اما المرحلة الاولى: فمنشا الاختلاف في هذه المرحلة انما هو
الاختلاف في نتائج الافكار التي تستعمل في تكوين تلك
القواعد
والنظريات العامة وتحديدها في الحدود المسموح بها
وفقا لشروطها العامة، فان نتيجة التفكير حول حجية
النصوص التشريعية تختلف بطبيعة الحال سعة وضيقا، كما
وكيفا، تبعا لاختلاف شروطها العامة.
وكذلك حول استفادة مداليل تلك النصوص على اساس
المناسبات العرفية الارتكازية، ومطابقة تلك المداليل
للواقع الموضوعي، ومستوى تلك القواعد ومداها دقة وشمولا.
ثم ان ذلك الاختلاف الموجود في نتائج الافكار بين
المجتهدين في تحديد تلك القواعد والنظريات العامة في
الاصول على صعيد
البحث النظري يرجع في نهاية المطاف الى
احدى النقاط التالية:
الاولى: الموقف النفسي لكل مجتهد ازاء تحديد تلك القواعد
والنظريات العامة وتكوينها وفقا لشروطها، فانه قد يؤثر في
موقفه الواقعي امام هذه القواعد والنظريات ويغيره عن وجهه
الواقعي.
الثانية: المقدرة الفكرية الذاتية، فان لاختلاف المجتهدين في
تلك المقدرة الفكرية اثرا كبيرا، لاختلافهم في تحديد تلك
القواعد
والنظريات العامة وتكوينها بصيغة اكثر دقة وعمقا.
الثالثة: المقدرة العلمية بصورة مسبقة، فان لاختلاف
المجتهدين في تلك المقدرة العلمية اثرا بارزا في كيفية
تكوين تلك القواعد والنظريات العامة، تبعا لشروطها.
الرابعة: غفلة المجتهد خلال دراسة تلك القواعد وممارستها
عما يفرض دخله في تكوينها، او عدم استيعابه تمام ما يفرض
دخله فيه، فان ذلك يغير وجه تلك القواعد سعة وضيقا عن
واقعها.
الخامسة: اختلاف الظروف والبيئة التي يعيش المجتهد فيها
مدة من عمره، فانه قد يؤثر في سلوكه العملي تجاه تكوين
تلك القواعد وتحديدها في اطار اسلامي.
السادسة: خطا المجتهدين في الفهم والنظر، حيث انه يغير
وجه تكوين تلك القواعد والنظريات العامة عن واقعها
الموضوعي كما وكيفا.
واما المرحلة الثانية - وهي مرحلة التطبيق : فيقع الخلاف بين
المجتهدين في هذه المرحلة مع افتراض اتفاقهم في
المرحلة الاولى، كما اذا افترض انهم متفقون على حجية كل
نص يرويه ثقة امين كقاعدة عامة، ولكن قد يقع الخطا في مقام
التطبيق،فيبدو لبعض منهم وثاقة الراوي وامانته في النقل في
رواية، فيبني على حجيتها والعمل على وفقها رغم انه في
الواقع ليس بثقة وامين، وبذلك يتغير موقفه امام عملية
الاجتهاد والاستنباط عن موقف من اصاب الواقع وعلم بعدم
وثاقته.
وقد يبدو له دلالة الامر الوارد في مسالة مثلا على الوجوب
غافلا عن وجود قرينة تعبر عن الاستحباب فيها، وقد يكون
الامر
بالعكس.
وقد يبدو له عدم التعارض بين نصين، فيجمع بينهما بتقديم
احدهما على الخر لوجود مرجح دلالي بنظره، رغم ان
بينهما
تعارضا ولا مرجح له في الواقع. وقد يبدو له تعارض
بينهما وفي الواقع لا معارضة.
وهكذا فان هذه الخلافات التي تقع بين المجتهدين على صعيد
التطبيقات - مع افتراض اتفاقهم على صعيد النظريات - تنشاايضا
من الاختلافات بينهم في النقاط النفة الذكر. الخطا في العملية الاجتهادية
قد اصبح من المعقول ان توجد لدى كل من يمارس عملية
الاجتهاد والاستنباط مجموعة من الاخطاء والمخالفات لواقع
التشريع الاسلامي، وعليه لابد ان نفصل الاحكام الاسلامية في
واقع التشريع الاسلامي عن الاحكام الشرعية التي هي نتيجة
اجتهادات المجتهدين ونظرياتهم، فان الخلافات بين
المجتهدين انما هي واقعة في هذه المجموعة من الاحكام
الشرعية التي هي ذات طابع اجتهادي، حيث انها قد تطابق
التشريع الواقعي في الاسلام وقد تخالفه، لا في الاحكام
الاسلامية التي هي ذات طابع واقعي في تشريعها.
وبكلمة اخرى: ان الاحكام الشرعية الاسلامية في واقعها
الموضوعي ليست وليدة انظار الانسان وافكاره المتخالفة
بعضها مع بعضها الخر، فانها احكام الهية قد جاء بها النبي
الاكرم(ص)، وهي ثابتة على اسس متينة واصول موضوعية
ومبادئ واقعية،
ولا تتغير تلك الاحكام بتغير الافكار والراء
والازمان.
واما الاحكام التي هي وليدة اجتهادات المجتهدين وانظارهم
فهي بطبيعة الحال تختلف باختلاف الاجتهادات والانظار، فقد
تكون مطابقة لواقع التشريع الاسلامي وقد تكون مخالفة له،
وحيث ان الاحكام الاسلامية الواقعية موزعة في مجموع
اجتهادات المجتهدين هنا وهناك، فبطبيعة الحال تتفاوت
نسبة التوزيع الى المجموع بتفاوت الابواب والمسائل.
بيان ذلك: ان المسائل الموجودة في الموسوعات الفقهية
والرسائل العملية على ثلاثة انواع:
النوع الاول: المسائل المتوفرة في ابواب المعاملات وبعض
ابواب العبادات، حيث ان نسبة الخلاف الموجود بين
المجتهدين في مسائل تلك الابواب اصغر حجما من الخلاف
الموجود بينهم في اكثر مسائل ابواب العبادات.
والسبب فيه امران:
ومن الطبيعي ان نسبة الخطا في مجموع آراء المجتهدين
لواقع التشريع الاسلامي في مجموع مسائل هذه الابواب اقل
من نسبة الخطا في مجموع آرائهم لواقع التشريع الاسلامي في
مجموع مسائل ابواب العبادات على حساب نسبة عدد الفتاوى.
النوع الثاني: المسائل المشهورة بين المجتهدين التي قلما
يوجد الخلاف بينهم في تلك المسائل على اساس وضوح
مصادرها التشريعية، وعدم تطرق الشكوك والاوهام فيها غالبا.
وبطبيعة الحال ان نسبة توزيع الاحكام الاسلامية الواقعية بين
اجتهادات المجتهدين في مجموع تلك المسائل التي هي
ذات طابع اتفاقي اكبر من نسبته بين اجتهاداتهم في مجموع
المسائل الخلافية التي هي ذات طابع خلافي مع الحفاظ
على النسبة.
النوع الثالث: المسائل الخلافية اما بملاك ورود نصوص
متضاربة فيها او بملاك انها من المسائل النظرية الغامضة،
وعلى كلا التقديرين تتوقف عملية الاجتهاد فيها على اعمال
مقدمات نظرية اكثر حدسا واكبر دقة، ولاجل ذلك يقع
الخلاف في تلك المسائل بين المجتهدين على طول الخط.
ومن الواضح ان نسبة توزيع الاحكام الواقعية بين اجتهادات
المجتهدين في مجموع هذه المسائل الخلافية اصغر حجما
من النسبة بين اجتهاداتهم في المسائل الاتفاقية على حساب
عدد الفتاوى والاجتهادات.
فالنتيجة في نهاية المطاف: ان الاحكام الواقعية موزعة في
مجموع الاجتهادات والفتاوى للمجتهدين منذ عهد وجود
عملية الاجتهاد ولحد الن، غاية الامر ان نسبة التوزيع تختلف
باختلاف الابواب والمسائل.
واما نسبة توزيع الاحكام الواقعية الى مجموع اجتهادات كل
مجتهد في كل عصر فهي بطبيعة الحال مختلفة، ولا يحتمل
ان تكون النسبة في الجميع نسبة واحدة.
ونستخلص من ذلك كله الحجر الاساسي لزاوية الفصل بين
الاحكام التي تتمتع بطابع اجتهادي والاحكام التي تتمتع
بطابع واقعي، وهذا الفصل بين الفئتين من الاحكام الاسلامية
لا يدع مجالا للشكوك والريب حول الخلاف الواقع بين
المجتهدين في الاحكام الاجتهادية.
وما قيل: من التشكيك في هذا الخلاف وانه كيف يمكن تبريره
رغم ان الدين الاسلامي واحد بتمام تشريعاته الموجودة
في الكتاب والسنة؟ فهو ناجم عن عدم فهم معنى عملية
الاجتهاد والاستنباط اصلا، وعن ان هذا ليس اختلافا في
الاحكام الاجتهادية التي هي وليدة افكار المجتهدين في الاطار
الاسلامي، وهي قد تطابق الاحكام الواقعية وقد لا تطابق.
وقد تقدم ان الاجتهاد مهما بلغ مداه من الصحة لا يملك
مطابقته لواقع التشريع الاسلامي، ولكنه مع ذلك ذو طابع
اسلامي، لماعرفت من ان الاجتهاد من النصوص التشريعية
للكتاب والسنة في الحدود المسموح بها شرعا لا محالة يتمتع
بطابع اسلامي.
نعم، يفترق هذا الطابع الاسلامي عن الطابع الاسلامي لواقع
التشريع في نقطة، وهي انه في الاول ظاهري وفي الثاني
واقعي، ولاجل ذلك يقع الخلاف فيه دون الثاني.
ومن هنا يظهر بوضوح ان الاجتهاد ليس وليد افكار المجتهد
فحسب ومنعزلا عن التشريع الاسلامي تمام الانعزال وانه
في زاوية اخرى مقابل زاوية التشريع، بل له حظ من التشريع
الاسلامي، وهو التشريع الاسلامي الظاهري.
وان شئت قلت: بعدما عرفنا من ان الاجتهاد عنصر اساسي في
الاسلام في كل عصر فهو بذاته يتطلب الاختلاف بين
المجتهدين، فلا يمكن افتراض الاجتهاد في المسائل الفقهية
واعمال النظر والراي فيها بدون الاختلاف، فانه خلف.
وكذلك الحال في العلوم النظرية كافة، كعلم الفلسفة، وعلم
الطب، والهندسة، وما شاكل ذلك. نتائج البحوث السابقة
الاولى: ان عملية الاجتهاد والاستنباط موجودة في عصر
التشريع على طول الخط، غاية الامر ان هذه العملية في ذلك
العصر كانت عملية بسيطة وغير معقدة، والممارس لها في
ذلك غير ملتفت وغير واع الى طبيعة القاعدة الاصولية
وحدودهاواهمية دورها في هذه العملية.
الثانية: ان عملية الاجتهاد في عصر الغيبة قد اصبحت عملية
معقدة وصعبة، فتواجهها الشكوك والاوهام من مختلف
الجهات التي تنبع من الفصل الموجود بين هذا العصر وعصر
التشريع، وقد عرفت ان الوصول الى مرتبة الاجتهاد لا يمكن الا
بعد تقديم دراسات ودراسات حول تمام جوانب النصوص
التشريعية وممارستها على طول السنين على الرغم من تقديم
دراسات عدة علوم بصورة مسبقة.
الثالثة: ان الاجتهاد والتقليد عنصران اساسيان في الاسلام،
وضروريان لتحديد المواقف العملية للانسان تجاه
الشريعة بحكم ضرورة تبعيته لها - على طول التاريخ.
الرابعة: ان علم الاصول ليس علما مستحدثا في زمن متاخر
عن علم الفقه، بل هو موجود منذ ولادته ومرتبط به ارتباط
العلم النظري بالعلم التطبيقي، ولا يمكن انفكاك الفقه عن
الاصول على طول التاريخ وفي تمام المراحل، فان المتاخر انما
هو دراسة بذرة التفكير الاصولي منفصلة عن دراسة البحث
الفقهي التطبيقي وتسمية هذه الدراسة بعلم الاصول، واما
البذرة فهي موجودة منذ تاريخ حدوث الفقه.
الخامسة: ان اختلاف المجتهدين في الفتاوى ينبع من
الاختلاف بينهم في مرحلتين:
السادسة: ان نسبة توزيع الاحكام الواقعية الى مجموع
اجتهادات المجتهدين تختلف باختلاف الابواب والمسائل، كما
انهاتختلف باختلاف المجتهدين وليست على نسبة واحدة في
الجميع. حوار خاص
مع الاستاذ الشيخ حسن الجواهري التحرير
*
تنطلق بين الفينة والاخرى دعوات من داخل الحوزة وخارجها
ومن مستويات مختلفة تطالب بضرورة التجديد في علم
الفقه وتطوير الحوزة العلمية.. حيث يرى انصار هذا التوجه ان
الفقه بحاجة ماسة الى التحديث، لانه بالصورة التي عليها الن
لم يعد قادرا على مواكبة تطورات الحياة بالشكل المناسب،
ويعتقد هؤلاء ان الخطوات التي قام بها العلماء البارزون - امثال الامام الخميني والشهيد الصدر
- عبرت عن مرحلة من
عملية التطوير هذه، وان من الضروري ان يعقب هذه المرحلة
تواصل دون الجمود على نتائجها. ولكن من جهة اخرى هناك
تيار يعتقد بان المنهج الفقهي الحالي قادر وفق الضوابط
والاطر المقررة له ان يقدم اجابات عن تحديات الواقع، وان حالة
الضعف التي تتراءى للناظر من بعيد لا ترجع الى نقص منهجي
او خلل مضموني. ما هو رايكم في هذا المضمار، فهل ان التطوير ضرورة تعبر عن واقعية قائمة، ام انها ليست بذاك المستوى من الحتمية؟
الجواب: ان تطوير الفقه ضرورة تعبر عن واقعية قائمة لابد من
اشباعها، وهذا التطوير يمكن تلخيصه بعدة نقاط:
النقطة الاولى: القيام بتوسيع البحث الفقهي في هذا الزمان
لشتى ابواب الحياة المعاصرة، فمثلا لابد من توسيع الفقه
لابحاث الاستتئام، والاستنساخ، والهندسة الوراثية، ونقل وبيع
الاعضاء التي لا تتوقف عليها حياة الانسان سواء كانت من
الاحياء اوالاموات - لمن يحتاج هذه الاعضاء وتتوقف عليها
حياته، كما لابد من توسيع البحث الفقهي الى ما يوجد من
معاملات معاصرة في البورصات العالمية لاعطاء كلمة الاسلام
فيها نفيا او اثباتا، لان هذه الابحاث كلها دخيلة في حياة الفرد
والمجتمع،وبحاجة الى اجابات فقهية من علماء المسلمين.
وكما يجب توسيع البحث الفقهي الى ما تقدم من امور فيجب
ايضا تقليص البحث الفقهي من ابحاث العبيد والعتق
والابحاث التي تتعرض لافتراضات غير واقعة في المحيط
الخارجي، وبهذا سيتجلى ان الفقه يعالج كل مناحي الحياة
ويواكب الوضع البشري الفردي والاجتماعي بتحركه لمواكبة
حركة الحياة.
النقطة الثانية: نحتاج الى منهجة جديدة لبحوث الفقه، فمثلا
العبادات كلها تدخل في قسم من ابحاث الفقه، ونقصد
بالعبادات: الاعمال القربية التي تكون القربة مشروطة في
صحتها بحيث يكون جانب العبادية غالبا على غيره لو كان
مشتملا على جانب آخر غير عبادي، فمثلا الحج فيه جانب
عبادي وجانب غير عبادي الا ان الجانب العبادي غالب على
غيره فيحسب عبادة، بينماالخمس والزكاة وان كان فيهما
جانب العبادة ويشترط فيهما القربة الا ان الجانب غير العبادي
هو الغالب فيمكن اخراجهما من قسم العبادات، وبهذا ستنحصر
العبادات بالطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة
والكفارات.
كما ان الاموال العامة يجب ان يفرد لها قسم خاص من ابحاث
علم الفقه، ونقصد بالاموال العامة: كل مال يكون للمصلحة
العامة، كالخمس والزكاة والخراج والانفال والاوقاف العامة،
وامثالها.
كما ان الاموال الخاصة يجب ان يفرد لها قسم خاص ايضا من
ابحاث علم الفقه، ونريد بالمال الخاص: كل مال يكون لفرد
معين يدخل في التملك او كسب الحق حتى وان كان مالا كليا
في الذمة، فضلا عن كونه مالا خارجيا، فالضمان والغرامة
يدخلان في هذا القسم من الفقه، وكذا الاحياء والحيازة والصيد
والتبعية (قاعدة تبعية النماء للاصل) والميراث والحوالة
والقرض والتامين، وامثالها.
ولابد ان يفرد قسم من اقسام الفقه لكيفية التصرف في المال،
ويدخل هنا البيع والاجارة والصلح والشركة والوصية،
وامثالهامن المعاملات، كالوقف الخاص (الذري).
ولابد ان يفرد قسم من ابحاث الفقه للسلوك الخاص الذي لا
يتعلق بالمال ولا يكون عبادة في نفسه، كالزواج والطلاق
والخلع والمباراة والظهار والايلاء واليمين والعهد والصيد
والذباحة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والاطعمة
والاشربة والملابس والمساكن وآداب المعاشرة، وامثالها.
كما لابد ان تفرد ابحاث السلوك العام في قسم مستقل من
الفقه، وهو السلوك المرتبط بولي الامر في مجالات السياسة
(العلاقات الدولية)، وكذا سلوك ولي الامر في مجال الحكم
والقضاء والحرب والشهادات والحدود والجهاد، وامثالها.
فهذه المنهجة الجديدة لبحوث الفقه قد تعرض لها السيد
الشهيد في رسالته العملية «الفتاوى الواضحة»، ولكن لم يقدر
له كتابة ما عدا العبادات.
النقطة الثالثة: لابد من النظر الى بحوث الفقه نظرة جماعية
عالمية بدلا من ان ننظر اليها نظرة فردية، فاحكام الفقه بما
انهاللمجتمع الصالح (طبعا في بعض ابحاث الفقه) فيجب ان
ينظر اليها تلك النظرة الجماعية العالمية، فاحكام الربا اذا نظر
اليها على انها تطيح بالحكومات وتوجب التاخر في الاقتصاد
فنفهم منها ما يؤدي بنا الى عدم تحليل كل عملية نتيجتها
ربوية ولكن تمت ببعض الحيل، وكذا الجهاد فبما انه يؤدي الى
عز الاسلام فيجب ان نفهمه فهما عالميا لا فهما شخصيا، وكذا
اخبار التقية التي هي لمصلحة الخط الاصيل في الاسلام يجب
ان نفهمها فهما يختلف عن النظر الى تلك الاخبار نظرة فردية
لتخليص الانسان نفسه من مشكلة ما.
والخلاصة: ان بعض ابحاث الفقه واحكامه يجب ان تدرس
دراسة عالمية، فيلحظ فيها النزعة الجماعية، وبهذا سيختلف
فهمنا للنصوص عن فهمنا فيما لو نظرنا اليها نظرة فردية
موضعية.
النقطة الرابعة: ان ابحاث المعاملات يجب ان تدرس مقارنة
بالابحاث الوضعية، ليتجلى للانسان بان الفقه الاسلامي هو
الجديربادارة الحياة وسعادتها، دون الفقه الوضعي الذي لا زال
يرزح تحت الظلم الذي يلحق باتباعه نتيجة المصالح الشخصية
التي يبررها واضعو هذا الفقه او المصالح التابعة لشريحة معينة
او عنصر معين من عناصر الناس تبعا لنظرتهم الضيقة
وافقهم الضيق، وسرعان ما ينكشف لهم خطا هذا فيتغير الى ما
يشابهه من دون رفع اصل الظلم والحيف. * اذا قبلنا من حيث المبدا بمقولة التطوير والتجديد في الفقه، فما هي الدائرة التي يتحرك فيها هذا المشروع؟ هل ان منهج الاستنباط نفسه بحاجة الى تطوير؟ وهل ان العلوم التي تمثل اسس الفهم الاجتهادي هي التي تعاني من مشكلة وتحتاج بالتالي الى تجديد كعلم الكلام وعلم الاصول ونحوهما؟ بل ربما يرى البعض ان دائرة التجديد يجب ان تطال او تبدا من المناهج الدراسية نفسها، وقد يوسع آخرون الدائرة الى الحديث عن النظام الحوزوي ككل، بل قد يسري البعض المشكلة الى مصادر الاستنباط نفسها ويدعي ضرورة اعادة حصرها،او يسريها الى مدى حجيتها، فما هو بالتحديد النطاق الذي يمكن لعملية التجديد النفوذ فيه، وما هو المجال الذي لا يحق لها التدخل فيه؟
الجواب: ان تطوير وتجديد الفقه لا يعني تطوير منهج
الاستنباط الذي درج عليه الاصوليون، فان منهج الاستنباط اما
عقلي او لفظى، واللفظ قرآن وسنة، فلا يمكن تطوير الاحكام
العقلية او تطوير القرآن والسنة، فان هذه المناهج للاستنباط
قوية وثابتة، نعم قد نضيف اليها كل ما يوجب القطع بالحكم
الشرعي وان لم يكن حكما عقليا او قرآنا او سنة، كما اذا وصلنا
الى الحكم الشرعي بطريقة حساب الاحتمال (او الاستقراء
الناقص) الذي ادى بنا الى الحكم الشرعي بصورة قطعية، الا ان
هذا لايعني تطوير منهج الاستنباط، بل يعني اضافة مصداق من
مصاديق حكم العقل الناتج من تجمع الاحتمالات التي ادت
الى القطع بالحكم واستبعاد عدمه.
وعليه كما تقدم فان التطوير في الفقه يكمن في اضافة الابحاث
العصرية التي يحتاج الانسان فيها الى بيان
حكمهاالشرعي كالمعاملات الجديدة او الممارسات الطبية
الحديثة - الى ابحاث الفقه ومناهجه، واستبعاد ما لا يكون له في
الوقت الحاضر ثمرة عملية من ابحاث الفقه، كابحاث العبيد
والاماء والعتق، وان تكون الدراسة الفقهية مقارنة مع الفقه
الوضعي،لبيان عظمة التشريع الاسلامي ونقص غيره.
*
هناك جدل حول هذا الموضوع، وهو جدل قائم على صعيدين:
فمن جهة يرى البعض ان الاجيال الحوزوية الشابة هي
المكلفة بالنهوض بهذه المهمة وان الاعتماد على طبقة كبار
المجتهدين او المراجع العظام ربما لا يكون دقيقا، ومن جهة
اخرى تعتقدشريحة من الجامعيين بان - لا ضرورة تفرض اناطة
التجديد بالحوزويين، بل بالامكان - وربما يجب - ان
يتصدى الجامعيون العارفون بشؤون الشريعة لهذه المهمة. برايكم كيف يمكن وضع صيغة منطقية لهذا الامر؟ وهل يمكن الجمع بين هذه الصيغ بحيث نحصل من ذلك على ضمانات تجديدية ونتاج متحرك؟
الجواب: اننا نعتقد ان القادر على تطوير الفقه هم مراجع
المسلمين المطلعين على الفقه المتضلعين به
وبمصادره الاستنباطية، ولا فرق في ان يكون مرجع المسلمين
المطلع على التشريع ومصادره شيخا او شابا، فالمهم هو الكفاءة
الفقهية والاصولية والاضطلاع التام بهما، فان هذه الفئة هي
القادرة على ابعاد ما لا يكون واقعيا عن مصادر التشريع،
وادخال ما يكون جديدا بعد الاطلاع على موضوعه بصورة
دقيقة من ذوي الاختصاص.
واما الاجيال الحوزوية الشابة فهي ان لم تكن مطلعة على الفقه
ومصادره لا يمكن لها ان تخوض عملية التطوير، فان ذلك
يكون تخريبا لفقه الاسلام لا تطويرا له.
كما ان الجامعيين من رواد التجديد ان لم يكونوا مطلعين على
التراث الفقهي ومصادره يكون تدخلهم في تطوير الفقه تخريبا
له ايضا، فيجب ان يبتعد عن عملية تطوير الفقه كل متطفل
على الفقه وان كان يدعي الحوزوية او من طلاب الجامعة
الحريصين على الدين، فان الحرص على الدين لا يسوغ لمن لم
يكن من اهل الاختصاص الخوض في التطوير، وهذا واضح.
فتنحصر عملية التطوير باهل الاختصاص وبالقادرين منهم
على خوض هذه العملية الكبيرة، الا ترى ان فحول العلماء
يسند اليهم التجديد في علم الاصول والفقه، كالشيخ صاحب
الجواهر والشيخ الانصاري والمحقق النائيني والشهيد
الصدر واضرابهم؟! ولا يمكن للطالب الحوزوي الشاب
وللجامعي اللذين يبغيان التجديد ان يتدخلا في اي تطوير او
تجديد، لعدم وجود المادة والخبرة لديهما التي توجب التطوير
والتجديد.
تعد المسائل المستحدثة واحدة من ابرز التحديات الفقهية
المعاصرة، وقد برز نشاط واسع وملحوظ في الفترة الاخيرة
سعى للاهتمام بالموضوعات المستحدثة وتقديم اجوبة فقهية
ناضجة لها. لكن مسالة المستحدثات تواجه سلسلة من
الاستفهامات المعاصرة:
فمن جهة ما هو مدى الاهتمام بهذه الموضوعات ومدى
الاولوية التي اعطيت لها في الوسط العلمي الحوزوي؟ هذا اولا.
وثمة اشكالية حقيقية هنا ايضا تتمثل في رسم الاولويات داخل
المستحدثات نفسها، فهل الاولوية للفقه السياسي وفقه
الدولة،او للمستحدثات ذات الموضوعات العلمية كمسائل
الطب من قبيل التشريح وزراعة الاعضاء والتلقيح الصناعي
وامثالها، اولتلك التي تواجه الفرد المسلم في المجتمع
الغربي؟ هذا ثانيا. اما ثالثا فهل ان المستحدثات في الفقه تعبر عن تطوير منهجي فيه، ام انها ليست سوى قضايا فقهية الجديد فيها موضوعي لا اكثر؟
الجواب -
ب: ولا نرى اولوية لمسالة مستحدثة على غيرها، فهي كلها
على نسق واحد افرزها العصر الحديث، فلابد من عرضها
وبيان حكمها الشرعي في كتب الفتاوى وفي دروس البحث
لمختلف المراحل الدراسية، ولا يوجد تزاحم بين مستحدثات
الفقه السياسي والمستحدثات ذات الموضوعات العلمية او
مستحدثات البورصات العالمية، فكله جديد وكله يجب ان
يطلع عليه الطالب الحوزوي ما دام قد سلك وانتهج هذا
الطريق.
ج: ان المستحدثات في الفقه لا تعبر عن اي تطوير منهجي
فيه، بل ليست المستحدثات الا قضايا فقهية الجديد فيها
موضوعي لااكثر، فاذا عرض الموضوع الجديد فلابد من
استخراج حكمه الشرعي وفق الضوابط الاستنباطية نفيا او
اثباتا. هل ترون تنافيا بين الدعوة الى تطوير الفقه وبين الدعوة الى الحفاظ على المنهج المالوف في الاستنباط او ما يسمى بالفقه الجواهري((1))؟ وكيف ذلك مع ان اللا تنافي قد يراه البعض مجرد شعار لا واقع له؟
الجواب: لا نرى تنافيا بين المنهج المالوف في الاستنباط - وهو
الذي يسمى بالفقه الجواهري - وبين الدعوة الى تطويرالفقه،
وذلك لان المراد من الفقه الجواهري هو ذلك الفقه المبتني
على الاسس العلمية للاستنباط، كالقرآن والسنة والعقل العملي
والنظري، بعيدا عن الفقه المبتني على الظنون التي لا تغني
من الحق شيئا، فالحجة علينا هي العلم بالحكم الشرعي بعد ان
تكون حجته ثابتة قرآنا وسنة وعقلا، وهذا هو المسلك الذي
سار عليه صاحب الجواهر(قدس سره)، فانه لا يزل عن الدليل
الشرعي المتقدم الذي يوجب القطع بالحجة على الحكم
الشرعي تنجيزا او تعذيرا، اما الظنون التي لا تغني من
الحق شيئا وما لم يكن عليها دليل شرعي قائم فهي التي
يحاربها ولا يرضى ان يكون الفقه الشرعي مستندا اليها، فالهوى
والميل والرغبة والمشابهة كل ذلك مطرود عن دائرة الفقه
الجواهري الاصيل.
وعلى هذا فالتطوير للفقه لابد ان يكون مبتنيا على هذا المنهج
الاستنبطي لا بعيدا عنه، ليكون التطوير تطويرا مبتنيا
على الدليل الشرعي السليم (المنجز او المعذر)، اما لو آمنا
بالتطوير استنادا الى ترك العلم بالدليل الشرعي واصغينا الى
الظن بالدليل الشرعي فيكون ذلك تهديما للفقه الاسلامي لا
تطويرا له.
فمثلا: لو آمنا بحجية القياس كدليل للحكم الشرعي، كان ذلك
ادخال ما ليس من الشرع في الشرع، لان القياس (غير
منصوص العلة وغير قياس الاولوية طبعا) منع الشرع من العمل
به عند الامامية.
اذا فالتطوير للفقه لابد ان يستند الى المنهج العلمي الاصيل
الذي قام عليه دليل قطعي، ليكون التطوير تطويرا لحكم الله
لاتهديما له، فلا منافاة بين الالتزام بالفقه الجواهري - الذي هو
مرآة للمنهج السليم لشرع الله في قبال المنهج السقيم المضيع لشرع الله - وبين التطوير الذي آمنا به سابقا بالصورة
المتقدمة. * ما هي الليات والخطوات العملية التي تقترحونها في اطار تطوير علم الفقه؟
الجواب: ان آلية تطوير علم الفقه تكون بادخال المستجدات
التي تحتاج الى حكم شرعي في جميع المجالات - سياسية
اوطبية او عقدية (عمل البورصات) او عملية، كالممارسات
التي يقوم بها الفرد المعاصر الغربي التي دخلت مجتمعنا
المعاصر
الاسلامي - كما يكون التطوير بحذف ما لم يكن له واقع
عملي، كبحث الاماء والعبيد.
واما الخطوات العملية للتطوير فتنحصر في تقدم ذوي
الاختصاص لهذا العمل الجبار، وما لم يتدخل هؤلاء ستبقى
عملية التجديد والتطوير مجرد امل. وارى ان عملية التطوير
لابد ايضا ان تشمل ازالة كل ما يكتنف العبارات والمتون
الفقهية من غموض وتعقيد واغلاق، وذلك عن طريق
تسهيلها
وشرحها وتذليلها، فالانسان المعاصر اليوم سواء كان
حوزويا اوغيره بحاجة الى عمليتين:
وهاتان العمليتان بحاجة الى خطوة جريئة وحاسمة تتمثل بان
يكلف عشرة او اكثر من اهل الاختصاص العالي بالقيام
بمهمة اكمال مشروع التجديد والتطوير على ان يكون ذلك
باشراف من ولي الامر. * باعتقادكم هل ثمة عقبات جدية تواجه مسيرة التطوير وتقف في وجه المحاولات المبذولة في هذا الاتجاه؟
الجواب: نعم نعتقد ان اهم عقبة في مجال تطوير الفقه تكمن
في عدم تصدي من له اللياقة الكافية لهذا العمل الجبار،
وتصدي من ليس له كفاءة وان كان مخلصا في عمله، لان
الاخلاص لوحده لا يولد التطوير ما لم تكن الكفاءة العلمية
مقترنة معه.
فمن يؤمن بضرورة التطوير للفقه لابد له (بعد ان وجدت
الليات للتطوير وهو ايجاد المستجدات) ان يوجد الخطوات
العملية بالزام من له قابلية وضع المناهج الجديدة الحاوية على
المستجدات، وابعاد ما لم يكن له فائدة عملية من كتب
الفقه المعاصرة.
واما من يعاند ويدعو الى ابقاء كتب الفقه على الطريقة القديمة
فلا ينبغي له ان يقف عقبة في طريق التطوير والتجديد،
لان الانسان المسلم يحس بالحاجة الجدية لحل تساؤلاته
الجديدة حول القضايا المعاصرة، فبمجرد ان يصدر الكتاب
العصري المجيب على تساؤلات الانسان المعاصر في القضايا
المعاصرة تتهاوى الدعوات الرامية الى ابقاء الفقه على وضعه
الحالي من دون تجديد، فينكشف بذلك عجزها عن مسايرة
الواقع.
ونحن اذ نقول بابعاد الابحاث العديمة الفائدة من كتب الفقه لا
نقصد احراق كتب الفقه المشتملة على هذه الابحاث الجيدة
التي قد نحتاجها فيما بعد، بل نقصد عدم ادراجها في كتب
الدراسة الجديدة العصرية، مع بقائها كتراث للمسلمين قد
يحتاج اليه فيما
بعد. * هل ان الخطوات الهادفة الى التطوير يمكن ان تؤتي ثمارها عاجلا، ام لابد من الصبر والانتظار حقبة زمنية طويلة كي تتجلى لناتلك النتائج المتوخاة؟ وما هي العلائم والمؤشرات التي تدعو الى الاطمئنان بان تيار التجديد الاصيل والواعي قد بدا بتحقيق نجاحات سليمة العواقب؟
الجواب: ما دام تطوير الفقه لم يعن التبديل في طريقة
الاستنباط ولا التبديل في مصادر الفقه الشرعي الاولى (الكتاب
والسنة والعقل) فسوف تكون ثمار التطوير للفقه ماثلة للعيان
وجاهزة متى ما ادخلت الموضوعات الجديدة مع احكامها في
شتى مجالات التطور العصري، ومتى ما ابعدت الموضوعات
القديمة التي لا وجود لها على الساحة المعاصرة، فيثبت بهذا
ان الفقه يساير التقدم ويساير العصور وليس متخلفا عنها، بل هو
المتفوق في مضمار التقدم، الحلا ل لمشاكل الناس
ولتصرفاتهم عندوجودها على الساحة العصرية. وبهذا سنطمئن
بان تيار التجديد الاصيل والواعي قد احرز نجاحات سليمة
العواقب، لانه لم يمس الاسس التي بني عليها الاستنباط في
مصادر الفقه، لان الكتاب والسنة هما كما وصفهما النبي(ص)
اذ قال: «ما من شيءيقربكم الى الجنة ويبعدكم عن النار الا
امرتكم به، وما من شيء يقربكم الى النار ويبعدكم عن الجنة الا
نهيتكم عنه»، فالاسلام هو ذلك المبدا الذي يحمل عقيدة عن
الكون والحياة وتشريعا سليما يستند الى الكتاب والسنة، وما
على الفقيه الا تقديم الحكم السليم الى الناس، فكل ما يصدر
في هذا الكون وما يحدث فيه يمكن استخراج حكمه الشرعي
من المصادر الشرعية والعقلية،
فلا توقف في مسيرة الفقه، ولا
عجز في مصادر التشريع، وما على علمائنا الاعلام الا الالتفات
الى ادخال المستجدات في كتب الفقه وابعاد كل ما لا يرجى
منه فائدة فيها. والحمد الله رب العالمين.
*
نشكر لكم مساهمتكم القيمة في هذا الحوار آملين ان تكون
هذه البادرة خطوة اولى على طريق فتح حوارات اخرى في
مجالات ومواضيع متنوعة ان شاء الله. ندوة وحوار حول مناهج الاجتهاد وآلياته
المشاركون في الحوار: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله
الطيبين الطاهرين.
فقه اهل
البيت:
بدءا نرحب باساتذتنا الكرام اصحاب السماحة الشيخ محمد
السند والشيخ عباس الكعبي والشيخ المبلغي.
اذا تجاوزنا الجدل - القديم الحديث - الدائر في بعض المدارس
الفقهية حول فتح او غلق باب الاجتهاد،
فبين متزمت يدعو الى غلقه وبالتالي الى تعطيل دور العقل
المسلم وحجبه عن دائرة الفعل، وبين متحرر يدعو الى
ضرورة الاجتهاد او ثورة الاجتهاد كما يطلق عليها بعض
المتحمسين، حتى ان السيوطي الف كتابه «الرد على من اخلد
الى الارض وجهل ان الاجتهاد في كل عصر فرض».. اذا تجاوزنا
دائرة هذا السجال نجد ان لعملية الاجتهاد في مدرسة اهل
البيت(ع) موقعا متقدما على مواقع الاجتهاد في باقي
المدارس الاخرى.. فهو لا ينطلق من خلفية الجدل السابق، بل
ينطلق من خلفية ضرورة التجديد في الاجتهاد وتفعيل مناهجه
وآلياته وبون بين الخلفيتين واذا كان بعض مفكري منتصف
القرن السابق من الالفية الثانية يتردد في فتح باب الاجتهاد
تحت ذريعة اننا نعيش في مجتمع جاهلي يرفض حاكمية الله
تعالى ولا يعترف بمنهجه ضابطا للحياة، فلابد من اعادة تاهيل
هكذا مجتمع اولا ثم الحديث عن استفراغ الوسع والاجتهاد
للبحث عن حلول لمشكلاته القائمة في ضوء الادلة الشرعية
والمعايير الاصولية..
ان دخول الفقه اليوم معترك الحياة المعاصرة بابلغ تعقيداتها
واقامة الحكم على اساس الشريعة لا يبقي مجالا لهذا
الكلام والسجال، فالحديث اليوم ليس عن ضرورة فتح باب
الاجتهاد بقدر ما هو حديث عن ضرورة تطوير وتفعيل عملية
الاجتهاد المعاصرة.
.. الاجتهاد هو عبارة عن اللية او حلقة الوصل الوحيدة التي
تربط الواقع بالحكم الشرعي، فهو عملية مقدسة بنفس
درجة القداسة التي يحملها الحكم الشرعي، وقد كانت عملية
الاستنباط ولازالت عملية حساسة ودقيقة، لانها تتصل بنسبة
شيء الى الشريعة او نفيه عنها.. واعظم بذلك من مسؤولية!
ولكن مما يضاعف من حساسية هذه العملية اليوم هو ضغوطات
الواقع المعاصر وتعقيداته المجتمعية والتطور المذهل في شتى
مناحي الحياة.. مما يفرض على الفقه ومؤسساته - وفي
طليعتها الحوزة العلمية - الاجابة عن المستجدات وتحديد المعالجات العلمية المنضبطة،
سيما وقد قام اليوم للحق جولة وارتفع للفقه دولة، الامر الذي يعطي المرحلة الراهنة كامل
استحقاقاتها.
واما محاور البحث والحوار فنبدا اولا ونقول:
انه تنطلق بين الفينة والاخرى دعوات من داخل مؤسسات
الحوزة وخارجها ومن مستويات مختلفة تطالب بضرورة
التجديدفي عملية الاجتهاد، حيث يرى انصار هذا الاتجاه ان
الفقه بحاجة ماسة الى التجديد، لانه بالصورة التي عليها الن لم
يعد قادراعلى مواكبة تطورات الحياة بالشكل المناسب، ويعتقد
هؤلاء ان الخطوات التي قام بها الفقهاء البارزون امثال الامام
الخميني والشهيد الصدر - قدس الله سرهما - عبرت عن مرحلة
من عملية التطوير هذه، وان من الضروري ان يعقب هذه
المرحلة تواصل مستمر يحول دون الجمود على نتائجها. ولكن
من جهة اخرى هناك تيار يعتقد ان المنهج الفقهي الحالي
قادر وفق الضوابط والاطر المقررة له ان يقدم اجابات عن
تحديات الواقع وان حالة الضعف التي تتراءى للناظر من بعيد لا
ترجع الى نقص منهجي او خلل مضموني. اذا، فنحن هنا امام قولين او اتجاهين متباينين، فما هو الصحيح منهما؟ وكيف يمكن بنظركم تقويمهما؟
الشيخ السند:
الحديث عن تطوير المناهج الفقهية في الاستدلال او
المحافظة على الاصالة في المنهج الفقهي هو الحديث عن
المحاكمة بين تعدد الاقوال في اية مسالة علمية، ولزوم
استخلاص المعطيات الحقة في كل قول ونبذ المعطيات
الخاطئة كضابطة منهجية،فيبحث في كل قول عن المعطيات
الخاطئة وتمييزها عن المعطيات الحقة، والا فلا يجد الباحث
في قول من الاقوال انه مكون من اباطيل، بل قد تكون معطية
يحملها احد الاقوال ربما لا يحملها قول آخر، اي عملية النسبية
في الحقيقة، ولكن لا بالمعنى الذي يطرحه المذهب البلورالي،
بل بمعنى تجلي جهات الحقيقة عبر عدة مرائي، ومن ثم
نشاهد في كل من القولين معطيات من الحقيقة، والتوفيق
بينهما قد يشكل رؤية وسطية هي اثمر وانجح.
من جانب آخر لا ريب ان باب التحقيق واكتشاف الحقائق
والمعلومات في علمي «الفقه» و «الاصول» مفتوح للجميع
وليس هو حكرا على من مضى من البارزين، فكم ترك الاول
للاخر! وليس كما يقال في علم التراجم «خاتمة الاصوليين»
كمديح لما قدانجزه احد الاعلام من تحقيقات، والا فلا ريب في
ان طبيعة العلوم في حالة تفتق وانبساط وتشعب اكثر فاكثر
بحكم متطلبات البيئة الحياتية والمعيشية، هذه المعطية لا
يمكن التنكر لها في القول الاول الذي يطالب بالتجديد.
وهناك معطية ايجابية ايضا في القول الثاني، وهي انه لا يمكن
بتر اولا يمكن - في الحقيقة - التخلي عن التراث السابق،لماذا؟
لان التراث السابق مهما يكن حاله فانه يحمل تحقيقات عديدة
وكثيرة، كبحوث قراءات النص والهرمنيوطيقا، او بحوث النسبية
في بحوث نظام المعرفة ونظريتها، اوبحوث اخرى جديدة تلقي
بظلالها حتى على اصول الفقه وعلى القراءات القانونية للفقه،
ونحن نشاهد ارتكازا بعض المسائل طرحها علماؤنا السابقون،
واتخطر هنا التفاتة لطيفة ذكرهاصاحب الفصول المحقق
القمي حيث قال: ان هناك منهجين منطقيين في اصول الفقه
عند الفقهاء: منهج يستنتج ارتكازا بشكل اجمالي، ثم يحاول ان
يحلل المقدمات التفصيلية على طبق النتيجة الارتكازية التي
توصل اليها، وهناك منهج آخر عند العلماءعلى العكس، فهو
يسير خطوة خطوة في المقدمات التحليلية الى ان يرى كيف
توصله الى النتيجة، ثم يعطف الارتكاز ويشذبه ويهذبه على
وفق تلك النتيجة، اصلا هذه مفردة من المفردات المطروحة
كثيرا، مثل قضية تكافل الحجج الثلاثة: «العقل» و«الكتاب» و
«السنة» مع بعضها البعض يطرحها المحقق القمي وينظرها
بشكل رشيق جدا ربما لا نشاهد اليوم مثل هكذارشاقة حتى في
التنظيرات الحديثة ايا ما كانت، وهذا التراث من الجهود من
الخطا ان الانسان يبتر نفسه ويقطعها عما مضى، الا انه لابد من
توفية وتلبية معطية القول الخر، ومن ثم لابد حينئذ من رؤية
وسطية تحمل بين طياتها الجانب المتغير او جانب تلبية الادوار
الجديدة بين هذه الجهود المتراكمة كي لا نبتر انفسنا منها.
الشيء الخر هو ان التجديد مطلوب وضروري، ولكن لابد ان
يكون ممنهجا ومعززا بالدليل والبرهان، هذا اجمالا. * اشرتم الى مسالة التراث وضرورة المحافظة عليه والاعتزاز به، والدعوة الى تطوير المنهجية في الاجتهاد من المؤكد انها لاتغفل التراث ولا تغمطه حقه، بل هي تعتز به وتنطلق منه، ولكن دائرة البحث هي في تطوير هذه المنهجية وليس في تجاوزالتحقيقات والانجازات العلمية التي طرحت سابقا في ضوئها، فان تلك التحقيقات - كما اشرتم اليها بالامثلة - تحقيقات جيدة ورائعة، الا ان كلامنا في تنشيط وتطوير المنهجية، وقد تفضلتم انه لابد من منهجية وسطية بين الداعين الى التجديد وبين المنهج التقليدي ان صح التعبير، فما هي ملامح ومعالم هذا المنهج الوسطي؟ وما هي معالم هذه الوسطية، هل الوسطية في الادلة او في المنهج او في المجالات التي يكتشفها البحث العلمي - كالمسائل المستحدثة مثلا - او في مجالات اخرى؟
سوف نعود اليكم سماحة الشيخ السند ولكن بعد جواب باقي
السادة المشاركين.
الشيخ الكعبي:
السؤال كما هو واضح في المنهج، والمنهجية مدرسة من
مدارس الحداثة التي يعبر عنها في علم الكلام الجديد
بـ«المدرسة البنيوية
Strcheralism»، وهناك من دعا الى نقض
هذه المدرسة وتجاوزها وعدم التاطر بمنهج خاص، بل لابد من
كسرهذه القيود. وهناك بحث كلامي ومنهجي يدور حول
ضرورة الالتزام بمنهج معين واطار محدد ومدرسة منهجية
خاصة تؤثرفي عملية الاستنباط.
وفي تصورنا ان الالتزام بالاطار والمنهج ربما يسبب التضييق
والانسداد والابتعاد عن الواقع، اي عن كشف واقع
الحكم الشرعي الذي نحن بصدده، فمثلا المنهج الموجود اليوم
في تبويب «وسائل الشيعة» الذي يستفيد من تبويبه الكثير
من المجتهدين المعاصرين فيما يرتبط بروايات اهل البيت(ع)،
وكذلك كتاب «الجواهر» على صعيد منهجة التاليف
ومطابقته لمنهج «وسائل الشيعة»، هذا المنهج يعطي نظرة
شمولية ورؤية اجتماعية ورؤية لوقائع واحداث الزمن الذي
كانوا يعيشون فيه، وهذا التبويب اذا اراد الفقيه المعاصر الالتزام
به اليوم فانه يؤثر بشكل مباشر على فهم الواقع
المعاصر، فالتبويب الذي يبدا من كتاب الطهارة الى كتاب
الديات - وكما نعرف ان العناوين في كل باب هي عبارة عن
فتاوى الحر العاملي قدس الله نفسه - غير موجود لا في الكتاب
ولا السنة ولا العقل ولا الاجماع ولا في الادلة الفقهية ولا في
الادلة الاصولية، فليس هناك تقسيم للفقه او للاصول نستطيع
ان نقول انه نازل من السماء وان اجماع المسلمين قائم على
ذلك، بل هو عملية صناعية فنية ذوقية تابعة لفهم الفقه
والاصول ومناهج الاستنباط، فمثلا عندما يريد الفقيه المعاصر
التحدث في قضايا المناجم او المعادن او فقه البيئة - بوصفها
عناوين جديدة ترتبط بفقه الواقع المعاصر: «واما الحوادث
الواقعة فارجعوا فيهاالى رواة احاديثنا» - فهو يتاطر بشكل تلقائي بمنهج صاحب
الجواهر كمنهج وليس كمضمون، وبمنهج الحر العاملي - وهما اليوم مستودع للحوزات - فبدلا من مراجعة باب
«فقه البيئة» مثلا وتطورات البيئة العصرية حسب رؤية هذا
الفقيه المعاصر ومكوناته، فانه يضطر لمراجعة كتاب الطهارة
(ابواب المياه) او كتاب احياء الموات وكتاب الخمس، فالحديث
اوالنص الفقهي او الاستدلال الفقهي الموجود في «الجواهر»
منصب لغاية اخرى، لكن هذا الفقيه في عملية
الاستخراج والاستنباط اذا اراد جمع هذا الكم الهائل من المواد
يتاثر بشكل تلقائي بالمنهج، والتاثر بالمنهج لا ينكر انه يؤثر في
فهم المسالة الشرعية.
اننا نتصور ان التقسيم الفقهي يؤثر تاثيرا كبيرا في عملية
الاستنباط، والتقسيم الفقهي المعهود في عصرنا هذا الذي
على اساسه يقوم تبويب «الوسائل» و «الجواهر» يرجع الى القرن
السابع والثامن الهجريين والى عصر العلا مة الحلي والمحقق - رضوان الله عليهما - وقبل ذلك كان عندنا الفقه الماثور وامثال
ذلك، لكن مع هذا التطور الهائل الذي حصل في العصور
المتاخرة لم يكن هناك - وللاسف - منهج يستوعب هذا التراث
الفقهي الهائل وهذه المدارس الفقهية والاصولية، فالمطلوب
تاسيس منهج جديد بتبويب واطارات جديدة للفقه والاصول،
بحيث نستطيع على اساسها ان نستنبط المسائل المستجدة، او
فقه ما يسمى ب «الحوادث الواقعة».
وفي تصوري ان النقطة الاولى التي اريد اثارتها ونستفيد فيها
من اصحاب السماحة هي منهج استنباط المسائل
المستجدة والمعاصرة، فهذا المنهج منهج خاص ينبغي ان تبين
معالمه واساليبه، وله شعب تتعلق بعلم الكلام وبعلم المعرفة
ونظرية المعرفة، وفي البحوث الكلامية الجديدة مثل الحداثة
صار سمة لصيقة بالحضارة المعاصرة.
اضافة الى ذلك، نحتاج الى تقسيم جديد للفقه (فقه المسائل
المستحدثة) والى تطوير عملية تبويب اصول الفقه بما يتناسب
مع هذه المسائل، وكذلك نحن بحاجة الى تبويب جديد لروايات
اهل البيت(ع) من خلال الواقع المعاصر.
ونحن عندما ندعو الى هذا المنهج لا نريد ان نغدو في الوقت
نفسه مقلدين للمناهج الحداثية الجديدة، فمثلا في علم
القانون توجد تقسيمات لا نريد تحميلها على الاستنباطات
الفقهية ونكون تبعا لهم.
ان بعض المعاصرين من الفقهاء - كما تعرفون - قسم الفقه الى
الفقه الخاص والفقه العام، الفقه الجنائي والفقه الدولي،وامثال
ذلك. ان هذه العملية لا تحل المشكلة، لاننا نكون في ذلك
تابعين في المنهج كله ولا نكون مستنبطين او مجتهدين
فيه، فالاجتهاد في المنهج هو نقطة البداية لتكوين منهج في
عملية استنباط الحوادث الواقعة - ان صح التعبير - او ما
يسمى في فقه الجمهور بـ«فقه النوازل»، اي القضايا العصرية
الجديدة، وهذه نقطة مهمة ينبغي ان نتوقف عندها.
واؤكد مرة اخرى على اننا عندما ندعو الى هذا الامر لا تعني
دعوتنا انها على حساب التراث وعلى حساب المدرسة
الفقهية والاصولية العريقة الموجودة عند اهل البيت(ع)، بل
تعني معرفة الواقع ومعرفة الموضوع للحكم الشرعي، وهناك
امثلة كثيرة جدا لذلك، فمثلا فيما يتعلق بالفقه السياسي
نحتاج الى اجتهاد نطلق عليه «الاجتهاد الدستوري»، وفيما
يتعلق بابواب الحدود والقصاص والديات والتعزيرات نحتاج الى
اجتهاد نسميه «الاجتهاد القضائي»، وفيما يتعلق بالقضايا
الحضارية المعاصرة نحتاج ايضا الى منهج جديد، وربما نستطيع
ان نورد مناهج عديدة ولا نتوقف عند منهج خاص، فمنهج
استنباط احكام العبادات يختلف عن منهج استنباط مسائل
البنوك، ومنهج استنباط مسائل البنوك يختلف عن منهج
استنباط قضايا تتعلق بالسكن واعمار البلاد وفقه التنمية الذي
يعبر عنه بالانجليزية بـ«Development».
وهذه المناهج تكون بداية لحركة التخصص في الفقه،
فالمفترض ان يكون عندنا في الفقه وفي المناهج
التعليمية متخصصون، وهذا ما يختلف طبعا عما يسمى
بالتجزي في الاجتهاد، بل هو خطوة جديدة تنحو نحو
التخصص في الفقه والاجتهاد المطلق في كل باب.
الشيخ المبلغي:
يبدو ان هذا التقسيم الثنائي ليس شفافا، اي ان هذا التقابل
الذي افترضتموه بين هذين الرايين في السؤال ليس شفافا
وواضحا،
اذ يمكن ان نجمع بين الاتجاه الاول والاتجاه الثاني.
اما بالنسبة لاصل السؤال، فيمكن ان يقال: ان الاجتهاد لا
يمكن تبديل منهجه القديم بخر بديل عنه، لانه لابد ان نحافظ
على هذا
المنهج، ولكن مع ذكر ملاحظتين:
|