الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ويجوز للشركة القابضة أن تباشر الأنشطة التالية، كلاً منها أو بعضها:

1 - اقراض الشركات التي تملك فيها اسمها وكفالتها لدي الغير الاا كانت حصتها في رأس مال الشركة المقترضة لا تقل عن نسبة معينة وفقاً للقانون.

ويتم الاقراض بموجب عقد بين الشركة القابضة والشركة التي تملك فيها حصص شراكة او مساهمة وبمقتضى هذا العقد تسلم الشركة الاولى للثانية مبلغا من النقود فتلتزم هذه الاخيرة برده في الوقت المحدد مع الفائدة المتفق عليها ولها ان تلجا الى اشتراط وضع ضمانات كافية.

اما الكفالة فتتم بموجب اتفاق بين الشركة القابضة الكفيلة والشركة المكفولة عن طريق قبول الشركة القابضة خطيا بكفالة الشركة الاخرى تجاه الغير على ان تتقاضى الشركة القابضة عمولة لقاء هذه الكفالة، وتبقى كفالة الشركة القابضة للشركة التي تملك فيها حصص شراكة او مساهمة قائمة حتى انتهاء اجلها.

2 - تملك حقوق الملكية الصناعية من براءات اختراع اوعلامات تجارية صناعية او رسوم صناعية او اية حقوق اخرى تتعلق بذلك وتاجيرها لشركات اخرى لاستغلالها سواء في داخل البلد او خارجه.

3 - تملك المنقولات والعقارات اللازمة لمباشرة نشاطها في الحدود المسموح بها وفقا للقانون.

4 - ادارة الشركات التي تتملك فيها حصص شراكة اومساهمة عن طريق الاشتراك بمجلس الادارة فتشترك او تنفردفي وضع التخطيط والتوجيه لاعمال الشركة وقيامها بدور المدير العام الذي يتولى بواسطة معاوني الشركة القابضة اوموظفيه تنفيذ الاعمال اليومية وقرارات مجلس الادارة اوالجمعيات العمومية او جمعيات الشركاء.

وقد اجازت بعض القوانين للشركة القابضة ان تقترض من المصارف وان تصدر سندات دين من اجل القيام بعمليات الاقراض والكفالة على ان لا يتجاوز مجموع قيمة السندات المصدرة في اي وقت من الاوقات نسبة محددة من قيمة راس مال الشركة القابضة مضافا اليه الاحتياطات وفقا لاخر ميزانية جرت الموافقة عليها.

مشروعية الشركات القابضة:

يقع البحث فيها من جهتين: موضوع العقد، وشكله:

موضوع العقد:
صحة كل عقد ومنها الشركة القابضة، منوطة بعدم كون موضوعه العمل المحرم والتعامل في الحرام، فكل عقدموضوعه التعامل في الحرام او كان التعامل في الحرام ماخوذافيه على نحو تكون الارادة العقدية مقيدة به غير صحيح شرعا.وذلك لعدم شمول ادلة صحة العقد ولزوم الوفاء بالعقد له. اذالامر بالوفاء به من قبل الشرع يتناقض مع تحريم ذلك الفعل من قبله((109)).

وعلى هذا فالشركة القابضة التي يوجد نص في نظامهاالاساسي على التعامل بالحرام كالربا اقراضا او اقتراضا باطلة شرعا. نعم لو كان الاقراض والاقتراض غير قائم على الربا،كما لوكان هناك تصريح في العقد على ايقاع الاقراض والاقتراض على النحو الشرعي، او اطلق ذلك في العقد مع امكان ايقاعه على النحوين مع عدم انصرافه الى القرض الربوي،يقع العقد صحيحا. ولافرق في هذا الحكم بين المشاركة في تاسيس الشركة وشراء بعض اسهمها حين التاسيس او شراء اسهم الشركة القائمة بالفعل لان شراء السهم اما هو انشاء لعقدمشاركة بين المساهم الجديد مع سائر المساهمين بناء على عدم وجود الشخصية الاعتبارية للشركة او هو شراء لحق مالي غيرمعترف بها شرعا بناء على وجود الشخصية الاعتبارية للشركة.

نعم لو كانت الشركة القابضة التي تنص في نظامها الاساسي على التعامل بالحرام قد تم تاسيسها من قبل غير المسلمين،وكان المدير والهيئة الادارية للشركة ايضا منهم، وقلنا بتحقق الشخصية الاعتبارية للشركة - اي كون الاسهم مملوكة للشخصية الاعتبارية للشركة دون المساهمين فيها - فانه حينئذ يمكن القول بصحة شراء اسهمها. لان السهم ورقة لهامالية ياخذها المسلم من يد الكافر مع عدم كون المسلم مكلفاباحراز ان الكافر قد كسبه من الحلال ام لا؛ اذ يصح التعامل مع الكفار حتى مع العلم بكون كسبهم من الحرام عندنا. الا انه يشكل في المقام ان هذا انما يصحح التعامل مع الكافر في الاموال والارباح التي حصل عليها ولو عن طريق الدخول في الكسب الحرام ومنها تاسيس الشركات التي تتعامل بالربا اما شراء اسهم تلك الشركة من قبل المسلم فلايجوز لانه بشرائها تخرج الاسهم عن كونها كسبا للكافر، بل يكون كسبا للمسلم نفسه حتى وان قلنا بالشخصية الاعتبارية للشركة لان شخصيتها تابعا لشخصية المساهمين فبشراء المسلم بعض اسهمها يكون جزء من تلك الشخصية الاعتبارية للشركة تابعة للمسلم ويكون من كسب المسلم الذي لا يملك بالمعاملات الربوية شيئا.

واما شكل العقد:
الاشكال المهم في المقام هو ان الشركة متقومة بوجود مال مشترك بين الشركاء والمفروض انه ليس في البين الا الاموال الحقيقية المجتمعة عند الشركات التابعة وتلك الاموال موضوع لتحقق الشركات التابعة فكيف تكون هي موضوعا لتحقق شركة اخرى باسم الشركة القابضة؟ (اذ بعد ان تم شراء اسهم الشركات التابعة من قبل الشركة القابضة قد لا يبق للشركة القابضة مال حقيقي غير اسهم الشركات التابعة). فلاتتحقق مشاركتان بل مشاركة واحدة و هي المشاركة بين المساهمين في الشركة القابضة في الاموال الحقيقية للشركات التابعة لها.

والجواب هو بناء على القول بتحقق الشخصية المعنوية للشركة وكون الشركة مالكة لاموالها والمساهمون انما هم يملكون الاسهم فقط سوف لايكون هناك اشكال من ناحية وحدة الاموال المشاعة اذ حينئذ تكون الشركة القابضة مالكة لاسهم الشركات التابعة لها لا لاموالها الحقيقية الاخرى والاسهم هي كما ذكرنا ورقة تعبر عن حق له مالية مستقلة. اماالشركات التابعة فهي تملك الاموال الحقيقية المجتمعة عندتا سيسها. فهناك شخصيتان اعتباريتان كل منهما تملكان اموالهما. نعم اموال احدى الشخصيتين (الشركة القابضة) انماهي اوراق لها مالية اعتبارية (ولو باعتبار تعبيرها عن حق مالي قابل للنقل) التي اصدرتها الشركات التابعة((110)).

هذا بالنسبة الى الشركتين القابضة والتابعة. اما المساهمون في شركة القابضة فهم يملكون الاسهم التي تصدرها الشركة القابضة.

اما بناء على نفي الشخصية المعنوية الاعتبارية للشركات والقول بان المساهمين هم يملكون الاموال المجتمعة عندالشركات فيشكل الجواب عن هذا الاشكال وذلك لانه بعد ان اشترى مدير الشركة القابضة بالاموال المجتمعة لديها اسهم الشركات الاخرى يكون المساهمون في الشركات القابضة هم المالكون بالاشاعة اموال الشركة التابعة التي تملك الشركة القابضة سهامها. وهذا معناه عدم بقاء اي موضوع (مال مشترك) للشركات التابعة.

نعم يمكن تصحيح ذلك بطريق آخر وهو كون مدير الشركة القابضة وكيلا عن المساهمين في الشركة القابضة في الاتجاربهذه الاموال بنفسه او بتوكيل اشخاص آخرين فيكون مديروالشركات التابعة وكلاء من قبل هذا الوكيل او ان مدير الشركة القابضة ومدير الشركة التابعة يكونون وكلاء الملاك معاً للاتجار باموالهم وان كانت الاموال متحدة كما في اجتماع مضاربتين على المال الواحد لان ذلك من باب التوكيل ولامانع من توكيل المتعددين في العمل الواحد. وعلى اي حال لا يكون هناك مشاركتان بل شركة واحدة والمتعدد انما هو الوكلاءويترتب على هذا عدم صحة اقراض الشركة القابضة للشركة التابعة لها بل يكون هو من باب نقل مال من وكيل لشخص الى وكيله الاخر فلا يتحقق قرض اصلا ولا يكون ضامنا لتلفه عنده. لان الوكيلين كلاهما امينان والامين لا يضمن.

كيفية تعلق الزكاة باموال الشركة القابضة:

فانه بناء على القول بالشخصية المعنوية للشركات يتحقق هناك ثلاثة انواع من المال بين الشركة القابضة والشركة التابعة لها:

الاول: الاموال الحقيقية المجتمعة عند الشركات التابعة وهي ملك للشركة التابعة.

الثاني: الاموال الحقيقية للشركة القابضة ان كانت لها اموال حقيقية، واسهم الشركات التابعة التي تملكها الشركة القابضة.

والثالث: اسهم الشركة القابضة التي هي ملك للمساهمين في الشركة القابضة.

والزكاة انما تتعلق بالقسم الاخير اي اسهم الشركة القابضة باعتبارها مالا للتجارة مملوكا لاشخاص حقيقيين. اما القسم الاول والثاني فتعلق الزكاة بهما يبتني على القول بشمول ادلة الزكاة لاموال الشخصيات الاعتبارية كاموال الوقف. وقد مضى بعض الابحاث حوله.

اما بناء على عدم القول بالشخصية المعنوية للشركات فليس الملاك الا المساهمون في الشركة القابضة وهم يملكون الاموال المجتمعة في الشركات التابعة مشاعا والاموال الحقيقية المجتمعة عند الشركة القابضة نفسها والزكاة تتعلق بنصيب من وصلت حصته حد النصاب دون غيرهم.

هذا تمام الكلام في المقام. اما البحث عن مسالة الضمان والمسؤولية المحدودة في الشركات فلا ندخل فيه لكونه مرتبطابالبحث عن النظام الاساسي للشركات وشرعية قوانين التجارة الحديثة، وهو يحتاج الى دراسة مستقلة.

الرشوة - دراسة فقهية
في اضرارها الاقتصادية والاجتماعية

الشيخ محمد الرحماني
ترجمة: عبد الرحيم الحمراني

الرشوة:

تعتبر الرشوة والابتزاز من الظواهر المشؤومة التي تؤدي الى تمرد الطبقات المسحوقة في المجتمع وتؤلبها ضد ساسة البلاد واصحاب القدرة والنفوذ فيها.

كما ان الوجدان يحكم بقبح واستهجان هذه الظاهرة الاجتماعية البشعة، في حين نص التشريع على حرمتها، اما المتخصصون في علم الاجتماع فقد تناولوها على انها تمثل العنصر الاساسي الذي يكمن وراءه انهيار الدول والحضارات وسقوط الحكومات (الامر الذي يدرك بسهولة ويسر من خلال النظرة الى التاريخ البشري ودراسة العناصر والعوامل التي ادت الى تلك النتيجة والتي يتصدرها عنصر الرشوة واستفحاله).

فمما لا شك فيه ان المجتمعات البشرية قاطبة قد اتفقت كلمتهاعلى قبح الرشاء وذمه واستهجانه، ولذلك كان من الطبيعي ان يتعاظم هذا الذم والاستقباح في المجتمعات الدينية.

فالى جانب ادانته العرفية والعقلية، كانت التعاليم الدينية المقدسة التي صرحت بحرمته بل ذهبت ابعد من ذلك لتجعله ضمن اطار المعاصي والذنوب الكبيرة التي توعد الشارع مرتكبيها بنار اليمة.

والمقالة التي بين يديك عزيزي القارئ محاولة لدراسة بعض الاحكام والاراء الفقهية التي تعالج قضية الرشوة كخطوة متواضعة بهدف التعرف على ما تستبطنه هذه الظاهرة من آثارسيئة مقيتة وبالتالي الحيلولة دون وقوعها وقبرها في مهدها.

وهنا نرى من الضروري بمكان ان نشير لبعض النقاط الاساسية التي تبين المحاور الرئيسية التي نروم التعرض لها في هذا البحث، وهي:

1 - ان موضوع الرشوة جدير بالبحث والدراسة من عدة ابعاد وجوانب، الا اننا سنقتصر المقال على دراسته من وجهة النظر الفقهية فقط.

2 - لقد تجنبنا الخوض في المباحث الفنية والتخصصية، ذات الصلة بالموضوع المذكور.

3 - لقد تم حذف او اختصار اغلب المباحث التي تجعل مادة المقال طويلة مملة من قبيل عد الرشوة من الذنوب الكبيرة كماافتى بذلك بعض الفقهاء المعاصرين، الى جانب فتاوى وآراء فقهاء العامة بهذا الشان.

اهمية البحث:

يمكن الوقوف على اهمية البحث من خلال اثارة بعض الاسئلة والاستفسارات التي تعتمد اجوبتها اعتمادا وثيقا لما اشرنا اليها من مباحث:

1 - هل تختص حرمة الرشوة وعقوبتها بالجهاز القضائي - القضاة واصدار الاحكام القضائية - ام انها تشمل سائرالاجهزة والمؤسسات التي تتولى مسؤولية البت في شؤون الامة ايضا؟
2 - هل تقتصر الرشوة على دفع الاموال، ام ان هذا العنوان صادق في غيرها ايضا كاسداء بعض الخدمات من قبيل: اصلاح السيارة، خياطة الثياب والملابس، والقيام ببعض الوظائف ومزاولة الاعمال اليومية واداء فروض الطاعة والتعظيم والاحترام والتبجيل؟
3 - هل يشترط في تحقق الرشوة ان يكون المال عائد
اللراشي، ام انها تصدق عليه وان كان المال متعلقا بشخص آخركموكله مثلا؟
4 - هل للمرتشي تملك الرشوة ام لا؟
5 - ان اجيب عن السؤال السابق - الرابع - بالنفي، فهل تجري احكام الغصب على الاموال المتحصلة بالرشوة كالضمان،
عدم جواز التصرف وبطلان الوضوء والغسل ام لا؟
6 - هل هناك من عقوبة تطال الراشي والمرتشي الى جانب الحرمة التكليفية والوضعية ام لا؟
7 - هل تحرم الهدية التي تختزن اثر الرشوة ام لا؟ وماالفارق بينهما؟
8 - هل تعتبر الرشوة من الكبائر ام لا؟
9 - هل تجوز الرشوة اذا توقف استنقاذ الحق عليها ام لا؟

المفهوم اللغوي للرشوة:

لقد ذهب الخليل بن احمد الفراهيدي الى ان الرشاء هو الحبل الذي يربط بالدلو لاخراجه من البئر: «والرشاء (نبات) يشرب الدواء المشري والرشاء ممدود رسن الدلو»((111)).

اما الشرتوني اللبناني فقد عناها بما يعطى لابطال حق اواحقاق باطل او للتملق، فقال: «الرشوة مثلثة: ما يعطى لابطال حق او احقاق باطل وما يعطى للتملق»((112)).

واتفق ابن الاثير مع الخليل الفراهيدي على ان الرشاء هوالرسن المربوط بالدلو، ثم يصفه كوسيلة غير مشروعة يستعين بها الانسان بهدف قضاء حاجته وبلوغ هدفه، فيقول: «لعن الله الراشي والمرتشي والرايش - الحديث - فالرشوة والرشوة الوصلة الى الحاجة بالمصانعة».

واصله من الرشاء الذي يتوصل به الى الماء، فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل((113)).

ووافقهما احمد بن فارس ايضا في ان الرشاء يعني حبل الدلوفقال: «الرشاء الحبل الممدود... وراشيت الرجل اذا عاونته فظاهرته»((114)).

اما الفيروز آبادي فقد ذهب الى ان الرشوة تعني مطلق الجعل «اي كل نوع من انواع حق العمل»((115)).

وهكذا عناها سائر اللغويين على غرار المعاني آنفة الذكر مع بعض الاختلافات الطفيفة ومن رام الوقوف على ذلك فليراجع:مجمع البحرين((116))، تاج العروس((117))، المصباح المنير((118)) وموسوعة المورد((119)).

فعن مجمع البحرين قلما تستعمل الرشوة الا فيما يتوصل به الى ابطال حق او تمشية باطل.

وعن المصباح المنير ما يعطيه الشخص للحاكم وغيره ليحكم او يحمله على ما يريد.

الرشوة في اصطلاح الفقهاء:

لقد اختلفت آراء الفقهاء بشان تعريف الرشوة، فقد ذهب آية اللهالسيد الخوئي الى انها اشمل مما يعطى بهدف ابطال حق اواحقاق باطل فقال: «الرشوة عبارة عما يعطى للقاضي ليصدر حكما لصالح الراشي سواء كان ذلك الحكم حقا ام باطلا»((120)).

بينما اعتبرها بعض الفقهاء ومنهم صاحب الجواهر اكثرشمولية وسعة من ذلك، فهي تشمل حتى الهبة والهدية التي تعطى للقاضي بغية استمالته. ولذلك قال في استدلاله على حرمة بعض اقسام الهبات والهدايا التي تعطى للقضاة والولاة: «وعليه فالرشوة اعم من جميع هذه العقود - الهبة والهدية - كالتعاون على الاثم»((121)). في حين اعتبرها البعض الاخر انها تعني الجعل، ومنهم المحقق الثاني الذي ذكرها في حاشيته وتعليقه على الارشاد قائلا: «الرشوة عبارة عن الجعل»((122)).

اما المحقق اليزدي فقد عرفها قائلا: «الرشوة عبارة عن كل مايعطى للقاضي من اجل صدور حكم لصالح الراشي سواء كان حقا ام باطلا، او من اجل ان يدله القاضي على ما يجعله غالبا لخصمه((123)).

وعليه فان هذا التعريف يعتبر اكثر سعة وشمولية من سائرالتعاريف حيث ذهب الى ان الرشوة تصدق على سائر الحالات من قبيل اعطاء المال بغية اجادة فن الدفاع في المحكمة وكيفية التعامل مع القاضي والخصم والطرق العملية لكسب الدعوى وغلبة المدعي.

في حين اضفى عليها بعض الفقهاء المعاصرين شمولية اعم من جوانب اخرى فاعتبروها صادقة حتى على الاموال التي تتجاوز الجهاز القضائي فتمنح لغير القاضي، فقد عرفها صاحب فقه القضاء قائلا: «بل الرشوة اعم من المال الذي يعطى لغير الحاكم بهدف تحقيق الغرض المطلوب»((124)).

ونخلص مما سبق الى ان هذا التعريف لم يقتصر بها على باب القضاء، بل عممها لتشمل سائر الاجهزة والقطاعات، كما نستنتج ان كل من التعاريف الانفة الذكر كانت اعم واشمل عن مثيلاتها على اساس بعض الجوانب والجهات وبالتالي يمكن القول بان التعريف الاول قد اتفق عليه مشهور الفقهاء ان لم نقل اجماعهم.

الرشوة في القوانين الوضعية:

أساتذة الحقوق والقوانين الموضوعة بدورهم تطرقوا لتعريف الرشوة على ضوء طبيعة قوانينهم التي تمارسها محاكمهم واجهزتهم القضائية.

ومنهم صاحب ترمينولوجيا الحقوق الذي عرفها قائلا: «الرشوة هي عبارة عن اعطاء المال لموظف الدولة او البلاد الرسمي اوغير الرسمي - الاهلي - بهدف القيام بعمل من الاعمال الادارية او القضائية ولو لم يكن ذلك العمل مرتبطا بوظيفة المرتشي سواء تسلم ذلك المال بصورة مباشرة ام عن طريق شخص آخر «يصطلح الفقه على هذا الشخص الاخر بالرايش، والذي يعطي المال بالراشي وآخذه بالمرتشي» ولا فرق ان تكون للمرتشي القدرة على القيام بذلك العمل الذي اخذ من اجله المال ام لم تكن له مثل تلك القدرة كما لا فرق ان يكون ذلك العمل حقا للراشي «على ضوء القانون» ام لم يكن كذلك»((125)).

ويلاحظ ان هذا التعريف اوسع واشمل من تعاريف الفقهاءحيث استغرق في مفهوم الرشوة على مختلف الاصعدة والمجالات.

واخيرا اعتبرها احد المفكرين اشمل من كل مال ومنفعة فقال: «الرشوة عبارة عن... الجعل وكل فائدة ازاء القيام بعمل اوتركه...» ((126)).

عودا على بدء:

كما مر معنا سابقا فان هناك اختلافا بين وجهات نظراللغويين والفقهاء من جانب وعلماء المدارس الحقوقية من جانب آخر بشان مفهوم الرشوة وسعتها وضيقها، فقد اضفى عليهاكل منهم سعة وشمولية من جهة ومحدودية وضيقا من جهة اخرى، على سبيل المثال فان بعض ارباب اللغة توسع في مفهوم الرشوة ليعتبر ما يتسلمه القاضي من اجور مصداقا واضحا من مصاديقها.

بينما يعتقد بعض الفقهاء انها تقتصر فقط على ما يعطى لهم بهدف اصدار الاحكام بالباطل، اما ما يعطى للقاضي من اموال وما شابه ذلك لاصدار حكم بالحق لصالح الراشي فليس من الرشوة في شيء، وكذلك المال الذي يمنح لغير القاضي وان كان من اجل القيام بعمل ليس بحق.

هذا من جانب، ومن جانب آخر فهناك اختلاف بشان اختصاص الرشوة بمنح الاموال او شموليتها للقيام ببعض الاعمال الخدمية من قبيل اصلاح وسائط النقل، خياطة الثياب والملابس، بيع السلع والبضائع بثمن ارخص من السوق، شراءها بسعر اغلى وعدم رعاية الدور والنظام في انجاز بعض الاعمال، والذي يستشف من بعض كلمات الفقهاء هو التعميم على الخلاف من آراء اصحاب اللغة.

مقتضى الاصل:

حيث كانت سعة الرشوة وضيقها من المسائل الخلافية كان من الضروري الاحتكام الى مقتضى الاصل بهدف ازالة الشبهات في مواضع الشك والريبة. وليس من المستبعد ان يكون العرف هو المرجع في تارجح الرشوة بين السعة والضيق.

فالعرف لا يرى اختصاصها بدفع الاموال للحاكم بهدف اصدارحكم بالباطل، بل يحكم بان الاموال التي تعطى للحاكم بهدف اصدار حكم بالحق من الرشوة ايضا، والدليل على ذلك مايلي:
أولا - ان الرشوة هي التي تتبادر للذهن من اعطاء الاموال للقاضي بغية اصدار حكم لصالح من يعطي الاموال وان كان محقا، والتبادر من علائم الحقيقة والواقع.
ثانيا - عدم صواب سلب عنوان الرشوة عن الاموال التي تقدم للقاضي بهدف اصدار حكم بالحق.
ثالثا - لقد صرحت الروايات بصدق الرشوة على هذه الحالات والتي سنعرض لها لاحقا.

اضف الى ذلك فان العرف يرى صدق مفهوم الرشوة على الاموال التي تمنح لغير القاضي بهدف القيام ببعض الاعمال بالباطل لصالح من يعطيها، وادلته ايضا التبادر وعدم صحة السلب الى جانب استفاضة الروايات التي تؤيد هذا المدعى.

اما بالنسبة لمدعى صدق الرشوة في غير الاموال كالقيام باسداء بعض الخدمات، فانه وان ورد الاستعمال في اطلاق عنوان الرشوة على هذه الامور ايضا، الا ان المفروغ منه في علم الاصول هو ان الاستعمال اعم من الاطلاق. وبناء على هذافان الصدق الحقيقي للرشوة على هذه الامور مشكل.

اللهم الا على مبنى السيد المرتضى الذي قال: بان الاستعمال علامة الحقيقة. فاذا ما جاء دور الشك دخل هذا البحث في اطاراجمال الشبهات المفهومية، فان جرى الاستصحاب في الشبهات المفهومية كان مقتضى استصحاب عدم الرشوة هو عدم الحرمة، الا ان المرجع سيكون البراءة من الحرمة، وذلك لان اجراء الاستصحاب في الشبهات المفهومية مرفوض لا معنى له في علم الاصول.

اما اسداء بعض الخدمات للقاضي من اجل اصدار حكم بالباطل فهو حرام وان لم يصدق عليه حقا عنوان الرشوة، وذلك لما صرحت به الروايات الى جانب الادلة التي قامت على حرمة الرشوة كالعقل، وسنعرض الان بالتفصيل لهذه الادلة.

ادلة حرمة الرشوة:

لا شك ان الموضوع الذي يحظى بالاهمية القصوى في هذاالبحث انما يكمن في ادلة حرمة الرشوة؛ وذلك لان طبيعة وكيفية قيام تلك الادلة انما تختزن جوهر الاجوبة التي تتكفل بالرد على الاسئلة والاستفسارات المطروحة الى جانب مستحدثات المسائل بشان مفهوم الرشوة. ولذلك علينا ان نرى هل لدينا من دليل يمكن الرجوع اليه في حالات الشك في الحرمة من بين ادلة الاطلاق اللفظية ام لا؟

فقد ذهب بعض جهابذة الفقهاء الى ان حرمة الرشوة من ضروريات الدين، ثم استدلوا على حرمتها بالادلة الاربعة المعروفة، فقد قال آية الله السيد الخوئي: «فقد قالوا في الجملة بان حرمة الرشوة من ضروريات الدين»((217)).

وكذلك يراها صاحب العروة الوثقى المحقق اليزدي على ان حرمتها من ضروريات الدين((218)).

على كل حال فان اغلب الفقهاء تمسكوا بالادلة اللفظية واللبية((129)) في مقام استدلالهم على حرمة الرشوة وسنشيرهنا لتلك الادلة بصورة اجمالية:

1 - الكتاب:
لقد استدلوا بعدة آيات قرآنية على حرمة الرشوة واهمها:

أ - الاية: (ولا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى الحكام لتاكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم وانتم تعلمون)((130)).

وتقريب دلالة الاية هو ان عبارة «وتدلوا بها الى الحكام»معطوفة((131)) على قوله «ولا تاكلوا»، اي ان الله ينهى عن اعطاءالاموال للقضاة من اجل التعدي على حقوق الاخرين واموالهم والنهي يدل على الحرمة.

وعليه فان اعطاء المال او اي شيء يشتمل عليه للقاضي او من يتولى البت في الامور وما شابه ذلك بنية اصدار حكم لصالحه وبالتالي اكل اموال الاخرين انما هو حرام.

بالطبع هناك عدة اقوال ونظريات في تفسير الاية؛ سيما فيمايتعلق بقوله: (ولا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل)، فقد اختلفت اقوال المفسرين بشانها فمنهم من ذهب الى انه «اكل امانات الناس»((132)) وقيل: «اموال اليتامى»((133)) و «اموال القمار»((134)) وما الى ذلك.

الا ان جميع هذه التفاسير انما خاضت في تعيين المصداق،والحق ان المصداق الواضح والكامل والذي له ظهور في الاية انما يكمن في اعطاء الرشوة((135)). ولذلك ذهب اغلب المفسرين بما فيهم العلا مة الطباطبائي الى ان الاية صريحة الدلالة على حرمة الرشوة: «فالاية صريحة في حرمة الرشوة، الا ان دلالتهاعلى حرمة اخذ القاضي او الحاكم للرشوة بالملازمة العرفية (لان الملازمة بين ما كان اعطاؤه حرام تقتضي ان يكون اخذه حرام ايضا) والمراد بالاكل الاخذ او مطلق التصرف مجازا،والمصحح لهذا الاطلاق المجازي كون الاكل اقرب الافعال الطبيعية التي يحتاج الانسان الى فعلها واقدمها فالانسان اول ماينشا وجوده يدرك حاجته الى التغذي ثم ينتقل منه الى غيره من الحوائج الطبيعية كاللباس والمسكن والنكاح ونحو ذلك. فهو اول تصرف يستشعر به من نفسه ولذلك كان تسمية التصرف والاخذ، وخاصة في مورد الاموال، اكلا لا يختص باللغة العربية بل يعم سائر اللغات»((136)).

في حين ذهب سائر الفقهاء ومنهم آية الله السيد الخوئي الى الدلالة التامة للاية على حرمة اعطاء الرشوة واخذها((137)).

الاشكالات:
هناك اشكالان يردان على دلالة الاية على المدعى وهما:

1 - لقد فسرت الاية بغير الرشوة من قبيل اكل مال اليتامى،شهادة الزور، اكل اموال الامانة والوديعة، اموال القمار وماشاكل ذلك، وعليه فليست هناك من اية علاقة لهذه الاية بالرشوة لتدل على حرمتها. وللرد على هذا الاشكال نقول:

أولا - كما مر معنا بان ما ذكر انما هو اشارة لبيان مصاديق اكل المال بالباطل وكان اعطاء الرشوة يمثل احدى مصاديقهاالواضحة والتامة، وذلك لان اكل المال بالباطل كما يصدق على اكل مال الامانة فانه صادق ايضا على اكل الرشوة.

وثانيا - انما يرد هذا الاشكال لو لم تكن الواو في قوله «وتدلوا» عاطفة بل كانت بمعنى «مع» المقدرة بان الناصبة، وفي هذه الحالة ستحتاج جملة «وتدلوا» الى الجملة «ولا تاكلوا» لتدل على حرمة الرشوة، فان فسرت هذه الاية بغير الرشوة ستكون دلالة «وتدلوا» قاصرة وليست بتامة، اما اذا كانت الواو في «وتدلوا» عاطفة فان دلالتها ستكون مستقلة تامة على الحرمة. لان الجملة بمفردها تتضمن النهي عن الادلاء (اعطاء الرشوة) للحكام.

2 - الاشكال الاخر الذي يمكن ان يرد على دلالة الاية هي حرمتها لاعطاء اموال الناس للحكام في حين تعني الرشوة اعطاءالاموال الشخصية للحكام.

والجواب على هذا الاشكال واضح ايضا، وذلك:

أولا - لما ذكر آنفا من ان مفهوم الرشوة واسع شامل يعم حتى تلك الحالات التي يعطي فيها الشخص اموال الاخرين للحاكم من اجل بلوغه هدفه وغرضه.

ثانيا - ليس للاية ظهور في ان المقصود بالاموال هي الاموال التي تعطى للحاكم من الاخرين فحسب، بل ان ظهورها في ان المال عائد للمالك او ان ه اعم - على الاقل - وشامل لكلا الحالتين.

ونخلص من ذلك الى ان الاية تدل على حرمة الرشوة بالمعنى الاعم، اي انها تدل على حرمة اعطاء المال وكل ما له قيمة مالية للقضاة او العاملين الذين يتولون مسؤولية البت في الامور من اجل اصدار حكم او القيام ببعض الاعمال من هذا القبيل.

وبناء على ما تقدم فالاشكالان مردودان وليسا واردين. وسيمرمعنا لاحقا اثبات دلالة الاية من وجهين على حرمة الرشوة.

ب - الاية: (يا ايها الذين آمنوا لا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم)((138)).

دلالة هذه الاية على المدعى (حرمة اعطاء واخذ الرشوة) واضحة من خلال اطلاق قوله (لا تاكلوا...)، لان اكل المال بالباطل حرام، وفي الاية اطلاق يفيد حرمة كل ما كان مصداقا لاكل مال اليتيم بالباطل، ومن المفروغ منه ان الرشوة من مصاديقها البارزة الواضحة.

وفارق هذه الاية مع الاية السابقة هو انه اضافة لجملة «لاتاكلوا» فان قوله «وتدلوا بها الى الحكام» بمفرده صريح بدلالته على المدعى المذكور حسب تفسير المشهور.

والجدير بالذكر ان الاشكالات والردود السابقة يمكن ان تاتي هنا ايضا، اما الاشكال الوارد على هذه الاية والاية السابقة فهوان دلالتهما انما كانت تفيد حرمة الرشوة من اجل صدور حكم بالباطل. وبناء على هذا فهي لا تشمل اعطاء الرشوة بهدف اصدار حكم بالحق.

اضف الى ذلك فقد تمسكوا بعدة آيات اخرى لاثبات مدعاهم على حرمة الرشوة، الا اننا نعرض عن الخوض فيها مراعاة للاختصار وعدم اطالة البحث((139)).

2 - الروايات:
تعتبر الروايات من اهم الادلة الاربعة الواردة بهذا الشان؛وذلك اننا سنستفيدها في معظم التقريبات والردود الواردة بشان الاسئلة ومستحدثاتها المطروحة، الامر الذي يجعلها تحظ ى بمزيد من البحث والدرس بغية سبر اغوارها والوقوف على تفاصيلها.

وهنا نرى من الضروري الاشارة لبعض الامور التي تساعدنافي مواصلة البحث.

أ - ان الروايات التي استدل بها على حرمة الرشوة كثيرة جدابحيث لا يستوعبها البحث، الامر الذي جعلنا نقتصر على الاشارة لبعض نماذج كل طائفة منها.
ب - اضافة الى المصادر الشيعية، فقد تظافرت الروايات من طرق العامة التي تتفق في مضامينها ورواياتنا التي تصرح بذم الرشوة وحرمتها.
جـ - ان بعض الروايات وان كانت ضعيفة السند لا يمكن الوثوق والاستدلال بها، الا اننا نقطع باستفاضتها((140)) ان لم نقل بتواترها المعنوي اذا ما قورنت بتلك التي روتهاالعامة.
هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان البحث لا يسع نقد ودراسة سند كل رواية من تلك الروايات، ولذلك اقتصرنا على دراسة سند كل واحدة منها فقط.

د - يمكن ان ترد بعض الاشكالات على دلالة طائفة من الروايات في اثبات المدعى، مع ذلك فقد اوردناها بغية الوقوف على مضامينها والانتفاع باهدافها الاخلاقية.

والجدير بالذكر في هذا المجال ان بعض الروايات قد شبهت الرشوة بالكفر بالله العظيم، ومما لا شك فيه ان توصيف لفظ الجلالة ب - «العظيم» انما يهدف لبيان خطورة الموضوع حيث لم تذكر سائر صفاته الجمالية والكمالية، الامر الذي يمكن من خلاله عد الرشوة من اكبر الكبائر.

كما المحنا فان الروايات الواردة بشان الرشوة كثيرة شاملة،ولذلك قمنا بتصنيفها تبعا لمضامينها الى عدة طوائف:

الطائفة الاولى:
لقد دلت اغلب الروايات على ان اخذ الرشوة مصداق للكفر؛ومنها صحيحة عمار: عن عمار بن مروان قال: قال ابو عبدالله(ع): «واما الرشا يا عمار في الاحكام فان ذلك الكفر باللهالعظيم وبرسوله»((141)).

ان هذه الرواية صحيحة السند سليمة الدلالة التي تخلو من الاشكال، كما انها مطلقة في حرمة الرشوة سواء حكم القاضي ضده او لصالحه، وسواء كان حكمه حقا ام باطلا.

اضف الى ذلك فقد وردت سائر الروايات بذات المضمون في المصادر الشيعية، كتلك التي وردت في المجلد السابع عشر من مستدرك الوسائل، الباب الثامن من ابواب آداب القاضي.

الطائفة الثانية:
هناك طائفة كثيرة من الروايات التي صرحت بدلالة الرشوة على «السحت» والسحت لغة انما يعني الاستئصال((142)). وانمااطلق السحت على المال الحرام لانه يؤدي بكله الى الاستئصال والزوال والهلكة في العذاب الالهي((143))؛ وقد استعملها القرآن بهذا المعنى (ولا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب)((144)).

وقد وردت في الاحاديث بمعنى الحرمة، ومنها الحديث الذي رواه يزيد بن فرقد «عن ابي عبد الله(ع) قال: سالته عن السحت فقال: الرشا في الحكم»((145)).

رواية دعائم الاسلام:
عن جعفر بن محمد(ع) انه قال: من اكل السحت الرشوة في الحكم، قيل: يابن رسول الله وان حكم بالحق؟ قال: وان حكم بالحق، قال: فاما الحكم بالباطل فهو كفر كما قال الله:
(ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون)((146)).

لقد صنفت هذه الرواية الرشوة بشان الحكم بالحق والرشوة بشان الحكم بالباطل مصرحة بان القسم الثاني مصداق للكفر.وبالاستناد لهذه الرواية، فان الروايات التي صرحت بان مطلق الرشوة كفر انما تحمل على الرشوة بشان اصدار الحكم بالباطل.

اما سائر روايات هذه الطائفة والتي تدل على كون الرشوة سحتا فهي جمة كثيرة ومنها الرواية الخامسة والتاسعة من الباب الخامس، ابواب ما يكتسب به، الرواية الاولى والسابعة، الباب الثامن من ابواب آداب القضاء، والروايات في الباب الخامس من ابواب ما يكتسب به من كتاب مستدرك الوسائل.

وان أدنى تامل في دلالة هذه الطائفة من الروايات سيمابالالتفات لسياق السحت ومفهومه سوف لن يدع من مجال للشك في صحة المدعى.

الطائفة الثالثة:
هناك طائفة من الروايات التي صرحت بان الرشوة بمنزلة الشرك بالله، ومنها رواية الاصبغ بن نباتة: «عن اميرالمؤمنين(ع) قال: ايما وال احتجب من حوائج الناس احتجب اللهعنه يوم القيامة... وان اخذ الرشوة فهو مشرك»((147)).

لا شك ان لمثل هذه الروايات دلالة صريحة على الحرمة التامة؛ والا فلا معنى لعدم حرمة شيء يعد مرتكبه مشركابالله.

الطائفة الرابعة:
وهي الروايات التي صرحت بلعنة الله للراشي والمرتشي،ومنها ما روي عن النبي(ص) انه قال: «لعن الله الراشي والمرتشي ومن بينهما يمشي»((148)). وقال(ص) ايضا: «الراشي والمرتشي والماشي بينهما ملعون»((149)).

اما سائر الروايات التي وردت بهذا المضمون فهي جمة كثيرة سيما تلك التي روتها العامة من قبيل مسند احمد 2: 164 و190 و ج 5: 279 وسنن الترمذي ج 3: 623، وان دلالتها وان لم ترق لصراحة سائر الروايات؛ الا ان الالتفات لسياقها لا يجعلها مستبعدة الدلالة على حرمة الرشوة وان تعذر التمسك باطلاقها.

واخيرا فاننا ان لم نقل بتواتر هذه الروايات الواردة في هذاالباب فان المفروغ منه انها قد بلغت حد الاستفاضة، وقد تعرض الباب الخامس من المجلد الثاني عشر من ابواب ما يكتسب به لعشر روايات صرحت بحرمة الرشوة، ولذلك فانها لا تحتاج لادنى تامل في سندها، ناهيك عن الروايات الصحيحة السند التي وردت بهذا الخصوص وكان من بينها صحيحة عمار.

3 - العقل:
بالنظر الى ان الرشوة سبب للظلم وهضم حقوق الاخرين،وحيث يحكم العقل بقبح الظلم، فبالاستناد لقاعدة الملازمة التي تنص على قبح ما استقبحه العقل وعده ظلما ثم حرمته في خاتمة المطاف فان الرشوة بناء على حكم العقل حرام. وقد صرح صاحب فقه القضاء بهذا الشان قائلا: «ان الرشوة بحسب العقل تعد مصداقا بارزا للظلم والعدوان، وعليه فهذا دليل على حرمتها ولا حاجة بنا لدليل آخر»((150)).

نقد وتحليل:
ان الاستدلال بحكم العقل على حرمة الرشوة لا يمكنه ان يكون مطلقا ليشمل كافة مصاديقها؛ وذلك لانه:

أولا - اعطاء الرشوة من قبل المالك لا يعتبر ظلما، وكذلك اخذها من قبل الحكام ليس مصداقا للظلم والعدوان وان كان محرما على اساس انه اكل للمال بالباطل. وذلك لعدم اصدارحكم يقضي بتضييع حقوق الاخرين، وقد لا يصدر مثل هذاالحكم ابدا.

ثانيا - ان العقل لا يرى اعطاء الرشوة بهدف استنقاذ الحق الطبيعي مصداقا من مصاديق الظلم والعدوان.
ومما سبق نخلص الى ان الاستدلال بحكم العقل انما يصح على حرمة بعض مصاديق الرشوة، الا انه لا يشمل كافة افرادها ومصاديقها.

ثالثا - ان العقل من الادلة اللبية التي ينبغي الاكتفاء بالقدرالمتيقن منها في الاستدلال، وليس ذلك سوى الرشوة من اجل اصدار حكم بالباطل.

4 - الاجماع:
لقد ادعى اغلب الفقهاء اجماع كافة المذاهب والفرق الاسلامية على حرمة الرشوة، ومنهم الشهيد الثاني الذي قال: «لقد اتفق المسلمون على حرمة الرشوة على القاضي والراشي»((151)).

وقال المحقق الكركي في جامع المقاصد: «اجمعت الملة على حرمة الرشوة في الحكم، ولا فرق ان يكون الحكم بالحق اوبالباطل وان يكون الحكم بنفع الراشي او بضرره»((152)).

وقد اشار اغلب الفقهاء المعاصرين ومنهم آية الله اليزدي صاحب العروة الوثقى لذلك الاجماع المذكور((153)).

ان مثل هذه الاجماعات تابى الاشكالات المتداولة من قبيل المدركية، الا انه ترد عليها اشكالية اللبية وافتقارها للاطلاق، ولذلك لا تسري حرمتها الا للحالات التي قام عليها الاجماع، فاذاما شك في مسئلة وانه قام عليها الاجماع ام لا؛ لم يمكن التمسك بالاجماع كدليل على حرمتها؛ وذلك لان الاجماع من الادلة اللبية التي يجب الاقتصار فيها على القدر المتيقن.

على كل حال فان دليل الاجماع يفيد العموم من جهات، ومنهاان الحكم بالنفع ام بالضرر ومن جهة حرمته بالنسبة للراشي والمرتشي.

وخلاصة القول فان الاجماع دليل لبي لابد من الاقتصار به على القدر المتيقن وهو هنا اعطاء الرشوة بهدف اصدار حكم بالباطل.

فروع

تكمن المسالة المهمة العملية هنا في التفرعات وكيفية الاستفادة من الروايات الواردة بهذا الشان ونبدا الان بدراسة وتحليل هذه التفرعات.

الفرع الاول - تعدد صور الرشوة وحكمها:
هناك عدة صور يمكن اخذها بنظر الاعتبار بالنسبة لتاثيرالرشوة على الحكم الذي يصدره القاضي:
1 - الرشوة المؤثرة في اصدار القاضي لحكم لصالح الراشي،مع علم الراشي ببطلانه ايضا.
2 - الرشوة المؤثرة في اصدار القاضي لحكم لصالح الراشي،الا ان الراشي لا علم له ببطلانه.
3 - ان يحكم المرتشي لصالح الراشي، الا انه يعلم بان حكمه قائم على الحق.

لا شك ان اعطاء واخذ الرشوة في الصورتين الاوليتين حرام وهما تمثلان القدر المتيقن من جميع ادلتهما، اضافة الى ان الرشوة حصلت بعنوان «الادلاء» والرشوة حرام على اساس «اكل المال بالباطل» الذي فرغ من حرمته. اما في الصورة الثالثة فانه يمكن ان يقال بان عمل المسلم محترم كحرمة نفسه وكرامته، وعليه فله ان يتسلم اجرة ازاء عمله سيما انه لم يمارس حراما وكان حكمه بالحق، فليس لادلة حرمة الرشوة ان تشمل هذه الحالة((154)).

الا ان هذا الكلام ليس بصواب والرشوة في هذه الحالة حرام ايضا لما يلي:

أولا - هناك اطلاق في الادلة سيما التي اشتملت عليهاالروايات من قبيل الطائفة الاولى والثانية، فان اعطاء واخذالرشوة سيكون منضويا تحت هذه الادلة وان اصدر القاضي حكمه بالحق ايضا.

ثانيا - علاقة الحكم بالموضوع هي الاخرى تقتضي ان تكون الرشوة في الصورة الثالثة حراما ايضا؛ لان القضاء من الوظائف الالهية وليس هناك اي تناسب بين اخذ الاموال من اجل القضاء واصدار الاحكام وبين تسلم الاجور على القضاء. وانه لمن الواضح عدم وجود اية علاقة بين هذا الكلام ونظرية حرمة اخذالاجرة على الواجبات، وذلك لان هذا الاستدلال يبقى قائما حتى مع افتراض جواز اخذ الاجور على الواجبات.

ثالثا - لقد ذهبت اغلب الروايات الى ان اخذ الاجرة على القضاء وان كان بالحق مصداقا للسحت والحرمة، ومنها رواية يوسف بن جابر: «لعن رسول الله(ص) من نظرالى فرج امراة لاتحل له ورجلا خان اخاه في امراته ورجلا احتاج الناس اليه لفقهه فسالهم الرشوة»((155)).
ان هذا الحديث يدل صراحة على حرمة اخذ الاجرة ازاء القضاء وممارسة العلم والتخصيص وان كان بالحق؛ وذلك لاطلاق الرواية حيث لم يفرق الامام(ع) بين القضاء على اساس الحق اوالباطل.

رابعا - ان الحكم وان كان حقا الا انه يعتبر باطلا، وذلك لان القاضي يعتبر فاسقا بمجرد اخذه للرشوة، وحكم القاضي الفاسق باطل. وعليه فالرشوة محرمة سواء كان الحكم بالحق ام بالباطل.

خامسا - تسلم الاجور على القيام بالواجبات ومنها القضاء حرام. الا ان هذا الاستدلال يتوقف على امرين:
1 - ان يكون القضاء واجبا عينيا.
2 - ان نعتبر اخذ الاجرة على الواجبات حراما.

ربما يرد اشكال بان ما تفيده الادلة هو حرمة اعطاء واخذالرشوة، ولا تصدق هذه الرشوة على الحكم الصادر بالحق.

وللرد على هذا الاشكال لابد من القول: ان الرشوة مفهوم عام يشمل حتى الاحكام التي تصدر بالحق ايضا. والشاهد رواية يوسف بن جابر التي اطلقت عنوان الرشوة حتى على ما يصدره القاضي من احكام ويمارسه من علم وفقه بالحق، وكذلك رواية محمد بن مسلم عن الامام الصادق(ع) التي اعتبر الرشوة صادقة على من يعطي الاموال لاخراج آخر من محل سكنه. «باسناده عن محمد بن مسلم قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على ان يتحول من منزله فيسكنه، قال: لا باس به»((156)).

سادسا - لقد صرحت بعض الروايات بعدم جواز تمييزالقاضي بالنظرة للمتخاصمين كان يبدي بعض المرونة والمحبة تجاه احدهما وان كان ذلك موافقا للحق، للرواية الصحيحة المروية عن ابي جعفر(ع)انه قال: «كان في بني اسرائيل قاض وكان يقضي بالحق فيهم فلما حضره الموت قال لامراته اذا انامت فاغسليني وكفنيني وضعيني على سريري وغطي وجهي فانك لاترين سوء فلما مات فعلت ذلك ثم مكث بذلك حينا ثم انها كشفت عن وجهه لتنظر اليه فاذا هي (هو) بدودة تقرض منخره، ففزعت من ذلك فلما كان الليل اتاها في منامها فقال لها: افزعك ما رايت؟ قالت: اجل، فقال لها: اما لئن كنت فزعت ما كان الذي رايت الا في اخيك فلان اتاني ومعه خصم له فلما جلسا الي قلت: اللهم اجعل الحق له ووجه القضاء على صاحبه فلما اختصما الي كان الحق له ورايت ذلك بينا في القضاء فوجهت القضاء له على صاحبه فاصابني ما رايت لموضع هواي كان مع موافقة الحق»((157)).

والرواية صحيحة السند تابى الخدش والطعن. اما من حيث الدلالة فهي تدل على حرمة الميل نحو احد الخصمين وان كان محقا.

وهنا سؤال يطرح نفسه وهو انه اذا توقف استنقاذ الحق على الرشوة فهل تجوز ام لا؟

وهناك جوابان على هذا السؤال:
أ - لا شك ولا شبهة في حرمة اخذ القاضي للرشوة.
ب - على ضوء قاعدة لا ضرر تزول حرمة الرشوة بالنسبة للراشي.

اشكال:
لقد شبهت بعض الروايات الرشوة وحرمتها بالكفر بالله العظيم.وعليه فليس لقاعدة لا ضرر ان تزيل هكذا حرمة، الا ان يكون ضرر تضييع الحق يستبطن ما لا يسع الانسان تحمله من مشاكل وبلاءات. نعم يمكن التشبث بادلة «لا حرج» وفي حدالحرج لا اكثر تتيسر ازالة حرمة اعطاء الرشوة، لا على اساس قاعدة «لا ضرر».

الفرع الثاني - حكم الرشوة خارج القضاء:
هل تختص حرمة الرشوة بباب القضاء والحكم ام انها تشمل ايضا سائر الشؤون والاعمال الادارية وما شاكلها؟

قبل ان نخوض في هذا البحث، نرى من الضروري وبغية تشخيص كافة جوانب الموضوع وملابساته الاشارة لكافة الصوروالحالات التي يمكن ظهورها في هذا المجال، لنقف بالتالي على الاحكام المتعلقة بها على وجه الدقة؛ وذلك ان للرشوة صورمتعددة في غير باب القضاء. ومنها:

1 - تارة تكون الرشوة ازاء عمل حرام قد يستبطن او لايستبطن تضييع حقوق الاخرين، كدفعه الرشوة لنيل شيء ليس له بحق او لانقاذ ظالم مثلا.

2 - احيانا تدفع الرشوة للقيام بعمل ضمن اطار الوظيفة التي يمارسها موظف الدولة او فرد من هذا القبيل، كمنح المال لبعض الموظفين من اجل القيام ببعض الاعمال الادارية والتي ينبغي ان يقوموا بها في اطار اعمالهم اليومية.

3 - قد تكون الرشوة من قبل شخص مسؤول عن مشتريات بعض المؤسسات التابعة للدولة او المؤسسات الاهلية لمسؤول المبيعات، من اجل زيادة او خفض قيمتها لصالح المشتري.

4 - احيانا يعطي المشتري رشوة لمسؤول مبيعات السلع والبضائع التابعة للدولة او المؤسسات العام ة ليزوده بها بثمن اقل ودون رعاية الاسبقية والنظم المتعارفة.

5 - احيانا يقع العكس، بحيث يرشي صاحب المال مسؤول الشراء ليشتري منه بعض السلع والبضائع للمؤسسات الحكومية والاهلية.

6 - احيانا تعطى الرشوة لموظفي الدولة او الموظفين الاهليين ازاء عدم ممارستهم لوظائفهم كما ينبغي، كان يرشي القائمين على التفتيش بهدف الاغماض عما يرتكبه من مخالفات، اويرشي موظفي جباية الضرائب بغية تخفيفها عنه من خلال عدم الاخبار بالحقائق.

اما من ناحية الحكم، فانه يمكن ان يقال بان كل الصورالسابقة تحرم فيها الرشوة سوى الحالة الثانية. اما بالنسبة للحالة الثانية فان الرشوة جائزة ان كانت لغرض احقاق حق اوالاتيان بعمل مباح، غير ان اخذها من قبل الموظف او المسؤول حرام، وذلك لان جميع تلك الحالات تمثل:

أولا - انها مصداق لاكل المال بالباطل، لان اعطاء واخذ الاموال انما يحصل حيال القيام بعمل محرم وان لم يرافقه تضييع لحقوق الاخرين، وان اكل المال بالباطل حرام طبق الادلة الوافرة ومنها الاية القرآنية: (ولا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل)، ويمكننا القول بان قوله: (وتدلوا بها الى الحكام) يشمل كل صاحب منصب ومسؤولية.

ثانيا - على ضوء التعاريف الفقهية واللغوية التي صرحت بان الرشوة تعني مطلق الاموال التي تعطى لاصحاب المناصب،فان ادلة حرمة الرشوة ترد هنا ايضا؛ وذلك انه من الواضح كوضوح الشمس ان في اغلب الحالات الخمسة المذكورة ان لم نقل جميعها قد اعطيت الاموال لاصحاب المناصب والافراد الذين يتولون البت في الامور بهدف القيام بالاعمال المحرمة.

ثالثا - يمكن ان يقال بان فحوى الادلة قد صرحت بحرمة تقديم الهدايا لاصحاب المناصب واولئك الذين يبتون في امورالناس؛ فمن الاولى ان يحرم اعطاء الرشوة لهم.

رابعا - الى جانب كل ما مر معنا سابقا فقد وردت عدة روايات بخصوص الرشوة في غير باب القضاء، ومنها رواية الصيرفي:

سمعت ابا عبد الله(ع) وساله حفص الاعور فقال: ان السلطان يشترون منا القرب والاداوى فيوكلون الوكيل حتى يستوفيه منافنرشوه حتى لا يظلمنا، فقال: «لا باس ما تصلح به مالك».ثم سكت ساعة ثم قال: «اذا انت رشوته ياخذ اقل من الشرط؟» قال: نعم! قال: «فسدت رشوتك»((158)).