الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

الشيخ المبلغي: الظاهر ان المراد بالمنهج الاصولي هو المنهج الاستنبطي ذو الطابع الاصولي، لان المنهج الاستنبطي او الاجتهادي له اتجاهات، والاتجاه الاصولي يشكل احدها، فاقتراحي ان نغير السؤال الى السؤال عن الاتجاه الاصولي، او قل: المنهج الاستنبطي ذو الاتجاه الاصولي.

ولكي نجيب عن هذا السؤال ينطرح هنا سؤالان:
السؤال الاول: هل تمام الدور في المنهج الاستنبطي لعلم الاصول وحده؟
السؤال الثاني: هل استوفى علم الاصول تمام دوره في المنهج الاستنبطي او لا؟

اما الجواب عن السؤال الاول فهو بالنفي، فان علم الاصول يمكن ان يكون له السهم الاكبر، غير ان تمام ما نريده ونستعمله في المنهج الاستنبطي ليس ماخوذا من علم الاصول فقط، بل هناك ما نستفيده من علم اللغة وعلم الرجال والدراية، فهناك التحقيق الميداني والدقة التطبيقية التفريعية، وهما ليسا من الاصول.

فنحن اذا اخذنا بقاعدة حجية الظهور - مثلا - فمقدار معطيات علم الاصول هنا هو ان الظواهر حجة، ولكن القرائن التي نجمعها لاستظهار ان هذا هو الظاهر او لا هي دقة تجربية واعمال نكات علمية دقيقة ليست من الاصول.

فالمنهج الاستنبطي ليس مرادفا للمنهج الاصولي وان كان المنهج الاصولي له السهم الاوفر، وهذا بحث جدير بالتوقف عنده لمعرفة ان المنهج الاستنبطي بحاجة الى اي شيء بالضبط.

اما جواب السؤال الثاني فهو بالنفي ايضا، لان لعلم الاصول قابليات عديدة لم تبرز الى الن بعد.

وعلى هذا يتفرع امران:
الأول: لماذا لم توظف جميع القابليات ولم تتم الافادة منها؟

قد يقال: ان مشكلة علم الاصول تكمن في تدرجه التاريخي - كما نقل عن وجهة النظر المطروحة في السؤال - وهذا هو السبب في عدم ابراز قابليات علم الاصول.

ولكن هذا غير صحيح، وذلك لان كل علم كان متدرجا في تكونه سواء كان اصوليا او غيره، وانما الاشكال ينشا من زاوية تاريخية، وهي تقيد الاصول بالفقه.

وليس المقصود من تقيد الاصول بالفقه هو منهج الاحناف الذين كانوا يستفيدون قواعدهم الاصولية من خلال القواعد الفقهية،فهذا منهج لا نقول به، لان منهجنا هو المنهج الكلامي الذي يستفيد القواعد الاصولية اولا ثم يفرع الفقه على تلك القواعد.

بل المقصود من التقيد هو تبعية علم الاصول لعلم الفقه في تلبية متطلبات الواقع الفردي وليس الاجتماعي، فانعكست النظرة الفردية وتسربت الى علم الاصول ايضا بصورة تلقائية.

ولذا انتظمت وتاطرت جملة كثيرة من مسائل علم الاصول ضمن هذا الاطار التاريخي.

فالاستصحاب يستخدم في كثير من المجالات الفردية العبادية المحضة وفي كثير من الحقوق الاجتماعية، مع اننا لو اردنااعمال الاستصحاب في مجال الفقه السياسي فلا مجال لذلك، وهكذا فيما لو اردنا اعمال اصالة الاحتياط او البراءة او موارداجتماع الامر والنهي واجتماع مصلحة ومفسدة اجتماعية، اي تزاحم المصالح.

واما قابليات الاصول التي لم تنشط او تفعل بعد والتي لو نشطت لاخذ علم الاصول دورا اكبر له، ومن تلك القابليات استكشاف واستنباط النظريات كما قام الشهيد الصدر(قدس سره) ببعض منها.

وهناك قواعد تتضح في ضوئها نقاط تاثر المستنبط لها بعدة عوامل:

ويمكن تاصيل جملة من القواعد والقابليات المشار اليها في جملة روايات:

كقول الامام امير المؤمنين(ع): «فان نزلت به احدى المبهمات هيا لها حشوا رثا من رايه ثم قطع به». فهذه الجملة ناظرة الى بحث من مباحث «الهرمنيوطيقا»، فهو(ع) ينظر الى حالة تكون الفهم والقطع عند الفقيه عندما يرجع الى فرضياته المسبقة من دون ان يجدد في معلوماته «حشوا رثا من رايه»، فتكون مرجعيته الفكرية مستقاة من مخزونه المعرفي (الرث).

ان الهدف من علم الاصول هو تسهيل عملية الاستنباط وتهيئة الارضية له، وبما اننا نعتقد ان تكون علم الاصول كان على يدالائمة(ع) فقد كان تاكيدهم ينصب على مسالة تكون الفهم. هذه هي القابلية الاولى.

الشيخ السند: كما يقول الميرزا القمي: ان الفقيه متهم في ارتكازه اللغوي.

الشيخ المبلغي: اجل، هذا جزء من هذه القضية، ولذا قد تكون مجموعة كبيرة من الفتاوى الخاطئة ناشئة من هذه الاشكالية المعرفية لتكوين الفهم الفقهي.

والقابلية الثانية: قواعد الاستفادة من المباني الكلامية في الفقه.

والقابلية الثالثة: ضوابط الاستفادة من فقه السلف ومناهجهم في الاستنباط، فان علم الاصول مهمته خدمة الاستنباط، لانناالن نستفيد من فقه السلف بصورة مشتتة وغير منضبطة، فنحتاج حينئذ الى تقنين وضبط هذه الاستفادة.

القابلية الرابعة: ان هناك قواعد للبحث في مقام الثبوت وقواعد للبحث في مقام الاثبات، وهذه ايضا لم تبحث ولم تنقح، وهذاالامر فيه عدد من القواعد المنهجية في عملية الاستنباط.

القابلية الخامسة: قواعد معرفة الموضوعات للاحكام الشرعية.

القابلية السادسة والاخيرة: لابد من التعرف على المنهج الاصولي، وكيفية تطويره، وما هي مصادر البحث الاصولي؟ فهل له مصادر اخرى غير مصادر الفقه، او هي نفسها؟ والذي يبدو من الامام الخميني(قدس سره) انه يجعل السيرة العقلائية من مصادرالبحث الاصولي، باعتباره محاولة للفهم وليس كعملية استنباط للحكم الشرعي، وهذا منحاه هو محاولة الفهم لا استنباط الحكم، لان استنباط الحكم مصدره هوالكتاب والسنة، ولكن محاولة الفهم ساهمت فيه جهود بشرية، فلابد اذا من تحديد مصادرها.

فهناك مراحل ثلاث:
1 - التعرف على المنهج الاصولي.
2 - تفعيل وتهذيب وتوسيع قابليات علم الاصول على اساس المنهج الاصولي المنقح.
3 - تفعيل وتصحيح وتنقيح المنهج الاستنبطي والذي يستمد جذوره من علم الاصول.

والفقه الذي يبتني على هذا المنهج الاستنبطي المنقح يمكن ان يكون فقها يتجاوب مع الاوضاع الاجتماعية وغيرها.

الشيخ السند: اذا حددنا وشخصنا مسؤولية علم الاصول واهدافه وغاياته يتضح لنا مدى التطوير اللازم لعلم الاصول وادواره في الميادين المختلفة، وبالتالي نستطيع تفادي النزعة الفردية في الفقه، لاننا سوف نضمن قيامه على اساس نظام معرفي شمولي، وسوف يجد الاصولي نفسه عند بحثه مقعدا للقواعد الاصولية، ويرى حيوية هذه القواعد، وسعة تطبيقها، والمداقة في اطرهاالمعرفية.

وهناك لمحة قديمة ولكنها جديدة في معطياتها المنهجية وهي:

ان مهمة علم الاصول: - كما عبر عن ذلك استاذنا الميرزا هاشم الملي(قدس سره) في درسه مرارا عن استاذه الخريت الاصولي اقا ضياء الدين العراقي(قدس سره) - هي حراسة الدين الحنيف.

وهذه العبارة - على اختزالها - تشير الى ان مهمة الاصول هي حراسة الثوابت الدينية، فنحن لا نريد الذوبان في المتغيرعلى حساب الثابت الديني، وهذه مهمة شاقة وكبيرة، والذي يقوم بهذه المهمة هو علم الاصول. فاثبات جدارة الدين وحيويته ومواكبته واستمراره يكون عبر علم الاصول، حيث يقوم بدور مهم في هذه الحواريات المعرفية، وهو خير معين في هذاالسجال والصراع حول قدرة الدين على ادارة الحياة.

وايضا لعلم الاصول دور كبير في منهجة القواعد التي يحتكم اليها في حواريات الحضارات والاديان والمذاهب، فهو يمنهج مرجعيات هذا الحوار، كما له تاثير ودور في منهجة العلاقة بين الانظمة المعرفية كالنظام العقائدي والاخلاقي والقانوني والسياسي والبيئي وغيرها.

وفي الحقيقة ان المائز بين المعرفة الدينية والمعرفة البشرية هو: ان المعرفة الدينية في حين انها تنشد الحقيقة تتعهد ايضا ان تحامي عنها وترفع الحجب امامها وهذا يكون عن طريق علم الاصول.

* نستخلص من البحوث التي طرحت كمقترحات لتطوير المنهج الاصولي وبيان مدى تاثيره على العملية الاجتهادية عدة امور، نشير الى امهاتها:
1 - تقنيين ضوابط المتغير والثابت في علم الاصول.
2 - كشف القابليات الكامنة في علم الاصول المدون.
3 - تحديد موضوعات المسائل المستحدثة.
4 - دور علم الاصول في المحاكمة بين حواريات المذاهب والمدارس والحضارات وحماية الثابت.

هذه هي مفاصل التطوير في المنهجية الاصولية، وهناك نقاط كثيرة طرحت في هذا الاطار.

* هل توجد بعض الاضاءات او الاضافات في هذا المجال؟ الشيخ الكعبي:

من الامور التي اثيرت في البحث مسالة تقنين ضوابط المتغير والثابت، وهنا اشير الى جملة من هذه الضوابط:

1 - ان الحكم في القضية الحقيقية تابع للموضوع الذي يقدر وجوده في جميع الازمنة: الماضي او الحاضر او المستقبل،ولو لم يكن له مصداق في الخارج، فالتشريعات الصادرة على نهج القضايا الحقيقية تكون من الثوابت. فمثلا: (أوفوا بالعقود) يمكن التمسك بها ما لم يرد ترخيص بشانها لشمول العقود الجديدة - اذا كان الحكم فيها بنحو القضية الحقيقية - كالمالكية الزمانية او عقد التامين، فهذا عقد جديد مشمول لاطلاق الية، ولا حاجة الى ارجاعها الى البيع او الاجارة او الى غيرها من العقودالموجودة زمن التشريع. وهكذا في مسالة «السرقفلية» لا نحاول تخريجها على انها شرط في ضمن العقد او ما شابه ذلك، بل نقول انها عقد جديد يشمله اطلاق (اءوفوا بالعقود) بناء على كونه على نحو القضية الحقيقية.

وهكذا نطبق هذا الاطلاق بالنسبة للعقد عبر الهاتف او البريد الالكتروني وغيره.

واما اثبات انها على نحو القضية الخارجية، فهذا استثناء يحتاج الى قرينة خاصة للدلالة على انها «قضية في واقعة» مثلا.على انه لابد من تنقيح القضية الحقيقية الاصولية او المنطقية او حتى الفلسفية، والتمييز بينها.

2 - الالتفات الى اجواء النص والبناء العقلائي، وملاحظة هل ان الشارع المقدس امضى ولم يردع عن حكم معين بما انه من العقلاء او بما هو شارع؟ ولنعطي مثالا على ذلك: مسالة اسرى الحرب، حيث كان يطبق عليهم في صدر الاسلام نظام الرقية والعبيد والاماء - وكما عبر عنه الشيخ السندبالبيئة التربوية - ولكن هذا كان ينطلق من السيرة والبناء العقلائي آنذاك، حيث كان التجهيز على المقاتل نفسه وليس على الدولة، فالاجواء والسيرة العقلائية كظروف حافة بصدور الحكم الشرعي مؤثرة في فهم الحكم الشرعي، ولذا فان بحث الغنيمة وملك اليمين واحكام الجهاد لابد ان تفهم ضمن هذه الاجواءوالخصوصيات، وهل ان الشارع امضى فيها بناء العقلاء اوكان له دور التاسيس؟ فاذا طالعنا الظروف التاريخية فلربما ننتهي الى ان الشارع تعامل جريا على سيرة العقلاء كاحدهم وليس كمشرع، ومن ثم لا يمكن حينئذ - مثلا - تطبيق هذه الاحكام على الاسير الحربي في العصر الراهن.

وكمثال آخر: لو قتل الكتابي مسلما، فان للمسلم القصاص او الدية او الاسترقاق، فهذا البحث ايضا هو من افرازات بحث الجهاد ومسائله ولا اقول من مسائله في الصميم.

اذا، هذه الامثلة يجب النظر اليها من زاوية الثابت والمتغير، وان من المهم دراسة اجواء التشريع وبناء العقلاء في تحديد الثابت والمتغير كضابطة في الاستنباط وفهم الاحكام التاسيسية والامضائية.

ومن المسائل ايضا بيان دائرة المباحات، فهل بينها الشارع بما هو مشرع او بما هو منفذ؟ فلابد من ملاحظة قرينية النصوص لفهم الثابت والمتغير، وهذا يستدعي فتح واستحداث باب في الاصول حول ضابطة «المتغير والثابت».

الشيخ المبلغي: ذكرت في كلامي السابق ان علم الاصول لم ينقح بعض القواعد التي يمكن توظيفها في عملية الاستنباط، وهذا محور لم يستوعب في عملية الاستنباط ولا اريد الرجوع اليه، لكن هناك محور آخر، وهو:

ان علم الاصول مر مرور الكرام على بعض المسائل الهامة في الاستنباط، وقد تطلق وتتداول في الفقه والاستنباط ولكن من غير ان تاخذ حظها المنهجي في علم الاصول، وكمثال لذلك: ما يذكر في كلماتهم من لزوم التجنب عن تاسيس فقه جديد، وكلنانتفق على هذا المبدا ومفاده، لان دورنا هو الكشف عن الحكم الشرعي وليس تاسيس فقه جديد. ولكن لابد من التوقف عند هذه الكلمة وتحديدها وتقعيدها، فما هو محذور تاسيس الفقه الجديد الذي يذكر عادة في كلماتهم وبحوثهم من ناحية نظرية؟

وليتضح ذلك لابد اولا من بيان حجية هذا المبدا، ثم تقعيد جملة من القواعد للانطباق على الموارد والصغريات لهذا المبدا ثانيا.فمثلا وجدت فقيها يقول: ان (أوفوا بالعقود) ينصرف الى العقود المتعارفة سابقا ولا يشمل العقود المستحدثة، لان ذلك يلزم منه فقه جديد. ويرى فقيه آخر عكس ذلك فيقول: ان صرف الية الى العقود المعهودة وقصرها عليها يؤدي بنا الى تاسيس فقه جديد. فكلاهما تمسك بهذا المبدا، وهذا ما يحتاج الى تحديد منهجي.

المسالة الاخرى التي تتداول ايضا قولهم: «ان هذه قضية في واقعة»، لمنع تعميم الحكم وتسريته كما ذكره صاحب الجواهر حول خروج الامام الحسين(ع) انها قضية في واقعة. وهذا ما يحتاج الى بحث وضبط، فما هي القضية التي تكون في واقعة؟ وماهي خصوصياتها ومواصفاتها؟ هذه هي وظيفة علم الاصول.

الشيخ السند: ليس من واقعة جزئية او خارجية الا وتنضوي تحت كليات، فالمراد بهذه المقولة هو ابهام الحيثيات والجهات في هذه القضية بحيث لا يستكشف منها تعميم الحكم واستكشاف الكليات، فليس المقصود ان هذه القضية غير منضبطة تحت الكليات، بل ان فعل المعصوم باعتباره غير واضح الحيثيات والجهات فانه يقال عنه: «قضية في واقعة» اي انه مجمل، لوجود ملابسات عديدة فيه، فهو شبيه قولهم: ان هذا لا يعلم انه من باب التاسي الواجب او لا.

الشيخ المبلغي: لعل فعل المعصوم لا ينضوي تحت الكليات والقواعد الكلية، فهم(ع) يلقون الاصول ولكن فعلهم لا يندرج تحت القواعد الكلية، ولذا لا يمكن كشف القواعد المنطبقة على فعلهم، وهذا بحاجة الى بحث وتتبع.

الشيخ الكعبي: وتارة يكون صدوره منهم(ع) بقرار قضائي او تنفيذي غير قابل للتعميم.

الشيخ السند: قد يفسر بعضها بالشريعة الباطنة والشريعة الظاهرة، كما في قضية الخضر وموسى(ع) حيث تعاملا طبق الشريعة الباطنة،فالشريعة واحدة ولكن تارة يكون التطبيق وفق الاساليب اللدنية واخرى وفق الشريعة الظاهرية.

* اذا ما تفضل به سماحة الشيخ المبلغي هو عبارة عن الدعوة الى فتح مساحات وآفاق جديدة في البحث الاصولي لتقنين بعض المقولات والمبادئ والقواعد التي تستخدم استنباطيا وهي لم تاخذ حظها في التقعيد الاصولي.

الشيخ السند: نعم، ومن المسائل التي اود الاشارة اليها ايضا مسالة اصول الفقه القانوني، فان دوره خطير ولا يتحمل التاخير والتاجيل، لاننافي حالة تفجر نظمي في مناحي وآفاق الحياة، واذا لم نرسم لعلم الاصول هذا الدور الخطير فسوف نخفق في اداء مسؤوليتنا ومسؤولية علم الاصول.

الشيخ - الكعبي: وهذا بالطبع يستدعي عقد ندوة خاصة للمقارنة بين اصول القانون واصول الفقه، وهل انهما شيء واحد او متعدد؟

الشيخ السند: هناك ايضا بحوث اصولية جديدة تستحق البحث، اكتفي بطرح عناوينها بين يدي الاخوة:

1 - هل هناك لغة قانونية بشرية موحدة استخدمها الشرع او لا؟
2 - هل السيرة العقلائية او «القانون العقلائي العرفي» يقتصر على ما عاصر الشارع، او يمكن تولد سير قانونية عقلائية جديدة وتكون ممضاة ايضا؟
3 - هل يصح التمسك بعمومات المقاصد او اصول القانون او لا؟
4 - هل يقدم لنا «علم قراءة النص» آليات جديدة لم يتطرق لها علم الاصول او لا؟

* في ختام هذا الحوار نشكر اساتذتنا الكرام على مشاركتهم وتفضلهم بهذه الاجابات القيمة، والحمد الله رب العالمين.

تشخيص موضوعات
الاحكام الشرعية وتطور الاجتهاد

السيد علي عباس الموسوي

ان من خصائص الاحكام الواردة عن النبي الاكرم(ص) والائمة(ع) انها قد وردت بنحو القضية الحقيقية التي تعني انها لا تتحدث عن خصوص الافراد الموجودة لحظة صدور الحكم، بل هي تتحدث عن الحكم بعد ان يؤخذ الموضوع فيها مفروض الوجود،فهي تشمل الافراد الموجودة والافراد التي ستخرج الى عالم الوجود والتحقق الى يوم القيامة.

والقضية الحقيقية وان كانت حملية بالاصطلاح ولكنها ترجع الى قضية شرطية اخذ الموضوع فيها مفروض الوجود، فمرجع قضية مثل: يجب على المستطيع الحج، الى انه ان حصلت الاستطاعة يجب الحج، فموضوع القضية الشرطية التحليلية هووجود الموضوع وتحققه ومحمولها هو الحكم الشرعي المنقسم الى خمسة احكام: اما وجوب او حرمة او اباحة او استحباب او كراهة، وورود الاحكام الشرعية بهذا النحو هو الذي يكفل معرفة الاحكام في كل زمان ومكان كما يبرز لنا وبوضوح دورالموضوع في القضية الشرعية ومدى ارتباطه بالحكم.

ان الحاجة الى معرفة موضوعات الاحكام الشرعية تظهر ايضا بالالتفات الى المسائل المستحدثة، والتي تبلغ عشرات المسائل حيث يعمد الفقهاء الى دراسة موضوعات هذه المسائل والنظر في الشريعة للبحث عن نظائرها، الامر الذي يستدعي معرفة الموضوعات السابقة والمستحدثة، ان غالب الابحاث الفقهية التي تتناول المسائل المستحدثة يقع البحث فيها عن تحديدالموضوع الذي تندرج هذه الموضوعات تحت عنوانه فيشملها حكمه.

حقيقة القضايا الشرعية:

ان القضايا الحقيقية التي وردت الاحكام الشرعية على نهجها تمتاز بامرين نتعرض لهما تمهيدا منا للبحث:

أولا - ان الحكم الشرعي الوارد بنحو القضية الحقيقية لا فعلية له قبل تحقق موضوعه، اي ان للحكم مرحلتين: مرحلة الجعل التي تعني انشاء الحكم من الشارع، وهو ليس سوى مجرد انشاء، وداعويته تكون شانية، ومرحلة المجعول الذي يعني فعلية الحكم وهو متوقف على تحقق الموضوع، ويراد من التحقق هنا الوجود الخارجي للموضوع.

ولعل افضل تنظير لذلك هو مثال الوصية حيث ان الوصية انما هي تمليك بعد الموت ولا يعقل تقدمه على الموت، لان الذي انشابصيغة الوصية هو هذا، اي ملكية الموصى له بعد موته، فلو تقدمت الملكية على الموت يلزم خلاف ما انشا((2))، وهذا هومدرك ما اشتهر بكون فعلية الحكم بفعلية موضوعه.

وهذا الفارق يوضح كيف ان فعلية الحكم في القضية الحقيقية تتاخر عن زمان انشاء الحكم، لان فعليته متوقفة على وجود الموضوع الذي قد لا يكون محققا عند وجود الحكم، وهذا بخلاف الحكم لو جعل بنحو القضية الخارجية فان انشاء الحكم وفعليته يتقارنان زمانا.

ثانيا - ان الحكم في القضايا الحقيقية يتوقف على الوجود الخارجي للموضوع لا على الوجود العلمي، وهذا يعني ان العلم بوجود الموضوع في الخارج لو كان علما خاطئا فهذا لا يعني وجود الحكم، فلو علم شخص ما بانه مستطيع للحج ولم يكن مستطيعا حقيقة فهذا لا يعني خروج الحكم الى عالم الفعلية، والحكم يكون فعليا مع تحقق الموضوع وان لم يعلم به المكلف هذا كله مع قطع النظر عن مرحلة التنجيز والتعذير المرتبطة بالعلم.

ان هذا يظهر لنا وبوضوح اهمية البحث في موضوعات الاحكام الشرعية وعن كيفية تشخيصها للارتباط الوثيق بين الموضوع والحكم سواء التزمنا بالمقولة الشهيرة بان الموضوع علة لثبوت الحكم او لم نلتزم بها، كما ذهب الى ذلك بعض الاعلام مع التزامه بهذا الارتباط الوثيق بين الحكم وموضوعه بحيث انهما يكونان متقارنين زمانا.

تقسيمات موضوع الحكم الشرعي:

تنقسم موضوعات الاحكام الشرعية الى عدة اقسام:

* القسم الاول - الموضوعات المستنبطة:
والموضوعات المستنبطة على انواع يجمعها: ان تشخيصها يرجع الى الفقيه المجتهد لا الى المكلف.

النوع الاول: الموضوعات المستنبطة المحضة (الشرعية).
المراد من الموضوعات المستنبطة هي الموضوعات التي يكون مفهومها شرعيا مخترعا من قبل الشارع وان لم نقل بثبوت الحقيقة الشرعية كالصلاة والزكاة والحج والخمس ونحوها، ولذا يعبر عنها الفقهاء بقولهم: (الماهيات الجعلية)، (الماهيات المخترعة)، وبيان موضوعات هذه الاحكام سواء ببيان حقائقها او اجزائها او شرائطها موكولة الى المجتهد، ولابد للمقلد من الرجوع فيها الى المجتهد، وانما اوكل ذلك الى المجتهد لان بيان الموضوع فيها يرجع الى بيان الحكم الكلي الذي هو وظيفة المجتهد، فمرجع الشك في الموضوع او شرطه او جزئه هو الى الشك في الحكم - مثلا - اذا بنى المجتهد على عدم صحة صلاة الرجل اذا كانت بحياله امراة تصلي او العكس، الا ان يكون الفاصل بينهما عشرة اذرع فمعنى ذلك ان الصلاة اسم للاجزاء والشرائط التي منها عدم كونها واقعة بحذاء امراة تصلي((3)).

ودائرة هذه الموضوعات في باب العبادات اوسع من باب المعاملات بل المعاملات امضاها الشارع على ما كانت عليه عندالعرف، وتدخل الشارع انحصر في زيادة شرط او قيد، ولذا كان باب التعبد في العبادات اوسع منه في المعاملات، التعبد الذي يعني التسليم امام ما نص عليه الشارع من احكام مع خفاء علة الحكم وحكمته دون المعاملات التي ورد التعليل فيهاغالبا.

والمجتهد في هذا القسم لا يختلف طريقه لاثبات هذه الموضوعات عن الطريق الذي يسلكه لاثبات الاحكام، فلابد له من الرجوع الى الادلة الشرعية المتكفلة لاثبات الاحكام فانها هي المتكفلة لبيان الموضوعات المستنبطة.

النوع الثاني: الموضوعات العرفية المستنبطة:
تترتب مجموعة من الاحكام الشرعية على موضوعات عرفية، ولكنها ليست موكولة الى العرف العام الذي يكون بيد المكلف تشخيصه، بل هذا الموضوع العرفي يوكل امر بيانه الى الفقيه، وكمثال على ذلك مفهوم الغناء الذي هو من الموضوعات العرفية ولكن لا يكون تشخيصه بيد المكلف بل هو بيد الفقيه المجتهد، ففي الغناء يحصل التردد في بيان مفهومه وانه هل هوخصوص الصوت المشتمل على الترجيع او انه الصوت المطرب وان لم يكن فيه ترجيع؟ والوجه في كون هذا من الموضوعات المستنبطة ان الشارع صب حكمه على فرد خاص من الافراد وليس الى جميع الافراد، ومعرفة هذا الفرد الذي نهى عنه الشارع يرجع الى تشخيص مراد الشارع في نهيه وهو امر موكول الى المجتهد، ولذا لو نص المجتهد في فتواه بان الغناء هو الصوت المشتمل على الترجيع سواء اكان مطربا ام لم يكن، فمعناه ان الحرمة الشرعية انما ترتبت على الاعم من الصوت المطرب وغيره مشروطا بان يشتمل على الترجيع، نعم يكون تحديد مفهوم الترجيع او الطرب من الموضوعات العرفية المحضة لا المستنبطة.

النوع الثالث: الموضوعات اللغوية المستنبطة.
ان من الاحكام الشرعية ما يتوقف على تحديد الظهور اللغوي لكلمة ما، وحيث ناقش الاصوليون في حجية قول اللغوي كان لابدللفقيه ان يبحث هو عن تحديد المعنى الظاهر من اللفظ، وكنموذج على ذلك استظهار معنى كلمة الصعيد في قوله تعالى:(فتيمموا صعيدا طيبا) وانه هل هو مطلق وجه الارض او خصوص التراب؟ ان مثل هذا الموضوع سوف يحدد دائرة الحكم سعة وضيقا فامره بيد المجتهد.
ان هذه الانواع الثلاثة ترتبط في رجوعها الى الفقيه لرجوع امر تحديدها الى الشارع.

* القسم الثاني - الموضوعات العرفية:

لقد اوكل الشارع الى العرف وظيفة تحديد بعض موضوعات الاحكام الشرعية، واقتصر دور الشارع على ذكر هذه الموضوعات والاحكام المترتبة عليها. والعرف له مرجعية تحديد هذه الموضوعات، ولعل مرجعية العرف تبرز في باب المعاملات اكثر منه في باب العبادات لان الشارع كان دوره في باب المعاملات الامضاء ولم يكن دوره التاسيس لمعاملات جديدة، ففي ابواب العبادات يرجع الى العرف في تحديد الموالاة بين اعضاء الوضوء او تحديد حد الجهر والاخفات في الصلاة، او تحديد الغنم السائمة من المعلوفة في الزكاة او تحديد مقدار الاستطاعة في الحج، وفي المعاملات يرجع الى العرف في تحديد العيب في العين المبيعة او تحديد الطرب الموجب لحرمة الغناء اوتحديد المكيل والموزون وغير ذلك مما لا مجال لاحصائه هنا.

ولكن لابد لنا من تحديد محل الرجوع الى العرف بان الضابط الاجمالي الذي يمكن لنا ان نذكره هو انه لو كان لمفهوم واحدمصاديق ثلاثة: مصداق برهاني عقلي لا يمكن للعرف تشخيصه حتى مع تدقيقه في ذلك، ومصداق عرفي دقي ومصداق مسامحي عرفي والمتبع من العرف هو خصوص المصداق الثاني اي العرف الدقي.

ولكن لابد من الفات النظر الى امور في الموضوعات العرفية:

الاول: ان هذه الموضوعات العرفية منها ما اوكل الشارع الامر فيها الى العرف من دون اي تدخل من قبله، ومنها ما تدخل الشارع فيه بزيادة شرط او الغاء فرد من هذا المفهوم العرفي او اضافة فرد اليه، وحينئذ لابد من ملاحظة ما اضافه الشارع على الموضوع.

الثاني: ان من الموضوعات العرفية ما يكون المرجع فيه العرف القابل للتبدل بحسب اختلاف خصوصيتي الزمان والمكان، فقديتبدل الموضوع العرفي في المكان الواحد باختلاف الازمنة، وقد يتبدل في الزمان الواحد باختلاف الامكنة، ومن الموضوعات العرفية ما لا يصح فيه الرجوع الا الى عرف زمن النص وهي عبارة عن الموضوعات التي تتدخل في تشكيل ظهور النص، لان معرفة هذه الموضوعات سوف تشكل قرائن تتصرف في الظهور وتحدد سعته وضيقه، وهذا الامر لعله يكون بمثابة الكبرى ولكن تشخيص الصغرى لهذه المسالة وتحديد ان المسالة المعينة من اي الموردين تكون في غاية الدقة. ونستعرض هناموردا فقهيا ذكر الفقهاء انه لابد فيه من حمل اللفظ على المعنى المتعارف في عصر النص، مع ان بالامكان الحديث عن كون ذلك راجعا الى عرف كل عصر.

لقد ذكر الفقهاء تبعا للروايات ان مقدار الدم الذي يعفى عنه في الصلاة لابد وان لا يتجاوز مقدار درهم، لان الروايات وردت بذلك،وقد حمل الفقهاء الدرهم في هذه الروايات على الدرهم المتعارف في عصر النص ومنعوا من حمله على الدرهم المتبدل.

قال السيد الخوئي: «وتوهم ان المراد بالدرهم هو الدرهم على نحو القضية الحقيقية بان يكتفى بكل ما صدق عليه عنوان الدرهم في اي زمان كان ولو كانت سعته اكثر من سعة الدراهم الموجودة في زمانهم عليهم السلام مندفع بانه محض احتمال لامثبت له فان الظاهر من الدرهم في رواياته هو الدرهم المتعارف في عصرهم»((4)).

ولكن لنا ان نقول: ان ما جعله مجرد احتمال لا مثبت له لنا اثباته من جهة ان لنا ان نستظهر ان التحديد هنا ليس تحديدا دقيا بل هو تحديد مسامحي، ويشهد له ان المتعارف من الدرهم في عصر النص لم يكن واحدا بل كانت الدراهم تختلف بحسب السعة من درهم لخر، ولذا قال السيد الخوئي: «ان الدراهم المتعارفة في زمان الصادقين كانت مختلفة من حيث السعة والضيق حيث انها كالقرانات العجمية الدارجة قريب عصرنا انما كانت تضرب باللات اليدوية لا بالمكائن والادوات الدقيقة، ومن الواضح ان الله اليدوية لا انضباط لها لتكون الدراهم على ميزان واحد، ومن هنا كانت دائرتها تختلف بحسب السعة والضيق، وقد شاهدنا هذا الاختلاف في القرانات العجمية المضروبة  قبيل عصرنا - ببلدة همدان او خراسان».

فهذا الاختلاف يشهد على ان المدار لم يكن على المداقة، ولذا لم يرد في الروايات الاستفصال من الائمة(ع) عن نوعية الدرهم الذي يكون معيارا، كما انه لم يرد تحديد سعتها في شيء من رواياتهم(ع)، مضافا الى ان وجود دراهم ذات سعة محددة في عصرالنص ليس له دخالة في تحديد المعنى، بل معنى الدرهم واحد وان اختلفت مصاديقه، وهذا الامر تنبه له صاحب الجواهر في مسالة المكيل والموزون. ولذا فتعليقا منه على من ذهب الى حمل المكيل والموزون على المتعارف في زمنهم قال بانه: «من الغرايب، ضرورة خروج ما نحن فيه عن مسالة معاني الالفاظ، فان المكيل والموزون لا اختلاف في معناه في عرفنا وعرفهم وان اختلفت افراده فيهما فرب مكيل وموزون في ذلك الزمان ليس كذلك في هذا الزمان وبالعكس، وهو ليس اختلافا في المعنى وهو واضح».((5))

الثالث: ان نظر العرف متبع في تعيين المفاهيم لا في تطبيق المفهوم على مصاديقه اذا كان في تطبيقه مسامحة، اي ان العرف حجة في تحديد الكيل والوزن اي يرجع اليه في مقدار الكيل والوزن، ولكن العرف قد يتسامح في عملية تطبيق المفهوم على مصاديقه فلا يرى النقص اليسير مضرا، وهنا لا يكون العرف مرجعا ولا حجة لان العرف هو الذي يحدد مفهوم الانتفاع بالشيء،ولكن تحقيق الصدق الخارجي لهذا الانتفاع لا يكون موكولا الى العرف((6))، اي ان ما ثبت هو حجية النظر العرفي في تحديدالمفاهيم ومرادات المتكلم لا في تشخيص مصاديق المرادات والمفاهيم.((7))

الرابع: المسامحات العرفية هل هي حجة؟ قد يتسامح العرف في كثير من الامور ولكن هل تكون هذه المسامحات العرفية متبعة في الموضوعات الموكول الى العرف امر تشخيصها؟ ذكر الفقهاء ان هذه المسامحات العرفية لا تكون متبعة في موارد:

منها: التحديدات الشرعية، فمثلا ورد التحديد لنصاب الزكاة بمئتي درهم في الفضة وعشرين دينارا في الذهب، ولكن العرف قد يتسامح في معاملاته بالنقص اليسير ولكن هذا التسامح العرفي لا يرجع اليه في الشرع بل لابد من الدقة في صدق المقدار،فالنقص وان كان يسيرا يرفع الحكم بوجوب الزكاة((8))، بل اسسوا قاعدة تقول لا مسامحة في التحديدات، والوجه فيه ان التحديد الشرعي يكون حاكما على نظر العرف((9))، ولذا تشدد الفقهاء امام التسامح العرفي حيث يعاملون ما نقص عن مقدارالكر اي عن الف ومائتي رطل معاملة الكر ولكن الفقهاء حكموا بانفعاله بمجرد الملاقاة للنجاسة وان نقص مقدارا قليلا جدا كغرفة يد((10)).

وامثلة التحديد متعددة في الفقه كعدة المراة او المسافة الشرعية الموجبة للقصر والتمام وايام الاعتكاف واقل الحيض، ومن ثم يحكم ببطلان العقد بل الحرمة الابدية مع العلم فيما لو تزوجت قبل انقضاء العدة ولو بساعة، وبعدم التقصير فيما دون المسافة ولو بخطوة.

وهكذا مع ضرورة صدق تلك العناوين بالنظر العرفي توسعا وتسامحا منهم في مقام التطبيق، غير انه لم ينهض اي دليل على اتباعه بعد اتضاح حدود المفهوم من حيث السعة والضيق.

ولكن لابد للفقيه من ان يلتفت الى لسان التحديد الوارد في النصوص فان من التحديدات ما لا يقبل الدقة، وهذا الامر تنبه له الفقيه الهمداني حيث ذكر في البحث عن مقدار الكر الذي هو موضوع شرعي للحكم بالانفعال بمجرد الملاقاة وعدمه، ان مثل التحديد بالاشبار انما يذكر ككاشف عن تحقق الموضوع لا انه هو الموضوع للكرية، قال: ان نفس الاشبار في حد ذاتها مع قطع النظر عن كونها اخص مطلقا [من سائر التحديدات] كما قيل لا تصلح ان تكون حدا حقيقيا لمعرفة الكر الذي هو موضوع واقعي لا يختلف باختلاف الاشخاص وليس مثل الوجه في مسالة الوضوء الدائر مدار دوران الاصابع بالنسبة الى كل مكلف لان الموضوع بالنسبة الى كل مكلف هو وجهه المختص به، فلا امتناع في جعل اصابعه كاشفة عن حد وجهه وهذا بخلاف الكر الذي هو موضوع واقعي وله حد واقعي يخرج عنه بنقصان قطرة، فكيف يمكن ان ينطبق عليه اشبار كل من هو مستوي الخلقة من دون زيادة قطرة ونقصانها؟

فكل ما ورد من التحديد لمثل هذه الامور بمثل الاشبار والقلتين والحب فانما هي كواشف عن تحقق الموضوع الواقعي عندحصول هذه الاشياء لا انها حد حقيقي للموضوع النفس الامري بحيث لا يزيد عليه اصلا في شيء من مصاديقه.

وهذا المعنى وان كان خلاف ظاهر الحد الا ان نفس جعل هذه الامور حدا قرينة قطعية على ذلك، اذ من المعلوم الذي لا يعتبر به شك انه لو كان مصداق من الماء يبلغ المساحة المعتبرة بشبر من هو من مستوي الخلقة، وينقص عنها بمقدار رطل بشبر آخرممن هو ايضا من مستوي الخلقة مع فرض اتحاد حكمهما في هذا الموضوع لا يعقل ان يجعل الشارع شبر كل منهما حدا لهذاالموضوع.

هذا في الاشبار واشباهها، واما الارطال فالظاهر كونها تحديدا حقيقيا، اما اولا فلعدم الداعي على صرف ادلتها عن ظواهرها لكونها عيارا مضبوطا في حد ذاتها لا يقبل الزيادة والنقصان((11)).

منها: الرجوع الى العرف الدقي وعدم الاعتبار بالتسامح العرفي في تشخيص الافتراق الموجب لسقوط خيار المجلس في قوله: البيعان بالخيار ما لم يفترقا لان العرف المسامحي ليس حجة في تشخيص موضوعات الاحكام((12)).

وثمة موارد اخرى تكون المسامحات العرفية فيها متبعة:

منها: المسامحات العرفية في المصاديق، كاطلاق الذهب على الذهب الرديء غير الخالص عن الاجرام الموجبة لرداءته واطلاق الحنطة على الحنطة غير النقية على الاجزاء الارضية وشبهها المستهلكة فيها، وهذا النحو من المسامحة موجبة لاندراج الموضوعات تحت مسمياتها عرفا فيكون اطلاق العرف اساميها عليها اطلاقا حقيقيا فيترتب عليها احكام((13)).

منها: في الاستصحاب، حيث قالوا ان المدار في احراز الموضوع على المسامحة العرفية، ولذا لا يتاملون في استصحاب القلة والكرية اذا زيد في الماء او نقص بمقدار لا يعتد به عرفا((14)).

منها: في قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، فان من شرط جريان قاعدة الميسور ونحوها كون الماتي به من مراتب تحقق المامور به بنظر العرف بنحو من المسامحة العرفية((15))، اي ان العرف يرى ان الماتي به من انحاء وجود تلك الطبيعة المامور بها.

منها: في مسالة جواز الصلاة جماعة خلف المجنون الادواري الذي ظاهر المشهور جواز امامته حال افاقته لعدم صدق عنوان المجنون عليه حينئذ، وفعلية الحكم تتبع فعلية الموضوع فهو خارج عن مورد النص في هذه الحالة فتشمله اطلاقات ادلة الجماعة ومجرد جنونه في زمان او آنا ما لا يمنع عن الاقتداء به الى الابد فهو حينئذ عاقل عادل، فلا قصور في شمول مثل قوله(ع): «صل خلف من تثق بدينه» لمثله. واما اذا صدق عليه العنوان ولو بضرب من المسامحة العرفية واطلق عليه لفظ المجنون حال الافاقة ولو بالعناية لكثرة ادوار جنونه، فالظاهر عدم جواز امامته لاندراجه تحت النصوص المتقدمة حسب الصدق العرفي((16)).

ان ما يمكن الخروج به كضابطة متبعة لدى الفقهاء في تحديد متى يمكن الاعتماد على المسامحات العرفية والاخذ بها ومتى لايمكن ذلك هو ملاحظة مركز التسامح العرفي. فان كان التسامح العرفي عائدا الى تحديد اصل المفهوم او تحديد سعة المفهوم وضيقه فالعرف يكون مرجعا وحجة، لان الخطابات الشرعية موكول امر تحديد ظهوراتها الى العرف.

ولعل ابرز امثلة ذلك هو تسامح العرف في العناوين الواردة في بعض الاحكام كما في مفهوم الحنطة والشعير فان العرف يرى سعة المفهوم وشموله للمشتمل على الخليط من تراب ونحوه غير المنفك عنه في الخارج غالبا ولا يخصه بالخالص الذي هوفرد نادر جدا.

ومن ثم كان المناط في النصاب بلوغ الخليط وان كان الخالص بعد التصفية ناقصا عنه كما انه لو باع منا من الحنطة تحقق التسليم بدفع المخلوط - بالمقدار المتعارف.

ومن هذا القبيل ما تقدم في مبحث الاقامة من صلاة المسافر من ان مفهوم الاقامة في البلد - عشرة ايام - مفهوم واسع عرفايعم البلد وضواحيه من اجل قيام العادة على ان المقيم في البلد لا يقتصر على الاقامة داخل السور بل يخرج احيانا للتنزه اولتشييع الجنائز او زيارة القبور ونحو ذلك مما لا يضر بصدق كونه مقيما في البلد عرفا.

نعم قد تاتي بعض القرائن التي تمنع من التمسك بهذا التسامح العرفي كموارد التحديد الشرعي، فتكون هذه التحديدات الشرعية مضيقة لدائرة حجية العرف ومرجعيته ولابد من الالتزام بهذا التحديد الشرعي.

واما المسامحات العرفية في تطبيق المفاهيم على مصاديقها بعد تحديد دائرة المفاهيم فلا تكون متبعة لدى الشارع.

* القسم الثالث - الموضوعات الولائية:
للنبي والائمة شخصيتان تتمثلان بالتشريع والحكم فلهم شخصية التشريع العائدة الى كون وظيفتهم بيان الاحكام الالهية،
ولهم شخصية الحاكمية بما انهم منصبون من قبل الله، وكما صدرت عنهم مجموعة من الاحكام التي ترجع الى بيان الحكم الالهي الكلي صدرت عنهم مجموعة اخرى من الاحكام ترتبط ببيان الحكم الولائي، والحكم الولائي يفترق عن الحكم الالهي بانه ليس مؤبدا الى يوم القيامة بل تلحظ فيه المصالح العامة للمجتمع الاسلامي الذي اوكل مهمة ادارته الى المعصوم، فاذا تختلف موضوعات الاحكام الولائية عن موضوعات سائر الاحكام الشرعية، ان هذه الموضوعات يرجع تشخيصها الى الامام المعصوم في عصر حضوره والى نائبه اي الفقيه الجامع للشرائع الذي له سدة الحكومة والولاية، فان بيده تشخيص موضوعات الاحكام الولائية واصدارها، ومن امثلة هذه الاحكام الصادرة عن المعصومين(ع) جواز العمل مع الظالمين لحفظ مصالح المؤمنين((17)) فان تحديد متى يكون في العمل مع الظالم مصلحة للمؤمنين انما هو بيد الحاكم او ايجاب الزكاة في غير الاصناف((18)) التسعة فان تحديد الاصناف بيد الحاكم او تحليل الخمس للشيعة عند حاجتهم الى المال.

ووسيلة تشخيص هذه الموضوعات وان كانت بيد الولي الفقيه ولكنها خاضعة لمجموعة من القواعد والخطوط العامة التي تسمى ادلة التشريع العليا مثل مبدا العدالة الاجتماعية ومبدا العدل والاحسان ومبدا رفع العسر والحرج الاجتماعيين ومبدااحياء شعائر الاسلام.

ومن هنا يتضح ان خلطا قد يقع به بعض الباحثين فيعتبر بعض الموضوعات التي هي من الموضوعات الولائية موضوعاثابتا، ويرى ان تغير الحكم لتحول الموضوع مع ان حقيقة الحال هي ارتفاع الموضوع الاول وحدوث موضوع جديد مثلا حكم التقية وعدم الخروج على السلطان كان حكما ولائيا تابعا لعدم وجود امكانية مثل هذا القيام في عصر الائمة، واما لو ارتفع هذا الموضوع واصبحت الظروف مؤاتية للقيام بعملية التغيير فلابد للفقيه من ان يصدر حكما بلزوم العمل على هذا التغيير.

ان التحديد الذي يمكن ان نلحظه للاحكام الولائية هي انه يشكل حالة وسطى بين الموضوعات الخارجية التي لا يكون راي الفقيه بما هو فقيه ملزما وبين الموضوعات المستنبطة التي يكون بيد الفقيه تشخيصها، اذ الموضوعات الولائية هي موضوعات خارجية نوعية لا تخص فردا من المكلفين بل تعم التكاليف الصادرة على مستوى الامة، ولذا كانت الزامية الطاعة فيها حتى بالنسبة لسائر الفقهاء، ولذا يفرق الفقهاء بين الفتوى والحكم بان الفتوى عبارة عن عملية بيان للحكم الشرعي اي اخبار، واما الحكم فهو عبارة عن عملية انشاء لا اخبار((19)).

ولعل العديد من الموارد التي عبر فيها الفقهاء عن الحكم بانه قضية في واقعة انما هو من الموضوعات الولائية الصادرة عنهم عليهم السلام بما هم ولاة للامر((20)).

* القسم الرابع - الموضوعات الخارجية (الموضوعات الصرفة):
اتفق الفقهاء على ان تشخيص الموضوعات الخارجية انما هو بيد المكلف ولا يكون قول الفقيه ملزما، فلو اختلف تشخيص المكلف مع تشخيص الفقيه في ان هذا المائع الموجود خارجا هو خمر حتى يجب الاجتناب عنه او لا، وجب على المكلف اتباع مايراه هو فاذا المدرك الاساسي لعدم الاعتماد على راي الفقيه هو خروج امر هذه الموضوعات عن وظيفة الفقيه، نعم يكون قول الفقيه فيها داخلا تحت عنوان اخبار الثقة عن الموضوعات الخارجية((21)) فيكون حجة على مبنى من يرى حجية قول الفقيه في الموضوعات الخارجية.

وفي حكم الموضوعات الخارجية مجموعة من النقاط التي بحثها الفقهاء نستعرضها هنا مما يمكن ان يكون من وسائل اثبات الموضوع الخارجي وهي امور:

احدها: خبر العدل الواحد، لم يتفق جميع الفقهاء على كون خبر الواحد مثبتا للموضوعات الخارجية حتى مع التزامهم بحجيته في الاحكام الكلية، والدخول في البحث الفقهي لاثبات هذا الامر موكول الى بحث مستقل، ولكننا نستطيع ان نحكي عن اتفاق من قبل الفقهاء المتاخرين على حجية خبر العدل الواحد في الموضوعات الخارجية، ولمن اراد التوسعة في ذلك عليه بمراجعة البحث الذي تعمق في الغوص فيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر ضمن بحوثه الفقهية فقد اوفى الكلام في هذا المقام((22)).

ثانيها: القرعة، حيث التزم الفقهاء بانها حجة في الموضوعات الخارجية دون الاحكام الكلية ولكن الرجوع الى القرعة انمايكون في فرض التباس الامر اي عدم توفر وسيلة من وسائل الاثبات الاخرى كالبينة والاطمئنان وخبر العدل الواحد((23)).

ثالثها: القياس، من المتفق عليه بين فقهاء الامامية عدم حجية القياس لاثبات الاحكام الكلية الالهية للنهي الوارد عن اعمال القياس في الدين، واما في الموضوعات الخارجية فلا مانع من العمل بالقياس لاثبات الموضوع، ولذا لو حصل الظن بالقبلة من القياس فلا كلام بينهم في العمل به((24))، والوجه الفني لذلك هو ان القياس المنهي عنه هو القياس في الدين، وليس القياس لاثبات الموضوع الخارجي قياسا في الدين.

ومن جهة اخرى القياس في الامور الخارجية قليل الخطا لان غالب الامور الخارجية تقع تحت جامع واحد ومناطاتها بيد العقلاء((25)).

هل يجب ايجاد الموضوع الخارجي؟
سبق منا القول ان الاحكام الشرعية مجعولة بنحو القضية الحقيقية، وهذا يعني ان الموضوع اخذ فيها مفروض الوجود، فهل يجب ايجاد الموضوع؟ لقد فصل الفقهاء بين التكاليف التحريمية والوجوبية، ففي التكاليف التحريمية (العدمية) الحكم يكون تابعا لوجود الموضوع،
فلا يجب على المكلف ايجاد الموضوع، واما التكاليف الوجودية المطلوب منها الوجود فهي على قسمين، فان وجود الموضوع ان كان له ربط في تحقق الملاك لا يجب ايجاد الموضوع، وان كان لا ربط له بتحقق الملاك بل كان الملاك موجودا وان لم يوجد الموضوع فلابد للمكلف من ايجاد الموضوع، فان في مثل قوله: اكرم العالم او صل في المسجد يمكن ان يكون لوجود العالم والمسجد دخل في تحقق ملاك وجوب الصلاة، فيكون التكليف بالنسبة اليه مشروطا فلا يجب الاكرام والصلاة عند عدم وجود العالم والمسجد، ولا يجب على المكلف ايجادهما ولو مع تمكنه منه، ويمكن ايضا ان لا يكون لوجود الموضوع دخل في الملاك بان كان ملاك اكرم العالم والصلاة في المسجد ثابتا ولو مع عدم وجودهما، وعليه يكون التكليف بالنسبة الى الموضوع مطلقا ويجب على المكلف ايجاده مع عدم وجوده وتمكنه منه.

واما القاعدة في التكاليف الوجودية فهي ان ظاهر القضية هو ان يكون التكليف بالنسبة الى وجود الموضوع مطلقا، الا ان يعلم من خصوصية المقام خلافه، فانه بعدما لم يؤخذ وجود الموضوع في القضية شرطا، وقال بقول مطلق اكرم العالم وصل في المسجد، ولم يقل اذا وجد عالم فاكرمه واذا وجد المسجد فصل فيه، فالظاهر يقتضي ان لا يكون التكليف مشروطا بازيد مما يعتبره العقل في مطلق التكليف من القدرة على الامتثال وايجاد المتعلق، فاذا تمكن المكلف من اكرام العالم والصلاة في المسجد ولو بايجاد العالم والمسجد، لكان اللازم بمقتضى اطلاق القضية وعدم اخذ الموضوع فيها مفروض الوجود، هو وجوب الاكرام والصلاة ولو ببناء المسجد وايجاد العالم اذا امكن له ذلك.

والحاصل: ان ظاهر اطلاق القضية في طرف الاوامر اذا كان المطلوب هو صرف وجود الشيء لا مطلق الوجود، كما في مثل اكرم عالما وتوضا بالماء وصل في المسجد وامثال ذلك، هو ان لا يكون التكليف مشروطا بازيد مما يستقل به العقل في جميع التكاليف من القدرة على الامتثال، فاذا تمكن المكلف من اكرام العالم والوضوء بالماء والصلاة في المسجد ولو بخلق الموضوع وايجاده كان اللازم هو امتثال التكليف، الا ان تقوم قرينة من حال او مقال على اشتراط التكليف بصورة وجود الموضوع وفرض تحققه في الخارج((26)).

عوامل تشخيص الموضوع عند الفقهاء:

ما تقدم الكلام عنه هو بيان انحاء الموضوعات والدائرة التي تدخل تحت عمل الفقهاء ووظيفتهم وما نريد الحديث عنه الن هوعن مجموعة من العوامل التي لها دور في تحديد الموضوع سواء كان من الموضوعات المستنبطة او العرفية.

1 - العامل الاول - ملاحظة علة الحكم:
ان ورود الدليل على الحكم معللا يستوجب التعميم او التخصيص في الموضوع، وذلك لان ظهور النص يحكم بان الموضوع في الحقيقة هو العلة لا خصوص ما ورد من الموضوع في القضية المبينة للحكم الشرعي، نعم العلة الموجبة لتعميم الموضوع وتخصيصه هي خصوص العلة المنصوصة دون غيرها، وقد حكم الفقهاء في العديد من الموارد بتوسعة الموضوع تبعا لكون العلة منصوصة من قبل الشارع، ولعل اشهرها حكمهم بان الموضوع لحرمة شرب الخمر هو الاسكار لا خصوص الخمر وان ورد النص بخصوص الخمر((27)).

وقد يحدد العرف كون الجهة تعليلية فيوجب التعميم، فالعرف مثلا يرى ان الموضوع في مثل: «اطعم العالم» ذات العالم، وجهة العلم جهة تعليلية، اذ لا ربط للاطعام بجهة العلم، بل يرتبط بالذات نفسها، فاذا زال العلم لا يزول الموضوع بنظر العرف، وانما يرى انه قد زالت بعض حالاته، فيصح استصحاب وجوب الاطعام مع الشك.