ووجه الدلالة ذكر الجهاد في سبيل الله مطلقا من دون ان يقيده بكونه مع الامام المعصوم، خصوصا بالنظر الى تقييد الصلاة بالوقت، وهو في مقام بيان افضلية العمل فامكن الاخذ باطلاق فضيلة الجهاد بما يشمل عصر الغيبة.

5 - ما رواه الكليني عن الحسين بن محمد، عن احمد بن اسحاق، عن سعدان، عن ابي بصير قال: قال ابو عبد الله(ع): «من قتل في سبيل الله لم يعرفه الله شيئا من سيئاته»((218))، والحديث مجهول.

6 - ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان، عن سويد القلانسي، عن سماعة، عن ابي بصير قال: قلت لابي عبد الله(ع): اي الجهاد افضل؟ قال: «من عقر جواده واهريق دمه في سبيل الله»((219)).
والحديث موثق، ووجه العلاقة ظاهر باطلاق افضلية الشهادة في سبيل الله بما يشمل الجهاد الابتدائي في عصرالغيبة.

< الطريق الثالث: ما قاله بعض فقهاء هذاالعصر((220)):
والمستفاد من مجمل كلامه(قدس سره): ان بسط الاسلام واقامة عدله ودعوة الكفار اليه واجب شرعا، ثم الجهاد الابتدائي احد الطرق لاداء هذا الواجب الكلي ومن هنا فالشروط المذكورة مثل توقف الجهاد على وجود الامام وبسطيده لا موضوعية لها،بل هي طريق لاداء الجهاد الابتدائي بشكله الصحيح حتى يؤدي الى بسط الاسلام ونشره واقامة عدله، ومن هنا فلو ان الفقيه في عصر الغيبة تمكن من ذلك لوجب عليه من دون فرق، لان الحكم - وهو امكان بسط الاسلام - يتطبق على موضوعه وهو الفقيه المتمكن من بسط الاسلام عبر الجهاد.

أقول: يرد على كلامه الشريف مؤاخذة كبيرة وهي: نحن لانشك بان ترويج الدين ودعوة الكفار الى الاسلام حسن فعله على كل حال ومع احتمال التاثير يجب، انما الكلام فيما لو توقفت الدعوة على القتال وخوض المعارك المسلحة فهل هوواجب ايضا او لا؟ وهذا هو معنى الجهاد الابتدائي، ولمعرفة الحكم فيه نحتاج الى بيان الشارع المقدس، وهو الحجة مطلقا ولاطريق لعقولنا الى هذه المسالة التي هي ليست من مدركات العقل العملي بل تشخيص مصلحة او مفسدة، فلو قال الشارع: ان بسط الاسلام عن طريق القتال متوقف على وجود المعصوم وبسطيده فلا يمكننا التعدي الى غيره الا باذنه، لانه تمام موضوع الحكم لا انه طريق اليه.

< الطريق الرابع:
ربما يتصور جعل الجهاد من صغريات الكبرى الكلية: «الدفاع الواجب عقلا وشرعا في الحضور والغيبة» ببيان: ان للدفاع مصاديق متعددة:
احدها: الدفاع عن بيضة الاسلام.
ثانيها: عن المجتمع الاسلامي واراضيه واعراضه وامواله.
ثالثها: الدفاع عن الانسانية والمستضعفين وحقوق الله في العبادة والتوحيد، وهذاالمصداق الثالث هو الجهاد الابتدائي، ثم نسري حكم وجوب الجهاد الابتدائي في عصر الحضور وبسط اليد الى عصر نائب الغيبة مع بسط اليد لانه دفاع ايضا من غير فرق بين العناوين.

والجواب واضح: وهو ان الدفاع الواجب في الحضور والغيبة هوالدفاع عن بيضة الاسلام وعن المسلمين، واقامة الشعائر، والدليل عليه انه لولا الدفاع لانجر الامر الى دروس ذكر محمد وفي دروسه دروس الاسلام. اما تسمية الجهاد الابتدائي بالدفاع عن الانسانية والمستضعفين وحقوق الله والتوحيد والعبادة فانما هي بيان لفلسفة الجهاد واهدافه، الامر الذي لا يغير من حقيقته الهجومية لفتح البلاد الكافرة ابتداء وجلبهم الى الاسلام، وهوغير الدفاع المصطلح، كما ان تركه لا يفضي الى مفسدة في دنيااو دين المسلمين، فلا ينضبط تحت قواعد الدفاع وليس من صغرياته ولذلك يحتاج الى بيان من الشارع المقدس لخصوصياته وشرائطه ومتى يجب ومع من يجب وكيف يجب؟ فلو بين لنا الشارع انه يتوقف على وجود المعصوم وبسطيده، فلا يمكن التعميم لعصر الغيبة بمجرد تسميته دفاعا.

< الطريق الخامس:
تعميم الحكم عن طريق جواز اخذ الجزية في عصر الغيبة، وهوما لا نتعرض له هنا لطول المقام والكلام.

* الدليل الثاني - الاخبار الدالة على الترخيص في الجهادالابتدائي زمن الغيبة لمن يعرف شرائط الاسلام:

الرواية الاولى: ما رواه الشيخ عن محمد بن الحسن الصفار(ثقة) عن علي بن محمد القاساني (ضعيف) عن القاسم بن محمد الاصباغ (ضعيف) عن سليمان بن داوود المنقري (طريق الشيخ اليه ضعيف وكذا الصدوق بقاسم بن محمد) عن حفص بن غياث (ثقة، طريق الصدوق اليه صحيح وطريق الشيخ ضعيف لكن الشيخ يروي حتى به عن طريق الصدوق) قال: «سالت اباعبد الله(ع) عن الجهاد اسنة هو ام فريضة؟ فقال: الجهاد على اربعة اوجه: فجهادان فرض وجهاد سنة لا يقام الا مع فرض وجهاد سنة. فاما احد الفرضين فمجاهدة الرجل نفسه عن معاصي الله وهو من اعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض، واما الجهاد الذي هو سنة لا يقام الا مع فرض فان مجاهدة العدو فرض على جميع الامة ولو تركوا الجهاد لاتاهم العذاب، وهذا هو من عذاب الامة، وهو سنة على الامام وحده ان ياتي العدو مع الامة فيجاهدهم، واما الجهاد الذي هوسنة فكل سنة اقامها الرجل وجاهد في اقامتها وبلوغها فالعمل والسعي فيها من افضل الاعمال لا سيما احياء سنة، قال النبي(ص): «من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بهاالى يوم القيامة من غير ان ينقص اجورهم شيء»((221)).

أ - البحث السندي:
أولا - سند التهذيب: وخلاصة ما حصلناه من سند الرواية: ان هذا السند ضعيف بعلي بن محمد القاساني وقاسم بن محمد كما ان طريق الشيخ والصدوق الى كتاب سليمان بن داوود ضعيف بهذين الرجلين. الا انه يمكن اعتبار السند لاعتماد الشيخ على طريق الصدوق في رواية كتاب حفص بن غياث وان للصدوق طريقا آخر الى كتاب حفص بن غياث قد ذكرناه وهو صحيح، ويمكن استبدال السند بهذا السند، ومن هنا افتى الشيخ الصدوق بهذه الرواية في كتاب الهداية كما ذكرناه، فتحصل: ان الرواية معتبرة لعمل الطائفة باخبار حفص بن غياث، وصحة طريق الصدوق الى كتاب حفص، واخذ الشيخ بطريق الصدوق في هذا الكتاب.

ثانيا - سند الكافي: وهو نفس سند التهذيب الا انه بدل حفص بن غياث، ذكرفضيل بن عياض ثم نقل روايات كثيرة عن سليمان بن داوود المنقري ولا يمكن احتمال التصحيف والتبديل. وقد شهد النجاشي بوثاقته وانه عامي روى عن ابي عبد الله(ع)، وعده الشيخ من اصحاب الصادق قائلا: الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي الزاهد الكوفي((222)). وكيف كان ففي شهادة النجاشي بوثاقته كفاية، الا ان طريق النجاشي اليه ضعيف بالقاسم بن محمد الاصبهاني، وطريق للشيخ اليه وقد مر سابقاضعف طريق الشيخ الى كتاب سليمان بن داوود المنقري، وبناء على ذلك فرواية فضيل بن عياض بهذا السند عن الكافي ضعيفة لا يؤخذ بها، وكذلك رواية الشيخ بهذا الاسناد عن حفص بن غياث، الا ان تصحح بطريق الشيخ لان طريق الشيخ والصدوق الى كتاب حفص بن غياث واحد، فالرواية تكون بهذاالاسناد تامة ومعتبرة.

وكيف كان، فالمتحصل من الدراسة السندية اعتبار الرواية،لاسيما بعد رواية المشايخ الثلاثة، ويقوى الاعتبار بعمل الاصحاب برواية حفص بن غياث بهذا السند في الابواب الاخركما في الوسائل((223))، وقد عبر السيد الخوئي(رحمه الله) عن رواية حفص بهذا السند بمعتبرة حفص بن غياث وقال: «انها تدل على كبرى كلية، وهي ان اي فرد لم يكن قتله في الجهاد جائزا لم توضع عليه الجزية»((224)).

ب - البحث الدلالي:
وجه الاستدلال: ان السائل سال الامام(ع) عن مطلق الجهاد بما يشمل الجهاد مع النفس ومع الاعداء، والثاني بما يشمل الابتدائي والدفاعي، وكذلك جميع ما ينطوي تحت هذه الكلمة، ثم لم يكن يعقل ان السائل لا يدري حكم اصل الجهاد، وانه واجب قطعا عندالمسلمين كافة، فالسؤال في الواقع هو انه هل شروط الجهاد متوفرة ويجوز الجهاد في هذا الزمان وفيما بعد او هو مخصوص بعهد الرسول وليس واجبا علينا؟ مع ذلك لم يخطرببال السائل ان الجهاد ربما لم يكن مشروعا وانه حرام، بل عنده ان عمل الجهاد راجح على كل حال، لكن لا يدرى هل هو واجب لايجوز تركه او جائز يجوز تركه؟ فاجابه الامام(ع) بان الجهاد على اربعة اوجه:

الوجه الاول: هو جهاد النفس، وقال عنه الامام انه واجب.

والوجه الرابع: احياء السنن والاعمال الصالحة: مستحب وهذان الوجهان لا يرتبطان بالبحث،

اما الوجه الثاني: وهو ما عبر عنه الامام(ع) بمجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض، ثم قال عنه ومجاهدة العدو فرض على جميع الامة، ولو تركوا الجهاد لاتاهم العذاب، وهذا هو عذاب الامة.
فهذا الكلام صريح في ان الجهاد الابتدائي واجب على جميع الامة لا يجوز تركه ولو تركوه لاتاهم العذاب، وباعث العذاب هو انفسهم لا الامام، ولم يشترط الامام في هذا النوع من الجهاد وجود الامام المعصوم او الجهاد معه، فسياق الحديث يشمل حتى الجهاد مع الامام الجائر، لكن نخرجه بباقي الروايات القطعية الدالة على حرمة الجهاد معه.

واما الوجه الثالث: فهو استحباب الجهاد على الامام وحده بان يجاهد العدو مع الامة، وذلك لتقوية عزم الجند على القتال والثبات مع انه لا يجب عليه الغزو معهم لانه قائد وآمر وله سهام آخر لا ينحصر الجهاد فيه.

والحاصل: ان الجهاد واجب على الامة ولا يشترط وجود المعصوم والا لبينه الامام(ع) وهو في مقام بيان تمام المراد وتفصيل الكلام للسائل، وكان يمكن للامام ان يقول: والجهاد على خمسة اوجه مثلا: احدها انه فرض على الامة بشرط حضورالامام وبسطيده، ولم يقل هذا، فنعرف ان ما لا يقوله لا يريده.اذا الجهاد واجب على الامة في عصر الغيبة ولو تركوه لاتاهم العذاب وهذا العذاب على اثر تقصيرهم بترك الواجب لا تقصيرالامام. بل ربما يشعر الحديث بانه لولا تقصير الامة بترك الجهاد وفقا للضوابط الشرعية ومع جهادهم النفس ورجوعهم الى اوامر الائمة(ع) لانبسطت يد الامام(ع) وظهرت دولة الحق مما يمكن تعميمه لعصر الغيبة بان نقول: لولا قصور الامة في ترك الدفاع عن بيضة الاسلام واراضي المسلمين ونواميسهم ولولا تركهم وعدم استعدادهم للجهاد الابتدائي، لظهر الحجة(عج) فالجهاد يمهد لظهور الحجة(عج)، وحيث لم نجاهد ينزل علينا العذاب بحرماننا من بركات حضوره(ع).

وقفات نقدية: ربما يرد على هذا الاستدلال ما ذكره المجلسي(قدس سره) من احتمالات في معنى الرواية على ما في مرآة العقول وملاذ الاخيار نلخصها بامور:

1 - المراد بمجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض، ما اذاصار الجهاد على طائفة واجبا عينيا بان يهجم عليهم العدو((225)).
وفي ملاذ الاخيار عن والده العلا مة: الظاهر ان المراد منهم من يخاف منهم على بيضة الاسلام ويجب جهادهم على وجه الدفع((226)).

2 - المراد بالثاني: مجاهدة العدو الذي لا يؤمن ضرره، فانه يجب على الامام وعلى الامة((227)).

3 - المراد بالثالث: جهاد العدو الذي لا يخاف منه ضرر فهوغير واجب على الامام، بل هو سنة، لكن بعد اختياره يصيرواجبا على الامة، فهذا سنة لا تقام الا مع الفرض، ويؤيده انه خص الاول بالذين يلونكم من الكفار، والغالب منهم توقع الضرر((228)).

والجواب على هذه الانتقادات:
أما الاول: فيرد بعدم الوجه لتخصيصه بالجهاد الدفاعي،لان الامام في مقام تفصيل احكام الجهاد الواجب والمستحب،والسؤال ايضا مطلق، والاية تامر المؤمنين بالجهاد العام الذي فيه توس ع للاسلام حتى يشيع في الدنيا، فان قتال كل طائفة من المؤمنين من يليهم من الكفار لا ينتهي الا باتساع الاسلام اتساعا يؤدي الى استقرار سلطنته على الدنيا واحاطته بالناس اجمعين، كما يقول العلا مة الطباطبائي في الميزان((229)).

وقد اجاب العلا مة المجلسي عن هذا الوجه الذي نقله عن والده العلا مة بالقول: فالمراد بالجهاد الثاني كل جهاد واجب عينياكان او كفائيا((230)).

واما الثاني: فبانه ما دام الذين يلون المؤمنين من الكفارموجودين فجهادهم واجب ولم يبيدوا الا بتطهير الارض منهم واتساع الاسلام وما دام الامر كذلك فالجهاد واجب دائما وغيرمخصوص بمن يتوقع الضرر منهم غالبا.

والظاهر ان معنى الرواية على ما بيناه مستقيم لا اضطراب فيه، ونحصل منه على كبرى كلية وهي: ان الامة متى تركت الجهاد أتاها العذاب، وما دام الامر كذلك يجب عليها الجهاد دائما في كل زمان ومكان، ولم يشترط ذلك بوجود الامام وبسطيده «والله العالم».

الرواية الثانية: ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن محمد بن احمد بن يحيى عن علي بن محمد القاساني عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داوود المنقري عن حفص بن غياث عن ابي عبد الله(ع) قال: «سال رجل ابي عن حروب اميرالمؤمنين(ع) وكان السائل من محبينا قال له ابو جعفر(ع): بعث الله محمدا(ص) بخمسة اسياف: ثلاثة منها شاهرة لا تغمدالى ان تضع الحرب اوزارها، ولن تضع الحرب اوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها فيومئذ (لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل)، وسيف منها مكفوف، وسيف منها مغمود سله الى غيرنا وحكمه الينا، فاما السيوف الثلاثة الشاهرة فسيف على مشركي العرب قال الله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) فهؤلاء لا يقبل منهم الا القتل او الدخول في الاسلام؛ والسيف الثاني على اهل الذمة قال الله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر) الاية، فهؤلاء لا يقبل منهم الا الجزية او القتل، والسيف الثالث سيف على مشركي العجم يعني الترك والخزر والديلم قال الله تعالى: (فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم) فهؤلاء لا يقبل منهم الا القتل او الدخول في الاسلام، ولا يحل لنا نكاحهم ما داموا في الحرب؛ واما السيف المكفوف على اهل البغي والتاويل - والحديث طويل... الى ان قال -: واما السيف المغمود: فالسيف الذي يقام به القصاص، قال الله تعالى: (النفس بالنفس) الاية، فسله الى اولياءالمقتول وحكمه الينا، فهذه السيوف التي بعث الله تعالى نبيه(ص) بها فمن جحدها او جحد واحدا منها او شيئا من سيرها واحكامها فقد كفر بما انزل الله على محمد(ص)»((231)).

اختلاف النسخ:
وهذا الحديث رواه الكافي عن علي بن ابراهيم عن ابيه وعلي بن محمد القاساني جميعا عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داوود المنقري عن حفص بن غياث مثله((232))، ورواه علي بن ابراهيم في تفسيره عن ابيه عن القاسم بن محمد مثله((233)) ورواه الصدوق في الخصال عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن القاسم بن محمد((234)).

ورواه الحر العاملي في الوسائل عن الكافي((235))، وذكر بعض الحديث الشيخ النوري في المستدرك عن تفسيرالعياشي((236)).

أ - البحث السندي:
قد مر ضعف السند، بيد انه يمكن تصحيحه كما مر بناء على الاستبدال فلا نعيد.

ب - البحث الدلالي:
وجه الاستدلال: جعل(ع) سيوف الاسلام، التي بعث بها رسول الله(ص)خمسة، ثلاثة منها شاهرة، اي بارزة من الغمد، بمعنى انه لا زال يجوز القتال اقتداء وتاسيا بهذه السيوف الثلاثة، وهي سيوف الجهاد على المشركين واهل الذمة، وقوله(ع) الى ان تضع الحرب اوزارها اي الى انتهاء الحروب وهي لا تنتهي الا بظهور الحجة، واما السيف الرابع فهو سيف جهاد البغاة وهو مخصوص بالمعصوم، اي «على من يبغي او يخرج عليه» مثل امير المؤمنين(ع)؛ والسيف الخامس: سيف مغمود، اي في الغمد ثم اوضحه(ع): بان المراد من كونه في الغمد انه لا يخرج منه الا بحكم القصاص منا، واجراء الحكم وسل السيف انمايكون من جانب اولياء الدم.

واما قوله(ع) في ذيل الحديث: «فهذه السيوف التي بعث اللهتعالى نبيه(ص) بها فمن جحدها او جحد واحدا منها او شيئامن سيرها واحكامها فقد كفر بما انزل الله على محمد(ص)» فهوكلام صريح في جواز اشهار هذه السيوف على المشركين في عصر الغيبة. والمنكر لحكم الجهاد كذلك فقد كفر بما انزل على محمد(ص)، وقد ذكرت هذه السيوف مطلقة من دون اختصاصها بامر الائمة او حضورهم، بخلاف سيف البغي المشروط بحضور الامام بقرينة المقابلة مع هذه السيوف الثلاثة المشهورة. ثم العلامة المجلسي في ملاذ الاخيار ومرآة العقول جعل استفادة جواز قتال الكفار في زمن الغيبة من هذه السيوف الثلاثة احد الاحتمالات، كما جعل قرينة المقابلة بالسيف المكفوف وهو سيف البغي، احد الشواهد على ذلك((237)).

اعتراضات على دلالة الحديث:
الاعتراض الاول: ما احتمله العلا مة المجلسي من وجوه اخرلمعنى الحديث بقوله: «او يخص بما اذا هجموا على قوم فانه يجب القتال لدفعهم وان لم يجز ابتداؤهم بالقتال، او بما اذاخيف على بيضة الاسلام، او يقال: المراد بكونها شاهرة انها تقع وان كانت مع فقد الشرائط غير جائزة»((238)).

والجواب عليه واضح، من ان الحديث عام غير مخصص، ولاوجه لتخصيصه بالدفاع بعد ذكر الشواهد من الايات المنصوصة بالجهاد الابتدائي والتي ذكرت في الحديث.

وكون المراد هو الاخبار الغيبي بوقوع الجهاد الابتدائي وان كان غير جائز منفي بذيل الحديث وبيان ان هذه السيوف الثلاثة الشاهرة بعث الله بها محمدا(ص) مما يدل على امضاء شهرهاالى ان تضع الحرب اوزارها بحصول اشراط الساعة، لاسيما بالاستشهاد بالايات القرآنية واحكام الجهاد مما وقع او يقع مع الترك او الديلم والخزر، والمقابلة مع السيف المكفوف حيث سله وحكمه الى المعصوم(ع) فقط.

الاعتراض الثاني: ما اورده الاستاذ حفظه الله في رسالته((239)): «وظاهر بعثه(ص) بهذه السيوف الخمسة ان امر جميعها حكما وسلا موكول اليه(ص)، وقوله(ع) في امر السيف الخامس: «سله الى غيرنا وحكمه الينا» تاكيد لذاك الظهور بالنسبة الى السيوف الاربعة الاخر واستثناء للسيف الخامس عن الباقي في مجرد سله.

وبالجملة فظاهره القريب من الصريح: ان امر سل هذه السيوف الاربعة الى رسول الله واليهم(ع) فلا يجوز سل شيءمنها الا باذن منهم(ع) وهو عبارة اخرى عن عدم جواز الجهاد الا باذنهم(ع)» ثم اجاب حفظه الله: بان المراد من كون سل السيوف الاربعة اليهم ليس الى اشخاصهم بما هم معصومون بل بما هم ائمة الدولة الاسلامية، فلو قام الدليل المعتبر على ولاية الفقيه كانت النتيجة سلها باذن منه ايضا، فسلها موكول الى قائد الدولة الاسلامية حقا معصوما كان او غير معصوم.

اقول: قوله(ع): «سله الى غيرنا وحكمه الينا» بيان للسيف المغمود، لرفع توهم ان القصاص حرام او انه جائز من غيرحكم الامام(ع)، اما لفظة «الشاهر» فلم يكن فيها هذا الوهم ومعناها واضح فما احتاج الى قرينة او توضيح، نعم كون سل السيف والحكم راجع الى الائمة، هذا ابرز مصاديقه وليس منحصرا بذلك، ثم احتمل العلا مة المجلسي(رحمه الله) ان يكون المراد من حكمه الينا: انه يجب ان يقتل بحكمنا في القصاص ولا يتعداه فلا يتوقف على حضورهم(ع) بعد معلومية حكمهم((240)).

فالمتحصل: جواز سل السيف الشاهر بوجه المشركين المبعوث به رسول الله(ص) في زمن الغيبة ايضا. نعم هذا السل يقع وفقا للشروط الشرعية من دون ان يكون اذن المعصوم منها، بل لا تحتاج الى اذن لعدم تقييد حكم السيوف الشاهرة بها، فلا حاجة الى ما قاله الاستاذ حفظه الله في الجواب بان «سله الينا» يعني ليس لهم بما هم معصومون بل بما هم ائمة دولة حق ليشمل دولة الفقيه العادل.

الرواية الثالثة: ما رواه الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن عثمان بن عيسى عن سماعة، عن ابي عبد الله(ع) قال: «لقى عباد البصري علي بن الحسين صلوات الله عليهما في طريق مكة فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته واقبلت على الحج ولينته، ان الله عزوجل يقول: (ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن اوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ذلك هو الفوز العظيم) فقال له علي بن الحسين(ع): اتم الاية، فقال: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) فقال علي بن الحسين(ع): «اذا راينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم افضل من الحج»((241)).

وفي التهذيب مثله عن محمد بن الحسن الصفار عن الحسين بن موسى الخشاب عن ابي طاهر الوراق عن ربيع بن سليمان الخزاز عن رجل عن ابي حمزة الثمالي قال: قال رجل لعلي بن الحسين(ع) الخ، وفي آخره قال علي ابن الحسين(ع): «اذا ظهرهؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئا»((242)).

وفي المستدرك للشيخ النوري نقل عن القاضي نعمان في دعائم الاسلام عن علي(ع): انه سئل عن قول الله عزوجل (ان الله اشترى من المؤمنين) الخ اهذا لكل من جاهد في سبيل الله ام لقوم دون قوم؟ فقال ابو عبد الله جعفر ابن محمد(ع): انه لما نزلت هذه الاية على رسول الله(ص) ساله بعض اصحابه عن هذا فلم يجبه، فانزل الله بعقب ذلك: (التائبون العابدون) الخ فابان الله عزوجل بهذا صفة المؤمنين الذين اشترى منهم انفسهم واموالهم، فمن اراد الجنة فليجاهد في سبيل الله على هذه الشرائط، والا فهو من جملة من قال رسول الله(ص) عنهم:«نصر الله هذا الدين باقوام لا خلاق لهم»((243)).

أ - البحث السندي:
أولا - سند الكافي: وهو معتبر وفق ما تقدم فلا نعيد.

ثانيا - سند التهذيب: وهو سند مرسل، وفي طريقه ابو طاهر الوراق المجهول، كماان طريق الشيخ الى كتاب الحسن بن موسى الخشاب والى كتاب ربيع بن سليمان الخزاز ضعيف.

ثالثا - سند دعائم الاسلام: صاحب دعائم الاسلام هو النعمان بن محمد القاضي. قال السيد بحر العلوم في رجاله: كتاب دعائم الاسلام كتاب حسن جيد، يصدق ما قيل فيه((244)). وقال صاحب الجواهر(قدس سره) في مسالة من فاتته صلوات متعددة بان دعائم الاسلام مطعون فيه وفي صاحبه، وقال السيد الخوئي(رحمه الله) في معجم رجاله: الرجل مجهول الحال وعلى تقدير ثبوت كونه من الامامية وحسن الحال فكتابه دعائم الاسلام غير معتبرلان رواياته كلها مرسلة((245)).

والحاصل في دعائم الاسلام: لو سل م وثاقته فهو لم يكن في عصر الائمة(ع) وعلى هذا يكون رواياته في الكتاب مراسيل فلاتفيد غالبا الا للتاييد والتاكيد كروايات البحار، اللهم الا اذا فرض في مورد خاص جبر الارسال بشهرة عملية وثبوت الصحة عنده على ما قاله في اول كتابه وفيها بحث ايضا.

ب - البحث الدلالي:
وجه الاستدلال: قال العلا مة المجلسي في مرآة العقول وملاذ الاخيار: قوله(ع): «اذا راينا هؤلاء» الحاصل انا تركنا الجهاد لفقدان من نعتمد عليه من الاصحاب، وترك الجهاد مع ذلك جائز، كما تركه رسول الله في مكة ثلاثة عشرة سنة، وتركه امير المؤمنين(ع) خمسا وعشرين سنة((246)).

اقول: ليس المراد من هؤلاء الموصوفين في الاية الثانية بطبقات الايمان من التوبة والعبادة والحمد والسياحة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والحفظ لحدود الله هم المقاتلون، بل المراد من يصدر امر القتال والجهاد عنهم بقرينة قوله:«الجهاد معهم» والا ينتقض بالجهاد زمن الرسول(ص) واميرالمؤمنين(ع) فليس كل المقاتلين معهم كانت هذه صفتهم كمافي رسالة الاستاذ حفظه الله((247)).

اما ترك الجهاد قبل الهجرة فلانه لم يشرع ذلك الوقت، وترك امير المؤمنين الجهاد خمسا وعشرين سنة فلانه كان يصدر عن امر ائمة الجور وما كان مبسوط اليد، فالاولى ان يقال: ان وجه ترك الجهاد وتقديم الحج عليه من قبل الامام السجاد(ع) هوان المتصدرين لامر الحكومة والجهاد لا توجد فيهم هذه الصفات. ومفهوم كلامه الشريف(ع): ان همتى وجدت هذه الصفات في قيادة حكومية تامر بالجهاد فالجهاد معها افضل من الحج، وهذا نحو اذن جهاد في عصر الغيبة اذا وجدت هذه الصفات كما في حكومة الفقيه العادل المبسوط اليد، ومع ذلك لم يقل الامام(ع)بوجوبه بل بافضليته على الحج ورجحانه.

نعم رواية التهذيب: «اذا ظهر هؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئا» يدل على وجوبه وهو آكد، لكن عرفت ما في السند من ارسال ومجاهيل وضعف طريق الشيخ في السند، وفي رواية دعائم الاسلام: دلالة على ان هذه الصفات هي صفات الجند والقادة «فمن اراد الجنة فليجاهد في سبيل الله على هذه الشرائط والا فهو من جملة ما قال رسول الله(ص): ينصر الله هذا الدين باقوام لاخلاق لهم» اذا من لم تكن فيه هذه الصفات، يجب عليه الجهاد، لكن لا يحصل على الثواب وهي بمثابة قوله تعالى: (انما يتقبل الله من المتقين) والايمان من شرائط القبول لا شرائط العصمة.

اقول: هذا التوجيه بالنسبة للجند صحيح، اما بالنسبة للقادة وامراء الجهاد فلا يقبل فيما اذا كان الجهاد جهاد الدعوة الى الاسلام لعدم الامانة وخوف الدعوة الى النفس لا الى الله والانجرار نحو عبادة العباد لا عبادة الله.

وكيف كان، فالامر واضح من ان المراد وجود هذه الصفات في الحكومة والقائد الذي يامر بالجهاد وهو اعم من ان يكون معصوما او غير معصوم.

الاعتراضات والاجوبة:
الاعتراض الاول: ما اورده السيوري(قدس سره) في كنزالعرفان بان قوله: «اذا راينا هؤلاء» اشارة منه(ع)الى ان الجهادالمامور به هو الجهاد مع الامام المعصوم لا اي جهاد، فهوتنبيه للسائل على جهله، فانه ليس ممن له الاعتراض على مثل هذا الرجل العظيم الشان، العالم بشرائط العبادات واسرارالطاعات((248)).

والجواب واضح: من عدم اشعار في الرواية بكون الجهاد المامور به مع الامام المعصوم، والرواية تبين افضلية الجهادعلى الحج مع وجود هذه الصفات وهي تكفي لردع السائل وتنبيهه على جهله مع عدم حقه في الاعتراض على هذا الامام الهمام كما صنع كذلك الامام(ع).

الاعتراض الثاني: ما اورده بعض السادة الفضلاء كما نقله الاستاذ بعين الفاظه في رسالته: وحاصله: ان الرواية لا اطلاق لهابالنسبة الى شرائط وجوب الجهاد، لان الامام ليس في مقام بيان تلك الخصوصيات بل هو في مقام الرد على عباد البصري، وفي مقام جواب من لا يعتقد عصمته وامامته ولم يكن في مقام بيان حكم الله محضا((249)).

واجاب الاستاذ في الرسالة بما حاصله: «اذا كان الامام ليس بصدد البيان لكان بامكانه لردع السائل الجاهل لنفي هذه الخصوصيات من ائمة الجور المتصدرين لامر الجهاد بان يقول مثلا بعد تلاوة آية الصفات: بان امراء الجهاد ليس فيهم هذه الصفات، لكن الامام(ع) ما اكتفى بذلك، بل تعرض لامراثباتي بان من كانت عنده هذه الصفات، فالجهاد معه افضل من الحج، ولازم هذا الامر الاثباتي، نفي وجوب الجهاد مع ائمة الجور،ومقتضى اصالة الجد في الكلام يقتضي ان يكون وجود هذه المواصفات في من يامر للجهاد تمام مراده(ع) لا كناية محضة»((250)).

اقول: يمكن تكميل الجواب بان المقام وان كان مقام اهمال حيث ان الامام لا يرى مصلحة بالتعرض مباشرة الى ائمة الجور وان الكناية ابلغ من التصريح، وعليه فلا ينفع هذا الاطلاق التطفلي للتمسك به، لكن يمكن الجواب على سؤال هذا السيد الفاضل دام عزه: بان استدلال الامام بالاية المباركة التي تذكر صفات المجاهدين تكفينا للتمسك، لان الاية في مقام بيان شروط الجهاد وليس فيها اشعار لشرط العصمة في قائد الجهاد.

ثم ان الامام في كلامه الشريف لم يحصر معنى الايمان في المعصومين(ع) مع انهم ذروة الايمان والكمال، بل نفى اشتراط العصمة واقتصر على الخصوصيات المذكورة في الاية وهي تنطبق على الفقيه العادل المبسوط اليد، ويعتبر هذا نحواذن منه(ع)، وبما ان الرواية موثقة من حيث السند فيصح التمسك بها للدلالة على المطلوب، والله العالم.

الرواية الرابعة: ما رواه الشيخ الصدوق في العلل والخصال عن ابيه، عن سعد، عن محم د بن عيسى، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن ابي بصير، عن ابي عبد الله(ع) عن آبائه(ع) قال امير المؤمنين(ع): «لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم ولا ينفذ في الفي امر الله عزوجل، فانه ان مات في ذلك المكان كان معينا لعدونا في حبس حقنا والاشاطة بدمائنا وميتته ميتة جاهلية»((251)).

أ - البحث السندي:
تقدم منا تمامية السند سابقا.

ب - البحث الدلالي:
وجه الاستدلال: ان مفاد الحديث هو النهي عن الخروج في الجهاد مع القائد والامر الذي ليس امينا على الحكم بان يحتمل ان يصالح العدو بضرر المسلمين ولتثبت سلطته ولا يطبق الاحكام الشرعية في الجهاد، كحكم الفئ والانفال الراجع للامام(ع)، والمفهوم من هذا الكلام جواز الخروج مع الامين على الحكم والعارف بالاحكام الشرعية والمطبق لها وهو ينطبق على الفقيه العادل فيجوز الخروج معه.

والجواب: ان مفهوم اللقب والوصف ليسا بحجة، مضافا الى ان الامام(ع)كان بصدد بيان عل ة المنع وحرمة الجهاد مع الامام الجائر وليس في مقام بيان تمام مواصفات من يجب الجهادمعه، ولعل احد هذه الصفات هي العصمة فلا ينفع التمسك في المقام بهذه الرواية وامثالها مثل خبر محمد بن عبد اللهالسمندري المتقدم ومعتبرة طلحة بن زيد.

الرواية الخامسة: ما رواه الكليني عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن ابي عمروالزبيري، عن ابي عبد الله(ع)قال: قلت له: اخبرني عن الدعاء الى الله والجهاد في سبيله اهو لقوم لا يحل الا لهم ولا يقوم به الا من كان منهم ام هو مباح لكل من وحد الله عزوجل وآمن برسوله(ص) ومن كان كذا فله ان يدعو الى الله عزوجل والى طاعته وان يجاهد في سبيله؟ فقال: ذلك لقوم لا يحل الا لهم ولا يقوم بذلك الا من كان منهم، قلت: من اولئك؟ قال: من قام بشرائط الله عزوجل في القتال والجهاد على المجاهدين فهو الماذون له في الدعاء الى الله عزوجل ومن لم يكن قائما بشرائط الله عزوجل في الجهاد على المجاهدين فليس بماذون له في الجهاد [والحديث طويل نذكر مورد الحاجة منه، قال(ع) في فقرة اخرى منه بعد ذكر آية الاذن في القتال:] لكن المهاجرين ظلموا من جهتين: ظلمهم اهل مكة باخراجهم من ديارهم واموالهم فقاتلوهم باذن الله لهم في ذلك، وظلمهم كسرى وقيصرومن كان دونهم من قبائل العرب والعجم بما كان في ايديهم مماكان المؤمنون احق به منهم فقد قاتلوهم باذن الله عزوجل لهم في ذلك، وبحجة هذه الاية يقاتل مؤمنو كل زمان... [الى ان قال:] فمن كانت قد تمت فيه شرائط الله عزوجل التي وصف بها اهلها من اصحاب النبي(ص) وهو مظلوم فهو ماذون له في الجهاد كما اذن لهم في الجهاد، لان حكم الله عزوجل في الاولين والاخرين وفرائضه عليهم سواء الا من علة او حادث يكون والاولون والاخرون ايضا في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم واحدة يسال الاخرون عن اداء الفرائض عم ا يسال عنه الاولون ويحاسبون عما به يحاسبون، ومن لم يكن على صفة من اذن الله له في الجهاد من المؤمنين فليس من اهل الجهاد وليس بماذون له فيه حتى يفئ بما شرط الله عزوجل عليه، فاذا تكاملت فيه شرائط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين فهو من الماذونين لهم في الجهاد... [الى ان يقول(ع):] ولسنا نقول لمن اراد الجهاد وهو على خلاف ما وصفنا من شرائط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين: «لا تجاهدوا» ولكن نقول : قد علمناكم ما شرط الله عزوجل اهل الجهاد الذين بايعهم واشترى منهم انفسهم... [الى ان قال(ع):] فان ابى ان لا يكون((252)) مجاهدا على ما فيه من الاصرار على المعاصي والمحارم والاقدام على الجهاد بالتخبيط والعمى والقدوم على الله عزوجل بالجهل والروايات الكاذبة فلقد لعمري جاء الاثر فيمن فعل هذا الفعل (ان الله عزوجل ينصر هذا الدين باقوام لا خلاق لهم) فليتق الله عزوجل امرء وليحذر ان يكون منهم الخ»((253)).

أ - البحث السندي:
السند من حيث المجموع ضعيف ببكر بن صالح، ويتمم بناءعلى وقوع بكر في اسناد كامل الزيارات وتفسير القمي ورواية احمد بن محمد بن عيسى.

ب - البحث الدلالي:
الرواية صريحة في الاذن من الله ومن رسوله ومن الائمة الطاهرين بالجهاد لمن قام بشرائط الله، وكما ان المهاجرين قاتلوا بحجة آية (اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا)((254)) فبحجة هذه الاية يقاتل مؤمنو كل زمان، والمؤمن هو من تمت فيه شرائط الله التي وصف بها اهلها من اصحاب النبي(ص)، ولان حكم الله عزوجل في الاولين والاخرين وفرائضه عليهم واحدة، والمراد من شرائط الله هي الشرائط المذكورة في آية اشتراء الله الانفس والاموال من المؤمنين الموصوفين بالتوبة والعبادة والركوع والسجود والامر بالمعروف والنهي عن المنكرواقامة حدود الله وامثالها من صفات المؤمنين((255)) في مثل: (قد افلح من زكيها)((256)) وقد افلح المؤمنون وهم اتباع علي(ع) كما في هذا الخبر بطوله.

وحاصل الكلام: ان اتباع الائمة من المؤمنين العدول والفقهاءتنطبق عليهم هذه المواصفات فهم الماذون لهم في الجهاد. والكلام في هذه المواصفات هل هي صفات المقاتلين الجنود ام صفات من يامر بالقتال؟ فان كانت هي في مقام بيان صفات الجنود فلا تدل على المقصود، لان الامر بالقتال لعله يشترط ان يكون معصوما. والشيخ الكليني(قدس سره) يبدو انه استظهر صفات الجند لذلك ذكرها في باب من يجب عليه الجهاد ومن لايجب((257))، كما ان شيخ الطائفة ذكرها في باب من يجب عليه الجهاد((258))، ولم يذكرا هذه الرواية في باب من يجب معه الجهاد أو باب الجهاد الواجب مع من يكون؟ اما الشيخ الحر العاملي(رحمه الله) فاستظهر منها انها من شروط الامراء والقيادة فذكرها في الباب التاسع بعنوان: باب من يجوز له جمع العساكر والخروج بها الى الجهاد((259))، ثم العلا مة المجلسي في ملاذ الاخيار استظهر قائلا: «الظاهر من هذا الخبر عدم جواز الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الا للمعصوم او من بلغ درجة الكمال في العلم والعمل ولم يقع منه الفسوق والزلل، وكذا الدعاء الى دين الحق، وهذا خلاف المشهور وسائرالاخبار [ثم اجاب:] ويمكن حمله على ان المراد به الدعوة على وجه المجاهدة والمقاتلة، وكذا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه، فيرجع الى الجهاد. وايضا يحتمل ان يكون الاوصاف المذكورة للرئيس الذي يدعو الى الجهاد اولاتباعه الذين هم من شرائط خروجه وجهاده»((260)).

اقول: بناء على ان الحديث في مقام بيان صفة المجاهدين، يستفاد من هذه الاخبار ان جهاد النفس مقدمة لجهاد العدو، لكن ليس مقدمة شرعية يبطل الجهاد من دونها بل من قبيل الشروط الاخلاقية، بمعنى توقف الثواب ومراتب الكمال واستحقاق عنوان البيع والشراء الالهي والفوز بمقام الشهادة او ثواب المجاهد في سبيل الله عليها، وليست شرائط لصحة العمل فهي نظير لزوم حضور القلب وعدم المعصية للمصلي فهي من قبيل قوله تعالى: (انما يتقبل الله من المتقين)((261)) والا فقلما تنطبق هذه المواصفات على جميع المجاهدين حتى اصحاب النبي الاكرم(ص) والا لزم تعطيل الجهاد وربما تؤدي الى التكليف بالخروج المنفي بقرينة قوله(ع): «لسنا نقول لمن اراد الجهادوهو على خلاف ما وصفنا من شرائط الله عزوجل على المؤمنين والمجاهدين: ولا تجاهدوا»، فما نهاهم(ع) عن الجهاد، ويشكل على هذا الفهم بعدم وجوبه عليهم، وانه مرجوح او يؤدي الى غلبة الوسواس على الجنود من انطباق الصفات عليهم وعدمها مما يفضي الى عدم الالتزام به الا ان نحمله على ان الجهاد الابتدائي جائز وعند توفر هذه الشروط في الجنود، حينئذ يجب عليهم، وعلى هذا الاساس فالحديث ليس بصدد بيان شروط قيادة الجهاد.

نعم، هم اولى بانطباق هذه الصفات بل ربما يستفاد لزوم عصمتهم اذا كانت هذه الشروط للمؤتمرين باوامرهم، والاقرب ان تكون هذه الشرائط للداعي والامر بالجهاد وبتبعه وبالاقتداء به، الاولى للمجاهدين ان ارادوا المقامات العالية، عليهم ان يتحلوا بهذه الصفات وهناك مؤشرات في الرواية لهذا المعنى:

1 - قول السائل: «لا يقوم به الا من كان منهم» فالقيام بامرالجهاد هو من عمل الامر لا المؤتمر.

2 - قوله: «اخبرني عن الدعاء الى الله والجهاد في سبيل الله» فالسؤال عن الدعوة الى الله والدعوة تتقوم بالداعي ويشترط في الجهاد الابتدائي ان يقوم بالدعوة، اما الامام او نائبه ومن فوض اليه قيادة الجيش وتجميع العساكر.

3 - قوله(ع) في بيان وصف الله الدعاة اليه على درجات،ثم الدرجات اشارة الى ابتدائه تعالى بنفسه ثم برسوله ثم بكتابه كما في الحديث، فيظهر من هذا التدريج انه يلزم ان يكون الداعي بعدهم مثلهم ودعوتهم موافقة لدعوتهم ويكون عالما بمادعوا اليه فلذا قال(ع): «يعرف بعضها بعضا»((262)).

4 - الاستشهاد بقوله تعالى: (ادعوا الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني)((263)).

5 - «فليتق الله وليحذر ان يكون منهم» اي من اللذين ليست لهم شرائط الله للمجاهدين، ومعنى اذا كان الجيش تنطبق عليه هذه المواصفات فيصح الجهاد معهم.

وكيف كان فهذه مواصفات الجيش الرسالي بما يشمل قائدهم، ويحتمل ارادة الامرين والقدر المتيقن منه وهو حرمة الجهاد مع الامام الجائر والجيش الطاغوتي بقصد الدعوة الى الله ولزوم انطباق هذه المواصفات الايمانية على الجيش الاسلامي جندا وقيادة، فاذا كانوا كذلك فهم ماذونون من قبل الله للجهاد.

فالحاصل من هذا الوجه: بعد تصحيحنا لسند روايات حفص بن غياث باتحاد طريق الشيخ والصدوق الى كتابه، تمامية دلالة الخبر الثاني على المراد من حرمة ترك الجهاد في كل زمان بمايشمل عصر الفقيه، مما يستفاد منه الاذن بل الجهاد سبب لتعجيل ظهور الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف، ومن موثقة سماعة جواز الجهاد الابتدائي بهذه الشروط المذكورة في الاية، لا الوجوب ويستفاد منه الاذن، واما خبر ابي بصير التام سندا فلا دلالة فيه، وخبر الزبيري غير تام سندا ولا باس بدلالته، ويمكن ان يكونا مؤيدين لهذه الروايات الثلاثة الاولى وبذلك يصح استفادة اذن الجهاد في عصر الغيبة منهم(ع).

* الدليل الثالث - الدليل العقلي:
وفي الاستدلال بالعقل على وجوب الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة طرق عدة:

الطريق الاول: ما ذكره السيد السبزواري(قدس سره) في مهذب الاحكام قائلا: «ومن العقل: حكمه البتي بلزوم قطع مادة الفساد، واي فساد اقوى من الكفر والشرك، وكذا حكمه القطعي بلزوم اقامة العدل الالهي والقوانين الالهية المنظمة للنظام البشري في الدين والدنيا»((264)).

الطريق الثاني: ما ذكره ايضا في مهذب الاحكام قائلا: «ومن اهم صغريات شكر المنعم الواجب عقلا ومن اهم موارد احتمال الضرر الاخروي في تركه الواجب بقاعدة دفع الضررالمحتمل»((265)).

الطريق الثالث: ما ذكره السيد الحائري حفظه الله في الكفاح المسلح: «ضرورة تقديم الاهم على المهم، حيث ان تحكيم الاسلام الصحيح وتطبيق كلمة الله كاملة [على وجه الارض] اهم مما يترتب على القتال ضد المسلمين المنحرفين من اراقة الدماء واهميته تصل الى حد تقدم مصلحة القتال عند احتمال النصر احتمالا يعتمد عليه العقلاء على مفسدة اراقة الدماء التي هي مفسدة قطعية لا احتمالية((266)) بل يكون عدم الجواز نقصا تشريعيا في الاسلام، بخلاف ان نقول بالوجوب لكن نعجز تكوينا عن قتال الكفار، فان هذا لا يعد ضعفا تشريعيا في الاسلام»((267)).

والجواب على الطريق الاول:
أولا - انا لا نشك في قبح وفساد الكفر والشرك عقلا ووجوب معرفة الله والتحلي بالايمان لوجوب شكر المنعم ودفع الضرر المحتمل، وان الكفر والشرك من اقوى مراتب الفساد ومن اعظم المنكرات، ولا اشكال ولا خلاف في لزوم قطع مادة الكفر وتطهير الارض من لوث الملحدين، لكن ذلك نعرفه من خلال الدليل السمعي لا العقلي ضرورة عدم وصول العقل الى قبح ترك الامربالجهاد الابتدائي لقطع مادة الفساد على وجه يترتب عليه العقاب بدون ملاحظة الشرع، لان في ترك الامر به يترتب عليه تفويت مصلحة الهداية على الكافر، وهو مكل ف مثلنا غير ملجا الى الطاعة ومعاقب على كفره.

ولعل هذين الطريقين هما تفصيل لما ذكره ابو الصلاح الحلبي في الكافي: «يجب جهاد كل من الكفار والمحاربين والفساق #عقوبة على ما سلف من كفره او فسقه ومنعا له من الاستمرارعلى مثله بالقهر والاضطرار [اقول: وهذا يرجع الى قطع مادة الفساد بحكم العقل كما في الطريق الاول] لكون ذلك مصلحة للمجاهد على جهة القربة اليه سبحانه والعبادة له»((268)).

وهذا ما يرجع الى دفع الضرر المحتمل بتركه ووجوب شكرالمنعم كما في الطريق الثاني. ثم كفر الكافر لا يضر شيئا ولايضرنا بضلاله ولا يفوتنا، بل يترتب على الامر بالجهاد التغريربالنفس والمال والاعراض، وهو منفي عقلا لولا الامر به شرعاوالترغيب اليه والترهيب من تركه من ناحية المولى عزوجل.

ثانيا - بالتنظير مع ما احتج به السيد المرتضى في كون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر سمعي لا عقلي، لان الكفروالشرك من اعظم المنكرات كما قلنا وقطع مادة الفساد بالجهادمن المعروف. قال السيد المرتضى: لو كان واجبا بالعقل لم يرتفع معروف ولم يقع منكر، ويكون الله مخلا بالواجب واللازم بقسيمه باطل فالملزوم مثله. بيان الشرطية: ان الامر بالمعروف اذا كان هو الحمل عليه وحقيقة النهي عن المنكر هو المنع منه،فلو وجبا بالعقل لكان واجبا على الله تعالى، لان كل ما وجب بالعقل فانه يجب على كل من حصل وجه الوجوب في حقه، فكان يجب على الله تعالى الحمل بالمعروف والمنع من المنكر. فاماان يفعلهما فلا يرتفع معروف ولا يقع منكر ويلزم الالجاء، او لايفعلهما فيكون مخلا بالواجب((269)).

اقول: قوله: «وجب على الله» بمعنى يدرك العقل ضرورة صدوره عنه وكونه منزها عن الاضلال به، لاقتضاء ذاته وصفاته وحكمته، والحاصل من هذا الجواب: انه لو كان قطع مادة فساد الكفر مما يحكم العقل به قطعا لازال الله الكفر اما بالجائهم الى الطاعة او نزول العذاب عليهم او عدم خلقهم وهو منافي للتكليف الذي لطف به على الكفار وعلينا او الامتحان والبلاء الالهي وهو هدف الخلقة والنظام الاحسن الالهي.

يقول الله سبحانه وتعالى: (ان الله لذو فضل على الناس ولكن اكثر الناس لا يشكرون)((270)) وفي هذا الجواب الثاني ملاحظة وهي: هناك طريق آخر لقطع مادة الفساد موجودة وهي ان يرشدنا الله باوامره بالجهاد الابتدائي، اي للعمل وقد فعل فلااخلال بالواجب منه تعالى ولا لزوم في الالجاء هنا. ومع هذا فالجواب الثاني غير تام.

ثالثا - ولو سلمنا، غاية ما للعقل من القطع به هنا هواصل لزوم قطع مادة الفساد والكفر، وبناء على هذا فالدليل العقلي يثبت اصل وجوب الجهاد الابتدائي ثم الحكم العقلي وان كان غير قابل للتخصيص بزمان ومكان وحالات لكن لا طريق للعقل الى الجزئيات من ادراك الشروط واعوانه والحكم بهما،ومسالتنا هنا من هذا القبيل حيث بعد الفراغ عن اصل وجوب الجهاد الابتدائي وانه لا خلاف فيه بين المسلمين، يقع البحث في اشتراطه بوجود المعصوم(ع) او نائبه الخاص او لا يشترط كذلك. وهل عدم حضور المعصوم وعدم بسطيده من الموانع اصلا؟ فلا يمكن الاستدلال بالعقل.

رابعا - واما حكم العقل بلزوم اقامة العدل وقوانين الله في الدنيا والاخرة بناء على تماميته فليس للعقل امكان الى طرق اقامة العدل وقوانين الله، هل يكون عبر الجهاد الابتدائي والقهروالقوة وباي شروط او يكون بطريق آخر؟ وكيف كان، فلايمكن اثبات وجوب الجهاد في عصر الغيبة بحكم العقل بقطع مادة الفساد، ولا بحكم العقل باقامة العدل وقوانين الله في الدنياوالاخرة.

جواب الطريق الثاني:
وبعد اثبات كون الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة عبادة اما عن طريق العقل او السمع يمكن جعله من صغريات شكر المنعم الواجب عقلا وترتيب الضرر الاخروي على تركه، وقد عرفت على ما اجبنا به عن الطريق الاول في الاستدلال: انه لا طريق للعقل لاثبات ذلك، فلا تصل النوبة ليندرج تحت هذين القاعدتين بحكم العقل، بل هو مندرج تحت قاعدة شكر المنعم ودفع الضرر المحتمل بعد اثبات وجوبه شرعا.

والجواب على الطريق الثالث:
بما اجاب به نفسه: من اننا لا نحتمل مشروعية قتال من هذاالقبيل مع عدم وصول اي نص شرعي يشير الى ذلك من قريب او بعيد. وبعبارة اخرى درك العقل للمصلحة الاهم الموجودة في تطبيق كلمة الله على وجه الارض عن طريق خوض المعارك على اهمية حفظ الدماء، اذا كان النص محتملا احتمالا عقلانيا يتوقف على بيان الشارع والقول بوجوب القتال في عصر الغيبة والا نستطيع تشخيص ملاك الحكم بعقولنا.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية