الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

الملاحظة الاولى: ان المنهج الموجود لم يكتمل بعد، يعني كما ان الموضوعات والمسائل المستجدة تتكامل بشكل تدريجي وعلى مر الزمن، فان منهج استنباط بعض المسائل ايضا لابد من اكتشافه او تكميله، فمثلا ما جاء به الشهيد الصدر(قدس سره) من «فقه النظرية» من القرآن الكريم او من الروايات يمثل مكونا اضافه الشهيد الصدر الى هذا المنهج، فاذا نحن بحاجة ماسة الى عملية تكميل المنهج. وحتى عندما ننظر الى تاريخ المنهج الاجتهادي نجد ان هذا المنهج لم يبرز في بدايته بالصورة التي عليها الن، بل هذا المنهج برزت عناصره على مر الزمن، فكلما تقدم الزمن واستجدت مسائل جديدة واكتملت العلوم الفقهية والاصولية برزت او حصلت عناصر جديدة، فاذا لابد لنا من ان نقر بالحاجة الى عملية تكميل المنهج.

الملاحظة الثانية: ان هذا المنهج الموجود توجد فيه عناصر لم تحتل مكانها اللائق بها، بمعنى انها لا زالت مضمرة بصورة ارتكازية في بحوثنا واستنباطاتنا، فنحن بحاجة الى ابراز هذه العناصر الخافية، والتي لها دور فاعل جدا في الاستنباط، غيرانها لم تاخذ حقها ولم توجه دراستنا صوبها، فبعض العناصر بقيت على مستوى الارتكاز، فيما تركزت الابحاث على عناصر اخرى.

ويمكن ان نذكر مثالا لذلك، وهو انه عندما ننظر الى مسالة تناسب الحكم والموضوع، وهي عنصر بدا ارتكازيا في البداية عند المجتهدين والمستنبطين، فالعلامة الحلي نجد انه بذهنه الوقاد كان متنبها الى ذلك وكان يستفيد منه، لكن استفادته هذه كانت ارتكازية ولم تكن مقعدة ومنضبطة، وكلما تقدم الزمن وجدنا ان هذا العنصر قد اخذ موقعا في المنهج حتى وصل الدور الى المتاخرين، كالشيخ اقا رضا الهمداني او بعض العلماء الذين كانوا قبله، فتفطنوا الى ذلك وابرزوه واستفادوا منه وادرجوه في تلك العناصر المنهجية.

ويمكن ان نذكر هنا نقطة ربما تنفع من يريد تفصيل المنهج - سواء بالشكل الاول او بالشكل الثاني - وهي ان استنباطاتنا في الدائرة التطبيقية تختلف مع دراساتنا المنهجية، ومن جملة موارد الاختلاف هي ان استنباطاتنا قد تتضمن عناصر استنباطية فعالة جدا، ولكن على اساس الارتكاز والتجارب الشخصية وعلى اساس الذوق الشخصي الذي يمتلكه هذا المستنبط او ذاك، مع ان دراساتنا المنهجية خالية وفاقدة لهذه العناصر، فمثلا من جملة مزايا السيد الشهيد الصدر - كفقيه هو انه كان يرجع الى ظاهرة الاستنباط بوصفها واقعا ميدانيا، فياخذ بعض العناصر الفاعلة فيه او التي يمكن ان نجعلها فاعلة في هذا المقام ليضعها على طاولة البحث. وهذه المحاولة وان كانت موجودة عند كثير من الفقهاء، الا انه كانت للشهيد الصدر هذه المزية.

وهنا نكتة لابد من ذكرها، وهي انه لو قبلنا الملاحظة الاولى - اي تكميل المنهج الذي قلنا انه لم يكتمل بعد ونحن بصدد تكميله - فكان هذا يعني اعترافا منا بان المنهج لا يتضمن كل شيء بل فيه نقص، فهل هذا صحيح؟

وفي الاجابة لابد ان نقول: ان عملية «تكميل المنهج» لها منهج، وانه لابد ان نرجع الى التراث، فاذا يجب علينا قبل تكميل المنهج ان نبحث عن منهج عملية التكميل.. كيف كمل علماؤنا المنهج؟ وهذا امر مهم.

مداخلة الشيخ الكعبي: بداية اشكر سماحة الشيخ المبلغي، واتصور انه عندما يتحدث عن تكميل المنهج وتعميقه يقصد تكميل وتعميق حركة الاستنباط، وتكميل وتعميق حركة الاستنباط غير مسالة المنهج كما اشار هو الى ذلك حيث قال: ان الاصول غير المنهج، ثم قال اخيرا: ينبغي دراسة منهجية المناهج ان صح التعبير. واما بالنسبة الى خصائص الاجتهاد عند الشهيد الصدر(قدس سره) فهذه قضية غير قضية المنهج، فانه(قدس سره) يقول: ان الاجتهاد فيه ثلاث خصائص: المعاصرة، التطور، الحركية، فالاجتهادلابد ان يكون حيا ومعاصرا، لان اجتهاد الاموات لا يستطيع ان يعالج الواقع المعاصر، ثم انه متطور، فان عملية الاستنباط تطورالحياة وحركة الواقع، ثم هو متحرك وليس ثابتا.

وهناك نقطة اخرى في المداخلة، وهي انه ليس هناك حجية لمنهج خاص، ولا يصح التوقف عند منهج خاص.

الشيخ المبلغي: اما بالنسبة الى ملاحظتكم الاولى فانا اتساءل: ما هو المقصود بالمنهج؟ اذ بعض انواع المناهج تتضمن عناصر لابد من اعمالهافي جميع الاجتهادات، وهذا لا كلام فيه.

وهناك مناهج لها دور بالنسبة الى بعض المسائل، فعندما قلت: انه لابد من تكميل المنهج يعني ان هناك بعض المسائل المستجدة هي بحاجة الى مناهج جديدة لم يكن لها في السابق عين ولا اثر، فمثلا قضية فقه التنظير هي بحاجة الى منهج خاص بها، فهناك منهج اجتهادي عام لجميع المسائل، وهناك منهج خاص بمسالة او مجال خاص، فالمراد هو المنهج المتكامل وبرؤية كاملة.

* خلاصة ما جاء في كلام الشيخ المبلغي هو ان بعض المسائل موجودة في عملية الاستنباط كممارسة للفقيه ترتكز على هذا الارتكاز الكامن، فنحن في الحقيقة بحاجة الى عملية استظهار منهجي وتنشيط وتفعيل هذه الارتكازات وضبطها ومنهجتها، كماان علم الاصول انطلق في بدايته من تلك الارتكازات ايضا، فالسيد المرتضى - مثلا - عندما كتب «الذريعة» انطلق - في الحقيقة - من تلك الارتكازات، فعملية الاجتهاد كانت تنطوي ارتكازا على هذه الاصول، ثم قام السيد المرتضى باستظهارها وتقعيدها وتقريرها ومنهجتها وضبطها، وهكذا جرى على شاكلته باقي الاصوليين. ومداخلة الشيخ الكعبي تفيد تاسيس منهج، فانه في بعض الاحيان - كما في فقه النظرية - هناك دعوة الى تاسيس منهج وليس الى تعميق منهج، لان هذا المنهج لم يكن من قبل، لا ارتكازا ولا تاسيسا.

الشيخ المبلغي: المنهج الاجتهادي الذي بايدينا فيه عناصر عامة لابد من اعمالها في جميع المسائل، وفيه بعض العناصر تختص ببعض المسائل وبعض الابواب، فلابد من تاسيس بعض عناصر المنهج بشانها، وانا اوافق الشيخ الكعبي على ما ذكره والاختلاف بيننا لفظي.

مداخلة الشيخ السند: هناك بحث في المنهج بمعنى اللية الفنية البحتة، فانها مؤثرة حتى في المنهج التصديقي الاستدلالي، ولكن دورها تصوري اونظمي معلوماتي، فربما الشيخ المبلغي - حفظه الله - في كلامه يشير في الملاحظة الاولى الى الجانب الفني، اذ هذه نكتة لابد من الالتفات اليها، لانه تارة يكون البحث في الجانب الفني بمعنى نظم المعلومات سواء في الفقه او الاصول، وتارة نبحث منهجية الاستدلال، اي المنهج التصديقي، فانه في الفقه يختلف تماما عن الاصول.

الشيخ الكعبي: من ناحية فنية نستطيع ان نقول ان النظم المعلوماتية جزء من المنهج المتكامل لعملية الاستنباط، لذلك ينبغي ان نتوقف عندها، ولكن بوصفها عنصرا من عناصر المنهج المتكامل. كما ان قضية تطوير الارتكازات وتعميقها وتاصيلها هي ايضاعنصر آخر. في الواقع انني اتصور اننا دخلنا في صلب الموضوع، بمعنى انه اخذنا بسرد عناصر المنهج المتكامل الذي ينبغي ان يكون منهجا لفقه الحوادث الواقعة، ونستطيع بمواصلة الحوار ان ندخل الى صلب بحوث الفقه والاصول ونكمل البحث.

الشيخ السند: لدي مداخلة قصيرة على معالم منهج الشهيد الصدر في الواقع الفقهي، فالامثلة التي ضربها الشيخ المبلغي هي في المنهج الفقهي لا في «فقه التنظير» او «فقه الانظمة»، وفقه الانظمة يختلف تماما عن الفقه الدستوري في النظام الحديث، فان فقه الانظمة تتكفله البرلمانات ونواب الشعب كي يصيغوا بحكم خبرتهم الميدانية في التخصصات المختلفة، فالمقصود ان فقه «اقتصادنا» او «البنك اللاربوي» وما شابه ذلك هي في الواقع خطوات في «فقه الانظمة» كالنظام الاقتصادي او البنكي وغيرها، ولفقه الانظمة معالم واسس وطبيعة اخرى غير «الفقه الدستوري» الذي يتعايش معه الفقيه عادة اكثر مما يتعايش مع كليات الفقه، نعم يصل الفقيه من خلال الاستفتاءات التفصيلية وما شابه ذلك او في تطبيقات الابواب الى فقه الانظمة.

* لكن نظريا قد يلتقي «فقه النظرية» مع «الفقه الدستوري» او «فقه الدولة»، وقد يتقاطع معه، ففقه النظرية قد يطال مجال البنوك، والبنوك ظاهرة قائمة سواء كان هناك نظام حاكم او لم يكن، لكن قد يلتقيان في بعض الاحيان.

الشيخ السند: لعل التسمية الصحيحة ليست هي «فقه النظرية»، بل هي «فقه الانظمة»او «فقه النظم» كما هو وارد اليوم في الفقه القانوني، لان فقه النظرية هو تنظير الشيء، وهو عنوان مطاط قابل للانطباق على حقول او مقاطع كثيرة، بخلاف عملية بناءالنظام، فانها تختلف عن اصل تشريع الامور بشكل دستوري مبعثر.

الشيخ المبلغي: اقول: ان للمنهج اربعة مجالات:
1 - المنهج التعليمي، وهو شيء خاص يرتبط بكيفية التعليم.
2 - منهج الاستنباط، وهو محل البحث، يعني كيف نستنبط هذا الحكم او ذاك؟ وعلى اي اساس؟ ووفق اية ضوابط؟
3 - منهج الحصول على المعلومات، وهو بمثابة المقدمة للاستنباط وليس داخلا فيه، كالاستعانة للوصول اليه بالكمبيوتر او الليات القديمة او الحديثة.
4 - منهج الدراسة، وهو ايضا مقدمة للاستنباط، ولكن منهج الاستنبطيعني تلك العناصر (ومن جملتها بعض القواعدالاصولية) التي نسير على اساسها وننطلق منها لاستنباط الحكم، طبعا منهج الاستنباط قد يمتزج بمنهج الدراسة ومنهج الحصول على الاستنباط، ولكن هذين المنهجين (منهج الدراسة والحصول على الاستنباط) ليسا داخلين في الاستنباط، بل نستفيد منهما للاستنباط بوصفهما مقدمتين.

واما بالنسبة الى فقه النظرية واكتشاف بنيته فنحن نواجه مجالين: استنباط الحكم الجزئي، وهو ما كان رائجا ودارجا في فقهنا وكل كتبنا كانت على هذا الاساس، وهناك منهج استنباط النظرية وهو شيء غير استنباط الحكم الجزئي.

مداخلة الشيخ الكعبي: بالنسبة لمسالة المناهج التي جاءت في كلام سماحة الشيخ (من المنهج التعليمي وتحصيل المعلومات وغيره) نحن في الحقيقة لا نحلل منهج الحصول على المعلومات وهل هو من الكمبيوتر او غيره، بل نتحدث عن الجوانب المعرفية في الفحص الكامل المبرئ للذمة، وان هذا التبويب والقولبة لفرز المسائل يؤثر في استنباط الفقيه، من هنا فانا اتصور ان هذا عنصر من عناصر المنهج المتكامل لاستنباط فقه الحوادث الواقعة او المسائل المستجدة.

* مواصلة للحوار نحدد المقصود من المنهج كمصطلح، فنحن انطلقنا من قضية كانها مفروغ عنها، ولا باس بتحديد هذاالمصطلح على ضوء ما اثير من نقاش فنقول: اننا لا نقصد بالمنهج المنهج التعليمي او المنهج الفحصي مثلا، وانما نقصدالمنهج العلمي الذي له خطوات محددة توصلنا الى اثبات نتيجة معينة، وهي الحكم الشرعي، فالمقصود هو هذا الشيء. وهنااذا قبلنا بمقولة التطوير في المنهج او مقولة استثمار المنهج الموجود وكشف الارتكازات المطوية، ناتي الن الى سؤال آخرعن المساحة او الدوائر التي يمكن من خلالها تطوير المنهج، ما هي هذه الدوائر والمساحات؟ هل تختص بالمسائل المستحدثة كما جاءت الاشارة اليه في كلمات بعض المشايخ، او التطوير في المنهج وفي آليات الاستنباط في علم الاصول وفي العلوم المرتبطة بعلم الفقه؟ اين يمكن ان نعمل التطوير؟ واين تلقي عملية التطوير ظلالها وثقلها؟ وفي اي مجال من هذه المجالات التي تقدمت الاشارة اليها؟

الشيخ السند: هناك جانب في تطوير بنيوية المنهج الاصولي، وهناك تطوير في بنيوية المنهج الفقهي، اما بالنسبة الى تطوير المنهج الفقهي فلعل المنهج المقارن هو من اساليب وآليات تطويره، وربما اختلف بعض الشيء في هذا الموضوع مع ما ذكره سماحة الشيخ الكعبي من اننا نرفض التبعية للمنهجية القانونية (ولعل هذه العبارة مجرد اثارة)، فالفقه المقارن على طول عمر الحوزات حظي بحضور فقه المدارس الاسلامية الحوزوية التقليدية، بينما خطوات الفقه المقارن بين القانون الحديث لم تكن كذلك، ليس فقط قانون البلد الذي تعيش فيه الحوزة، بل كل التدوين القانوني الموجود سواء نظم داخلية في بلدان اخرى او في العلاقات الدولية، في الواقع خطوة الفقه المقارن قد ينظر لها الانسان من الجانب الفني، لكن هي في الواقع اعمق من كونها كذلك.

الفقه المقارن نوع من الترجمة، ولكن ليس الترجمة اللفظية اللسانية كما قد يحسبها الناظر لاول وهلة بشكل عفوي، وانما المقارنة هي عملية استنباط، وعملية مسح وفحص ميداني حول نظم الحياة الراهنة التي نعاصرها، ورصد حالاتها قياسا للمواد والمصادر الموجودة في التراث الاصيل، ففي الواقع عملية المقارنة خطوة خطيرة جدا وضرورية وملحة، يعني نحن اذااردنا مواكبة الحياة وادوارها وفصولها، واردنا مخاطبة النخب المختلفة في مجالات مختلفة، فلا مفر لنا من ان نجيد المقارنة بين اللغات القانونية الموجودة في الحقول العلمية المختلفة: الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الادارية، الامنية، الاعلامية، وما شابه ذلك.

اذا، لابد لنا من مقارنة علمية دقيقة مدللة ومبرهنة، لما لهذه العملية من فوائد جمة وخطيرة وحساسة، فعملية الاستنباط من اخطر الخطوات. ومن ثمرات هذه الخطوة وفوائدها:

أولا - ان عملية المقارنة بين ما لدينا من تراث اصيل وبين الموضوعات الجديدة بما يشمل القانون الحديث وابوابه وفصوله ومناهجه - لهي خطوة حساسة وخطيرة تمنح الفقه قدرة المواكبة والمعاصرة.

ثانيا - تبصر الفقيه والمستنبط بالمواد ومصادرها، وكيف يسترفد بشكل اصيل ودقيق من التراث، سواء التراث بمعنى الكتاب والسنة والعقل، او التراث بمعنى جهود علمائنا الابرار، فان هذه الجهود يجب ان تستثمر ايضا.

ثالثا - عملية تبيين الرؤى الدينية السماوية الاصيلة (الهداية السماوية، الهداية القانونية، الهداية التكوينية) للنخب وللشرائح المختلفة وفي الحقول المختلفة بلغة يفهمونها، لاننا لو عبرنا لهم بلغة تقليدية ربما ينفرون منها، ومن باب المثال لاالحصر نظام الرقية والعبودية، فان مصطلح العبيد والاماء ربما يكون منفرا لما فيه من استعباد، بينما اصطلاح «البيئة التربوية» كمصطلح حديث، او المصطلحات الحديثة الاخرى التي يستخدمونها، قد تعطي معطى مختلفا.
وفي الواقع ان روح نظام العبيد والاماء لدينا ليس استعبادا واسترقاقا او تمييزا عنصريا او طبقيا، بل هي عملية احتضان وتربية.

رابعا - تبيين دور النخب المختلفة في التقويم او في ادارة مسيرة اقامة الاحكام الاسلامية، وتحديد نسبة مشاركتهم اومشاركة الامة وتعيين اين دورهم بالضبط؟ فمثلا حجية قول اللغوي - عندما يكون هناك حجية لقول اهل الخبرة - ودوراللغوي بين اللفظ والمعنى هو دور نخبوي في نفس ماهية ونظام المعنى، وهذا دور خطير يؤثر في المقارنة.

الشيخ الكعبي: بالنسبة لما تفضل به سماحة الشيخ السند - حفظه الله - فانا لا زلت ارفض بشدة التبعية للمنهج القانوني، واؤيد بشدة عملية المقارنة بين الفقه والقانون الوضعي، واؤكد على انهما شيئان، وان ما تفضل به سماحة الشيخ من ضرورة اعمال المقارنة مع القانون الوضعي كالمقارنة المذهبية بين مذهب اهل البيت(ع) والمذاهب الاربعة، فهذا شيء جيد لابد منه، نعم لابدمن خلق ادبيات جديدة ومصطلحات معاصرة لمفاهيم وادبيات فقهية قديمة، لكن هذايختلف مع قضية التبعية المنهجية، ولكي اوضح الفكرة اذكر عدة امثلة لذلك: فهناك مثلا نظم قانونية وضعية معاصرة عديدة، منها: النظام الروماني، او النظام الرومي، وهناك نظام آخر يسمونه نظام (الكامللو Commen Law) وهو نظام بريطاني، وهناك انظمة عرفية اخرى. هذه الانظمة تختلف مع بعضها البعض فيما يتعلق بالمبادئ، وفيما يتعلق بتاريخ المدارس، وفيما يتعلق بالتقسيمات القانونية، وفيما يتعلق بالمفاهيم والمصطلحات، وفيما يتعلق بالمصادر ايضا، فهناك اختلاف كبير جدا بين هذه المدارس، وهذا الاختلاف يؤثرفي فهم المدرسة، والاحتفاظ باصالتها.

وهناك شبهة تثار عادة بوجه الفقه الاسلامي، اذ يقال: انه تابع للفقه الروماني، وانه لم يات بجديد، وهذا ناجم عن بعض عمليات المقارنة المنهجية الخاطئة، فالتاكيد على المنهج المستقل وليس التبعية في المنهج يؤصل لنا المدرسة الفقهية المستقلة،ويحافظ على الاصالة، اضافة الى التجديد وعملية التطوير.

فبالنسبة الى التقسيمات في المدرسة الرومانية نراهم يقسمون القانون الى: القانون العام، والقانون الخاص. اما القانون العام فيقسم الى: القانون الدستوري، والقانون الاداري، والقانون الضرائبي والمالي، والقانون الجنائي، وقانون العمل، وامثال ذلك.واما القانون الخاص فينقسم الى: القانون المدني، والقانون التجاري، والى قانون البنوك، وقانون الحمل والنقل، وامثال ذلك.لكن المدرسة القانونية في بريطانيا او نظام الـ(كامللو Commen Law) ليس فيه هذه التقسيمات، بل القانون عندهم على قسمين: الـ(كامللو Commen Law) و (الانصاف)، وكذا مصطلح (كنترات = العقد Contrat) في المدرسة الفرنسية يختلف عن مفهوم (كنترات Contrat) في المدرسة البريطانية. وهذا ما يصرح به كبار اساتذة النظم الوضعية المعاصرة، مثل العالم الفرنسي المعروف (رنه دايفيد Rne divid) المتوفى قبل حوالي عشر سنوات، فالتقسيم المنهجي له اثره، و(Commen Law) الذي يختلف تقسيمه ما هو؟ ان ال (كامللو Commen Law) عبارة عن القانون المشترك للقبائل، والتاكيد على العرف (كاستم Costum) او على الاعراف الدستورية التي يسمونها (كنوانسيون Convansium بينما(كامللو Commen Law) بهذا المعنى في المدرسة الفرنسية او الرومية هو عنصر ثانوي، بل عنصر آخر من عناصرالفهم القانوني في فرنسا، وفي ايران - بعنوان خاص - يعتبر القانونيون من خريجي المدرسة الفرنسية، ولهذا فهم يحكمون هذا المنهج، فنحن عندما نتابع المنهج الفرنسي ونتبع مصطلحاته نفتقد اصالتنا، بينما القانونيون في العراق مثلا وفي بعض المدارس التابعة لمدرسة بريطانيا يتبعون تقسيمات مدارس الـ(كامللو Commen Law) و (الانصاف). ان القانون الوضعي في البرلمانات هو المصدر الاول في المدرسة الفرنسية، وفي المدرسة البريطانية العرف هو المصدر الاول، وحتى فيما يتعلق بالمصطلحات والمفاهيم والادبيات، فان كل مدرسة قانونية تريد الاحتفاظ باصالتها ينبغي لها الاحتفاظ بمفاهيمها وعدم متابعة احد.

اما بالنسبة للمقارنة بين المصطلحات كمصطلح «الجهاد الابتدائي» عندنا ومفهوم «القانون الانساني» عندهم او مايصطلح عليه بـ(Humantarin Intervntion Law هيومنترين انترفينشن لاو) بمعنى القانون الانساني، وليس(هيومنرايت Human Rights) بمعنى «حقوق الانسان»، فالقانون الانساني هو الذي يتعلق بالحروب ونستطيع ان نقارنه بمفهوم الجهاد الابتدائي حيث نراه شبيها له، وكذا مفهوم «عولمة النظام».

لكن بين هذين المفهومين فروقا كثيرة تتعلق بابعاد متنوعة جدا، الا ان عملية التقريب وفهم الواقع المعاصر يقودنا للمقارنة، وكما تفضل به سماحة الشيخ السند اننا في الادبيات الجديدة نستطيع ان نمتلك لغة المخاطب، ولكن لا ينبغي لنا ان نضحي باصالة المدرسة ومفاهيمها في الوقت الذي ننادي فيه بالتجديد والتطوير.

وكذلك الكلام بالنسبة الى ما تفضل به من مفهوم «البيئة التربوية» فان مضمون البيئة التربوية بامكاننا ان نعتبره من باب الحكمة لما عندنا من نظام الاماء والعبيد، دون ان يتغير من عمق المصطلح شيء، بل هذا في الواقع هو فلسفة هذا الباب من الفقه.

اذا، عملية المقارنة مؤثرة، لكن التبعية في التقسيمات والمفاهيم والادبيات مؤثرة ايضا.

يقول احد المراجع المعاصرين - ممن بحثوا في كتاب «الحدود والديات والقصاص والتعزيرات» - في بداية بحث القصاص: اننا نقسم هذا الكتاب الى حدود وديات وقصاص والى آخره، لكن عند القانونيين الجدد ينقسم البحث الى: الجناية على النفس والاموال، والجناية على امن الدولة. ثم يقول: من ناحية الشكل هناك بعض المعاصرين مثل عبد القادر عودة كتب التشريع الجنائي على اساس هذا التقسيم الجديد، ولكن بنظرنا فيه بعض موارد النقص والخلل من ناحية مضمونية ومذهبية.

ثم يقول هذا المرجع متمنيا: ليت هناك من الفضلاء والفقهاء ممن له قدرة الكتابة بهذا الشكل مع تطوير المضمون!

على انني حتى فيما يتعلق بالتبعية في الشكل لدي ملاحظة، ولكني اوافق على المقارنة بمعنى ان تكون هناك مسالة مستجدة عصرية ماخوذة من الواقع المعاصر نريد معرفة الجواب الفقهي تجاهها، فناخذ حينئذ بالمقارنة، حتى انني اقترحت على احداساتذة الدراسات العليا استبدال عنوان «الحدود والديات» بعنوان: «قانون الجزاء الاسلامي»، ففي الحقيقة انا مع المقارنة، لكني لست مع التبعية في المنهج، لان ذلك يسبب الضياع في اصالة المدرسة. ونحن في مدرستنا الفقهية لدينا تقسيمات خاصة، وحتى مصطلح «المصادر» الذي يستخدم حديثا بدل «الادلة» هناك فرق كبير بين مفهوم «الادلة الفقهية» ومفهوم «المصادر الفقهية»، وهذه لها ارضية مدرسية، لكنهم اليوم يستخدمون هذه الكلمة وكان هناك ترادفا بين لفظ «الادلة» و«المصادر»، فالمصادر بمعنى (سورس Source) او بمعنى (Foundantion)، وهناك ايضا فروق اخرى كثيرة جدا.

وفي تصوري نحن اليوم بحاجة ماسة الى معجم فقهي قانوني، بمعنى ان يكون الفقه هو الاصل مع القيام بعملية المقارنة، وهذاغير عملية التبعية في المنهج.

الشيخ المبلغي: أتصور اننا نواجه نقطتين يتفرع على كل واحدة منها عدة امور وقضايا:

النقطة الاولى: هي مسالة انحصار التشريع بالله سبحانه، وهي من النقاط الموافق عليها بين الجميع والتي يصرح بها القرآن الكريم: (ان الحكم الا الله).

النقطة الثانية: وهي موافق عليها ايضا عند السنة والشيعة وحتى بين الاخباريين والاصوليين من الشيعة، وذلك لضرورة الكشف عن الحكم الشرعي، وان كان هناك اختلاف بين الاخباريين والاصوليين فهو في ماهية هذا الكشف. وعلى هاتين النقطتين تشكلت الدراسات الفقهية.

اما بالنسبة الى النقطة الاولى فنحن قد تقدمنا الى الامام واوجدنا عنوانا لايزال موجودا وهو «مصادر الحكم» او «مصادر الاستنباط»، وهذا يرتبط بهذه القضية، وهو في الوقت نفسه يرتبط بالنقطة الثانية، لاننا عندما نتكلم عن مصادر الاستنبطيعني نحن نريد ان نكتشف شيئا، وعملية الاكتشاف هذه تستلزم الرجوع الى المصادر، ولكن بالنسبة الى ضرورة الكشف عن الحكم الشرعي نحن جئنا واوجدنا علما سميناه علم الاصول، هذا العلم دوره (الدور الكلاسيكي على الاقل) هو الفحص اوالتنقيب بالنسبة الى مفردات عملية الاكتشاف، علم الاصول جاء لكي يعطي لنا قواعد تمثل مفردات في عملية الاكتشاف، ولكن عملية الاكتشاف لا تكون فقط عبارة عن الكشف عن مفردات هذه العملية، بل هناك شيء آخر لا يزال موكولا الى الارتكاز، ولانزال نعمل على اساس هذا الارتكاز، وهو عبارة عن «اسلوب الاكتشاف». ان علم الاصول لا يتكلم عن هذا البحث وعن هذاالموضوع وان تكلم حوله بعض الاصوليين بصورة متشتتة.

مداخلة الشيخ السند: سماحة الشيخ يبحث حول معالم المنهج في اصول الفقه، وهو خارج عن دائرة البحث في تطوير اساليب الاجتهاد.

الشيخ المبلغي: لا، ان هذا بحث في المنهج الفقهي واسلوب الاكتشاف الفقهي، اذا علم الاصول كفيل ببيان مفردات عملية الاكتشاف. وهناك نقطة اخرى لو ركزنا عليها فسوف نتمكن من تطوير عملية الاجتهاد، وهي قضية تحديد مواصفات الكاشف، وهو الفقيه الذي يقوم بعملية الكشف.

الشيخ السند: الشيخ الن يركز بحثه في آلية المنهج، اي اللية في معرفة المنهج، وليس في معالم المنهج الجديد نفسه، فهل البحث الن في معالم المنهج الفقهي، او في آلية معرفة المنهج، يعني الادوات لمعرفة المنهج؟

* اود ان اوضح ان السؤال يمكن ان يشمل كلتا الحالتين، اي يشمل ادوات التطوير وادوات المنهج من جهة، ومعالم المنهج من جهة اخرى، فالذي تفضل به الشيخ المبلغي يؤسس - فى الحقيقة - ارضية لما تفضل به الشيخ السند من اسلوب المقارنة.

الشيخ الكعبي: لدي هنا تعليق هو في الحقيقة عبارة عن سرد اجمالي لمعالم المنهج استعرضها عبر نقاط:

أولا - الوسطية في المنهج: نلاحظ - وللاسف - ان هناك منهجا فيه حالة من التفريط والتزمت، ومنهجا آخر فيه حالة من الافراط والتبعية، وكلاالمنهجين عليه ملاحظات ومؤاخذات. اما المنهج التفريطي فهو التعصب لمدرسة او لفكرة، والجمودعلى الظواهر، وعدم التوسع في قراءة ومعرفة النص، وربما الغلو في الاخذ بالاحتياط عند كل مسالة خلافية، مما يسبب التوقف وحتى سد باب الاجتهاد، وهذا ما نسميه بمنهج الجمود او المنهج التفريطي، وهو ينطلق من الحفاظعلى الاصالة المفضي الى التضحية بالتجديد والتطوير، وهذا المنهج موجود وسائد ليس عند الاخباريين فحسب بل حتى عند بعض الاصوليين.

واما المنهج الافرطي او التبعي فهو الانبهار بقضايا الحداثة والمواكبة، ولهذا المنهج ايضا مرتكزات ومعالم، هي:
1 - العمل بالمصلحة، ويمثل هذا المبدا الاساس عندهم، اي تبعية الفقه للواقع وليس معالجة الواقع فقهيا.
2 - تتبع الرخص والمعاذير، حيث يحاول هذا المنهج ان يجد مفرا ليحصل على براءة الذمة، ولذا يحاول اتباع الاقوال الشاذة النادرة او الاجتهادات العفوية غير الصحيحة.
3 - التحايل الفقهي على اوامر الشرع المقدس، وتوسعة نطاق باب الحيل الشرعية، وهذا هو باب واسع في الواقع.
4 - تعميم مدرسة المقاصد كمنهج على كل جوانب الفقه بحيث انه لا تتناسب مع اوليات القضايا التي نعرفها. فهذان المنهجان فيهما افراط وتفريط.

ثانيا - التصور الكامل للواقعة الفقهية:
اي تحرير الاصل الذي ينبغي ان تنتهي اليه تلك الواقعة، وهو المعبر عنه في مصطلحات المدرسة الاخرى - غير مدرسة اهل البيت(ع) - ب «التكييف الفقهي»، في قبال مصطلح «التكييف القانوني» كمصطلح قانوني معاصر.

ويعبر عنه في مصطلحاتنا المعاصرة في مدرسة فقه اهل البيت(ع) بـ«معرفة موضوع الحكم الشرعي»، فاذا لم نلم ونحط بجميع جوانب موضوع الحكم الشرعي فالنتيجة لا تكون متناسبة مع الموضوع، وكمثال على ذلك من المسائل المعاصرة: طرحت في مجلس صيانة الدستور - في الجمهورية الاسلامية الايرانية - قضية المصادقة على قانون باسم قانون كرامة الانسان وحقوق الانسان، وهو عبارة عن تقنين لقرار قضائي صادر عن رئيس السلطة القضائية سماحة آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، وعندما ارجع هذا القانون الى مجلس صيانة الدستور للمناقشة الفقهية كان حوله رايان:
الاول: ان بعض مفردات هذا القانون ربما تخالف مسالة التعزير الذي هو بيد الحاكم، فبالنسبة للتكييف القانوني لهذه القضية ارجعها هذا القسم من الفقهاء الى التعزير، ومن خلال تطبيق عنوان التعزير استنبطوا ان مثل عصب العينين هو نوع من انواع التعزير وقالوا ان ذلك لا يجوز.
القسم الثاني من الفقهاء - كما بحثت الموضوع مع بعضهم - ارجعوا القضية الى مسالة التعذيب، والتعذيب مبدئيا غيرالتعزير، فالتعزير تاديب وليس تعذيبا، فاذا الاحاطة بجميع جوانب الموضوع تؤثر في ان نستخدم اي مصطلح او اي مفهوم يتناسب مع المسالة، وهذا ما يعرف بالتكييف القانوني.

ثالثا - استحضار المسائل وارجاع المسائل للاصول بالملكة الفقهية:
وهو معلم مهم جدا، اذ يشترط في من يريد ان يستنبط قضايا العصر فقهيا بحسب هذا المنهج ان يكون عنده ملكة اجتهاد وان يكون مجتهدا متضلعا. (اجتهاد معجمي) اي عنده احاطة بارجاع المفاهيم وهو ما يعبرون عنه بشم الفقاهة.

رابعا - الاخذ بعين الاعتبار دلالات الالفاظ في فهم النصوص:
اي عدم ارتكاب التاويل البعيد الذي لا تتحمله طاقة النص، هذه نقطة مهمة، فربما نجد ونشاهد تاويلات بعيدة خارجة - بحسب المصطلح الاصولي - عن مقام البيان، فمعرفة تمام المراد من المدلول اللفظي مهم جدا في مسالة معالجة الواقع المعاصر.

خامسا - مراعاة الاجماعات والمسلمات والضرورات وعدم تجاوزها.

سادسا - الاهتمام بمسالة القواعد الفقهية العامة، او ما يصطلح عليه بـ«التقعيد الفقهي»، والتوجه الى اليات والروايات فيما يتعلق بالابواب المعاصرة للفقه، فهو امر مؤثر جدا في عملية المنهجة.

ثم هناك ثوابت في المنهج لا ينبغي ان نتخطاها، ومن جملة تلك الثوابت: ثبات احكام الشريعة، وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وشمولية الشريعة لكل ما يحتاجه الناس على الاطلاق.

والنقطة الاخرى - التي اؤكد عليها لانها وللاسف مبتلى بها - عدم اقحام الراي الشخصي وفي الواقع تحميل النظرة الشخصية على النص، وهذا موجود في الرواية الخامسة من الباب السادس من ابواب صفات القاضي في وسائل الشيعة، عن ابي عبد الله(ع) عن امير المؤمنين انه قال - والرواية طويلة في تفنيد مسالة القياس : «فان نزلت به احدى المبهمات [اي القضايا العصرية الجديدة] هيا لها حشوا رثا من رايه، ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسيج العنكبوت لا يدري اصاب ام اخطا». فهذه ايضا مسالة مهمة ينبغي التركيز عليها.

* خلاصة البحث في جواب السؤال الثاني الذي فهمته من افادات الاساتذة الكرام هو ان البحث قد انطوى على نقطتين:

النقطة الاولى: حول تاسيس المنهج وكشف اساليب المنهج كما اشار اليه سماحة الشيخ المبلغي، فالكشف عن اسلوب المنهج يفيدنا في تطوير العملية الاجتهادية.
وما تفضل به سماحة الشيخ السند كان خير مثال لعملية التطوير هذه، وهو قضية المنهج المقارن.

النقطة الثانية: الكشف عن اساليب وادوات جديدة تدخل في صميم العملية الاجتهادية. لكن ما تفضل به سماحة الشيخ الكعبي تضمن الاشارة الى معالم المنهج الافرطي (المتحرر) والمنهج التفريطي (المتحفظ) ثم معالم المنهج الفقهي المعتدل الذي انطوى على:
أولا - تحرير الاصل.
ثانيا - استحضار المسائل.
ثالثا - الاخذ بعين الاعتبار طاقة النص ودلالته.
رابعا - التكييف الفقهي لمعرفة الموضوع.
خامسا - عدم تخطي الاجماع.
سادسا - مراعاة التقعيد الفقهي.
الا ان هذه العناصر هي في الحقيقة اشارات الى مكونات الاجتهاد وليس الى معالمه ومناهجه.

مداخلة الشيخ الكعبي: كلامك صحيح، الا ان هناك نقطة، وهي اننا في بعض الاحيان نجد بعض الفقهاء والمجتهدين يتجاوزون  وللاسف - في مقام ابداء الراي العملية الفنية للاستنباط. وهذه العناصر التي اشرنا اليها قد تغفل عمليا وتطبيقيا في المنهج كمبادئ ومقومات لعملية الاجتهاد.

* هذا كلام سديد حول مقومات عملية الاجتهاد وعدم التطفل والتجني عليها، باعتبار ان عملية الاجتهاد عملية مقدسة،لارتباطها بالحكم الشرعي وهو شيء مقدس كما ذكرنا في اول الحوار.

نواصل الحوار فنقول: اثيرت قضية كشف الاسلوب، وضرب سماحة الشيخ السند مثالا لذلك، وثمة اساليب اخرى تساهم في رفد وتفعيل المنهجية الفقهية، نكتفي بجدولتها - على امل ان نفرد لها حوارا خاصا بها - كي ننتقل بعد ذلك الى مسالة تطوير المنهج الاصولي ومدى تاثيره في عملية الاجتهاد والاستنباط.

وهذه الاساليب عبارة عن:
1 - فقه النظرية.
2 - الاجتهاد المجمعي او المؤسسي.
3 - الاستعانة بالخبرات لتشخيص الموضوعات وتحديدها من الناحية الموضوعية.
4 - تحرير العملية الاجتهادية من النزعة الذاتية والفردية واطلاقها نحو الشمولية.
5 - المواكبة والمتابعة السريعة للموضوعات المستحدثة، وذلك بتشكيل لجان لتشخيص الموضوع وتحديده وتقديمه لخبراء الشريعة.
6 - الانفتاح على الواقع ومواكبته وعدم الوقوف في هوامشه وزواياه.
7 - كون الاجتهاد سباقا الى المعالجات الفقهية، اي ان يكون في موقع الفعل وليس في موقع الانفعال وانتظار ضغوطات الواقع ومطالباته التي قد تهدف الى عصرنة الاسلام، بينما المطلوب اسلمة الواقع ضمن الضوابط المعروفة والمقررة فقهياواصوليا.

* تطوير المنهجية الاصولية:
تطوير المنهج الاصولي في العملية الاجتهادية امر لازم، فان علم الاصول منهج بجميع موضوعاته ومسائله في عملية الاستنباط، بل قيل: ان علم الاصول منهج في علوم اخرى تتجاوز دائرة علم الفقه.

الا ان ثمة كلاما او اثارة حول قدرة علم الاصول على مواكبة متغيرات الواقع التي تتطلب حكما ومعالجة شرعية محددة، اذ لاشك ان الواقع متغير وهو يمثل موضوع الحكم الشرعي، وعلم الفقه يتعامل في الحقيقة مع الواقع بكل ما للواقع من مرونة وانفتاح عليه، فهو لا يتعامل مع موضوعات ومعادلات علمية ثابتة كما هو الشان في العلوم الطبيعية، وانما يتعامل مع الواقع المنفتح في جميع اتجاهاته وآفاقه على متغيرات الاحداث.

من هنا تاتي وجهة النظر القائلة: ان علم الاصول لا يلبي متطلبات عملية الاجتهاد المعاصرة، فهو نظام معرفي قاصر عن الاستجابة لحاجات الاستنباط المتجددة بحسب ما يطرا من تغير على المجتمع وحركته. وقصوره هذا قصور تاريخي وليس وليد الساعة او اليوم، لان ابحاث هذا العلم لم توضع اساسا لتبتني عليها عملية اجتهاد شاملة، وانما تولد كثير منها من الابحاث التي وضعت لتقعيد اللغة العربية، وقسم منها جاء متاثرا بالفكر المنطقي، وبعضها دخل علم الاصول لاعتبارات كلامية.

وبعبارة اخرى: لم يتكون علم الاصول نتيجة وعي معرفي يراد منه اكتشاف مجاهيله وفتح آفاقه، وانما الذي حصل ان فقهاءالجيل الاول كانوا يعالجون قضايا منفصلة ثم بعد ذلك جمعت هذه القضايا وتالفت منها نظرة موحدة، او اريد لها ان تكون موحدة.

اذا هذا المنهج عولج من خلال قضاياه الصغروية كالطهارة والصلاة وغيرها، فالقصور ناشئ من ظهور تكون علم الاصول.

فالسؤال ينصب حول المنهجية الاصولية ومدى تاثيرها وتفاعلها مع المنظومة الاجتهادية، وما هي السبل في تطوير هذه المنهجية الاجتهادية والاصولية؟

الشيخ السند: النقد المتوجه لعلم الاصول ودوره شيء متجه ومطلوب كاثارة، ولكن للنقد جهة ايجابية وجهة سلبية.

هناك ظاهرة في مذهب الامامية، وهي ان علم الاصول لم يفتا عندهم مفتوحا على مصراعيه، كما ان الاجتهاد لم يفتا عندهم كذلك، دون بقية المذاهب الاسلامية الاخرى، وهذه الميزة والريادة يعترف بها الجميع.

ثم ان هذه المواصلة في علم الاصول وفرت الكثير من القفزات في تطوير مذهب الامامية، وهناك مباحث كثيرة في حالة تفتق وتطور وهي آخذة في الاستكشاف في علم الاصول، وهي ذات نظم خطيرة جدا، كعلم اصول القانون الذي ظهر في كلمات الاصوليين اخيرا باسم المبادئ الاحكامية، كما طرح ذلك في عدة مباحث تحت عنوان «فلسفة الاصول والفقه»، ولكنها بالدقة تسمى - كلغة قانونية : «علم اصول القانون»، وهو علم دقيق لم توضع معالمه بشكل كامل كما يعترف بذلك السنهوري حيث كتب في هذا المجال مع احمد حشمت «اصول القانون»، وكتب في هذا المجال ايضا الچلبي وهو قانوني قدير في جامعات لبنان. وقد ميز الدكتور ابو القاسم الكرجي في كتابه: «اصول الفقه المقارن» بين اصول الفقه المقارن وبين اصول القانون، وبين الفقه المقارن والفقه الشرعي، ولكنه جعل اصول القانون غير علم اصول الفقه. وهو غير صحيح، لانهما لونان او نمطان من تعطي اصول الفقه، وعلى كل حال فان الفصل بينهما لم يحسم علميا لا في الدراسات الدينية ولا الاكاديمية والقانونية.

فمثلا التعريف المدرسي لعلم الاصول انه: «العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي»، بينما هو في الحقيقة نظام منهجي للمعرفة الدينية عامة، او قل: منهجة نظام المعرفة الدينية، كي تخرج بذلك المعرفة البشرية التي تعتمد التجربة اوالعلوم العقلية.

ويمكن الاستشهاد على ذلك بشواهد، منها:
1 - نجد الاسس الاصولية تتعطى مع القواعد العامة في علم الكلام.
2 - وكذلك نجد بحوث علم الرجال تستمد من الاسس الاصولية.
3 - ان القواعد العامة في علم الدراية والسيرة قد مد علم اصول الفقه جذوره الواسعة فيهما.
4 - ولا يخلو علم التفسير من معالم اصول الفقه، كالبحث في حجية الظواهر وغيرها من الامثلة والشواهد.
5 - وكذلك علم الاخلاق وفرقه بين الاخلاق التجريبية الميدانية - كعلم السيكولوجيا وعلم النفس الاجتماعي #وبين العلوم الاخلاقية الالهية.

وبعبارة علمية: ان العلوم الدينية تبحث عن الحجية التصورية او التصديقية فبالتالي لها وثيق الصلة بعلم اصول الفقه.

وثمة اصلاح آخر في تقسيم علم الاصول حيث انه يقسم مدرسيا الى قسمين:
1 - قسم مباحث الالفاظ والدلالة.
2 - قسم مباحث الحجج.

لكن هذا التقسيم المدرسي ليس شاملا ولا عاما لجميع مباحث علم الاصول.

والصحيح ان مباحث الالفاظ والحجج كلها قسم واحد ينقسم الى فرعين، وما يقابل ذلك هو: «مباحث الحكم والقانون».

فالتقسيم الصحيح لعلم الاصول هو:
1 - مباحث الحجة، وهي اما تصورية او تصديقية اثباتية.
2 - مباحث الثبوت، وهو متن القانون والحكم.

وقد استقرات مسائل غفيرة في الالفاظ والحجج لا صلة لها بالالفاظ ولا بالحجية الاثباتية، وانما هي ترتبط بمتن القانون، وسماها المتاخرون من الاصوليين: «مبادئ الحكم» مع انها تغطي نصف العلم، فهي من صلبه وليست مبادئ، كمبحث اجتماع الامر والنهي، فانه لا صلة عضوية له بمبحث الدلالة او مبحث الحجج، ولكن بما انه يرتبط بماهوية الاحكام وما شاكل ذلك فمن هذه الجهة ادرج في باب الدلالة، وكذلك بحث التزاحم، واقسام مقدمة الواجب، وحقيقة الوجوب والحرمة، ومراحل الحكم الانشائية والفعلية، والتنجيز، والامتثال، وكذلك النسبة بين الحجج، والجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، فهي لا ترتبط لابمباحث الحجج ولا الدلالة.

ولذا يكون تعريف علم الاصول هو: «العلم بالقواعد الممهدة (باب الحجج التصورية او التصديقية) لاستنباط الحكم الشرعي،ولذكر ضوابط في عملية تشجير وتفريع الاحكام عن اصولها واسسها».

ونظرية «علم اصول القانون» وان كانت مساحتها هي مساحة فقه المقاصد او نظرية روح الفقه او ذوق الفقيه الا انني اعتبران علم اصول القانون مارسه الاصوليون، وقد ضبطت وجمعت خمس عشرة قاعدة بحثها وسبكها الاصوليون، وهي لا ربط لهابمباحث الدلالة والحجية التصديقية، بل لها ربط بكيفية انحدار وانشعاب وهرمية المنظومة القانونية بعضها عن البعض الخر، ولكن ما هي الضوابط والليات التي نشعب فيها من دون ان نرتكب الاستحسان او القياس او الحكم بالراي، بان تكون عبارة عن بناء منظومة هرمية مترابطة لا تجمد بل تتوسع وتواكب المساحات الجديدة بميزان منضبط.

وهذا جانب ايجابي في حقل علم الاصول، حيث نجد ان اصول الفقه الامامي بحث وجذر قواعد اصول الفقه القانوني، والاصوليون بحثوا كيفية التشجير التي تعد اليوم ازمة بشرية حتى في القانون الوضعي، لان مقتضاه ان يكون ضمن قواعدموزونة ومنضبطة. اذا، هذا بعد ايجابي في علم الاصول لا يمكن اغفاله، ولكن ما انجز نعترف انه مقدار قليل، وهذه الامور يجب متابعتها سيما عند الجيل الناشئ من الفضلاء.

الشيخ الكعبي: الكلام عن المنهج الاصولي ومدى قصور او مواكبة هذا المنهج لتغيرات الواقع وانه هل يكون هذا العلم عن وعي معرفي او لا: تارة يدور حول علم الاصول على اساس عملية منهج وفن الاستنباط نظريا، واخرى ينظر الى هذا الحقل الاصولي المدون عبر تاريخه المعروف وادواره واطواره والمدارس الفكرية التي مر بها.

اعتقد انه من ناحية نظرية لابد ان يقوم علم الاصول على اساس وعي معرفي دقيق ومبرمج، فانه جاء اساسا كمنهج لاستنباط قضايا الواقع، فاذا كان علم الاصول هو العلم بالكبريات التي لو انضمت اليها صغرياتها لانتجت حكما شرعيا، او العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي او التي ينتهى اليها في مقام العمل، او اي تعريف آخر له، فان هذه الضوابط والتعريفات نفسها تستبطن فرضية قيام علم الاصول على وفق منهج ووعي معرفي منضبط، والمنهج المعرفي الذي يسبق علم الاصول هو علم الكلام، حيث يكون كمبدا لعلم الاصول، ثم ياتي علم الاصول وتلحقه النظريات والقواعد الفقهية، وبالتالي نستنتج المسالة الفقهية.

يعني اذا اردنا بيان مراتب عملية التشجير والانحدار - على حد تعبير سماحة الشيخ السند - فهي كالتالي: الايمان باللهتعالى ورسوله(ص) واليوم الخر كمبادئ كلامية يقوم عليها علم الاصول وادلته، ثم يعرج على دليليتها، وحجية الكتاب والسنة وهكذا سائر الحجج الاخرى من العقل والاجماع والسيرة، وهذه كلها بحاجة الى نظرية معرفية واضحة المعالم. وبعدالبحث عن الدليلية في علم الاصول نبني نظريات فقهية، وعلى اساسها نستخرج قواعد فقهية، ثم نرتب ونبني عليها المسائل الفقهية.

كذلك في علم القانون وادواره تترتب هذه الادوار بهذه الصورة المعرفية، فان القانوني يبحث عن المبادئ القانونية واصول القانون ونظرية علم القانون، فهو يحتاج الى نظرية وفلسفة الحق، وفلسفة القانون، وفلسفة الامر والنهي، وهذه الفلسفة تقوم على اساس مدرسة معرفية قائمة على اساس نظرية فلسفية تتعلق بالوجود وامثاله، ثم يتفرع على ذلك وضع النظريات القانونية ثم القواعد القانونية والتبويب القانوني.

وبالنسبة الى قضية المنهج فانه لا يمكن التحدث عن اصول الفقه مع غياب النظرية المعرفية والوعي المعرفي المنهجي.

واما من ناحية خارجية او عملية فان علم الاصول المدون بمدارسه الفكرية المتنوعة قد ساهم في تدوينه عدد كبير من الاصوليين ضمن اطارات واتجاهات ومدارس اصولية متعددة، ونحن نعلم ان كل اصولي او مدرسة اصولية ينطلق من مبادئ ومرتكزات كلامية او فلسفية ومعرفية معينة او حتى لغوية قد تنعكس على البحث الاصولي وتدخل في نسيجه، مما يحول علم الاصول الى مجموعة او موسوعة علمية متنوعة العلوم والمعارف.

ومن هنا ياتي دور التطوير والتهذيب لهذا العلم، وهو على مراحل:

1 - تهذيب علم الاصول وتحديد المسائل المرتبطة بالاستنباط والدخيلة فيه.

2 - استخراج المباحث الاصولية من الموسوعات الفقهية الاستدلالية، كالجواهر وامثاله والتي تعتمد على قواعد اصولية في الاستنباط وتمارس ثقافة اصولية في البحث الفقهي.

3 - فرز مسائل العلوم الاخرى التي بحثت من قبل الاصوليين، كبحوث الكلام وفلسفة اللغة (اللسانيات) والفلسفة التحليلية والهرمنيوطيقا وغيرهما، واستخراج المدرسة الكلامية للشيخ الانصاري او الخوند الخراساني او غيرهما.

4 - فرز البحوث المشتركة بين اصول الفقه واصول القانون ونظرية علم القانون، فالبحوث التي تتعلق بتفسير النص القانوني او الفقهي هي بحوث مشتركة في جذورها، وهي ما نعبر عنه بالمدرسة التفسيرية القانونية او الاصولية للنص، او مايسمى بمدرسة تاويل النص والهرمنيوطيقا، وهذه المدرسة التفسيرية تعتمد مناهج متعددة، كالمنهج اللفظي، او المنهج العلمي الوضعي، او المدرسة الحرة في التفسير، فعلى الاصولي ان يحدد منهجه ومدرسته التفسيرية.

5 - استخراج النظرية القانونية فيما يتعلق بمنشا الحق والقانون، وكذلك مناشئ التكليف، والمكلف، والمكلف، وغاية التكليف، وغيرها من البحوث التي بحثت في المدرسة الكلامية والاصولية، ومقارنتها مع النظرية القانونية وليس مع الاصول القانونية.

6 - المناشئ الاصولية للنظريات الفقهية، وتبويب هذه القواعد الاصولية تحت عنوان قواعد اصولية لكشف النظريات الفقهية.

7 - منهج استنباط المسائل المستحدثة، وهذا باب خاص من ابواب القواعد الاصولية، كالبحث - مثلا - فيما يتعلق بالعناوين الثانوية ودائرتها وسعتها، سواء كانت هذه العناوين الثانوية مؤقتة تتعلق بالاضطرار كقاعدة الضرر، او كانت طارئة تفيد في عملية التقنين كقاعدة الاهم والمهم (التزاحم)، وهكذا بحث انحاء تغيير موضوع الحكم الشرعي، ودور هذاالبحث في استنباط المسائل المستحدثة.

وتغيير الموضوع على انحاء:
(1) - انقلاب الماهية العرفية، كاستحالة الكلب ملحا والفحم دخانا.
(2) - وتارة على نحو تبدل بعض الاوصاف الظاهرية الى موضوع آخر وان لم يكن مباينا له، كانقلاب الخمر خلا.
(3) - تغيير بعض الاوصاف المعنوية والاعتبارية، كسقوط الماء عن المالية عند الشاطئ، وصيرورة الدم ماء في العصرالحاضر.

فتغيير الموضوع له كامل الاثر والدخل في الاستنباط للمسائل الجديدة، فمثلا بيع القلب او الكلى او قرنية العين وغيرها من اعضاء بدن الانسان مما لم يكن ينتفع منه سابقا منفعة محللة مقصودة، فان استكشاف حكمها يعرف من خلال مسالة تغيرالموضوع، الا اذا كان لدينا نص فقهي يعلل حرمة بيعها بكونها اجزاء للميت حتى لو كانت لها منفعة محللة، فذاك شيء آخر،وهكذا مسالة زرع الاعضاء فعندما ناخذ قطعة من جسد انسان آخر فانها لا تكون نجسة باعتبارها قطعة مبانة بل هي قطعة من جسد انسان آخر.

ومثال آخر: المالية في النقود الاعتبارية، ومسالة ازدياد النفوس والسكان وهكذا، فهذه مسائل تغير موضوعها، وكان ينبغي افراد باب خاص لنوع هذه المسائل عند الاصوليين.