وعلى ضوء هذه الرواية فقد ورد النهي عن الرشوة التي تقدم للموظفين بهدف عدم قيامهم بوظيفتهم ومسؤوليتهم كما ينبغي وحسب ما يرام. وعليه فانه يمكن استفادة حرمة الرشوة في هذه الرواية حيثما ادت لعدم قيام اصحاب الوظائف والمسؤوليات باعمالهم على الوجه المطلوب. فان اشكل على دلالتها على الحرمة فانها مؤيدة لها كحد ادنى.

واما من حيث السند:
فأولا - اسم اسماعيل بن ابي سماك لم يرد اسمه صحيحا في وسائل الشيعة، والصحيح هو اسماعيل بن ابي سمال وقد ذكره علماء الرجال كذلك سوى العلا مة في خلاصته.

ثانيا - قال النجاشي بشانه وشان اخيه ابراهيم بن ابي بكر محمد:
ابراهيم بن ابي بكر محمد... ثقة هو واخوه اسماعيل بن ابي السمال... وكانا من الواقفة((159)).

ولا يرى آية الله السيد الخوئي ان هذه العبارة توثيق لاسماعيل، لان ثقة جاءت خبرا لابراهيم بن ابي بكر، وكلمة هو واخوه مبتدا وخبرها الجملة...»((160)).

ويبدو ان هذا الموضوع ليس صائبا وذلك لان هذا الاشكال انمايرد فيما اذا احتمل انتفاء كون ثقة خبرا مقدما وجملة هو واخوه مبتدا مؤخر. على كل حال فقد وثقه بعض فطاحل العلماء ومنهم العلامة في الخلاصة((161)) وصاحب منتهى المقال الذي اورد موجزا لتوثيقه((162)).

قد يرد اشكال ان اعطاء الاموال لغير القضاة لا يعد من مصاديق الرشوة، وذلك لاختصاص الرشوة بباب القضاء.

وللرد على هذا الاشكال لابد من القول: كما مر معنا في مبحث تعريف مفهوم الرشوة فان اغلب الفقهاء واللغويين سيما اساتذة علم الحقوق قد توسعوا في معنى الرشوة بالشكل الذي يجعلها تشمل البحث الذي نخوض فيه الان. اضافة الى ذلك فانها وردت على السن ائمة العصمة(ع) في الروايات المروية في غير باب القضاء ومنها صحيحة محمد بن مسلم «قال سالت ابا عبدالله(ع)عن الرجل يرشو الرشوة على ان يحوله عن منزله فيسكنه: قال: لا باس» ((163)).

فقد اطلق عليها اسم الرشوة، وبغض النظر عما مضى فان اغلب الفقهاء المعاصرين ومنهم صاحب العروة قد اجرى الرشوة في غير باب القضاء ثم صرح بحرمتها: «لا تختص الرشوة بالقاضي لصدور الحكم، بل هي جارية في غير باب القضاء ايضا كان يعطي شيء للحاكم العرفي او الظالم اوالرئيس ليعينه على عمل الحرام، فهو حرام ايضا»((164)).

الفرع الثالث - الاحكام الوضعية للرشوة:

ما أوردناه لحد الان كان بشان الاحكام التكليفية «جواز وحرمة الرشوة»، والذي نروم بحثه هنا الاحكام الوضعية وهي: هل المرتشي يملك الرشوة ام لا؟ ولا تخفى ثمرات ونتائج هذا البحث على القارئ اللبيب؛ فاذا ما ثبتت عدم ملكية المرتشي للرشوة - مع فرض عدم رضى المالك - حكم ببطلان صلاته وسائر افعاله العبادية التي تتوقف صحتها على عدم الغصب، اذاما هيئ منها بعض المقدمات نحو اللباس والبيت وما الى ذلك.

على كل حال فان اغلب الفقهاء لا يعتقدون بتملك المرتشي للرشوة، وفي مقدمتهم صاحب الجواهر اثناء شرحه وتفسيره لكلام المحقق((165)) الذي يقول بوجوب رد الرشوة وضمانها اذاما تعرضت للتلف فقد قال: «على كل حال يجب على المرتشي اعادة الرشوة الى صاحبها لبقائها في ملكه حتى لو وقعت في ضمن عقد هبة او بيع محاباة او وقف»((166)).

لعله يشكل بان الحرمة الوضعية (عدم التملك) للرشوة ضمن عقد المحاباة «بيع السلعة بثمن اقل» او الوقف انما تتوقف على صحة مبنى «النهي في المعاملات التي توجب الفساد»، وقد ثبت في محله بطلان هذه النظرية.

فقد اجاب صاحب الجواهر عن هذا الاشكال قائلا: «بل النهي فيها عن نفس المعاملة، بل لعل ذلك هو مبنى فساد الرشوة التي هي غالبا تكون بعنوان الهبة رشوة»((167)).

نقد وتحليل:
يبدو ان الحكم الوضعي ليس واحدا بالنسبة لجميع افرادالرشوة؛ وذلك ان المسالة تشتمل على عدة صور، منها:

1 - للمالك ان يسترد عين مال الرشوة ان بقيت على حاله؛لان المرتشي ليس مالكا لها.

2 - ان كانت الرشوة مقابل حكم القاضي او عمل الموظف(طبعا ان لم يكن العمل جائزا) فان المرتشي ضامن في هذه الحالة ايضا.

3 - احيانا تكون الرشوة في اطار معاملة او عقد بحيث يشتري الراشي سلعة بثمن اغلى او يبيعها بثمن ارخص فالمعاملة في هذه الحالة هي الاخرى باطلة ايضا.

4 - قد يعطي القاضي او الموظف مالا كهدية بغية استعطافه ونيل محبته، فان كانت عين المال باقية جرى عليها حكم الصورة الاولى، وان تلفت فليس على المرتشي الضمان.

ولا باس بان نخوض هنا في دليل هذا الادعاء: ان الصورة الاولى غنية عن الاستدلال؛ وذلك لان اصل العين باقية، وعلى فرض انها لم تملك ضمن عقد شرعي صحيح.

وعليه فان كانت رشوة فهي حرام وباقية في ملكية المالك، وان كانت هدية فهي باقية ايضا ضمن ملكية المالك، الى جانب ذلك وباتفاق جميع الفقهاء فان له حق الرجوع ايضا.

اما بالنسبة للصورة الثانية والثالثة فانه يمكن الاستدلال ببعض الادلة على الضمان، ومنها القاعدة المعروفة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»((168))، لان الرشوة في الصورة الثانية انما حصلت ازاء حكم، وفي الواقع فان هذه المعاملة انما تعود لنوع من الاجارة الباطلة.

اما الصورة الثالثة فالفرض فيها ان المعاملة فاسدة، والضمان في صحيحها، اذا ففي فاسدها ضمان ايضا.

اما الصورة الرابعة، فان كان ما اعطي للقاضي او الموظف بصفته هدية ولم تبق عينه فلا ضمان، ودليل ذلك عكس القاعدة أي: «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده»، واما الهبة فهي من العقود التي لا تتطلب صحتها ضمانا، فلا ضمان في فاسدها ايضا.

عدم نفاذ حكم القاضي:
من بين الاثار الوضعية التي تترتب على الرشوة عدم نفاذ حكم القاضي وان اصدره على ضوء الموازين الشرعية الحقة.اما الادلة التي يمكن اقامتها على هذا الادعاء فبالاضافة للاجماع وسائر الادلة التي اشير لها في كلمات الفقهاء، انما تكمن في فسق القاضي؛ وذلك انه يحكم بفسقه بمجرد اخذه للرشوة، فمن بين شروط نفاذ وحجية حكم القاضي عدالته.

وفي هذا المجال قال المحقق اليزدي: «ان حكم الحاكم الذي ياخذ الرشوة ليس نافذا ولا حجية له وان اصدره وفق الحق والموازين الشرعية؛ لان القاضي يفسق اذا ارتشى. نعم ان تاب ثم حكم بالحق كان حكمه صحيحا ونافذا»((169)).

الفرع الرابع - صدق الرشوة على اسداء الخدمات:
ان من المباحث الضرورية المعاصرة التي تطالعنا بشان موضوع الرشوة، الامور غير المالية من قبيل اسداء بعض الخدمات والقيام ببعض الاعمال تجاه القاضي بغية تحقق ذات الغرض الذي تستبطنه الرشوة، فهل تصدق الرشوة على مثل هذه الامور ام لا؟

وللاجابة على هذا السؤال لابد من القول بان الحرمة التي وردت في الروايات انما عنت عنوان الرشوة، والرشوة على ضوء تعريف بعض الفقهاء وارباب اللغة واساتذة الحقوق مفهوم واسع شامل كل الاموال وما يشتمل على الجوانب المالية، ولذلك اعتبرها بعض الفقهاء شاملة لذلك ايضا، ومنهم صاحب العروة الوثقى الذي قال بهذا الشان: «الرشوة احيانا تكون مالا (عينا) اومنفعة او عملا كخياطة الثياب وعمارة الدار وما الى ذلك، واحيانا تكون قولا كالمدح والثناء... واحيانا القيام بعمل كالسعي لقضاءالحاجة او التعظيم والتبجيل وما شابه. فكل امر من هذه الامورحرام اما لصدق الرشوة او لانها محكومة بالرشوة»((170)).

صاحب الجواهر هو الاخر قال في معرض بيانه لسعة وشمولية الرشوة بعد طرحه للنظريات: «ان الرشوة خاصة في الاموال، وفي بذلها على جهة الرشوة او انها تعمها وتعم الاعمال بل والاقوال، كمدح القاضي والثناء عليه والمبادرة الى حوائجه واظهار تبجيله وتعظيمه ونحو ذلك، وتعم البذل وعقد المحاباة والعارية والوقف ونحو ذلك.

وبالجملة كل ما قصد به التوصل الى حكم الحاكم، قد يقوى في النظر الثاني (الشمول) وان شك في بعض الافراد في الدخول في الاسم او جزم بعدمه فلا يبعد الدخول في الحكم الثاني ان المحرم الرشا في خصوص الحكم او يعمه وغيره»((171)).

يبدو من الضروري التمييز بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي؛ لان الرشوة في غير الاموال ان كانت بقصد استمالة القاضي ليصدر حكما لصالحه فهي حرام من وجهة النظر التكليفية، ولكن من وجهة النظر الوضعية لا تجري عليها احكام الضمان وما شابه ذلك لافتقارها للموضوع.

والشاهد على هذا المدعى، بالاضافة لاطلاق الادلة، انه يمكن التمسك بتنقيح المناط؛ لان ملاك حرمة الرشوة متوفر في قضية اسداء الخدمات بهدف استمالة القاضي لئن يصدر حكما لصالحه. اضف الى ذلك فان الحاق بيع المحاباة بالرشوة هوالاخر يؤيد هذا المطلب. ناهيك عن سائر المباحث الواردة بهذاالشان والتي لا يسع المقام ذكرها والتعرض لها.

الفرع الخامس - حكم الهدية:
هل اعطاء الهدية او اخذها كحكم الرشوة ام لا؟

لابد من ان يتضح بادئ ذي بدء الفارق بين الهدية والرشوة ليتسنى فيما بعد الخوض في اصل الحكم.

وللتمييز بين الهدية والرشوة، لابد من القول بان اعطاء المال اوما له قيمة مالية بهدف صدور حكم او القيام بعمل لصالح باذل المال انما يعني الرشوة؛ وان كان بقصد اقامة المحبة ثم تلحقها مرحلة اصدار الحكم لصالحه فانما هي هدية.

وقد صرح الشهيد الثاني في معرض نقده لحالة التمييز التي طرحها بعض الاصحاب قائلا: «ان كان بذل المال للقاضي والولاة وعمال الدولة من اجل الميل والمحبة او الاستفادة من علمهم وفقههم صح عليه اسم الهدية وان كان الغرض منه الحكم والقيام بعمل لصالحه فهو الرشوة»((172)).

اما آية الله السيد الخوئي فقد قال بالفرق بين بعض اقسام الهدية مع الرشوة على اساس علم المبذول له، فصرح قائلا: «ان كان المال بقصد صدور حكم لصالح باذل الهدية فان علم المبذول له فهي هدية والا فهي رشوة»((173)).

اما من ناحية الحكم: فقد افترض الشهيد الثاني عدة اقسام للهدية وبين حكم كل قسم منها، كالاتي:

1 - ان يكون لباذل الهدية حين البذل مرافعة وخصومة، فاخذالهدية في هذه الحالة حرام؛ وذلك انها تجعل القاضي يميل اليه في صدور الحكم.

2 - اذا لم يكن له من خصم حين البذل، ولم يعهد عنه الهدية له قبل تولي القضاء، فان اعطاء واخذ الهدية حرام؛ وذلك لان الدافع من الهدية كان استمالة القاضي في اصدار الحكم. وقد روي عن رسول الله(ص) ان الهدية محرمة على الولاة((174)).

وفي رواية اخرى عنه(ص) ان هدايا العمال سحت((175)).

وقد نقل ابو حميد الساعدي ان رسول الله(ص) بعث ابو لبيبة - من قبيلة بني اسد - لجباية الصدقات، فلما عاد قال: هذاالمبلغ لكم وهذا ما اهداه لي الناس. فصعد رسول الله(ص) المنبر ثم خطب الناس قائلا:

«ما بال العامل نبعثه لجمع الصدقات فاذا عاد قال هذا لكم وهذاما اهداه لي الناس. فهلا جلس في بيت ابيه او بيت امه ينظر يهدى له ام لا؟
اما والذي نفسي بيده، ما من احد ياخذ منها شيئا، الا جاء يوم القيامة يحملها على رقبته ان كان بعيرا له رغاء او بقرة لها خوار او شاة ينعر ثم رفع يديه حتى بان بياض ابطيه وقال مرتين: اللهم هل بلغت، هل بلغت»((176)).

3 - اذا تسلم القاضي الهدية قبل المرافعة وشعر بان الدافع اليها اصدار الحكم لصالح باذلها حرمت عليه.

4 - اذا لم يشعر في الحالة السابقة بان القصد منها صدورالحكم فهي حلال عليه مع الكراهة.

5 - لقد ذكر الشهيد الثاني بعد ان ذكر التفصيل الذي ذكره الشيخ في المبسوط((177)) على انه تفصيل حسن، قائلا:«والهدية حلال في الصورة الرابعة، وان اهدوه شيئا اضافة للموارد السابقة قبل قبوله للمنصب فالافضل ان يجعلها في بيت المال وان كانت خارج حدود منصبه»((178)).

اما صاحب الجواهر فقد ايد آراء الشهيد الثاني في مسالكه بعدان بين اقسام الهدية وما صرحت به الروايات في حرمة الهدية كرواية حميد الساعدي فقال: «مقتضى التحقيق، حرمة الهدية والهبة كالرشوة. وعليه فالرشوة اعم من كل هذه العقود (الهبة والهدية) مثل عموم التعاون على الاثم. فتامل لتفهم كلام صاحب المسالك وغيره في حرمة الهدية التي تبذل للقاضي والولاة قبل منصب القضاء...»((179)).

اضافة للشهيد وصاحب الجواهر فان سائر الفقهاء قد اجروااحكام الرشوة وحرمتها على الهدية التي تؤثر على حكم القاضي.

على كل حال، فكما قال الشهيد الثاني وصاحب الجواهر فليس بمستبعد ان يقال بعدم جواز اخذ واعطاء اية هدية تؤدي الى تغيير اصدار الحكم من القاضي او من له مسؤولية البت في الامور وان كانت هذه الامور والاحكام موافقة للحق، وذلك لمايلي:

أولا - على ضوء تنقيح المناط لادلة حرمة الرشوة فان مثل هذه الهدية ستكون داخلة في ملاك ومعيار حرمة الرشوة، وذلك لان من المفروغ منه ان الملاك في حرمة الرشوة كونها مؤثرة على الحكم الذي يصدره القاضي، ومانعة من ممارسة القاضي لمسؤوليته بصورة مستقلة بعيدا عن الحب والبغض في اصداره للاحكام. وان هذا الملاك والمعيار ليشوب اغلب الهدايا،فمتى ما توفر هذا الملاك ترتبت عليه تلك الحرمة. ومما لا شك فيه ان هذا التنقيح للمناط من الامور التي يمكن الاستناد اليه والاستدلال به.

ثانيا - بغض النظر عن تنقيح المناط وملاك ومعيار حرمة الرشوة، فان اغلب ادلة الرشوة - ومنها الاية القرآنية المذكورة وحكم العقل - تجري على الهدايا التي تؤثر على حكم القاضي وقيامه بوظيفته، وذلك لان مما لا شك فيه ان الادلاء (بذل المال) اعم من عنوان الرشوة والهدية وكما ذكر في محله بان الاية وردت بصورة مطلقة، اضافة الى ان الرشوة شاملة للهدية التي لها نفس الفعل والاثر في تغيير حكم القاضي او عمل المسؤول،ومن جانب آخر فان بعض مصاديق الهدية انما تؤدي للظلم وهضم وتضييع حقوق الاخرين. ومن هنا يستنتج بطلانها بحكم العقل ايضا.

ثالثا - لقد بلغت الروايات التي رواها الفريقان والتي صرحت بان الهدية كالغلول وما شابه ذلك حد التواتر، ومنهارواية الاصبغ بن نباتة:

عن امير المؤمنين(ع) انه قال: «ايما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حوائجه وان اخذ هدية كان غلولا وان اخذ الاجر فهو مشرك»((180)). فالرواية تدل بصراحة على ان اخذ الهدية من قبل ذوي المناصب انما هي غلول وحرام.

واطلاق الوال انما تشمل القضاة ايضا، واذا فرض بان عنوان الوالي انما يختص بذوي المناصب سوى القضاة، نقول اذا كان اعطاء واخذ الهدية محرم على هؤلاء فمن الاولى ان يكون محرما على القضاة.

وعليه فالاشكال الذي يرد على الحديث في ان الرواية لا تشمل القضاة يبدو ليس تاما((181)).

اما الاشكال الذي يرد، على ان الهدية جائزة لاصحاب المناصب((182)) فهو الاخر ليس بوارد، وذلك لانه انما يمثل مصادرة للمطلوب. لان المدعا كان على اساس دلالة الرواية على الحرمة، وبغض النظر عن اشكال اختصاص عنوان الوالي بغير القضاة فليس لدينا من دليل على جواز الهدية.

واما من ناحية السند، فان الرواية وان لم تسلم من الخدش بسبب بعض رجالها كابي الجارود وسعد الاسكافي، الا ان الروايات الواردة بهذا المضمون من الكثرة بحيث يمكن ادعاءاستفاضتها، سيما ان جهابذة العلماء كالشهيد الثاني لا يستدل ابدا بروايات ضعيفة السند، الامر الذي جعلهم يفتون بحرمة الهدية في هذا المجال.

ونخلص مما سبق الى ان الهدية المؤثرة في حكم القاضي اووظيفة ذوي المناصب انما هي كالرشوة ومحرمة. وهذا ما جعل اغلب الفقهاء المعاصرين ومن بينهم صاحب العروة الوثقى يفتون بحرمتها: «الاولى امتناع القاضي عن اخذ اية هدية، وقديقال بان الهدية حين المرافعة حرام؛ لانها مصداق للرشوة، بل يمكن القول بان اية هدية للعمال حرام تعبدي؛ للرواية الواردة بان هدايا العمال سحت وغلول»((183)).

الرشوة في القوانين الوضعية

على غرار الفقه فقد اولت علوم الحقوق مسالة الارتشاء عناية خاصة وتناولتها من عدة جوانب، ومنها ما يتعلق بوضع القوانين التي تتعامل معها.

فقد تناولتها المواد 139، 140، و 147 من قانون العقوبات العامة بالتفصيل، الا اننا نعرض عن الخوض فيها مراعاة للاختصار وعدم اطالة البحث. ونكتفي هنا بايراد بعض موادقانون العقوبات الاسلامي، والتي يمكنها ان تغني المجتمع بالمعلومات التي يحتاجها في هذا المجال بغية الاحتراز منهاوالوقوف بوجهها.

فقد نصت المادة 588 التي تصدت لبيان عقوبة الارتشاء بمايلي:

يعاقب اي من الحكام والمخمنين والمقيمين «الخبراء» الذين يعينون من قبل محاكم الدولة او الطرفين فيما اذا اخذوا رسما اومالا ليبدوا آرائهم او يتخذوا قراراتهم لصالح احد الطرفين بالسجن لمدة لا تقل عن ستة اشهر ولا تزيد على سنتين اوبالغرامة النقدية التي تتراوح من ثلاثة الى اثني عشر مليون ريال مع مصادرة ما حازه بهذا الخصوص.

اما المادة 589 والتي تتعلق بعقوبة القاضي اذا ارتشى وتشددفي العقوبة التي نص عليها القانون، فانه يعاقب بعقوبة اشد مماورد في المادة 588 المذكورة سابقا في حين تطالعنا المادة 590التي تعاملت مع مفهوم الرشوة بشكل اوسع شمولية لتنضوي تحتها سائر الامور من غير دفع الاموال، مصرحة بما يلي:

لو لم تكن الرشوة اموالا نقدية، بل كانت اموالا تنقل دون مقابل بصورة مباشرة او غير مباشرة الى عاملي وموظفي الدولة سواء كانوا في الاجهزة القضائية او الادارية، او ان تشترى من قبل عاملي الدولة وموظفيها بصورة مباشرة او غيرمباشرة ومن اجل تلك الاغراض المالية بثمن فاحش ارخص من الثمن الاعتيادي او بالثمن الاعتيادي ظاهريا واقل او اكثر من الثمن المتعارف واقعيا، فان عاملي الدولة وموظفيها يعتبرون مرتشين في المعاملة وطرفهم الاخر راشيا.

وقد عالجت المادة 592 عقوبة الموظفين الاعتياديين قائلة:

اذا سلم اي فرد عالما عامدا مبلغا من المال او وثيقة مالية بصورة مباشرة او غير مباشرة بهدف القيام بعمل او الامتناع عن القيام بعمل في اطار وظائف الافراد المذكورين((184)) في المادة الثالثة من قانون تشديد عقوبة مرتكبي جرائم الارتشاء، الاختلاس والاحتيال المصادقة من قبل مجلس تشخيص مصلحة النظام بتاريخ 5/11/1991 م، كان راشيا ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة اشهر ولا تزيد عن ثلاث سنوات مع مصادرة اموال الرشوة او يعزر بـ(74) سوطا.

واخيرا المادة 593 التي صرحت بان الرشوة تنطبق حتى على توفير مقدمات الارتشاء من قبيل المفاوضة بهدف احرازموافقة الطرف المقابل او تسلم وتسليم الاموال والتي رتبت عليها كافة عقوبات الرشوة التي تكهن بها القانون.

اجل ما اوردناه كان يمثل بعض المواد التي صرح بها قانون العقوبات الاسلامي بشان الرشوة، والتي وردت ضمن المادة الخامسة والثمانين من دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية التي صودقت بتاريخ 28/7/1991 من قبل اللجنة القضائية والحقوقية لمجلس الشورى الاسلامي، ثم اعادها مجلس الامناء((185)) بغية تعديل بعض فقراتها، حتى صودقت في 28/11/1991 من قبل مجلس تشخيص مصلحة النظام، فادخلهاحيز التطبيق من خلال رسالته المرقمة 9849/793 في 19/12/1991 للجهات المختصة لاتخاذ ما يلزم((186)).

وكما اشرنا آنفا فان كل مادة من هذه المواد جديرة بالبحث والدرس الا اننا آثرنا الاختصار بهدف عدم اطالة المقال.

ولا يسعنا في الختام الا ان نطرح بعض الاستفتاءات الواردة بشان الرشوة واحكامها وقد آثرنا الاكتفاء بفتاوى سماحة قائدالثورة الاسلامية طالما كانت الرشوة وتفرعاتها انما ترتبط بالدوائر والمؤسسات الحكومية.

1 - سؤال: ما هو حكم الهدايا من النقود والماكولات وغيرهاالتي يقدمها المراجعون عن رضا وطيب النفس لموظفي الدولة؟
جواب: يجب على الموظفين المحترمين ان تكون علاقتهم بعامة المراجعين بتقديم الخدمات اليهم على اساس القوانين المتبعة وطبقا لمقررات العمل والضوابط الخاصة بالدائرة، ولا يجوزلهم تقبل اية هدية من المراجعين مهما كان عنوانها لما في ذلك من التسبيب الى اساءة الظن بهم والى الفساد والى تشجيع وتحريض الطامعين لاهمال القوانين وتضييع حقوق الاخرين((187)).

2 - سؤال: ما هو حكم الاموال التي تدفع الى الموظفين كرشوة سواء كانت لتوقع عمل للدافع ام لم تكن؟ واذا ارتكب الموظف عملا مخالفا طمعا في الرشوة فما هو حكم ذلك؟
جواب: اما الرشوة فمن البديهي انها حرام على الاخذ والدافع كليهما، ويجب على من اخذها ردها الى صاحبها وليس له التصرف فيها((188)).

3 - سؤال: هل يجوز دفع الرشوة للقاضي او الاخرين لانتزاع الحق. وما حكمها في حالة الظلم وضياع الحقوق؟
جواب: يحرم دفع الرشوة واخذها في القضاء((189)).

4 - سؤال: تعطى بعض مراكز البيع لوكلاء شراء الدوائر والشركات والمؤسسات غير الخصوصية بعض المبالغ او الهدايا النقدية تحت عنوان الهدية. فهل يجوز شرعا استلام مثل هذه الاموال ام لا؟ وما حكم ملكيتها؟
جواب: لا يجوز لوكيل الشراء استلام هذه الهدايا وعليه ان يردما اخذه الى الادارة او الشركة((190)).

5 - سؤال: يعطي بعض المتعاملين مع المصرف اذا ارادافتتاح حساب مقدارا من المال كهدية للموظفين، فما حكم دفع واخذ هذه الاموال؟
جواب: ليس لاي من موظفي المصرف ان ياخذ شيئا من المتعاملين مقابل انجازه لعمله الذي استخدم من اجل القيام به((191)).

6 - سؤال: هل يجوز شراء الحوائج الشخصية من وكلاءالشراء الذين يتعاملون مع الموظفين الذين يحسبون قيمة السلع المبيعة بسبب تلك المعرفة بنفس قيمة الشراء بغض النظر عن الربح او الخسارة اذا ما باعها اقل من القيمة، وهل للموظف الاستفادة من ذلك؟
جواب: على الموظفين ان يبتعدوا عن هذه المعاملات مع المتعاملين مع المصارف او المراجعين للدوائر والتي تتم على حساب مواقعهم الادارية في شراء الحاجات الشخصية((192)).

7 - سؤال: ان طبيعة عملي عادة ما تكون مع اصحاب الاملاك والاراضي الاثرياء، ولم اطلب لحد الان اي مال مقابل ما اقوم به من اعمال الا ان البعض منهم قد يقدم لي مبلغا بعنوان عيدية بعد انهاء العمل، فهل يجوز لي اخذها ام لا؟
جواب: لا يحق لموظف البلدية على اساس مسؤوليته الادارية في التعامل مع المراجعين ان يقبل او ياخذ اي مال تحت اي عنوان((193)).

الجهاد الابتدائي
في عصرالغيبة

لاستاذ الشيخ عباس الكعبي

القسم الثاني

المبحث الثاني: القائلون بوجوب الجهاد الابتدائي

تمهيد
ادعى غير واحد من الاصحاب نفي الخلاف وانعقاد الاجماع على اشتراط اذن الامام الاصلي او نائبه الخاص ونفي الوجوب في حال الغيبة، كما مر من مثل صاحب الجواهر والمنتهى والغنية والتذكرة والتحرير والرياض، غير ان القاء نظرة فاحصة على كتب القدماء والمتاخرين كافية لابطال هذا المدعى، ونحن سنذكر من كلمات الفقهاء ما هي ظاهرة او صريحة في عدم الاشتراط ونرتبها على قسمين:

القسم الاول: ما ياتي في ضمن هذا المبحث حسب ترتيبنا، وهوالقول بالوجوب في حال الغيبة عند التمكن وتوفر سائرالشروط.

والقسم الثاني: ما ياتي في ضمن المبحث الثالث تحت عنوان: «القول بالجواز في عصر الغيبة حتى مع التمكن دون الالزام والوجوب». فاليك كلمات القائلين بالوجوب في حال الغيبة:

الاول: فخر الامامية من المتقدمين والمتاخرين، الشيخ ابو عبدالله المفيد(قدس سره) في الباب الذي عقده باسم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود والجهاد في الدين في كتاب المقنعة. فهو(قدس سره) بعد ما ذكر عدم جواز دفع المنكر بالقتل والجراح وسفك الدماء الا باذن المعصوم، اوباليد ما لم يؤد العمل بها الى سفك الدماء او اخافة المؤمنين والفساد في الدين، وبعد ما افتى بجواز اقامة الحدود للفقهاءالشيعة مع الامكان، قال ما نصه: «وهذا [يعني اقامة الحدود]فرض متعين على من نصبه المتغلب لذلك على ظاهر خلافته له او الامارة من قبله على قوم من رعيته فيلزمه اقامة الحدود وتنفيذ الاحكام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفارومن يستحق ذلك من الفجار»((194)).

بيد انه من الصعب جدا نسبة الافتاء بوجوب الجهاد الابتدائي حال الغيبة الى الشيخ المفيد(قدس سره)، واصعب منه القول بخلافه، الا ان نتوقف؛ لان رايه في المسالة مجمل ولا نستطيع ان ننسب اليه رايا خاصا فنجعله(قدس سره) في هذه المسالة في عداد الذين لم يتعرضوا لحكمها، ولا فروعاتها، وهو الاوفق من خلال دراسة عبائر الشيخ المفيد(قدس سره).

الثاني: قال الفقيه الاقدم ابو الصلاح الحلبي(قدس سره) في الكافي: «فصل في الجهاد واحكامه: يجب جهاد كل من الكفاروالمحاربين من الفساق، عقوبة على ما سلف [من] كفره اوفسقه، ومنعا له من الاستمرار على مثله بالقهر والاضطرار، لكون ذلك مصلحة للمجاهد على جهة القربة اليه سبحانه والعبادة له... بشرط وجود داع اليه، يعلم او يظن من حاله السير في الجهاد بحكم الله تعالى لكل من وصفناه من المحاربين»((195)).

ثم بعد ذكر الجهاد الدفاعي قال: «وخالف الثاني [اي الدفاعي]الاول [اي الابتدائي]، لان الاول جهاد مبتدا وقف فرض النصرة فيه على داعي الحق لوجوب معونته دون داعي الضلال لوجوب ضلالته، وحال الجهاد الثاني بخلاف ذلك لتعلقه بنصرة الاسلام،ودفع العدو عن دار الايمان، لانه ان لم يدفع العدو درس الحق وغلب على دار الايمان وظهرت بها كلمة الكفر»((196)).

فالشيخ الحلبي(قدس سره) لم يعبر - كالاخرين - بتعبير«بشرط وجود امام عادل او اصل» وامثال ذلك بل قال بشرط وجود داع اليه، والداعي اعم من ان يكون اماما او فقيها او غيره من المؤمنين المتمكنين، ويكفي لهذا الداعي ان يكون من خلال سلوكه معروفا بالالتزام الديني والشرعي على مستوى العلم اوالنظر فانه يطبق احكام الشريعة في الجهاد، وتارة عبر عنه بداعي الحق.

فالعبارة صريحة في وجوب الجهاد الابتدائي حال الغيبة. اللهم الا ان يقال: ان المراد من الداعي على الاطلاق هو الامام المعصوم(ع)، لكنه مردود بانه لو كان المراد من الداعي هو المعصوم(ع) او ماذونه الخاص فقط لما قال: «او يظن من حاله... الخ».

ثم لا يطلق على الفقيه النائب عنوان داعي الضلال قطعا،فيدخل في داعي الحق.

الثالث: قال الشيخ ابن فهد الحلي(قدس سره) في اللمعة الجلية في معرفة النية، الباب الثامن في الجهاد: «وهو واجب على المكلف الذكر الحر... على الكفاية مع دعاء الامام او نائبه عموما اوخصوصا لقتال الحربي او الذمي المخل بالشرائط والباغي، وللدفع عن النفس مطلقا»((197)).

والعبارة صريحة في الدلالة على المطلوب، اللهم الا ان يقال بان دعوة الامام ونائبه العام او الخاص ليست الزامية حتى تدل على الوجوب بل الخيار بيده حسب ما يراه صلاحا ولو استجمعت الشروط كافة.

فتحصل ان من بين كلمات هؤلاء الاعلام الثلاثة من اصحابنا الفقهاء الاعلام (قدس سرهم الشريف) يمكن استظهار وجوب الجهاد الابتدائي في حال الغيبة من عبارة الحلبي(قدس سره) وابن فهد الحلي من المتاخرين. ونتوقف في عبارة المفيد(قدس سره)، لاجمالها كما مر.

الفصل الثالث

ادلة القول بوجوب الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة ومناقشتها

استدل او يمكن الاستدلال على وجوب الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة بادلة اربعة:
الدليل الاول: التعميم لعصر الغيبة.
الدليل الثاني: الاخبار الدالة على الترخيص في الجهاد الابتدائي زمن الغيبة لمن يعرف شرائط الاسلام.
الدليل الثالث: الدليل العقلي.
الدليل الرابع: عموم ولاية الفقيه في زمن الغيبة. ونفرد لكل وجه مبحثا خاصا.

* الدليل الاول - التعميم لعصر الغيبة:
لا ريب في اعتبار اذن النبي الاكرم(ص) في الصدر الاول واعتبار اذن الائمة الطاهرين(ع) عند الحضور وبسط اليد،
ويمكن الاستدلال لتعميم الحكم الى عصر الغيبة بعدة طرق:

< الطريق الاول: عموم الايات واطلاقها:
ورد الامر بالجهاد في الكتاب العزيز في آيات كثيرة، منها:

1 - قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسىءن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسىءن تحبوا شيئا وهو شرلكم والله يع لم وأنتم لا تعلمون)((198)).

2 - قوله تعالى: (فاذا انسلخ الا شهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصدفان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ان الله غفور رحيم) ((199)).

3 - (قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولايحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)((200)).

4 - (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفاروليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين)((201)).

5 - (يا اءيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير)((202)).

الى غير ذلك من الايات الشريفة، وهي تشكل جانبا كبيرا من الثقافة الجهادية، نكتفي بهذا المقدار منها للدلالة على المطلوب، والاستدلال بها متفرع على دلالتها لاصل وجوب الجهاد الابتدائي ليتجه البحث عن تعميمها لحال الغيبة، والظاهر ان اصل وجوب الجهاد الابتدائي مستفاد منها.

وهذا بحث مفروغ عنه بين الاصحاب، ولا خلاف بين المسلمين والعلماء اجمع فيه فلا نطيل الكلام حوله.

اما كيفية التعميم ليشمل عصر الغيبة فتتم بامور:

الأمر الاول - عالمية الرسالة:
الرسالة الاسلامية - وهي التي تمثل قيمومة الله على الانسان لبناء الحياة الفردية والاجتماعية - رسالة عالمية تهدف الى هداية البشر جميعهم، قال الله تعالى:

(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا)((203)). وقال: (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين)((204)).

وقال تعالى: (وما اءرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن اءكثر الناس لا يعلمون)((205)). وقال تعالى: (هو الذيءرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)((206)). ومن الواضح ان هذه الرسالة لم ينقض دورها برحلة الرسول الاكرم(ص) وحملتها ليسوا ممن عاش في عهد الرسول(ص) او القرون الاولى من بعده(ص) فقط، كما ان القيام بمهمة حمل الرسالة الى جميع البشر لا ينفك عن خوض المعارك والقتال غالبا.

الامر الثاني - خطاب الله الى كافة المسلمين بجهاد الكفار والمشركين:
آيات قتال الكفار والمشركين والتي نزلت نزولا متناسبا مع مرحلة الانذار العالمي ودعوة جميع الناس الى الرسالة الاسلامية، هي آيات عامة ومطلقة ليس الخطاب فيها موجها الى جماعة دون جماعة، ولا هي مخصوصة بالمسلمين الاوائل؛ لعدم ذكرالقيد فيها، ولان الخطاب غير مختص بالمشافهين، ولقاعدة اشتراك الجميع في التكليف الشامل لعصر الغيبة.

الامر الثالث - عدم اشتراط العصمة في قيادة العملية الجهادية، او ان تكون بامر المعصوم:
فالايات مطلقة وعامة وغير مقيدة او مخصوصة بامرالمعصوم او مباشرته واذنه ففي الصدر الاول كان الجهاد يقع بامر النبي الاكرم(ص) لا لعصمته بل لمنصبه وسلطنته وقيادته وزعامته الشرعية للحكومة الاسلامية.

وفي عصر ائمة الجور، كان الجهاد لا يصح معهم، لغصبهم المنصب، ولعدم احراز تطبيقهم لاحكام الجهاد كما امر الله والرسول(ص) والائمة الطاهرون(ع) بذلك، ولعدم صدور الاذن من الائمة للجهاد معهم، وهو متوقف على الاذن منهم(ع) في حضورهم. وهذه سيرة النبي(ص) في غزواته وشدة مواظبته والحث عليه حتى تكرر ذلك منه(ص) وهو في النزع الاخير خصوصا في انفاذ جيش اسامة بن زيد المعلوم عدم عصمته.

الامر الرابع - الامر بالجهاد من دون توقيت:
وتخصيص حكم الجهاد بزمان موقت وهو زمان الحضور لاينسجم مع اهتمام القرآن وامره به من دون توقيت في ضمن نصوصه الكثيرة((207)).

الامر الخامس - عدم النهي عن الجهاد في عصر الغيبة.
فلم يصدر عن الائمة(ع) نهي عن الجهاد في عصر الغيبة الا حرمة الخروج مع الامام الجائر، كما اتضح في مجال الرد على ادلة القول بالحرمة.

فبالنظر الى هذه الامور الخمسة والمقدمة المذكورة قبلها صح استنتاج وجوب الجهاد الابتدائي من عموم واطلاق الايات، فاينما وجد الكفر والشرك في العالم يتوجه التكليف الى كل مسلم بالجهاد لتطهير الارض من لوثهم دفاعا عن حق الانسانية في عبادة الله وحده لا شريك له، بشرط المكنة والاقتدار.

الاشكال على تعميم الحكم لزمن الغيبة بالاطلاقات والعمومات:
ويمكن الاشكال على هذه الامور وما آلت اليه من نتيجة:

اما الامر الاول: فنقول بعدم الملازمة بين القيام بمهمة حمل الرسالة الى جميع البشر وبين خوض المعارك والقتال غالبا، لامكانه بالوسائل السلمية والمنطق السليم والحجة الدامغة، والله يقول: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)((208)). ثم لا نرفع اليد عن ذلك الا عند الاضطرار، كما لو تعرض الدعاة الى خطر من قبل الكافرين، فيكون من قبيل الجهاد الدفاعي، ثم لو سلمنا الملازمة المذكورة فانها لا تنفي مشروطية الجهاد الابتدائي بشروط، كما لا يتوقف القيام بالرسالة على بيان او معرفة تمام الشروط فنقطع بعدم صحة هذه الملازمة.

واما الامر الثاني: فبالفرق بيننا وبين المسلمين الاوائل بنكتة قتالهم تحت راية النبي(ص)، او امكان الاستئذان من المعصوم(ع) وعدم امكانه كذلك في زماننا، فيحصل لنا العلم بعدم العموم والاطلاق في الايات، لانها ناظرة الى الجهاد تحت راية النبي(ص) او الاستئذان من المعصوم(ع)، نظير آية الجمعة الناظرة الى الجمعة المنعقدة فلا يستفاد منها حكم وجوب الجمعة في زماننا هذا فكذلك آيات الجهاد هنا.

واما الامر الثالث: فبان الحكم الشرعي لا يثبت شروطه،والايات ليست في مقام البيان من ناحية الشروط بل بصدد التركيز على اصل وجوبه والذم على تركه ان وقع بشروطه، اوبيان كيفية القتال وانواعه، واشتراطه وعدم اشتراطه بالعصمة يحتاج الى دليل غير الاطلاق والعموم، وادعاء ان ما وقع من الجهاد بامر النبي(ص) كان باعتبار المنصب لا العصمة مجرداحتمال يحتاج الى دليل، بل لا يمكن انفكاك المنصب عن العصمة.
ولذلك قلنا معشر الامامية باشتراط العصمة في الخليفة من بعده، اما الفقيه فهو نائب عن المعصوم ويحتاج الجهاد معه الى اذن صاحب المنصب المعصوم، وانفاذ جيش اسامة حيث كان بامر الرسول الاكرم(ص) فهو كغيره من الغزوات التي وقعت بامره ولا يقاس عليه غيره، مضافا الى انها قضية في واقعة لهاخصوصيتها الخاصة.

اما الامر الرابع: فغاية ما نعرف من الامر بالجهاد من دون التوقيت هو ان وجوب الجهاد دائم ما دامت الشريعة ولا يختص بزمان دون زمان، لكن هذا الوجوب لا يخرجه عن الاشتراط بامور كوقوعه عن اذن المعصوم(ع)، وكونه يفضي الى ترك الجهاد وتعطيله في زماننا مردود بانه كسائر البركات التي حرمناها بغيبته (عجل الله تعالى فرجه)، ولا يفضي ذلك الى فساد في معيشة او دين غير هداية الملحدين فلعله من وظائفه(ع) او مشروط باذنه (عج).

واما الامر الخامس: فعدم النهي لا يكفي لامضاء الجهاد في عصر الغيبة بل نحن بحاجة الى الاذن في ذلك، ونفس عدم صدور الاذن بالجهاد كاف للقول بعدم المشروعية، مضافا الى ان المعصوم مانع عن الاخطاء واراقة الدماء بلا سبب وهو الحافظ للشرع، وتحت اشرافه تصح الدعوة الخالصة للدين الحق والتوحيد والاسلام لا تحت راية من حكمه العمل بالظواهروالاطلاقات والعمومات من مثل نائب الغيبة الذي لا نامن معه من الوقوع في الزلل والخطا لا سيما في مثل هذا الامر الخطير.

اما النتيجة المترتبة على هذه الامور الخمسة معا فهي: ترك الجهاد في عصر الغيبة يفضي الى تعطيله وظهور الكفار على المسلمين.

وهو ما يشكل عليه: بان الجهاد الدفاعي كاف في كف الكفار ورد كيدهم الى نحورهم، مع ان اثبات الرياسة المطلقة بما يشمل الجهاد الابتدائي للفقيه يحتاج الى اثبات وليس بالاطلاقات والعمومات.

وحاصل هذه الاشكالات يرجع الى حالات:
الحالة الاولى: عدم نفي ان يكون للجهاد شروط، ومنها اذن المعصوم(ع)، كما في الامرين الاول والرابع.
الحالة الثانية: الاحتياج الى اذن المعصوم(ع) لامضاء الجهاد في عصر الغيبة، ولا يكفي عدم النهي عن ذلك على اساس احتمال دخالة المعصوم واشرافه لانه مانع عن الاخطاء ولا اذن ثابت كما في الامر الخامس.
الحالة الثالثة: عدم انعقاد الاطلاق، لان الايات ليست في مقام البيان من جهة الشروط كما في الامر الثالث.
الحالة الرابعة: عدم امكان التمسك بقاعدة عدم اختصاص الخطاب بالمشافهين، وقاعدة الاشتراك في التكاليف لوجودالخصوصية هنا كما في الامر الثاني.

والجواب:
اما الحالة الاولى: فالامر الاول كما لا ينفي وجودشروط مثل العصمة لا يثبت شروطا، والامر الرابع، فان عدم اخراجه من الشروط أيضا ليس بمعنى اثبات الشروط، ونحن في الاطلاق بمقدمات الحكمة لا نريد ان نعين شروطا مثل كفاية نائب الغيبة بل بالاطلاق ننفي اي تقييد اضافي لم يذكر في الكلام.
وبعبارة اخرى: ما لا يقوله المولى لا يريده، وحذف شرط العصمة يفيد الاطلاق لكل المحتملات، لانه يناسبه عرفا،فكان شرط العصمة كان قيدا على الكلام وحذفه لاسى ماوان الامر بالجهاد جاء من دون توقيت، فهو يفيد ثبوت الحكم مادامت الشريعة.

اما الحالة الثانية: فقد اجبنا عنها عند بيان الوجه الثالث من ادلة القول بعدم المشروعية وقلنا: بان ذلك متوقف على انكار او التشكيك بولاية الفقيه في امر الجهاد بناء على اثبات ان الولاية العامة من المناصب الثابتة للفقيه في الابواب المختلفة الفقهية، ولم يثبت في باب الجهاد لعدم الاذن او على اساس محدودية دائرة الولاية على نطاق الامور الحسبية فقط، وان الجهادالابتدائي ليس مصداقا للحسبة لعدم توقف معيشة او فساد في الدين عليه، بعد امكان الاكتفاء بالجهاد الابتدائي، ولا يستقيم على اساس اثبات الولاية العامة للفقيه عن طريق طبيعة الاسلام واحكامه كما مر.
وكيف كان، فينقطع الاشكال من الاساس بعد اثبات صدور الاذن منهم(ع) في الجهاد حال الغيبة، اذا كان يرى فيه احكام الاسلام كما ياتي ان شاء الله. مضافا الى ان احتمال دخل المعصوم لا يكفي الا باثبات دخله على اساس دليل تعبدي، وقدمضى منا في القول الاول عدم وجود دليل تعبدي يمكن الاحتجاج به لاثبات ذلك.

واما الحالة الثالثة: فالايات بصدد تمام البيان لا بيان اصل التشريع، وذلك بقرينة تدريجية التشريع في القتال وان الجهاد الابتدائي شرع في مرحلة متاخرة منسجما مع مرحلة الانذار العالمي التي تشملنا ايضا، ثم لو سلمنا ذلك في آية فرض القتال فلا نسلمه في آيات القتال والسيف وامثالهما لانها مسوقة للعمل بها بعد تشريع الحكم دون الانشاء، وهذا ما يقتضي ان يكون المولى بصدد البيان لا الاهمال او الاجمال، ولا يمكن القول بان الاطلاق تطفلي ثم تمام البيان فيها هو ان يقع القتال في سبيل الله، ومعنى ذلك ان يكون لبسط الاسلام واعلاء كلمة الله والتوحيد وان يكون الدين كله الله، وان يقضي على المشركين والكافرين، وهو ما يقابل القتال في سبيل الطاغوت كما في قوله تعالى: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت)((209))، والقدر المتيقن من القتال في سبيل الله ان يكون بامر حكومة شرعية، واما كون الحكومة الشرعية هي حكومة الرسول والائمة المعصومين فقط فالايات ليست بصدد البيان من هذه الجهة، ومن هنا صح التمسك باطلاقها وعموماتها لتعميم الحكم لحكومة نائب الغيبة.

اما الحالة الرابعة: فهي منقوضة باهتمام القرآن بالجهاد والامربه في آيات لا تحصى كثرة، بحيث يعرف منها عدم اختصاص الحكم بزمان دون زمان، بل هو دائم بدوام الشريعة، وعلى المدعي لخصوصية الايات اثبات ذلك، والاصل ان تكون الاحكام على نهج القضايا الحقيقية، والتنظير بية الجمعة لا يفيد هنا لان ذيل الاية وهو قوله تعالى: (واذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما)((210)) تجعلها ذات خصوصية خاصة، واكثر آيات الجهاد الخطاب فيها لعنوان المؤمن والمكلف، وادعاءوجود قيد ماخوذ في موضوع الحكم على نحو لا ينطبق الا على طائفة خاصة او زمان خاص كزمان حضور الامام(ع)، يحتاج الى اثبات عن طريق او دليل خارجي والا لا يمكن رفع اليد عن قاعدة الاشتراك، واما المعاصرة للرسول والامام فلا تكفي لجعلها خصوصية كما هو واضح.

وفي رواية الزهري عن ابي عبد الله(ع) في حديث طويل في كتاب الجهاد: باب من يجوز له جمع العساكر والخروج بها الى الجهاد قال(ع): بعد كلام طويل في شروط من يتصدى لجمع العساكر للجهاد: «لان حكم الله عز وجل في الاولين والاخرين وفرائضه عليهم سواء الا من علة او حادث يكون، والاولون والاخرون ايضا في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم واحدة يسال الاخرون من اداء الفرائض عما يسال عنه الاولون ويحاسبون عما به يحاسبون»((211)).

وقد ذكروا هذا الحديث بوصفه احد ادلة قاعدة الاشتراك((212))،وهو مؤيد لنا هنا، لاسيما وان موضوعه يتعلق بشروط الجهاد، وان كان ضعيف السند.

فالمتحصل من الكل: ان التمسك بالاطلاق اللفظي لتعميم الحكم لعصر الغيبة وجيه، الا ان يرد دليل يقيده، وقد اجبنا عما يمكن الاحتجاج به على التقييد والتخصيص واوضحنا عدم تماميته.

< الطريق الثاني: عموم الروايات واطلاقها:

وانما جعلناه طريقا مستقلا لان الروايات الواردة على قسمين:قسم منها رواية الائمة عن رسول الله(ص) في فضل الجهادوالمجاهد والشهيد، وهي تلحق بعموم الايات واطلاقها، ومايتوجه عليهما من اشكالات والجواب عليها فلا نذكرها هنا، وقسم من الروايات ورد عن لسان الائمة(ع) في الامر بالجهاد وفضله وثواب المجاهد والشهيد، وهذه يتوجه الاستدلال بها بان هذاالحث الاكيد على الجهاد من قبل الائمة(ع) يفيد شموله لعصرالغيبة، اذ يمكن بسط الاسلام واعلاء كلمة الله وتطهير الارض من لوث الكافرين والمشركين، والا لما ورد هذا الحث والتاكيد، منها:

1 - ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد،عن الحجال، عن ثعلبة، عن معمر، عن ابي جعفر(ع) قال: «الخير كله في السيف وتحت السيف وفي ظل السيف، قال وسمعته يقول: ان الخير كل الخير معقود في نواصي الخيل الى يوم القيامة»((213)).
والحديث تام سندا، ويتم من حيث الدلالة بالتمسك بجعل كل الخير في نواصي الخيل الى يوم القيامة مما يشمل عصرالغيبة دون اي قيد او استثناء مما يشعر انه يمكن ان يتحقق الجهاد الابتدائي والدفاعي في عصر الغيبة، ونواصي الخيل كناية عن الغزو الشامل للدفاعي والابتدائي.

2 - ما رواه الشيخ عن ابان بن عثمان عن عيسى بن عبد اللهالقمي عن ابي عبد الله(ع) قال: «ثلاثة دعوتهم مستجابة، احدهم الغازي في سبيل الله فانظروا كيف تخلفوه»((214)).
والحديث موثق، واما من حيث الدلالة فيمكن الاستناد الى ان دعاء الغازي في سبيل الله مستجاب مطلقا من دون ان يقى ده بزمان الحضور او الغازي في سبيل الله مع الامام المعصوم،ومن المعلوم قصور يدهم(ع) في ذلك الزمان.
نعم خرج بالدليل الغزو مع الامام الجائر وبقيت سائر الموارد مشمولة لهذا الاطلاق، ومنها عصر الغيبة فيما اذا كان الغزو مع نائب الغيبة.

3 - ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمدعن علي بن النعمان، عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد، عن ابي جعفر(ع) قال: الا اخبرك بالاسلام اصله وفرعه وذروة سنامه؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: اما اصله فالصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد ثم قال: ان شئت اخبرتك بابواب الخير؟ قلت: نعم جعلت فداك قال: الصوم جنة من النار، والصدقة تذهب بالخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل بذكر الله، ثم قرا(ع): (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)((215)).

والحديث صحيح، و «ذروة سنامه» في اللغة تعني ارفع اجزاءالبعير، فالاضافة بيانية او لامية بمعنى ان الجهاد ارفع اركان الاسلام او انه سبب لعلو الاسلام وارتفاعه، وقيل لانه فوق كل بر((216))، وهذا التوصيف البليغ لمكانة الجهاد في الاسلام بما يميزه عن سائر الواجبات مع ذكره مطلقا يتنافى مع تخصيصه بفترة زمنية معينة.

4 - ما رواه البرقي في محاسنه عن الوشاء عن مثنى، عن منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله(ع): اي الاعمال افضل؟ قال: «الصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله»((217)).