كلمة التحرير
الاجتهاد والمعاصرة
رئيس التحرير
يعد مبدا الاجتهاد وانفتاحه احد اسباب القوة والحيوية في
مدرسة اهل البيت(ع).. لما ينجم عن ذلك من آثار وانعكاسات
خطيرة وهامة.. اذ ان اقفال هذا الباب معناه تعطيل علم الفقه
وتحويله الى صرف تراث جامد لا ينمو ولا يتطور ولا تطاله يد
البحث والتمحيص.. وبذلك يفقد نضارته وحيويته ويؤول الى
الذبول والاضمحلال.. ويبتعد عن الساحة العلمية
والفكرية تدريجيا..
لا شك في ان كثرة البحث والتنقيب توقف الباحث على كثير
مما خفي عليه من الحقائق والواقعيات كما هو الحال في كل
العلوم والمعارف على تنوعها واختلافها.. ولا يشذ علم الفقه عن
ذلك بل ان الامر فيه آكد باعتبار ان الباحث في الفقه ومصادره
يمارس قضية لا يمكن تاجيل البحث فيها او تعطيله لكون
البحث هنا عن التكليف ومسؤولية المكلف تجاه ربه وما يترتب
على ذلك من موقف عملي واتجاه سلوكي فعلي ومنجز لا
يمكن الغض عنه..
لذا ترى ان عجلة البحث لم تتوقف في مدرسة اهل البيت(ع)..
وهذا ما خلف ثروة علمية هائلة لا نظير لها في باقي العلوم..
فان كل مجتهد يتصدى للبحث في اية مسالة قبل ان يفتي بها
ولا يدع البحث فيها معولا على غيره حتى لو كانت تلك
المسالة معروفة ومطروحة ممن قبله واشبعها السابقون درسا
وتحقيقا..
وقد بدات اخيرا بعض المدارس الفقهية من المذاهب الاسلامية
الاخرى تلتحق بركب مدرسة اهل البيت(ع) من هذه الجهة
لمانادت بفتح باب الاجتهاد وضرورته معتذرة عن السلف
باعذار ادبية واخلاقية بعد توقف دام قرونا.. وهي فترة
ليست بالقصيرة..
اجل.. ان انفتاح باب الاجتهاد لا يعني فتح الباب مطلقا على
مصراعيه من دون حدود مشخصة.. اذ ان الاجتهاد ممارسة
علمية تتوقف على مقدمات ولها منهج وضوابط ومعايير
يمارسها من توفرت فيه الاهلية والخبرة المعرفية.. ان عدم
وضع ضوابط محكمة للعملية الاجتهادية سيفقد الفقه قيمته
العلمية ويجعل منه تراثا ادبيا وخطابيا ومقطوعات نثرية.. وكذا
الحال لو كانت الضوابط الموضوعة هشة ومطاطة لانه
سيتمخض عنه حينئذ فقه هزيل خال من العمق والاصالة.. هذا
من ناحية..
من ناحية اخرى ان الحفاظ على مبدا الاجتهاد يدعو الى
تحديدآلية واضحة لتحديد مصاديقه خارجا.. اي ضرورة وجود
سياق معين ملزم يعرف من خلاله المجتهد الحقيقي من
المجتهد الادعائي.. اننا في الماضي قليلا ما نسمع عن حالات
التطفل على الفقه والاجتهاد لكن في الونة الاخيرة كثرت هذه
الادعاءات مما سبب تشويشا في الذهنية العامة واوجد ارباكا في
الدائرة التخصصية..
ان المؤسسة الفقهية ينبغي لها ان تبرمج اهتماماتها وكيانها من
الداخل كي تسير سيرا متوازنا بعيدا عن الافراط والتفريط..
ولكي تتحاشى الانجراف مع نزوة المتطفلين على الفقه او
المتسرعين ممن راهق الاجتهاد وقاربه ولم
يذق عسيلته..
الانفتاح بمعنى آخر
ان المبررات التي تقتضي انفتاح باب الاجتهاد في عمود الزمان
نفسها تقتضي الانفتاح على الحياة بكل زواياها
وشؤونهاوتغيراتها المتسارعة في مختلف الاصعدة.. وتتجلى لنا
هذه الحقيقة الناصعة عند ملاحظة النص الشرعي «اما
الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي
عليكم وانا حجة الله عليهم»..
ان عملية الاجتهاد بمفهومها المدرسي التقليدي هي عملية
مناورة ومداولة مع الادلة فحسب.. ولكن المراجعة
الواعية والقراءة الدقيقة تحتم علينا ان نستبدل هذا الفهم
الضيق للاجتهاد بمفهوم انسب واكثر حيوية واقرب الى واقع
الشريعة وهوان الاجتهاد
ممارسة يخوضها المتخصص في
دائرتين: دائرة الادلة الشرعية ودائرة الحياة والواقع بما يزخر به
من مستجدات وحوادث سيما بعد ان تهيات مجالات واجواء
للفقه كي ياخذ طريقه للتطبيق او التاثير وتوفرت فرص لكي
يلعب الفقه دورا اكبرمما كان عليه من قبل سواء كان في
الدوائر المحلية او الاقليمية او الدولية والعالمية.. هذا مضافا
الى لحاظ التحديات والمنازلات الخطيرة التي اتتنا من خارج
المحور الاسلامي التي شكلت ضغوطا ملحة وعديدة في
المجالات التي تنتظر كلمة الفقه واطروحاته، نحو:
1 - البيئة وحمايتها: فما هو موقف الشريعة والتدابير التي
اتخذتها تجاه هذه القضية الجادة التي باتت
تقلق المحافل الدولية..
2 - حقوق الانسان: وهي من القضايا الهامة التي يمكن
للشريعة ان تقدم للعالم رؤية افضل ضمن صياغة
متينة ومتكاملة..
3 - الارهاب: انها القضية الساخنة التي شغلت المراكز السياسية
والحقوقية والاروقة الدولية.. وهي الحربة التي حملهاالاستكبار
لطعن الاسلام في الصميم والانقضاض عليه في اكثر من
موقع..
4 - العولمة: التي مدت اذرعها على العالم اليوم كالاخطبوط
في مختلف الميادين الثقافية والاعلامية
والاقتصادية والسياسية..
5 - المجتمع المدني: وما يقتضيه من تعددية مذهبية ودينية
وسياسية وحزبية وانظمة تتسع لهذه التعدديات.. الى غيرذلك
من عشرات القضايا الهامة التي يراهن عليها خصوم الاسلام
ويعزفون عليها لاحراج الشريعة واتباعها في اكثر
من موقع..
ان مسؤولية الاجتهاد اليوم هي ان يواكب كل هذه الملابسات
المعقدة والظروف الحساسة فهما وتحليلا وموقفا وتصديا
وان يكون بمستوى العصر ومتطلباته الممتدة والمتنوعة وان
يبرز في حلبة الصراع الحضاري مقتدرا غالبا غير مغلوب
ولامنسحب.. هذا اولا..
وثانيا: ان طبيعة الصراع الحضاري تختلف عن الصراع المادي
فان الصراع الحضاري يتطلب - مضافا الى اقتضاءات المواجهة
الفعلية القائمة - استشرافا للمستقبل ورؤية حول الغد.. وهذا
يعني ان ياخذ الاجتهاد بزمام المبادرة وان يكون سباقا ورائدا في
طروحاته ورؤاه ومشاريعه الحضارية لا ان يظل مدافعا ورادا لما
يوجه اليه من لكمات.. ان الاجتهاد بحكم امتلاكه رصيدا ضخما
واسسا متينة لقادر على ان يقوم بدور المدافع والمحامي عن
الشريعة وبدور المبادر والرائد والمقترح.. هذا على مستوى
الامكان والاستعداد اما على مستوى الفعلية فهذا ما ننتظره
ونتوقعه ان شاء الله..
بيد ان كل هذه الطموحات لا يمكن تحققها بمجرد اثارة الغيرة
الاسلامية وبث روح الحماس الديني لدى اهل الحل والعقد.. بل
ان تحقيق هذه الاهداف يتوقف على اعداد المقدمات الموصلة
ووضع برامج مدروسة وطرح معالجات تبدا بتقويم
المؤسسة الفقهية وتفعيل نقاط القوة فيها وتطويق حالات
الضعف والسيطرة عليها بكل جراة وصراحة.. ان المجاملة في
دين الله والاستحياء من المعروف امر غير مستحسن.. والذي
يمكن قوله بهذا الصدد مايلي:
1 - مراجعة المناهج التعليمية داخل المؤسسة الفقهية وبرمجتها
بشكل يتلاءم مع ما نصبو اليه من الوصول الى اجتهاد فاعل..
2 - تبويب مصادر الاجتهاد بما يخدم قضية الاستنباط بابعادها
الجديدة كتنظيم الموسوعات الروائية والحديثية بمايتناسب
مع مقتضيات الاجتهاد المعاصر..
3 - جدولة المساحات التي يراد للفقه ان يطالها.. ومراعاة مبدا
الاولوية.. نظرا لاتساع دائرة تلك المساحات وتنوعها ممايستلزم
التدريجية في المعالجة والسير الى الامام خطوة خطوة..
4 - تحديد مستوى التعامل مع المالوف والمكرر من البحوث
والدوائر التي قد تستنزف الوقت والجهد والاهتمام
ممايؤدي الى عدم اعطاء المجالات الغضة والجديدة حقها
من المعالجة..
5 - التعامل بجدية مع الرؤى الجديدة التي تقدم في اطار تقويم
المنهج المتداول في عملية الاستنباط وتفعليه..
فقد طرحت في الونة الاخيرة نظريات جديرة بالبحث
والاهتمام كالدعوة الى الاجتهاد المجمعي والمؤسسي بدلا عن
الاسلوب الفردي في الاستنباط.. اذ لا ريب في ان عملية
الاستنباط - سيما في المسائل المستجدة والقضايا الكبرى
والخطيرة - تمربعدة مراحل ضرورية كتنقيح الموضوع وحصر
الحيثيات وتعيينها ومتابعة الادلة واستقرائها وتقويم النتيجة
النهائية وبلورتها على ضوء الواقع من ناحية المضمون والخطاب
وآلية التطبيق والتنفيذ وغير ذلك من النواحي التي تنهك
طاقة الفردوتستهلك قابلياته وقدراته..
ونظير ذلك الدعوة الى التخصص في الاجتهاد بحكم اتساع
مساحات الحياة المعاصرة ومجالاتها.. ونحو ذلك كثير من
الراءوالطروحات التي تمس منهج الاجتهاد وعملية
الاستنباط في الصميم..
نسال المولى القدير ان ياخذ بايدي الفقهاء المخلصين ويشد
ازرهم ويوفقهم للصواب ويسدد خطاهم ويهديهم سواء السبيل..
(وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب)
ولا حول ولا قوة الا بالله ..
ملف العدد
1 - الاجتهاد في الشريعة الاسلامية - نظرة خاطفة
2 - حوار خاص مع الاستاذ الشيخ حسن الجواهري حول
الاجتهاد
3 - ندوة وحوار حول مناهج الاجتهاد وآلياته
4 - تشخيص موضوعات الاحكام الشرعية وتطور الاجتهاد
5 - اثارات حول الاجتهاد وقضايا الواقع
الاجتهاد في الشريعة الاسلامية
نظرة خاطفة
آية الله الشيخ محمد اسحاق
الفياض
الاحكام الشرعية الاسلامية
تصنف الاحكام في الشريعة الاسلامية الى صنفين:
الصنف الاول: الاحكام الشرعية التي لا تزال تحتفظ بضرورتها
بين المسلمين عامة رغم انفصال هذه الاحكام عن عصرالتشريع
بقرون كثيرة وسنين متطاولة متمادية.
وهذا الصنف من الاحكام الذي يتمتع بطابع ضروري لا تتجاوز
نسبته بالقياس الى مجموع الاحكام الشرعية عن ستة في
المئة بنسبة تقريبية، ولا يوجد في هذا الصنف اي خلاف بين
الفقهاء والمجتهدين، فان الخلاف بينهم انما يبدو في الاحكام
الشرعية النظرية التي يتوقف اثباتها على اعمال النظر والفكر
على ضوء البحث النظري والتطبيقي في علمي الاصول والفقه.
ويكون موقف جميع آحاد المكلفين من المجتهدين والمقلدين
تجاه ذلك الصنف من الاحكام على السواء، فلا يرجع غير
المجتهدفيه الى المجتهد، حيث لا موضوع فيه لعملية
الاجتهاد والاستنباط، لان الاجتهاد انما هو استخراج الحكم
الشرعي من دليله،وتعيين الموقف العملي تجاه الشريعة بحكم
التبعية لها، والفرض ان الموقف العملي لكل مكلف به تجاه
الشرع معين بدون حاجة الى اعمال النظر والتطبيق.
ونظرا لكون هذا الصنف من الاحكام يشكل شطرا قليلا من
مجموع الاحكام الشرعية الاسلامية، لذا لم تعالج به المشاكل
الكبرى التي يواجهها الانسان في حياته في مختلف جوانبها
وعلاقاته مع الخرين: المادية والمعنوية، ولا يمكن بواسطته
الحفاظ على حقوق الانسان في تمام مجالاتها الفردية
والاجتماعية.
والصنف الثاني: الاحكام الشرعية التي تتمتع بطابع نظري،
وهذا الصنف من الاحكام هو الذي يتوقف اثباته على
عملية الاجتهاد والاستنباط.
ومن الطبيعي ان الوصول الى مرتبة الاجتهاد لا يتيسر لكل
احد، حيث انه يتوقف على تقديم دراسات ودراسات، وبذل
جهد كثيرفي تكوين مجموعة قواعد مشتركة ونظريات عامة،
وممارستها خلال سنين كثيرة.
والسبب فيه: ان عملية الاجتهاد من النصوص التشريعية - كالكتاب والسنة - تتوقف على دراسة عدة نقاط على
صعيدالبحث النظري والتطبيقي بشكل ذي طابع اسلامي،
على الرغم من تقديم دراسة مجموعة علوم بصورة مسبقة
كالاعداد لها،واليك تلك النقاط:
النقطة الاولى: ان كل مجتهد يعتمد
- بطبيعة الحال - في صحة
كل نص من النصوص التشريعية، ما عدا النصوص
القرآنية والسنة القطعية، على نقل احد الرواة وارباب الكتب في
اطار خاص.
ومن الضروري ان المجتهد مهما حاول التدقيق في وثاقة
الراوي وامانته في النقل لا يمكنه التاكد بشكل قاطع من صحة
النص ومطابقته للواقع الموضوعي في نهاية المطاف، وذلك
لجهات:
الاولى: انه لا يعرف مدى وثاقة الراوي وامانته في النقل بشكل
مباشر، وانما وصلت اليه في اطار نقل الحاد تاريخيا في
كتب الرجال.
الثانية: ان الراوي مهما بلغت وثاقته وامانته في النقل مداها الا
انه لم يكن مصونا من الخطا والاشتباه ونقل ما لا واقع له،
وبذلك يتغير وجه عملية الاجتهاد عن واقعها الموضوعي.
الثالثة: ان وصول النصوص التشريعية اليه لم يكن بشكل
مباشر، بل بعد ان تطوف عدة اشواط وتصل اليه في
نهاية المطاف.
فالنتيجة على ضوء هذه الجهات الثلاث: ان المجتهد في مقام
عملية الاجتهاد وتعيين الوظائف العملية تجاه الشريعة مهما
اهتم وبالغ في تدقيق السند لا يمكنه ان يتاكد بشكل قاطع
بصحة تلك النصوص وصدورها من مصادرها، ومطابقتها
للواقع الموضوعي في كل شوط، فما ظنك في تمام الاشواط؟!
النقطة الثانية: ان كل مجتهد يعتمد
- بطبيعة الحال - في كشف
مداليل النصوص التشريعية وتعيينها في اطارها الخاص على
الفهم العرفي وطريقتهم المتبعة في باب الالفاظ التي تقوم
على اساس مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية وتكوين قواعد
مشتركة منها وفقا لشروطها العامة.
النقطة الثالثة: ان كل مجتهد يعتمد في كشف مطابقة مداليل
النصوص التشريعية المحددة بالفهم العرفي لواقع
التشريع الاسلامي على قاعدة عقلائية منذ عهد التشريع، وهي
ان العقلاء يحملون كل كلام صادر من متكلم ملتفت على بيان
الواقع والجد، دون التقية ونحوها.
فهذه هي النقاط التي لابد لكل مجتهد للوصول الى درجة
الاجتهاد من دراستها دراسة موضوعية، وبذل الجهد فيها،
وتكوين نظريات عامة وقواعد مشتركة، مع دراسة عدة علوم
اخر بصورة مسبقة كالاعداد لها.
الحلقة المفقودة بين عصر التشريع وعصر الاجتهاد
واثرها على عملية الاستنباط
ثم ان الفراغ المتخلل بين عصر التشريع وعصر الاجتهاد كلما
زاد وكثر واجهت النصوص التشريعية الشكوك والاوهام
اكثر فاكثر من مختلف الجوانب والجهات، ومن هنا كانت عملية
الاجتهاد في زماننا الحاضر عملية صعبة ومعقدة
ومحفوفة بالشكوك والاوهام والمخاطر، فعلى المجتهد ان يقوم
بدفع تلك الشكوك والاوهام والمخاطر وملء الفراغ في مقام
هذه العملية، ولا يتمكن من ذلك الا بما يتبناه في الاصول من
النظريات العامة والقواعد المشتركة في الحدود المسموح بها
وفقا لشروطهاالعامة. ولما لم تكن تلك القواعد المحددة في
الاصول متمتعة بطابع قطعي، لم تدفع الشكوك والاوهام التي
تواجه النصوص بشكل قطعي.
وحينئذ: يواجه المجتهد امام ذلك الموقف الذي يتخذه في
مقام عملية الاجتهاد - رغم عدم تاكده من صحة تلك
العملية ومطابقتها للواقع الموضوعي جزما - السؤال التالي: وهو
ان المجتهد لما لم يتمكن من التاكد من صحة النصوص
التشريعية بشكل قاطع - في مقابل الشكوك والاوهام التي
تواجهها في كل شوط من شتى الجهات - فكيف يسمح له بان
يعتمد على هذه النصوص في مقام عملية الاجتهاد واستنباط
الاحكام الشرعية منها، رغم ان الاسلام لم يسمح بالعمل بالظن
والاعتماد عليه في تشريعه؟
والجواب عن ذلك السؤال: هو ان الدين الاسلامي قد سمح منذ
بداية تشريعه للتصدي لعملية الاجتهاد وتحديد الوظيفة
العملية تجاه الشريعة من النصوص التشريعية، رغم ان هذه
العملية لا تتعدى من درجة الظن الى درجة اليقين في تمام
مراحل وجودها، من البداية الى ان تطورت واصبحت عملية
معقدة، فان المسلمين الذين عاصروا النبي الاكرم(ص) لم يكن
بامكان كل فرد منهم ان يسمع الحكم الشرعي من النبي
الاكرم(ص) مباشرة او من اناس لا يشك في صدقهم، ولا سيما
النساء ومن كان بعيدا عن المدينة المنورة. فاذا بطبيعة الحال
كان سماع الاحكام الشرعية غالبا من النبي الاكرم(ص)
بواسطة اناس ينقلون الاحاديث والاحكام اليهم.
وحينئذ فان فهم الحكم الشرعي من الروايات الواصلة اليهم
تارة يكون مستندا الى القطع بالصدور والدلالة والجهة ولو
كان ذلك من جهة غفلة الشخص عن احتمال خطا الناقل
واشتباهه في النقل، واخرى لا يكون مستندا الى القطع بهذه
الجهات، لالتفاته الى ان الناقل قد يخطا ويشتبه في النقل او في
السماع، وان افترض القطع بعدم تعمده في الكذب.
وفي مثل ذلك لا محالة يكون فهم الحكم الشرعي من
النصوص بحاجة الى قاعدة عامة، كحجية تلك النصوص،
وحجية ظهورها العرفي، او ما شاكل ذلك، ولا يمكن ان يحصل
هذا الفهم بدون تطبيق هذه القواعد العامة، وان كان ذلك
التطبيق بحسب الارتكاز وبدون وعي والتفات منهم الى طبيعة
هذه القواعد وحدودها واهمية دورها في عملية الاستنباط
والاجتهاد.
ومن المعلوم ان هذه بداية نقطة عملية الاجتهاد والاستنباط
بابسط وجودها، ثم تطورت عصرا بعد عصر تدريجا الى
ان تبلورت هذه العملية في زمان الصادقين(ع) بين جماعة من
الرواة، ووجدت بذرة التفكير الاصولي في آفاق اذهانهم، كما
يظهر ذلك بوضوح من بعض الاسئلة الموجهة من قبل هؤلاء
الى الامام(ع)، كقول الراوي: «افيونس بن عبد الرحمان ثقة
آخذ عنه مااحتاج اليه من معالم ديني؟»، ونحو ذلك، فانه
يكشف عن وجود بذرة التفكير الاصولي في مرتكزات ذهنه،
وهي حجية خبر الثقة، وهذا يعني: ان يونس بن عبد الرحمان
اذا كان ثقة امكن استنباط الحكم الشرعي من قوله بتطبيق
القاعدة العامة عليه وهي حجية خبر الثقة.
وان شئت قلت: ان من راجع الروايات ونظر فيها يظهر له من
مجموع الاسئلة فيها وجود بذرة التفكير الاصولي في آفاق
اذهان هؤلاء الرواة ومرتكزاتهم.
ثم ان هذه البذرة قد تطورت ونمت في عصر الغيبة تدريجا
على ضوء تطور العمل الفقهي ونموه وتوسعه بتوسع
مختلف جوانب الحياة ونموها، الى ان انفصلت دراسة هذه
البذرة عن الدراسة الفقهية واصبحت دراسة علمية مستقلة
وقائمة بنفسها،وتسمى هذه الدراسة التي هي على صعيد
البحث النظري بعد انفصالها واستقلالها عن الدراسة الفقهية
التي هي على صعيدالبحث التطبيقي، ب: «علم الاصول»،
فالتسمية متاخرة.
واما المسمى - وهو وجود البذرة - فولادته متزامنة مع ولادة
العمل الفقهي، ولا يمكن انفكاك النظر الفقهي عن
النظرالاصولي في اية مرحلة من مراحل وجوده، للترابط الوثيق
بينهما في تمام المراحل، حيث ان عملية الاستنباط عملية
ناتجة من الترابط بينهما ترابط العلم النظري بالعلم التطبيقي.
الى هنا نستطيع ان نخرج بهذه النتيجة: وهي ان عملية
الاجتهاد وتحديد الوظائف العملية تجاه الشريعة من
النصوص التشريعية ليست عملية مستحدثة في عصر الغيبة، بل
انها موجودة في عصر التشريع على طول الخط، غاية الامر ان
وجودهافي ذلك العصر كان وجودا بدائيا بسيطا ولم يكن
متطورا ومعقدا.
ثم ان عملية الاجتهاد في عصر التشريع تمتاز عن عملية
الاجتهاد في عصر الغيبة بامرين:
احدهما: ان الاجتهاد في عصر التشريع على طول الخط كان
عملية سهلة وغير معقدة، اذ الانسان في ذلك العصر لم يكن
بحاجة لكي ينال مرتبة الاجتهاد الى تقديم دراسة مجموعة
علوم بصورة مسبقة بالصيغ الموجودة حاليا كالاعداد لها، والى
تقديم دراسة للنصوص التشريعية في مختلف مجالاتها لملء
الثغرات والفجوات التي تنجم عن ابتعاد الفقيه عن
عصر التشريع.
واما الاجتهاد في هذا العصر فالوصول اليه بحاجة الى تقديم
الدراسات في مختلف المجالات، وممارستها لمل ء الفراغ
الناجم من ابتعاد الفقيه عن عصر التشريع، ودفع الشكوك
والاوهام التي تواجهها النصوص التشريعية مهما امكن، وتبرير
العمل بها رغم وجود تلك الشكوك والاوهام في الواقع وعدم
امكان ازالتها بشكل تام.
والآخر: ان الاجتهاد في عصر التشريع اقرب الى واقع التشريع
الاسلامي من الاجتهاد في العصور المتاخرة، حيث ان
الاجتهاد في هذه العصور - كما عرفت - مكتنف بالشكوك
والاوهام حول مدى صحة النصوص التشريعية الواصلة بطريق
الحادعبر قرون متطاولة، بينما لم يكن الاجتهاد في عصر
التشريع مكتنفا بتلك الشكوك والاوهام.
نعم، يشتركان في نقطة واحدة: وهي سماح الشرع لكشف واقع
التشريع الاسلامي ظاهرا بالعملية المذكورة التي هي
عملية ظنية لا تتعدى حدود الظن. وحينئذ علينا ان نفصل
ذلك الظن عن الظن الذي لم يسمح الاسلام بالعمل به
والاعتماد عليه في تشريعه.
بيان ذلك: ان الظن الذي قد سمح الاسلام بالعمل به لكشف
تشريعاته كان ذا طابع خاص (وبيان ذلك الطابع في ضمن
حدودمعينة وفقا لشروطها العامة في علم الاصول) وهو الظن
بالاحكام الشرعية الحاصل من النصوص التشريعية في
ضمن شروطه المبينة المحددة.
ولا فرق في جواز العمل بذلك الظن بين عصر التشريع على
طول الخط والعصور المتاخرة الى نهاية المطاف، فان
الفاصل الزمني بينهما مهما طال فهو لا يؤثر في ذلك.
الاخباريون ومسالة الاجتهاد
لقد عارض جماعة كثيرة من الاخباريين عملية الاجتهاد
ومدرسته، وشجبوا هذه المدرسة شجبا عنيفا ادى في نهاية
المطاف الى شجب علم الاصول، بدون وعي والتفات منهم الى
طبيعة علم الاصول واهمية دوره الاساسي في الفقه، وانه
العمود الفقري للعمليات الفقهية في مختلف مجالات الحياة.
وهذه المعارضة الشديدة من هؤلاء تقوم على اساس نقطتين:
النقطة الاولى: انهم فسروا كلمة «الاجتهاد» تفسيرا خاطئا،
وقالوا: ان الاجتهاد يعني التفكير الشخصي للفقيه في المسالة
اذالم يوجد فيها نص، وهذا التفكير الشخصي يقوم على اثر
الاعتبارات العقلية والمناسبات الظنية التي تؤدي الى ترجيحه
بصفة كونه حكما اجتهاديا ذا طابع شرعي، كما كان هذا هو
المتداول بين ابناء العامة، فانهم كانوا عند عدم العثور على نص
في المسالة يعملون بعقولهم وافكارهم الشخصية فيها بملاك
المناسبات الظنية والاستحسانات العقلية والقياسات
الاعتبارية، وجعلوا من هذه الافكار الشخصية والراء التي تبتني
على تلك الاعتبارات العقلية الظنية مصدرا من مصادر
الحكم الشرعي.
ولأجل هذا التفسير الباطل شنت هذه الجماعة هجوما شديدا
على مدرسة الاجتهاد واهلها، مدعين ان هذه المدرسة قد
اسست في مقابل مدرسة اهل البيت(ع) وعلى خلافها، ولذا
وردت في ذم هذه المدرسة روايات كثيرة منهم(ع).
النقطة الثانية: ان علم الاصول علم حادث في عصر الغيبة
وماخوذ من العامة، فانهم الاصل فيه، ولم يكن موجودا على
طول تاريخ الفقه وفي عصر التشريع وزمان الائمة(ع)، ولاجل
ذلك قالوا ان اصحاب الائمة(ع) عملوا على طبق النصوص
التشريعية حرفيا وبدون حاجة الى علم الاصول وتطبيق القواعد
العامة.
فاذا كان هذا هو طريقة تحديد المواقف العملية للانسان تجاه
الشريعة في زمان الائمة(ع) لم يجز التعدي من هذه الطريقة
الى طريقة اخرى، وهي طريقة الاجتهاد التي لم تكن موجودة
في ذلك الزمان لكي يستكشف امضاؤها.
فاذا لا يمكن اثبات ان الشارع قد سمح بطريقة الاجتهاد
والاستنباط، ومع عدم السماح بها لا حاجة الى علم الاصول،
فان الحاجة اليه تنبع من واقع حاجة عملية الاجتهاد
والاستنباط اليه.
ويمكن نقد كلتا النقطتين بما يلي:
اما النقطة الاولى: فلان تفسير الاجتهاد لدى الاصوليين
بالتفسير المذكور تفسير خاطئ لا واقع موضوعي له، فانهم لم
يقولوا بالاجتهاد بالتفسير المزبور على امتداد التاريخ المعاصر
للاجتهاد، بداهة ان الاجتهاد عندهم ليس مصدرا من مصادر
الحكم الشرعي في مقابل النصوص التشريعية، كيف؟! وانهم
شجبوا الاجتهاد بهذا المعنى شجبا مريرا على طول الخط تبعا
للروايات الماثورة عن الائمة الاطهار(ع)، فانها وردت في شجب
الاجتهاد بهذا المعنى، وذم من يقوم باستنباط الحكم الشرعي
بهذه الطريقة.
بل الاجتهاد عندهم بمعنى: استنباط الحكم الشرعي من
الدليل، وتعيين الموقف العملي به تجاه الشريعة. ومعنى
الاستنباط:هو تطبيق القواعد العامة المشتركة المحددة - الثابتة حجيتها شرعا في الاصول بنحو الجزم والقطع
- على
مواردها الخاصة.
ومن المعلوم ان الاجتهاد بهذا المعنى قد اصبح في عصرنا
الحاضر من البديهيات، بل الامر كذلك في تمام العصور، اي
منذ ولادة الفقه، ولا يسع اي شخص انكاره وشجبه حتى من
الاخباريين، اذ من الضروري ان النصوص التشريعية ليست
قطعية في مختلف جهاتها حتى عندهم.
وعليه، فبطبيعة الحال كانوا بحاجة الى تطبيق قاعدة عامة
على كل مسالة من المسائل الفقهية لمعرفة حكمها الشرعي
من تلك النصوص، كحجية خبر الثقة، وحجية الظهور العرفي،
ونحو ذلك.
ولا يمكن فهم الحكم الشرعي منها في كل مورد وواقعة بدون
الاستعانة بهذه القواعد العامة وتطبيقها وان كان ذلك بدون
وعي والتفات منهم الى طبيعة تلك القواعد وحدودها واهمية
دورها.
وهذه هي عملية الاجتهاد والاستنباط، ولا نقصد بالاجتهاد الا
فهم الحكم الشرعي من دليله بتطبيق القاعدة العامة عليه،
ولايمكن للاخباريين انكار الاجتهاد بهذا المعنى، حيث ان
انكاره مساوق لانكار الفقه بتمامه.
ومن هنا لا شبهة في ان بذرة التفكير الاصولي موجودة في
آفاق اذهان الاخباريين، فانكارهم للاصول يرجع الى انكارهم
له بوصف كونه دراسة علمية مستقلة ومنفصلة عن البحوث
الفقهية.
وقد تحصل من ذلك: ان العامة ليسوا هم الاصل في التفكير
الاصولي، حيث ان هذا التفكير موجود على طول التاريخ. نعم
هم الاصل في تاليف الاصول بصورة دراسة علمية مستقلة.
واما النقطة الثانية: فقد عرفنا ان عملية الاجتهاد والاستنباط
لم تكن متاخرة تاريخيا عن عصر الحضور، بل كانت موجودة
في ذلك العصر، غاية الامر ان وجودها فيه كان بدائيا ولم يكن
معقداومتطورا.
ثم اننا اذا افترضنا: ان عملية الاجتهاد متاخرة زمانا عن عصر
الحضور ولم تكن موجودة في ذلك العصر وانما وجدت
وبرزت في مظهر الوجود في عصر الغيبة، فحينئذ قد تبدو امام
هذا الافتراض المشكلة التالية: وهي ان عملية الاجتهاد
والاستنباط بماانها حدثت في عصر الغيبة ولم تكن موجودة في
عصر الحضور من ناحية، وغير كاشفة عن واقع التشريع
الاسلامي الا في حدود الظن فقط من ناحية اخرى، فمع ذلك
كيف يمكن الاعتماد على هذه العملية الظنية رغم ان الاسلام
قد منع عن العمل بالظن والاعتماد على القول بغير علم؟!
ويمكن حل هذه المشكلة بطريقين:
الطريق الاول:
ان موقف الانسان امام الله تعالى - بحكم كونه عبدا له سبحانه،
ومسؤولا عن امتثال احكامه، ومدعوا من قبل عقله
الفطري للتوفيق بين سلوكه وافعاله في مختلف جوانب الحياة:
الاجتماعية والفردية، المادية والمعنوية، وبين الاحكام
الشرعية الالهية - يدور بين ثلاث خطوات:
الخطوة الاولى: ان الانسان يقتصر في سلوكه امام الله تعالى
واطاعته على خصوص الاحكام الشرعية التي تتمتع
بطابع ضروري او قطعي.
الخطوة الثانية: الاخذ بطريقة الاحتياط في مختلف مجالات
الحياة.
الخطوة الثالثة: الاخذ بطريقة الاجتهاد وتعيين الوظائف
العملية بها تجاه الشريعة.
وبعد ذلك نقول:
اما الخطوة الاولى: فلا يمكن للانسان
- بحكم كونه عبدا الله
تعالى ويرى نفسه ملزما ببناء كل تصرفاته وسلوكه في
شتى جوانب الحياة على اساس القوانين الشرعية الالهية - ان
ياخذ بهذه الخطوة، لما عرفت من انها لا تكفي الا في شطر
قليل من مجالات الحياة.
ولازم ذلك ان يكون الانسان حرا في سلوكه وتصرفاته
الاجتماعية والفردية الا في هذا الشطر القليل منها، ومن
البديهي ان هذا لاينسجم مع اهتمام الشارع وحكم العقل ببناء
كل تصرفاته وسلوكه في مختلف المجالات على الشريعة من
ناحية، وكون هذه الشريعة شريعة خالدة متكفلة بحل مشاكل
الانسان بتمامها على طول الخط من ناحية اخرى.
ومن هنا اشرنا فيما تقدم الى ان تلك الفئة من الاحكام
الاسلامية باعتبار قلتها لا تعالج بها مشاكل الانسان الكبرى:
الاجتماعية والفردية، بينما الدين الاسلامي هو النظام الوحيد
الذي يتكفل بحل المشاكل المعقدة في مختلف مجالات الحياة
على اساس: انه يزود الانسان بطاقات نفسية وبملكات فاضلة
واخلاق سامية لمعالجة تلك المشاكل المعقدة، وانه يربط بين
الدوافع الذاتية والميول الطبيعية والاتجاهات الشخصية
للانسان وبين مصالح الانسان الكبرى، وهي العدالة الاجتماعية
التي اهتم الاسلام بها، وانه الوسيلة الوحيدة لحل التناقضات
بين الدوافع الذاتية للمصالح الشخصية وبين الدوافع النوعية
للمصالح النوعية، وانه يجهز الانسان بغريزة حب الدين ودوافعه،
وبذلك تصبح المصالح العامة للمجتمع الانساني على وفق
الميول الطبيعية والدوافع الذاتية، وهذا معنى حل الدين
الاسلامي لمشكلة الانسان الكبرى على وجه الارض، ولاجل
هذا المحذور لا يمكن للمكلف في مقام اداء الوظيفة الاقتصار
على هذه الخطوة فقط.
واما الخطوة الثانية: فهي وان كانت في نفسها خطوة جادة الا
انه لا يمكن الاخذ بها، لاجل احد محذورين:
الاول: ان كل فرد من افراد المكلفين لا يتمكن من الاخذ بهذه
الخطوة في مختلف مجالات الحياة وفي علاقاته مع الخرين،
فان الاخذ بها يتوقف على معرفة مواردها، وهي لا تتيسر لكل
فرد.
الثاني: ان هذه الخطوة بما انها تتطلب انشغال المكلف
بالوظائف الدينية باكثر من اللازم فلاجل ذلك قد تؤدي الى
نتيجة مضادة لها، كما فصلنا الحديث عن ذلك في علم
الاصول.
واما الخطوة الثالثة - وهي عملية الاجتهاد والاستنباط : فهي
عبارة عن اقامة المجتهد الدليل في كل واقعة من الوقائع
على تحديد الموقف العملي للانسان تجاه الشريعة بحكم
التبعية لها، ويسمى ذلك في المصطلح بـ«عملية
الاجتهاد والاستنباط»، فعلم الفقه هو العلم الذي وضع لهذه
العملية وتعيين المواقف للانسان تجاه الشرع في تمام الوقائع
والاحداث التي تمر على حياة الانسان، فكلما تجددت مشاكل
الحياة بتجدد الوقائع والاحداث فعلى الفقيه ان يقوم بتحديد
الموقف العملي للانسان امام هذه المشاكل، ولاجل ذلك يتطور
علم الفقه ويتسع ويتعمق بتطور الاحداث والوقائع
وتجدد المشاكل.
فالنتيجة من ذلك: ان علم الفقه يتولى تحديد الموقف العملي
لكل انسان مكلف تجاه الشريعة بحكم تبعيته لها في
مختلف تصرفاته وسلوكه، هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى ان طبيعة هذه العملية في كل واقعة تتطلب
تطبيق القواعد العامة عليها، ولا يمكن الاستنباط والاجتهاد
مطلقابدون الاستعانة بتطبيقها عليها، فان خبر الثقة في كل
مورد وواقعة انما يكون دليلا على تعيين الموقف العملي
وتحديده تجاه الشرع اذا ثبتت حجيته كقاعدة عامة، والا لم
يكن الخبر المزبور دليلا على الاستنباط وتعيين الوظيفة.
فعلم الاصول موضوع لطريقة تحديد القواعد العامة في الحدود
المسموح بها على صعيد البحث النظري، وعلم الفقه
موضوع لتصدي الفقيه اقامة الدليل في كل مورد وواقعة على
تعيين الموقف العملي تجاه الشرع على صعيد البحث
التطبيقي، ومن هناتكون البحوث الاصولية بحوثا نظرية
لتحديد النظريات العامة المحددة، والبحوث الفقهية بحوثا
تطبيقية، ولاجل ذلك تكون عملية الاجتهاد والاستنباط
مرتبطة بعلم الاصول ارتباط الصغرى بالكبرى والعلم
التطبيقي بالعلم النظري، فلا يمكن افتراض تجرد علم الفقه
عن علم الاصول في تمام مراحل وجوده، اي من البداية الى
النهاية.
ونستخلص من ذلك كله: ان الاجتهاد والاستنباط بهذا المعنى
- وهو اقامة الدليل على تحديد الموقف العملي تجاه الشرع - امر لا
يتطرق اليه الشك، ويكون من البديهيات التي هي غير قابلة
للنظر والتامل فيها، اذ بعدما عرفناان الاحكام الشرعية لم تبلغ
في الوضوح درجة تغني عن اقامة الدليل عليهالا يعقل ان تكون
هذه العملية غير مشروعة، حيث ان ذلك مساوق
لاهمال الشريعة وتجميدها بكاملها، ومن المعلوم ان ذلك
مخالف لضرورة حكم العقل والشرع، ولا ينسجم مع خلود هذه
الشريعة وكونها الوسيلة الوحيدة لحل المشاكل والتناقضات في
مختلف تصرفات وسلوك الانسان على طول الخط.
فالنتيجة: ان هذه العملية عملية ضرورية تنبع من ضرورة
تبعية الانسان للشريعة ومسؤوليته امامها.
ثم ان الاخباريين لا يمكن ان يكونوا منكرين للاجتهاد بهذا
المعنى، فان انكاره مساوق لانكار الفقه بتمامه، حيث عرفت ان
الفقه هو نفس هذه العملية في كل واقعة ومسالة، والفرض انهم
لا يكونون منكرين لعلم الفقه، وقد عرفنا ان ارتباط الفقه
بالقواعدالعامة الاصولية كان ذاتيا على اساس انها النظام العام
في العملية، ويستحيل افتراض تجرده عن هذا النظام العام
على طول التاريخ.
يبقى ثمة تساؤلان:
الاول: ان الاسلام هل يسمح للشخص باستنباط الحكم الشرعي
لغيره وتحديد موقفه العملي تجاه الشريعة والافتاء به كماسمح
له باستنباط حكمه وتحديد موقفه العملي تجاهها؟
الثاني:
ان الاسلام هل يسمح بممارسة عملية الاجتهاد والاستنباط في كل عصر ولكل فرد، او
لا يسمح الا لبعض الافراد او في بعض العصور؟
ويجاب عن الاول:
بانه لا شبهة في سماح الاسلام باستنباط حكم الغير، وتحديد وظيفته العملية تجاه
الشريعة، والافتاء به،وحجية هذا الافتاء على الغير، فان المكلف العامي غير
المجتهد يقوده عقله ويلزمه ببناء كل تصرفاته وسلوكه في مختلف مجالات الحياة على
فتاوى المجتهد وآرائه، ويسمى ذلك في المصطلح العلمي ب «عملية التقليد»، وهذه
العملية عملية ضرورية في الاسلام كعملية الاجتهاد، وهي تنبع من ضرورة واقع جهات
ثلاث:
الاولى: ان كل فرد
- بحكم كونه عبدا الله تعالى - ملزم من قبل
العقل بامتثال احكامه الشرعية، وبتطبيق سلوكه في
تمام مجالات الحياة الاجتماعية والفردية على الشريعة.
الثانية: ان كل فرد من المكلفين لا يتمكن من الاجتهاد
وممارسة عملية الاستنباط وتعيين موقفه العملي في كل
واقعة تجاه الشريعة.
الثالثة: ان كل فرد لا يتمكن من الاحتياط في كل واقعة من
الوقائع التي تمر عليه في حياته، حيث انه يتوقف على
تشخيص موارده ودفع موانعه، وهو لا يتيسر لكل فرد، ولا سيما
في الشبهات الحكمية، الا ان يكون مجتهدا او كان بهداية منه.
وقد تحصل من ذلك: ان عملية التقليد كعملية الاجتهاد امر لا
يتطرق اليه الشك، وهي من البديهيات، وهذه البداهة تنبع
في النهاية من بداهة تبعية الانسان للدين، فالمنع عن هاتين
العمليتين مساوق للمنع عن التبعية للدين، فاذا لا معنى
للنزاع في ان الشارع قد سمح بهاتين العمليتين او لم يسمح
بهما، فانه كالنزاع في البديهيات، ولا معنى له اصلا.
ثم ان التقليد - مضافا الى ما ذكرناه: من انه عنصر ضروري في
الاسلام لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة - مطابق للجبلة
والفطرة ايضا، وهي رجوع الجاهل الى العالم في تعيين مواقفه
العملية، وقد جرت على ذلك السيرة القطعية من العقلاء،وهذه
السيرة موجودة على امتداد عصر التشريع وبدون اي ردع عنها.
الى هنا ننتهي الى هذه النتيجة: وهي ان الاجتهاد والتقليد في
الحدود المسموح بهما عنصران اساسيان في الاسلام، وكل
فردملزم - بحكم التبعية للدين - بالعمل باحد هذين العنصرين،
تحديدا لموقفه العملي من الشرع، وحفاظا على
ظاهرالتشريعات الاسلامية والثار الايجابية، وضبطا للاثار
السلبية المترتبة على عدم العمل بهما.
ويجاب عن الثاني: بان الاسلام سمح بعملية الاجتهاد في كل
عصر ولكل فرد لكونها ضرورية، وهذه الضرورة ناجمة من:
ابدية الشريعة الاسلامية من ناحية، وانها الوسيلة الوحيدة لحل
تمام مشاكل الحياة المعقدة في كل عصر من ناحية اخرى،
والتبعية التي تفرض على الانسان للدين في سلوكه بشتى
اشكاله من ناحية ثالثة، والنصوص التشريعية الواصلة في هذا
العصرليست من الوضوح بدرجة تغني عن كلفة اقامة الدليل
وبذل الجهد فيها من ناحية رابعة، وضرورة عدم الفرق بين
عصر دون عصر وفرد دون فرد من ناحية خامسة.
وهذه النواحي بمجموعها تستدعي ضرورة حركة فكرية
اجتهادية ذات طابع اسلامي على طول الخط، لكي تفتح
الفاق الذهنية، وتحمل مشعل الكتاب والسنة في كل عصر، ولولا
هذه الحركة الفكرية الاجتهادية في الاسلام - التي تطورت
وتعمقت عصرا بعد عصر بتطور الحياة واتساعها وتعمقها في
مختلف مجالاتها الاجتماعية والفردية - لم تتبلور اصالة
المسلمين في التفكير والتشريع المتميز المستمد من الكتاب
والسنة على طول التاريخ في عصر الغيبة.
فلو لم تكن هذه الحركة الفكرية المسماة في الاصطلاح العلمي
ب «عملية الاجتهاد» مستمرة في هذا العصر على طول
الخط لانطفا مشعل الكتاب والسنة في نهاية المطاف، ولظلت
المشاكل الحياتية المتجددة في كل عصر بدون حل صارم،
ومن هنا يتطور علم الفقه ويتسع ويتعمق تدريجا تبعا لتطور
الحياة واتساعها وتعمقها في تمام المجالات الحياتية على طول
الخط، وهذا ما يؤكد في المسلمين اصالتهم الفكرية
وشخصيتهم التشريعية المستقلة المتميزة.
فاذا لابد من قيام جماعة في كل عصر ببذل الجهد للوصول الى
هذه المرتبة - اي مرتبة الاجتهاد - وتحمل مصاعبهاومشاقها، والا
لظلت المشاكل المتجددة بدون حلول ملائمة لها في اطار
الشرع.
الطريق الثاني:
ان حقيقة الاجتهاد عبارة عن عملية تطبيق القواعد المشتركة
والنظريات العامة التي يتبناها المجتهد في الاصول - على صغرياتها وعناصرها الخاصة في الحدود المسموح بها وفقا
لشروطها، ونتيجة هذه العملية هي احكام شرعية ظاهرية.
وتلك الاحكام تكون وليدة افكار المجتهدين بما لها من الطابع
الاسلامي،ولذا قد تكون مطابقة للاحكام الشرعية الواقعية
وقدتكون مخالفة لها، وعلى كلا التقديرين يلزم العمل بها،
حيث ان المجتهد قد اثبت حجية تلك القواعد والنظريات
العامة التي تتمتع بطابع اصولي بشكل قطعي من قبل الشرع
في علم الاصول.
ولا نقصد بذلك - بطبيعة الحال - مطابقة تلك القواعد
والنظريات لواقع التشريع الاسلامي، بل نقصد به قطع
المجتهدبحجيتها التي تؤدي الى تنجيز الواقع لدى الاصابة،
والى التعذير لدى الخطا.
كما لا نقصد بالقطع بالحجية قطع المجتهد بها مباشرة، فان
المجتهد قد يقطع بها بشكل مباشر وقد يقطع بها في نهاية
المطاف،بقانون ان كل ما يكون بالغير لابد ان ينتهي الى ما
بالذات.
وحيث ان غير القطع الوجداني من الامارات، والقواعد العامة لا
تملك الحجية الذاتية وانما جاءت حجيتها من قبل الغير، فلابد
ان تنتهي الى ما يملك الحجية الذاتية - وهو القطع الوجداني - ولو في نهاية المطاف، والا لتسلسل.
الى هنا يمكننا ان نخرج بهذه النتيجة: وهي ان عملية الاجتهاد
وان كانت في نفسها عملية ظنية الا انها مؤمنة على كل
تقديرجزما، وعليه فعمل المجتهد يكون مستندا الى القطع
بالمؤمن دائما، وكذا الحال في المقلد، حيث انه يقطع بحجية
فتاوى المجتهدعليه وبمؤمنيتها على كل تقدير، فلا يكون
المكلف عاملا بالظن بها ومعتمدا عليه في حال من الاحوال،
ولا يجوز العمل بالظن عقلا، لالزامه بتحصيل القطع بالمؤمن،
ودفع احتمال العقاب. ومدلول نصوص الكتاب والسنة الناهية
عن العمل بالظن ارشادالى ذلك، وليس تعبيرا عن حكم شرعي
مولوي عام.
الترابط المتبادل بين الفقه والاصول
على طول التاريخ
لقد وضع علم الاصول لممارسة وضع النظريات العامة وتحديد
القواعد المشتركة - في الحدود المسموح بها وفقا
لشروطها العامة - للتفكير الفقهي التطبيقي.
وفي مقابل ذلك علم الفقه، فانه قد وضع لممارسة طريقة
تطبيق تلك النظريات العامة والقواعد المشتركة على
المسائل والعناصر الخاصة التي تختلف من مسالة الى مسالة
اخرى.
ومن هنا يرتبط علم الفقه بعلم الاصول ارتباطا وثيقا منذ
ولادته الى ان ينمو ويتطور ويتسع تبعا لتطور البحث
الفقهي واتساعه بوجود مشاكل جديدة في الحياة.
بيان ذلك: ان فهم الحكم الشرعي من النصوص التشريعية في
كل مسالة ومورد بحاجة الى عناية ودقة ما، ومن المعلوم ان
هذاالفهم المسمى بالتفكير الفقهي لا يمكن حصوله بدون
التفكير الاصولي، يعني بدون استخدام القواعد العامة الاصولية
وان كان الممارس غير ملتفت الى طبيعة تلك القواعد
وحدودها واهمية دورها في ذلك.
ويترتب على هذا الترابط الوثيق بين الفقه والاصول انه كلما
اتسع البحث الفقهي وتعمق باتساع مشاكل الحياة
ووجودعناصر جديدة فيها ادى ذلك الى اتساع البحوث
الاصولية والنظريات العامة وتطورها وتعمقها، حيث ان اتساع
الفقه كما وكيفا يدفع البحوث الاصولية والنظريات العامة
خطوة الى الامام لحلول المشاكل الجديدة في الحياة.
فالنتيجة: ان توسع البحوث الفقهية التطبيقية وتطورها تبعا
لتطور الحياة وتوسعها في مختلف مجالاتها يتطلب
توسع البحوث الاصولية وتطورها بنسبة واحدة.
وعلى هذا الضوء، فكلما كان الباحث الاصولي ادق واعمق في
التفكير الاصولي وفي تكوين النظريات العامة
والقواعد المشتركة المحددة كان ادق واعمق في عملية
تطبيقاتها على المسائل الخاصة وفقا لشروطها العامة، لوضوح
ان الترابط بين العملين والتفاعل بينهما في تمام المراحل
يستدعي انه اذا بلغ مستوى التفكير الاصولي درجة بالغة من
الدقة والعمق بلغ مستوى التفكير الفقهي التطبيقي الدرجة
نفسها.
ولا يعقل ان يكون مستوى التفكير الاصولي بالغا درجة كبيرة
من الدقة والعمق ويكون مستوى التفكير الفقهي التطبيقي
دون ذلك المستوى والدرجة.
وان شئت قلت: ان النظريات العامة الاصولية كلما كانت
موضوعة في صيغ اكثر عمقا وصرامة واكبر دقة كانت اكثر
غموضا، وتطلبت في مجال التطبيق دقة اكبر والتفاتا اكثر.
وهذا هو معنى الترابط والتفاعل بين الذهنية الاصولية
والذهنية الفقهية، وهاتان الذهنيتان متبادلتان على مستوى
واحد في ذهنية كل مجتهد في تمام مراحل وجودهما، فان دقة
البحث في النظريات العامة في الاصول تنعكس في الفقه على
صعيد التطبيقات.
ولا نقصد بذلك ان عملية تطبيق النظريات العامة على
المسائل والعناصر الخاصة لا تحتاج الى اي تفكير وبذل جهد
علمي، وان الجهد العلمي المبذول في دراسة النظريات العامة
على صعيد البحث النظري وتكوين القواعد المشتركة في
الحدود المسموح بها - يغني عن بذل جهد جديد في تطبيق
هذه النظريات العامة على مواردها الخاصة، اذ من الواضح ان
المجتهد كما انه بحاجة في دراسة النظريات العامة في الاصول
وتكوين القواعد المشتركة المحددة الى التفكير وبذل الجهد
العلمي المضني خلال سنين متمادية، كذلك هو بحاجة في
تطبيق تلك النظريات العامة والقواعد المشتركة على عناصرها
الخاصة الى دراسة وممارسة لجوانب التطبيق وما يرتبط به من
القرائن والامارات العرفية والمناسبات الارتكازية في كل مسالة
بلحاظ طبيعة تلك المسالة وما يتناسب مع موردها.
بل نقصد بذلك ان الذهنية الاصولية النظرية ترتبط بالذهنية
الفقهية التطبيقية في تمام المراتب، فاذا بلغت الذهنية
الاصولية درجة اكبر عمقا واكثر دقة انعكست تماما في الذهنية
الفقهية وتطلبت في مجال التطبيق دقة اكثر وعمقا اكبر.
ونظير ذلك علم الطب، حيث يبحث فيه عن النظريات العامة
وتكوين القواعد المشتركة على صعيد البحث النظري، وفي
مجال تطبيق تلك النظريات العامة على المريض يدرس
الطبيب حالاته ومشاكله الداخلية والخارجية التي يمكن ان
يكون مرضه مرتبطا بها، وفي اثناء التطبيق تصادفه مشاكل
جديدة وعوامل اخرى بصورة مستمرة، ولا يتمكن من معالجة
المريض الناجم مرضه من المشاكل والعوامل المزبورة الا
بدراستها على اساس ان ما لديه من النظريات العامة لا ينطبق
على المريض المذكوربلحاظ طبيعة مرضه.
ومن الطبيعي ان هذه المشاكل الجديدة والعوامل الاخرى
تدفع النظريات الطبية العامة خطوة الى الامام دقة وعمقا
واستيعابااكثر، لحلول تلك المشاكل والعوامل الجديدة.
ومن هنا تتطور النظريات الطبية العامة وتتوسع وتتعمق عصرا
بعد عصر بشكل مستمر، ومن البديهي انه كلما تطورت
تلك النظريات وتوسعت دراستها وتعمقت بدقة اكبر وبالتفات
اوسع وباستيعاب اكمل، تطلبت في مجال التطبيق دراسة
حالات المرضى بدقة اكثر وعمق اكبر والتفات اوسع واكمل
استيعابا، ومتى كانت النظريات الطبية نظريات بسيطة وبدائية
تطلبت في مجال التطبيق دراسة حالات المرضى بنفس تلك
البساطة والمستوى، ولذا كان الطبيب في الازمنة السابقة
والقرون المتقدمة يكتفي في مجال التطبيق برؤية لسان
المريض او احصاء نبضه او ما شاكل ذلك.
اختلاف المجتهدين في الفتاوى
ان اختلاف المجتهدين في الفتاوى يقع بينهم في مرحلتين:
المرحلة الاولى: في تكوين النظريات العامة والقواعد المشتركة
للتفكير الفقهي.
المرحلة الثانية: في مجال تطبيق تلك القواعد والنظريات
العامة على صغرياتها ومواردها الخاصة.
|