما لحلال وهو مقدور للمشروط عليه، ويوجد غرض
صحيح من اشتراطه.
نعم قد يقال: ان هذا الشرط
يكون مخالفا لمقتضى العقد؛حيث
ان العقد هو عقد بيع نسيئة، فاذا حلت بقية الاقساط عندعدم
الوفاء بقسط واحد، كان معنى ذلك ان البيع بيع نقدي، مع انه
ليس كذلك.
ولكن يقال: ان هذا الشرط ليس مخالفا لمقتضى العقد، بل
هوشرط على حلول الاقساط المؤجلة عند الاخلال بقسط واحد
في وقته، كما ورد في ان الدين المؤجل يحل بموت المدين.
وقد اقر مجمع الفقه الاسلامي (في دورته السابعة بجدة
رقم 65/2/7 بشان البيع بالتقسيط الفقرة «5») الشرط الجزائي
في حالة اتفاق المتداينين على حلول سائر الاقساط عند
امتناع المدين عن وفاء اي قسط من الاقساط المستحقة عليه ما
لم يكن معسرا. ومما يؤيد قرار المجمع ما جاء في حاشية ابن
عابدين «عليه الف ثمن، جعله ربه نجوما (: اقساطا)، ان اخل
بنجم حل الباقي، فالامر كما شرطا...»((49)). الشيخ مرتضى الترابي تعريف الشركة:
الشركة بكسر الشين واسكان الراء و بفتح الشين وكسر الراء
لغة: اما في اصطلاح الفقهاء «فتعني اجتماع حقوق الملاك في الشيءالواحد على سبيل الشياع»((51))((52)).
لا يخفى ان تعريف عقد الشركة المذكور في المصادر
الفقهية لايشمل الشركات الحديثة ايضا خصوصا الشركات
التجارية غيرشركة المحاصة لان الملكية في الشركات التجارية
الحديثة ليست بالشيوع وانما الملكية فيها مفرزة((53)).
وصاحب الملك فيها هو الشخصية المعنوية للشركة
اي المؤسسة الحاصلة باسم الشركة نتيجة العقد واقرار
القانون عليها. ومالك السهم في الشركات الحديثة انما هو
صاحب حق في اخذ الربح لو حصل للشركة ربح فليس السهم
(شهادة اكتتاب او مساهمة:
certificate of stock
الشركة للدلالة على ان للمشار اليه عددا معينا من الاسهم او
الحصص)
بمعنى كون مالكه يملك شيئا بنحو الاشاعة في اموال
الشركة بل انما هي لبيان حقه في اخذ الربح لو حصل ذلك
ولالتزامه بسائرالحقوق والتكاليف((54)).
ولا يخفى ان المعنى الاصطلاحي المذكور للشركة شامل
لكلاقسمي الشركة العقدية والملكية لان الشركة الملكية انما
تختلف عن الشركة العقدية في السبب دون النتيجة التي هي
اجتماع حقوق الملاك في الشيء الواحد على سبيل المشاع.
هذا وقد انكر بعض الفقهاء((56)) الشركة العقدية بمعنى
وجودعقد خاص للشركة، فحصروا اسباب الشركة (اي اجتماع
حقوق الملاك في الشيء الواحد على سبيل الشياع) في
الاسباب القهرية والاسباب الاختيارية غير العقدية والاسباب
الاختيارية العقدية غير عقد الشركة.
لكن الصحيح كما عليه بعض المحققين هو تحقق
الشركة بالعقد الخاص بها. قال الشهيد الثاني: «واعلم ان الشركة
كماتطلق على اجتماع حقوق الملاك في المال الواحد على
احدالوجوه السابقة، كذلك تطلق على العقد المثمر جواز
تصرف الملاك في المال المشترك، وبهذا المعنى اندرجت
الشركة في قسم العقود، وقبلت الحكم بالصحة والفساد، لا
بالمعنى الاول».
ولابد لتحقيق الموضوع من ذكر الثمرات المترتبة على
القول بالشركة العقدية ثم تحرير محل النزاع و بيان ما هو
منشاالخلاف في المسالة.
مما قد يشكل في القول بانشاء الشركة بالعقد بانه لابد في صحة
الشركة من مزج المالين والمزج بنفسه يقتضي الشركة،فالعقد
معه يكون لغوا محضا، سواء تاخر المزج من العقد ام لا((57)).
ولذا قد تصدى القائلين بالشركة العقدية الى ذكر الاثارالخاصة
المترتبة على الشركة العقدية فقط. والاثار المذكورة في كلامهم كما يلي:
1 - اتصاف الشركة العقدية بالصحة والفساد دون الشركة الملكية.
2 - جواز تصرف الملاك في المال المشترك.
ويمكن استفادته ايضا من كلام صاحب الرياض حيث
استدل على الشركة العقدية بما ملخصه: «الاصل حرمة التصرف في مال الغير بغير اذنه فيقتصر فيهاعلى القدر المتيقن وهو ما دل عليها صريحا من الجانبين كمانبه عليه في التذكرة وعليه يصح اطلاق العقد عليه واما الاكتفاء فيها بمجرد القرائن الدالة والالفاظ الغير الصريحة فلادليل عليه» ((61)).
ولكن يشكل ذلك: «اذ لا دلالة في قول اشتركنا على الاذن بوجه من الوجوه، كماانه لا حاجة في حصول الاذن منهما او من احدهما الى عقدوليس من مقومات الشركة حصولها، اذ يمكن اشتراكهما في المال مع الاذن في العمل لثالث، بل يمكن ارادة الشركة من دون عمل اصلا، لغرض من الاغراض»((62)). |