الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

اما في مثل: «قلد العالم» فانه يرى ان الموضوع العالم بما هو عالم، لارتباط التقليد واخذ الاحكام بجهة علمه لا بذاته خاصة.فمع زوال العلم يزول الموضوع عرفا((28)).

2 - العامل الثاني - ملاحظة موارد الغاء الخصوصية:
لقد الغى الفقهاء خصوصية الموضوع الذي ورد الحكم عليه بسبب عوامل عديدة قد اسلفنا ذكرها في مقالة سابقة((29)) وهي على سبيل الاجمال، تنقيح المناط، تعطيل الخصوصية للاحكام، خروج الحكم مورد التمثيل، منصوص العلة، الاولوية العرفية، عدم القول بالفصل، مناسبة الحكم والموضوع، فلابد للفقيه من ملاحظة هذه الموارد لان لها دورها في توسعة موضوع الحكم الشرعي.

3 - العامل الثالث - ملاحظة مقاصد الشريعة:
ان تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد عند العدلية تنبئ عن وجود مقاصد لدى الشارع لوحظت عند تشريع الاحكام بنحو يكون ملاحظة هذه المقاصد من عوامل توسعة وتضييق الموضوع الوارد في القضايا الشرعية، ان ملاحظة المقاصد العامة للشريعة يكون باحد نحوين:

احدهما: ملاحظة هذه المقاصد في عملية الفهم الفقهي، اي ان الفقيه الذي يلحظ هذه المقاصد خلال عملية الاستنباط سوف تتغير آلية الفهم لديه، اي ان هذه المقاصد سوف تكون حاكمة على طريقة قراءة النص عند الفقيه كملاحظة مبدا الوحدة الاسلامية في تحديد موضوع العدالة المعتبرة في الشاهد((30))، وهنا ترتبط المسالة بالموضوعات المستنبطة عرفية كانت او شرعية.

ثانيهما: ملاحظة هذه المقاصد في موضوعات الاحكام الولائية الصادرة عن ولي الامر.

4 - العامل الرابع - ملاحظة عنصري الزمان والمكان:
يتفق غالب الباحثين في علم الفقه على ان لعنصري الزمان والمكان دورا في عملية الاجتهاد وان اختلفت الاتجاهات في تفسيردور الزمكاني في عملية الاستنباط، ولكن لعل من المتفق عليه دخالة عنصري الزمان والمكان في عملية الاستنباط، ومن هنافسرت الفتوى الصادرة عن الامام الخميني بحلية الشطرنج بان هذه الفتوى انطلقت من قراءة جديدة للنصوص المتعددة الواردة في حرمة الشطرنج هذه القراءة التي تعتمد على ملاحظة ان الشطرنج الذي هو موضوع الحكم بالحرمة انما كان لانه كان اداة القمار الغالبة في ذلك الزمان ولكن حيث تبدل الشطرنج في هذا الزمان ولم يعد من آلات القمار لم يعد للحرمة مجال،فاذا لوحظ في موضوع القضية الشرعية: الشطرنج حرام خصوصيتا الزمان والمكان اللتين صدر الحكم فيهما.

5 - العامل الخامس - الموضوعات الطريقية والموضوعات الصفتية:
ان من الموضوعات الشرعية ما يلحظ كونه موضوعا للحكم بعنوانه بنحو يكون العبرة بصدق هذا العنوان، وبهذا تكون دائرة الموضوع مقتصرة عليه بخلاف ما لو كان الموضوع ملحوظا طريقيا فان موضوعيته لن تكون لعنوانه الوارد في القضية الشرعية، فمثلا في صحة الوضوء عند التقية لو انكشف خطا المكلف وان المورد لم يكن موردا للتقية او الضرورة فهناتردد الفقهاء في صحة وضوئه وبنى بعض الفقهاء المسالة على كون الملحوظ كموضوع لانتقال الوظيفة الى البدل (الوضوء
الاضطراري) هو الخوف بنفسه او طريقا صرفا، فعلى الاول لابد من الالتزام بصحة الوضوء لان تمام الموضوع لتبدل الوظيفة هو الخوف وقد حصل، وعلى الثاني لابد من الالتزام بعدم صحة الوضوء لان الموضوع كان طريقيا وقد انكشف الخطا، فاذا لم تكن الوظيفة الانتقال الى البدل((31)).

اذا فالموضوع الطريقي يختلف عن الموضوع الصفتي، ولابد للفقيه من ملاحظة الموضوع في القضية الشرعية من اي الموردين، ولكن ليس لذلك ضابطة عامة وانما يعتمد ذلك على قرائن ومناسبات استظهارية مفتوحة لمدى قدرة الفقيه على الملاحظة.

ونذكر هنا نموذجا آخر لعله مدار معركة الراء بين الفقهاء وهو تحديد المكيل والموزون الذي هو موضوع الحكم بحرمة الربافيه، فذهب مشهور الفقهاء الى ان العبرة في المكيل والموزون بما كان متعارفا في عصر النبي، وعليه فالاجناس التي يحرم التعامل الربوي فيها هي عبارة عما كان التعامل فيها في زمن النبي بالكيل والوزن وان تبدل ذلك في هذه الازمان واصبح بغيره.

وقد ذكر بعض اعلام الفقهاء بان حكم المشهور هذا انما كان بناء منهم على كون المكيل والموزون - موضوع حرمة الربامجعولا بنحو الطريقية والكاشفية الى الاجناس التي كانت تكال وتوزن في عصر النبي، فكان القائل عندما قال كل ما يكال او يوزن اراد به ان الذهب والفضة والحنطة والشعير الى غير ذلك كذا، وانما جمع في التعبير اختصارا، نحو قوله: «هؤلاء»مشيرا الى الاشخاص، ففي الحقيقة يكون ذلك مشابها من جهة بالقضية الخارجية لان عنوان المكيل والموزون جعل طريقا الى خصوص الاجناس المكيلة والموزونة في عصره عليه السلام لا الى كل ما يوزن ويكال.

ومن جهة بالقضية الحقيقية، لان المشار اليها ليست الطبائع المتقيدة بزمان خاص او مكان خاص، ولا افرادها الموجودة في ذلك العصر، بل نفس تلك الطبائع القابلة للصدق على الموجود في كل زمان ومكان، فتصير نتيجة ذلك التقييد، وذاك الاطلاق هو القول المشهور، اي الاجناس التي كانت مكيلة او موزونة في عصر الشارع لا يجوز التفاضل فيها في كل عصر ومصر اذا كان الجنس واحدا، ولابد فيها من التعامل بالكيل والوزن كذلك.

واما من خالف المشهور وذهب الى كون الاعتبار بما يكال او يوزن في الزمن الذي تجري فيه المعاملة فقد بنى ذلك على كون الماخوذ موضوعا للحكم بحرمة الربا قد اخذ بنحو الموضوعية لا الطريقية، اي العبرة بعنوان المكيل والموزون فلو تبدل حال ما كان مكيلا او موزونا لتبدل حكمه ولم يدخل تحت التحريم وان كان مكيلا وموزونا في عصره((32)).

6 - العامل السادس - الموضوع بما هو معلوم والموضوع بما هو هو:
من الامور الدخيلة في تحديد موضوع الحكم الشرعي ملاحظة ان الموضوع هل اخذ بما هو معلوم فتكون العبرة بحصول العلم به او بما هو هو؟ ونذكر لكل الموردين مثالا، فمثال ما يؤخذ الموضوع فيه بما هو معلوم الاقامة عشرة ايام الموجبة للاتمام في الصلاة فان العبرة فيها انما هي العلم بانه سيقيم في هذا البلد عشرة ايام سواء قصد ذلك او لم يقصده، فالعبرة بعشرة ايام معلومة التحقق حتى ولو بلا اختيار، ومثال ما يؤخذ في الموضوع بما هو هو قصد السفر او قصد المسافة الشرعية، فانها هي الموجبة لقصر الصلاة بما هي موجودة في افق القصد والوجدان فهي موضوع للحكم الشرعي بما هي موضوعات لا بما هي معلومات((33)).

7 - العامل السابع - ملاحظة الادلة المتصرفة في الموضوع:
من الادلة الشرعية ما يكون متصرفا في موضوع قضية شرعية اخرى، ولدى الفقهاء لهذا النوع من التصرف اصطلاحان:
الحكومة والورود.

اما الورود فهو الخروج الموضوعي بالوجدان ولكن بسبب التعبد الشرعي كقيام الدليل الشرعي حيث يكون نافيا لموضوع قبح العقاب بلا بيان وجدانا، لان الدليل الشرعي يصبح بيانا وان كانت بيانيته بسبب التعبد الشرعي، فالتعبد الشرعي تصرف في الموضوع باضافة فرد اليه.

واما الحكومة فهي في احد قسميها تكون ناظرة الى الموضوع نحو قوله: لا ربا بين الوالد وولده لانه ينفي موضوع الربا بين الوالد وولده فينتفي الحكم تبعا لذلك((34)).

دور معرفة الموضوع في تطور الاجتهاد:

ان ما قدمناه كان عرضا لدور الموضوع في عملية الاستنباط وكيفية تعامل الفقهاء مع موضوع القضية الشرعية، وما سندخل في الحديث عنه الن هو عن دور الموضوع في تطور الاجتهاد، هذا التطور الذي لن يقتصر على ما يرد على المجتهد من موضوعات مستحدثة، ولن يكون تطور الاجتهاد رهنا لوجود هذه الموضوعات وعدمها بل للموضوع دوره في تطور الاجتهادمن جهات متعددة سنعرض لها هنا:

الدور الاول: دور معرفة الموضوع في تحديد سعة الحكم وضيقه:
الاطلاق في الادلة الشرعية من مثبتات الحكم هذا الاطلاق الذي يتمسك به لاثبات الحكم امام اي فرد مشكوك ويقال له الاطلاق الافرادي وامام اي حالة مشكوكة من حالات الموضوع ويقال له الاطلاق الاحوالي.

ولكن ثمة اطلاقا آخر هو اطلاق في جانب الموضوع وهو المسمى بالاطلاق الطبيعي، انه عبارة عن حدود دائرة الموضوع وانه هل يشمل جميع الدوائر او يختص ببعضها؟ ان معرفة حدود الموضوع هو الذي سوف يفتح المجال للفقيه للحديث عن الاطلاق الافرادي او الاحوالي وان عدم التحديد الدقيق لدائرة الموضوع قد يجعل الفقيه متمسكا بالاطلاق الافرادي مثلا وهو غير ملتفت الى خروج هذا الفرد عن الموضوع خروجا ذاتيا بنحو لا يعود للاطلاق الاحوالي اي دور في الاثبات، وكمثال على ذلك مسالة شرطية الايمان في المفتي او المقلد فقد تمسك البعض لاثبات عدم كون الايمان قيدا باطلاق الادلة لان حجية الفتوى في الادلة اللفظية غير مقيدة بالايمان((35)).

ومقابل هذا يمكن ان يقال انه لا معنى اساسا للتمسك بالاطلاق لان موضوع هذه الادلة اللفظية الدالة على حجية الفتوى فيه تقيدذاتي لا يشمل غير المؤمن ولا تصل النوبة الى البحث عن مثل هذا الاطلاق.

هذا كله مع فرض كون موضوع الحكم كليا عاما لا شخصيا خارجيا.

الدور الثاني: دور معرفة الموضوع في تحديد مركز الحكم:
تقدم ان موضوعات الاحكام الشرعية منها ما يكون موضوعيا بنحو يكون هو الموضوع ومنها ما يكون كاشفا عن الموضوع الحقيقي، ان التمييز بين الموردين له دوره في تطور الاجتهاد الفقهي ان من الاحكام ما ذهب الفقهاء الى تحديد موضوعه معتمدين على نص ورد بترتيب ذلك الحكم على ذلك الموضوع مع انه ليس هو الموضوع الحقيقي للحكم بل هو مجرد كاشف عن الحكم.

لقد سبق منا ذكر مثال على ذلك ذكره الفقيه الهمداني في مسالة الكر من ان التحديد بالاشبار انما هو لكونها كاشفة عن تحديدالموضوع لا انها هي الموضوع للكرية، وبين ايدينا مثال آخر وهو تقدير الدية لقد وردت الروايات المتعددة بتقدير الدية بامورمتعددة، فورد تقديرها بالف دينار او عشرة آلاف درهم او مائتي بعير او مائتي بقرة او مائتي حلة.

ولا يخفى ان القيمة الواقعية ستختلف باختلاف هذه التقديرات، ولكن الذي يظهر من بعض الفقهاء ان العبرة انما هو بقيمة الف دينار وان ما ورد من التقدير بمائتي حلة انما هو لان قيمة كل حلة خمسة دنانير، وعليه يكون العبرة بالف دينار او عشرة آلاف درهم.

هذا ما ذكره ابن ابي عقيل، حيث قال على ما نقله العلا مة الحلي: «وعلى اهل الابل والبقر والغنم من اي صنف كان قيمة عشرة آلاف درهم، واذا كان الضابط اعتبار القيمة فلا مشاحة في العدد مع حفظ قدر القيمة وهي عشرة آلاف درهم او الف دينار((36))،فاذا تكون التقديرات الاخرى عملية كشف عن تحقق الموضوع لا انها هي موضوع الحكم.

من جهة اخرى لدى الفقهاء في ابحاثهم ما يعبرون عنه بالخروج الموضوعي لمصداق من المصاديق عن القضية المتكفلة للحكم الشرعي وهو ما يصطلحون عليه بالتخصص، ان تحديد كون خروج عنوان من العناوين عن دائرة موضوع حكم من الاحكام خروجا تخصصيا - موضوعيا - يتوقف على تحديد دائرة الموضوع والاطلاع الدقيق عليه، ان خروج عنوان ماخروجا موضوعيا لا بنحو التخصيص او التقييد له ثمرات فان التخصيص او التقييد يتوقف على احراز نكات لا يتوقف عليهاالخروج الموضوعي.

الدور الثالث: دور تبدل العرف في تبدل الموضوع:
تقدم ان الشارع اوكل الى العرف تشخيص مجموعة من موضوعات الاحكام وان المتبع هو العرف الدقي لا المسامحي، ولكن هذه الموضوعات الموكولة الى العرف والعقلاء على نحوين:

احدهما: ما كان موكولا الى العرف الحادث من اساس، اي ان الشارع لما اوكل الى العرف هذا اوكله الى العرف المتبدل لا العرف الثابت، ويكون العرف هو الذي يحدد الموضوع تبعا للخصوصيات التي يلحظها، فمثلا موضوع المعروف في قوله تعالى:(فامساك بمعروف او تسريح باحسان) موكول الى العرف المتبدل بنحو لا يكون للعرف السائد في عصر النص اي دور في تحديد موضوع الامر بوجوب النفقة، فاذا اقتضت السيرة والعرف ان تكون نفقة الزوجة في هذا الوقت بنحو اتم واكمل مما كان معروفا بالنسبة لها في غابر السنين نتيجة لاختلاف الظروف الفكرية والاقتصادية او الاجتماعية فسوف يتوسع عنوان النفقة بالمعروف عما كان سابقا، وسوف تجب هذه المرتبة منها ولا تكفي سائر المراتب.
وتاسيسا على هذا قالوا: ان العرف العقلائي والسيرة العقلائية هنا لا تحتاج الى عملية امضاء من الشارع فلا حاجة الى اثبات تقارنها مع عصر المعصوم، ولذا حتى لو علمت السيرة السائدة في عصر المعصوم لا تكون مثل هذه السيرة حجة وملزمة((37)).

ثانيهما: ما ترتب في الحكم على موضوع ولكن هذا الموضوع قد تبدل مثل ما ورد من حرمة بيع الدم وذلك حيث ان موضوع الحرمة (الدم) لم يكن به منفعة محللة عند العقلاء بل كانت منفعته منحصرة في ما يحرم الانتفاع به، ولكن حيث كان للدم منفعة محللة معتد بها عند العقلاء في العصور المتاخرة جاز الانتفاع بها((38)).

ان مراجعة الروايات التي وردت بحرمة الانتفاع بالدم وغيره من الاعيان النجسة يدلنا على كون الموضوع للحرمة انما هوعبارة عما لا نفع محلل معتد به عند العقلاء، ولكن حيث تبدل حال الدم ليصبح مما له نفع محلل معتد به عند العقلاء فهنا تبدل الموضوع يوجب تبدل الحكم.

وعلينا ان نسجل هنا ملاحظة وهي ان التبدل في الحقيقة هنا ليست تبدلا في موضوع الحكم الشرعي بل في مصداق هذاالموضوع، فموضوع الحرمة هو عبارة عما لا نفع محلل معتد به، وقد خرج الدم عن كونه مصداقا لهذا الموضوع، ولكن ورودالدم بعنوانه في لسان الادلة لعله هو الذي اوحى لمن صاغ المسالة بعنوان تبدل موضوع الحكم الشرعي، ولكنه لا يمنع هذامن كون تحول المصداق موجبا لتحول الحكم، وهذا من انواعه وهكذا يكون تبدل العرف موجبا لتبدل الحكم ويكون من مواردتطور حركة الفقه.

الدور الرابع: دور القراءة التاريخية في تحديد الموضوع:
ان الملابسات التي تحيط بموضوع اي حكم شرعي لها دور اساس في معرفة الموضوع، وهذه الخصوصيات معرفتها تتوقف على ملاحظة الظرف التاريخي الذي صدر فيه مثل هذا الحكم، ان دراسة اسباب النزول في اليات القرآنية المعروفة بيات الاحكام لا يمكن اغفال دوره في تحديد موضوع الحكم، وان كان سبب النزول لا يوجب تقييدا في اطلاق الموضوع ولكنه يحددالدائرة الذاتية والسعة الموضوعية للموضوع، وكمثال على ذلك ورد في الروايات حرمة صناعة التماثيل، وهنا اطلق الفقهاءالحكم لكل التماثيل بلحاظ كون الروايات مطلقة، ولكن لبعض الاعلام تضييقا لهذا الموضوع يعتمد على ملاحظة الخصوصيات المحيطة بصدور النص، فقد لاحظ ان ما ورد من الروايات بحرمة التماثيل والصور المراد منه التماثيل التي هي للاصنام التي كانت مورد العبادة من قبل الكفار، ولاحظ في استظهاره هذا من جهة اللغة الشديدة التي وردت بلسانها هذه الروايات نحو:

«من صور التماثيل فقد ضاد الله».

ونحو: «اشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا او قتله نبي، ورجل يضل الناس بغير علم ومصور يصورالتماثيل».

ونحو: «ان من اشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون» وامثالها، فان تلك التوعيدات والتشديدات لا تناسب مطلق عمل المجسمة او تنقيش الصور، ضرورة ان عملها لا يكون اعظم من قتل النفس المحترمة او الزنا او اللواط او شرب الخمروغيرها من الكبائر.

ومن جهة اخرى فقد لاحظ ملابسات عصر النص وجعل الحكم منصرفا الى خصوص هذه الملابسات، قال(قدس سره):«والمظنون الموافق للاعتبار وطباع الناس، ان جمعا من الاعراب بعد هدم اساس كفرهم وكسر اصنامهم بيد رسول الله(ص)وامره: كانت علقتهم بتلك الصور والتماثيل باقية في سر قلوبهم، فصنعوا امثالها حفظا لثار اسلافهم وحبا لبقائها كما نرى حتى اليوم علاقة جمع بحفظ آثار المجوسية وعبدة النيران في هذه البلاد حفظا لثار اجدادهم، فنهى النبي(ص) عنه بتلك التشديدات والتوعيدات التي لا تناسب الا للكفار ومن يتلو تلوهم قمعا لاساس الكفر ومادة الزندقة ودفعا عن حوزة التوحيد،وعليه تكون تلك الروايات ظاهرة او منصرفة الى ما ذكر»((39)).

الدور الخامس: دور الاطلاع على فقه المذاهب الاخرى في تحديد الموضوع:
ان الاطلاع على فقه المذاهب الاخرى له دور في تحديد الموضوعات من جهتين:

الاولى: ان المعرفة الصحيحة للدور الذي قام به ائمة اهل البيت وهو دور التصحيح لسنة النبي والحفاظ على معالم الدين يظهر وبوضوح مدى الارتباطبين فهم النصوص الواردة عنهم وبين الاطلاع على فقه المذاهب الاخرى، وليس بعيدا عن الصواب تشبيه هذه العلاقة بالعلاقة بين الارتكازات العرفية وكلام المعصوم بالقول: «كما يؤثر فهم كلام الامام المعصوم من خلال فهم الارتكازات القبلية التي استقرت لدى المتشرعة بفعل فتاوى اهل السنة، وهذه الحالة شبيهة بالارتكازات العرفية التي يتفق الجميع على انها مؤثرة في فهم كلام الامام المعصوم»((40)).

الثانية: ان الحمل على التقية يتوقف على كون الرواية موافقة للفقه الخر، والتقية كما تكون في الاحكام الشرعية قد تكون في موضوعات الاحكام، ومن هنا تنشا الحاجة الى الاطلاع على المذاهب الاخرى لان الاجتهاد لدى المذاهب الاخرى لم يقتصر على الاحكام الكلية بل تعدى الى الموضوعات لا سيما الموضوعات الشرعية المستنبطة او الموضوعات العرفية التي لها دور في تحديد الظهورات القرآنية والنبوية، ولعل من ابرز الامثلة التي يمكن ان تساق هنا هو مسالة تحديد الغروب الشرعي، وانه هل يكون بذهاب الحمرة المشرقية او بسقوط القرص حيث يرى الفقه الخر تحديده بالثاني وبذلك وردت روايات عن ائمة اهل البيت ايضا، ولا يخفى ان حمل هذه الروايات على التقية يتوقف على تحديد راي المذاهب المعاصرة لعصر صدور هذه الروايات.

الدور السادس: دور معرفة الموضوع في تحديد كون الحكم شخصيا او كليا:
لقد اشتهر لدى الفقهاء قولهم عن بعض الاحكام الواردة في الروايات الواردة عن الائمة بانها «قضية في واقعة» او «قضية شخصية». وهذا يعني فهم الرواية على انها مترتبة على موضوع خارجي شخصي لا على موضوع كلي عام، الامر الذي يعني عدم استفادة اطلاق الحكم وشموله.

فاذا تحديد موضوع الحكم الوارد عنهم له دوره في تحديد كون الحكم شخصيا او كليا، والبحث في كيفية حمل الفقهاء بعض القضايا على انها قضية في واقعة او قضية كلية تعتمد على مجموعة من الاستظهارات ولكن ما لاحظته خلال عملية تتبع سريعة للاسباب التي دعت الفقهاء الى حمل هذه الاحكام على كونها قضايا شخصية (قضية في واقعة) ترجع الى ملاحظة موضوع القضية التي وردت بها الرواية، وهذه الامور التي لاحظتها ترجع الى اسباب متعددة اذكر بعضا منها على سبيل الاجمال:

1 - ان يصدر الحكم من المعصوم في واقعة ما بما هو حاكم وولي من الله عزوجل كتجويز النبي(ص) لعمه العباس بعدم المبيت في منى لاجل سقاية الحاج حيث حمل الفقهاء هذا الحكم منه(ص) على انه قضية في واقعة.

2 - ان يصدر الحكم من المعصوم في واقعة بما هو قاض يفصل بين متخاصمين كالرواية الواردة عن حكم اميرالمؤمنين(ع) في قضية لم يعلم فيها القاتل، فقد ورد في رواية السكوني: «كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون بسكاكين كانت معهم، فرفعوا الى امير المؤمنين(ع)، فسجنهم فمات منهم رجلان وبقي رجلان، فقال اهل المقتولين: يا امير المؤمنين اقدهما بصاحبينا، فقال للقوم: ما ترون؟ فقالوا: نرى ان نقيدها، فقال علي(ع) للقوم: فلعل ذينك اللذين ماتا قتل كل واحد منهما صاحبه، قالوا ما ندري، فقال علي(ع): بل اجعل دية المقتولين على قبائل الاربعة، وآخذ دية جراحة الباقيين من دية المقتولين»((41)).

3 - العلم بوجود خصوصية في الموضوع لا تتعدى الى غيره من الموارد((42)).

4 - كون الحكم مخالفا للاصول المشهورة والمعتمد عليها بين الفقهاء.

5 - اجمال وجه حكم المعصوم وملابسات القضية وخفاء خصوصية الحكم((43)).

الدور السابع: دور الموضوعات الثانوية في المسائل المستحدثة:
العناوين الثانوية هي مجموعة من العناوين الطارئة التي تعرض على الافعال فتوجب تبدل حكمها، هذه العناوين الطارئة تمثل حلا للعديد من المسائل المستحدثة، ومن اهم ما ينبغي على الفقيه هو تحديد موضوع هذه العناوين والدائرة التي يشملها هذاالموضوع لتحديد ما يمكن ان يندرج تحتها من مصاديق.

لعل اشهر الاحكام الثانوية هو الحكم بنفي الضرر في الشريعة (لا ضرر ولا ضرار) والحكم بنفي الحرج (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ومن اهم ما يبحث في هاتين القاعدتين تحديد موضوع هاتين القاعدتين فمثلا يقع السؤال بان (الضرر) الذي هوموضوع الحكم هل هو الضرر النوعي او الشخصي او كليهما؟

والجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدد سعة دائرة القاعدة وضيقها، فهل الضرر الذي يلحق بالامة والمجتمع ايضا منفي بحسب مفاد هذا الحديث، او ان الامر يقتصر على الضرر الفردي؟

اثارات حول الاجتهاد وقضايا الواقع

الشيخ امين سعد

تمهيد

في خضم تطور العلوم الهائل على جميع الاصعدة، والشامل للعلوم التجريبية والنظرية والانسانية سيما في ت الحضارة الغربية وانبهار الناس بهذا التطور الذي لم يسبق له مثيل، خاصة المسلمين الذين يعيشون تخلفاعلميا بمقدار ما تقدمت الحضارة الغربية، نجد انفسنا نحن المسلمين في وضع حرج سيما وان الكثير من اعداء الاسلام والبسطاء من المسلمين يوجهون اصابع الاتهام نحو الاسلام الذي بعث به النبي محمد(ص) منذ اربعة عشر قرنا.

فانبرى بعض العلماء المسلمين للدفاع عنه بطرحه بطريقة جديدة واسلوب يتناسب مع طرح الابحاث الفكرية في الحضارة الغربية، فاخذوا منهم كل ما يطرح عندهم وتسلموه على انه حقائق علمية غير قابلة للنقد والتزييف، وحاولوا ان يفسروا كل ماورد في تراثنا الاسلامي بحيث يتلاءم مع ما يطرحون حتى لا يتهم الدين بانه يتنافى مع العلم ويقف حجر عثرة امام التقدم العلمي، فاخذوا يتخبطون خبط عشواء في ابحاثهم، حيث لم يستندوا على اسس سليمة وركائز متينة اذ كان الكثير منهم يفتقد الخبرة الكافية في المعارف الاسلامية باسسها السليمة وموازينها الصحيحة، فتراهم تارة يتمسكون برواية ضعيفة لاثبات مطلب علمي، واخرى يردون رواية صحيحة لان ظاهرها لا يتناسب مع ما يطرح حتى ولو كان مجرد نظرية بل فرضية، وثالثة يحملون الية او الحديث معنى يقرب من اليقين انه غير مراد، حتى يثبتوا ان الاسلام الذي بعث به محمد(ص) منذ اربعة عشرقرنا قد سبقهم لهذا الحديث العلمي، وكان القرآن اصبح كتابا علميا لا كتاب هداية.

مشكلة العلوم الاجتماعية:

ما تقدم كان بالنسبة للعلوم التجريبية الطبيعية غير الانسانية كالاقتصاد والسياسة والاجتماع وعلم النفس، اما بالنسبة لهذه العلوم فتجدهم يحثون على تاصيلها على ضوء الاسس والرؤية الاسلامية، باعتبار ان الاسلام اولى بهذه العلوم، لانه دين هداية للفرد والمجتمع ولا يصلحان الا بريادة هذه العلوم الموجهة اسلاميا.

ثم ان الدين كامل غير ناقص مما يعني ان هذه العلوم يمكن للاسلام ان يتدخل في حقيرها وخطيرها. وهو خالد حتى يوم البعث مما يعني انه يناسب اكثر المجتمعات تطورا وان يكون في تعاليمه بديلا عن احدث النظريات الاجتماعية المنافية لتعاليم الاسلام الشامل الكامل الخالد.

فكانت الخطوة الاولى للمسلمين ان تصدوا لجزئيات المسائل المطروحة في المجتمعات الغربية ومحافلهم العلمية والتي تسرب الكثير منها الينا بقصد اولا بقصد فاخذ مفكرونا غير الفقهاء يحاولون التوفيق بين الدين وجزئيات تلك المسائل فوقعوا في الكثير من التناقضات كما حدث في تجربتهم مع العلوم الطبيعية.

ولكن ولحسن الحظ ان العلوم الانسانية لم تكن حقانيتها بمستوى حقانية العلوم الطبيعية بل اثبتت الكثير من نظرياتهافشلها وان القوانين الوضعية الانسانية غير مؤهلة للجلوس على عرش الحاكمية في المجتمع الانساني، بل ان اصحابها اصيبوا بالياس والاحباط، وان العقل الانساني غير جدير بهذه المهمة وحده، وخير شاهد على ما قدمنا ان المعروف حاليا ان النظريات في علم الاجتماع كثيرة جدا الى حد ان البعض زعم انها بعدد المنظرين لها ولا تكاد تجد اثنين يتفقان على نظرية بكل تفاصيلها.

ولذلك اخذ الكثيرون يعيدون النظر في اقصاء الدين ويعودون من حالة الاغتراب الروحي التي كادت تقضي على البشرية.

التاصيل الاسلامي للعلوم الاجتماعية:

لا يخفى ان الخطوات الاولى في هذا الخصوص لم تكن سوى محاولات على صعيد مسائل جزئية، وبما ان مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة ونظرياتها والمسلمات الاساسية التي تقوم عليها تلك العلوم في صورتها الراهنة تتضمن كثيرا ممايتعارض او يتناقض مع التصور الاسلامي الصحيح للانسان والمجتمع والوجود، فلا يكفي النظرة الجزئية لمسائل تلك العلوم والرد عليها، ولذلك كان هناك حاجة ماسة الى اعادة النظر في تلك المناهج والنظريات والمسلمات بطريقة جذرية في ضوء التصور الاسلامي.

وذلك بابراز الاسس الاسلامية التي تقوم عليها هذه العلوم من خلال حجمها او استنباطها من مصادر الشريعة وقواعدها الكلية وضوابطها العامة ودراسة موضوعات هذه العلوم في ضوئها، مع الاستفادة مما توصل اليه العلماء المسلمون وغيرهم مما لايتعارض مع تلك الاسس وهذا ما اصطلحوا عليه بالتاصيل الاسلامي للعلوم الاجتماعية.

دعاة التاصيل والفقه التقليدي:

ان المشكلة الاساسية التي اعترضت دعاة التاصيل هي ان المعيار في الفقه بصورته التقليدية لصدق النتائج او خطئها هومدى صحة الاستنباط من المصادر الشرعية وسلامته، اي مدى مطابقته للموازين الشرعية من دون نظر للنتائج الخارجية والواقع الميداني مما يعني انه قاصر عن ملاحظة ملابسات الواقع وتغيراته فلا يكون معنيا بدراسة المشاكل الاجتماعية ووضع الحلول لها، مع ان الدين الاسلامي هو دين شامل لجميع مناحي الحياة منذ البعثة الى يوم البعث ولا نستطيع ان نطرحه كبديل عن الانظمة الوضعية بهذه الحال.

ولذلك كان السيد الشهيد محمد باقر الصدر يشير الى هذه المشكلة في كتابه «اقتصادنا» قائلا: «ان الاجتهاد الذي يقوم على اساسه استنتاج تلك الاحكام - التي يبنى منها النظام الاقتصادي - معرض للخطا اذ من الجائز ان يضم اجتهاد المجتهدعنصرا تشريعيا غريبا على واقع الاسلام، وقد اخطا المجتهد في استنتاجه، او يفقد عنصرا تشريعيا اسلاميا لم يوفق المجتهدللظفر به في النصوص التي مارسها، وقد تصبح مجموعة الاحكام التي ادى اليها اجتهاده متناقضة في اسسها بسبب هذا او ذاك ويتعذر عندئذ الوصول الى رصيد نظري كامل يوحد بينها او تفسير مذهبي شامل يضعها جميعا في اطار واحد.ولهذا يجب ان نفرق بين واقع التشريع الاسلامي كما جاء عن النبي(ص) وبين الصورة الاجتهادية كما يرسمها مجتهد معين خلال ممارسته للنصوص»((44)).

اذ صحيح ان الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها وان الدين غايته اصلاح الفرد والمجتمع ماديا وروحيا وان التشريع غير منفصل عن واقع الحياة الانسانية بل ناظر لها - ولذلك فان احد الادلة على النبوة العامة هو الاختلاف في المجتمع والذي لا يستطيع رفعه سوى الدين. ومن هنا كان الدين هو البديل الوحيد عن جميع الانظمة الوضعية - الا ان طرح الدين بغاية حل جميع المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية لا يمكن ان يكون بنفس المستوى في عصرالنص وفي غيره، وذلك لقلة الاحكام القطعية جدافي غير عصر النص، يقول السيد الشهيد: «من المتفق عليه بين المسلمين اليوم ان القليل من احكام الشريعة الاسلامية هو الذي لا يزال يحتفظ بوضوحه وضرورته وصفته القطعية بالرغم من هذه القرون المتطاولة التي تفصلنا عن عصر التشريع، وقد لا يتجاوز الفئة التي تتمتع بصفة قطعية من احكام الشريعة الخمسة في المائة من مجموع الاحكام التي نجدها في الكتب الفقهية»((45)) وكم تكون النسبة ضئيلة اذا لاحظنا الذي لم يتعرض له الفقهاء في كتبهم الفقهية ككثير من احكام السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها.

وعليه فالطابع الغالب على احكام الشريعة في عصر غيبة النص هو الظن، وان كان هذا الظن قد قامت على حجيته الادلة القطعية ولابد من التعبد بامتثال تلك الاحكام بضرورة الفقه.

الا ان المشكلة كما ذكرنا هي بروز التناقض بين المنهجية المتبعة في استنباط الاحكام وبين الكيفية التي يطرح بها الدين،والغاية التي يبرزها الكثير من المفكرين من طرح الدين وعدم التفرقة بين عصر النص وعصر غيابه وتسرية خصائص الدين الواقعي بجميع لوازمه للدين الذي يفهمه الفقهاء باجتهاداتهم مع ان احدهما قطعي والخر ظني في كثير من تفريعاته، ويمكن صياغة المشكلة وتوضيحها بهذا النحو: وهو انه لا يعني كون الاجتهاد على طبق الموازين الصحيحة للاستنباط ان ما وصل اليه نظره واستقر عليه رايه هو الحل الامثل للمشكلة الاجتماعية الكذائية.

اذ ان الاجتهاد له اسس يقوم عليها، وهي تصب في تحصيل الحجة اي التعذير والتنجيز، وهما قد يحصلان برواية صحيحة ظاهرا مدسوسة واقعا، او لاي سبب آخر مما لا يجعل للرواية قيمة معرفية اكثر من افادتها الظن، بل لو كانت قطعية عند الفقيه فقد يصادف ان قطعه من قبيل الجهالات المركبة، وهكذا باقي الامارات فانها لا تفيد اكثر من الظن.

ثم أنه قد تكون الحجة على الحكم اصلا عمليا ليس له نظر وحكاية عن الواقع الخارجي اصلا حتى يقال ان الفقيه بهذا الحكم ناظر لمعالجة المشكلة الكذائية، ولذلك الفقيه يعتمد الاصل كمخرج له من حالة التردد والحيرة عند فقد الامارة او اي حجة اخرى متقدمة على الاصل.

وعليه فبمقتضى الفقه التقليدي لا يحق للانسان المنقاد الله سبحانه وتعالى ان يترك العمل بهذه الاحكام ولو تنافت مع ما يراه حلا انسب للمشكلة المعينة، وذلك لعدم علمه واحاطته بالمصالح والمفاسد التي شرعت على اساسها الاحكام، نعم غاية مايمكن انه اذا كانت المشكلة خطيرة ان يلجا الفقيه على حلها بمقتضى العنوان الثانوي، وهذا قد يحدث كثيرا ولكن لا يمكن ان ندعي ان الاسس في النظام الاقتصادي او الاجتماعي او السياسي قائمة ببركة العناوين الثانوية خاصة، ثم ان نظر فقيه قد يختلف عن نظر فقيه آخر في تشخيص الضرورات، فتشخيص من يقدم على انه النظام الامثل لحل المشكلة، وهكذا الكلام في دور الفقيه في ملء منطقة الفراغ التي لم يتضح الكلام جيدا بعد في حدودها وشرعيتها اذ ليس اصلها ولا تفصيلاتها من المسلمات في الدين، نعم هي موضع قبول البعض.

فخلاصة ما تقدم ان الطريقة المتبعة عند فقهائنا بل عند فقهاء الجمهور لاستنباط الاحكام الشرعية ومعرفة الرؤية الاسلامية تجاه اي مشكلة معتمدة في الاساس على الكتاب والسنة، والظنون العقلية عند بعض السنة سيما الحنفية، واهمال الواقع الخارجي وعدم اعتماد الوسائل المعرفية المتبعة في العلوم الاجتماعية بصورتها الراهنة، مما يعني ان الفقيه قد يفتي بشيء يرى الباحث الاجتماعي او الاقتصادي ان فيه ضررا على المسيرة الانسانية اجتماعيا او اقتصاديا بحسب ما لديه من معطيات في وسائل البحث والمنهج، والفقيه لا يرى لهذا باسا لان رايه هو ما اوصلته اليه الادلة ولم يجر عليه اختبارا في الواقع الخارجي، بل ليست من شانه لانه لا تدخل التجربة والملاحظة في دائرة الموازين الشرعية للاستنباط.

مثاله: ان بعض الفقهاء يفتي بحرمة خروج المراة من دون اذن زوجها من بيته حتى ولو لم يكن الخروج منافيا لحقه، وذلك استنادا للحجة التي قامت عنده على هذا الراي، من دون ملاحظة الثار والنتائج المترتبة عليه خارجا، وبما انه ليست من قطعيات الدين الاسلامي فقد يترتب على هذا الراي نتائج خطيرة لا يرضى الشارع بها، ولذلك لا يمكن ادعاء ان هذا الراي هونظرة الدين لتحديد علاقة الرجل بالمراة بهذا المستوى من القيمومية عليها، نعم هو راي فقيه قامت عنده الحجة على هذا الراي قد يخالفه فقيه آخر في اصل المسالة او في بعض الخصوصيات على الاقل، فحينئذ راي من يقدم على انه راي الدين الاسلامي في هذه القضية الاجتماعية على ان يكون بديلا عما يطرحه علماء الاجتماع الماديون في خصوص هذه المشكلة مع ان رايهم قديوافق راي بعض الفقهاء الخرين.

وهكذا في الاقتصاد مثلا مع انا نحارب الربا ونبين مفاسده واضراره، فترى بعضهم يجيز اجراء بعض الحيل للتهرب من الرباولو تعطى بها بعض البنوك الربوية لعله يتخلص من مشكلة الربا شرعا ولكن المفاسد الخارجية بحالها. وهذه المسالة تعتبر من اسس النظام الاقتصادي التي اي تعديل فيها قد يقلب الامور راسا على عقب، وعليه فراي من يقدم على انه حل لمشكلة الربا بنظر الدين؟ هذه بعض الامثلة التي يطرحونها في بيان هذه المشكلة ويمكن اسراؤها للكثير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

المناهج المقترحة في عملية التاصيل:

ومن هنا كان هناك ثلاثة مناهج في نظرية التاصيل الاسلامي للعلوم الاجتماعية:

أ - الاتجاه الاول: وهو اتجاه يرى اصحابه اتخاذ العلوم الشرعية نموذجا للتاصيل، حيث لا يخرج التاصيل في جوهره عندهم عن كونه «استخلاصا واستنباطا من المصدرين الاساسيين للشريعة: القرآن والسنة».
ومن هنا يصبح المحك الرئيسي في الحكم على صدق النتائج او خطئها هو مدى صحة الاستنباط من المصادر الشرعية وسلامته، بدون اية اشارة الى درجة تطابق النتائج مع الواقع. ولقد عبر احد المهتمين بقضية التاصيل من كبار المتخصصين في العلوم الشرعية عن هذا المعنى بقوله: «ان المطلوب هو وضع منهج للتاصيل على غرار منهج الاصوليين والحديثيين».

ب - الاتجاه الثاني: وهو اتجاه يرى اصحابه الانطلاق في نموذج العلوم الاجتماعية الحديثة، مع القبول باجراء بعض التعديلات على ذلك النموذج في ضوء ما يوجه اليه من «نقد من الداخل» وذلك على اساس انه لا تعارض في راي اصحاب هذا الاتجاه بين ما تدعو اليه المنهجية العلمية الحديثة والتوجه الاسلامي من حيث الاعتماد فيها على الدراسات الواقعية، ولا يخفى ان الاول لا يحل المشكلة عندهم والثاني لا يعني تاصيلا لتلك العلوم بل محاولة للتوفيق وقد ثبت فشل المحاولة هذه.

ج - الاتجاه الثالث: يرى في ضوء التقارب الحديث في الراء انه قد يكون من الممكن تعريف منهج التاصيل للعلوم الاجتماعية على انه: «الطريقة المنظمة للبحث التي تستخدم في دراسة الظواهر الاجتماعية انطلاقا من التصور الاسلامي للانسان والمجتمع والوجود، على وجه يجمع بين المناهج الاصولية المعتمدة في الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة، ومناهج البحث الواقعية الميدانية المعاصرة بصورة تكاملية». وذلك على اساس انه يستحيل وجود اي تناقض حقيقي بين وحي صحيح يقيني الدلالة يقيني الثبوت وبين نتائج المشاهدات الواقعية الممحصة الشبيهة باليقين، وعليه فجوهر هذاالاتجاه يدور حول اجراء البحوث الواقعية لاختبار الخر التصورية المستمدة من فهمنا للوحي في الواقع الكلي((46)).

تقييم الاتجاه الثالث:

السؤال المهم هنا هو انه كيف يمكن الجمع بين المناهج الاصولية المعتمدة في الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة ومناهج البحث الواقعية الميدانية المعاصرة؟ وهل هذا ممكن ام لا؟ الجواب: انه يمكن ولكن بما ان الطريقة التقليدية في الاستنباط قاصرة عن القيام بهذه المهمة - حسب دعواهم - فلابد من البحث عن منهج جديد يستطيع ان يلبي حاجات المجتمع المعاصر بحل مشاكله الواقعية، ولا يقتصر نظر الفقهاء حينئذ على تحديد تكليف المكلف من دون نظر للاثار والنتائج المترتبة عليه خارجا ويشير جمال الدين عطية الى هذا المعنى بوضوح في قوله: «... علم اصول الفقه قد وضع اصلا لضبط التكاليف (افعل ولا تفعل) واستنباط الاحكام المتعلقة بهذه التكاليف من النصوص. وبالتالي فهو لم يضع اصلا لتفسير الظواهر الاجتماعية وبيان العلاقات السببية بينها او التوصل الى القوانين التي تحكمها! ومن الظلم ان نحمله ما لا يحتمل»((47)).

بين التاصيل وحرفية الفقه التقليدي:

يرى هؤلاء ان اساس المشكلة في المنهج هي النظرة الجزئية والحرفية للكتاب والسنة والجمود على ظاهر النص، وبعبارة اخرى جعلهم الاحكام تابعة للعناوين الواردة في النصوص والاقتصار عليها في عملية الاجتهاد بغض النظر عن ملابسات الواقع وتغيراته.

يقول العلواني: «المعهد العالمي للفكر الاسلامي يرى ان كثيرا من امراض العقل المسلم نجمت عن النظر الجزئي وتناسي الغايات، وتجاهل المقاصد والتثبت بالامور الشكلية واللفظية والاحالة على التعبد لادنى ملابسة وتجاهل الحكم او الكسل عن طلبها»((48)).

ومن هنا فالتاصيل لا يمكن ان يجتمع مع المنهج الاصولي القديم ولذلك دعا هؤلاء الى تغيير المناهج الاصولية.

ضرورة تغيير المناهج الاصولية:

يقول الدكتور محمد الدسوقي: «... اذا كانت الدعوى الى تطبيق الشريعة لا سبيل اليها الا عن طريق الاجتهاد الذي يقدم الحلول العملية لكل ما يواجه الامة من مشكلات، فان هذا الاجتهاد في حاجة - لكي ينهض برسالته - الى منهج اصولي جديد لايعرف الاجترار او التقليد وانما يؤسس على دعائم من الفقه الدقيق بمصادر الاحكام والمقاصد العامة للتشريع، فضلا عن الربط بين قضايا علم الاصول واصول القانون وكذلك بين قضايا هذا العلم ومناهج البحث بوجه عام، ان مهمة الفقه الاسلامي تتمثل في معالجة واقع قائم لا فرض واقع آخر غابر باسم اصول وقواعد ترجع الى اكثر من عشرة قرون، ولذا كان التجديد في منهج البحث الفقهي ضرورة يفرضها الواقع الذي يعيشه الناس حتى يكون تعامل الفقه مع هذا الواقع تعاملا حيا مؤثرا يحقق الحل الاسلامي بصورة عملية لكي لا يظل فكرا نظريا مثاليا او املا حلوا يداعب خيال الدعاة والمصلحين»((49)).

وللدكتور حسن الترابي رسالة صغيرة عنوانها: تجديد اصول الفقه الاسلامي. يذكر في مقدمتها «ان العالم في حاجة الى نهضة شاملة في كل المجالات تثور على الاوضاع التقليدية وتخلف العقلية الاسلامية والواقع الاسلامي من الجمود. ولا يمكن ان تقوم هذه النهضة على غير منهج، وهذا المنهج منهج اصولي لا يشتغل بالجزئيات دون النظر في مقاصد الدين الكلية ويرتبط بواقع الحياة حتى لا تصبح قضاياه مقولات نظرية عقيمة لا تثمر فقها حيا يجابه التحديات العملية».

ثم ان كل من دعا الى ضرورة التاصيل بنى هذه العملية على تغيير المنهج الاصولي، وانه لا يفي المنهج القديم بعملية تاصيل مجدية في الواقع المعاصر.

التاصيل والفقه المقاصدي:

من يقرأ النصوص المتقدمة يتضح له جليا ارتباط تفسير المناهج الاصولية  عندهم - بتفصيل دور المقاصد في عملية الاستنباط وان معرفة المقاصد منهجيا لا تكفي لكي يكون الاجتهاد المبني عليها محققا للغاية منها وانما يحتاج الامر - مع هذا - الى فقه بالواقع وملابساته، ويشمل هذا الفقه كل ما ينطوي عليه هذا الواقع من مشكلات اجتماعية واقتصادية وفكرية ونفسية.

ولدور المقاصد المهم في عملية التغيير قال الشيخ بن عاشور: «فنحن اذا اردنا ان ندون اصولا قطعية للتفقه في الدين حق علينا ان نعمد الى مسائل اصول الفقه المتعارفة وان نعيد ذوبها في بوتقة التدوين، ونفسرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنهاالاجزاء الغريبة التي غشت بها ونضع فيها اشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه: علم مقاصد الشريعة...».

ثم يعلق الدكتور ابراهيم عبد الرحمان رجب على بعض النصوص التي ذكرناها فيقول: «وما دامت لمقاصد الاحكام هذه المنزلة في بنية التشريع الاسلامي وتلك الاهمية بالنسبة للمجتهد، وما دام علم الاصول قد خلا من الحديث بصورة وافية عنها، فان المنهج الاصولي قد لا تتوافر فيه كل الخصائص العلمية للاستنباط الفقهي الا اذا اخذت دراسة المقاصد حظها فيه، ومن ثم فالدراسة الشاملة للمقاصد من الزم الضرورات لتجديد علم الاصول وتطويره ليصبح اكثر وفاء بمقتضيات الاجتهاد في العصر الحديث واكثر استجابة لما يطرحه هذا العصر من قضايا ومشكلات...»((50)).

اما وجهة نظر المعهد العالمي للفكر الاسلامي المهتم بقضية التاصيل اهتماما كبيرا ينقلها رئيسه الدكتور طه جابر العلواني بقوله: «يرى المعهد ان تكثيف دراسات المقاصد والاهداف والغايات وتعليل الاحكام والبحث عن الحكم سوف يساعد كثيراعلى اخراج العقل المسلم من تلك الوحدة ويعالجه من تلك الامراض ويعيد اليه - باذن الله - نقاءه وصفاءه وتالقه وقدرته على العطاء والاجتهاد وترتيب الاولويات وتوخي المقاصد والغايات»((51)).

تقييم موجز لنظرية المقاصد:

ان الملاحظ من كثير ممن طرحوا نظرية الفقه المقاصدي كبديل عن الفقه الحرفي التقليدي - على حد تفسيرهم - كان نتيجة غياب الفقه التقليدي عن ساحة الصراع الفكري الحديث سيما في قضايا العلوم الانسانية وعدم قدرته على مواجهة التحديات الثقافية وقصوره عن تقديم مشروع اجتماعي متكامل يضمن الحفاظ على هوية الانسان المسلم كانسان رسالي وحضاري معا.

فلم يكن عند الاغلب دليل على ضرورة هذا الطرح ومشروعيته في الدين سوى الخروج عن المشكلة التي ذكرناها، ورفع الحرج النفسي الذي وقعوا فيه نتيجة عجز الامة وتخلفها مقارنا باحوال الامم الاخرى ولفقدان الدليل القوي عليها لم تكن مطروحة تلك النظرية بقوة حتى عند اهل السنة الذين يعملون بالاستحسان والقياس الى ان تحدث عنها بشكل مستفيض الشاطبي في كتابه «الموافقات» (متوفي سنة 790) ولم تاخذ نظرية المقاصد مكانتها الحالية لدى الاصوليين، ولم تبذل في بلورتها من الجهود ماهي جديرة بها حتى وقت قريب حين افردها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (توفي سنة 1973) بكتابه «مقاصد الشريعة» والاستاذ علال الفاسي (1974) ومصطفى شبلي والبوطي والدكتور حسين حامد حسان وغيرهم.

وليس من الصحيح ان السبب في عدم شيوعها - كباقي الابحاث الاصولية - هو اتجاه التقليد في المجال الفقهي وفتورالرغبة في منهجية الاجتهاد كما ادعى الدكتور العلواني واضاف: انه شاع مفهوم التعبدية وتجاوز هذا المفهوم مجال العبادات الى مجال المعاملات وغيرها، وصار القول بان الحكم تعبدي لا يعلل ولا يبحث عن غايته ومقصده من الاقوال الشائعة بين كثير من الفقهاء يحال عليها لادنى الاسباب، فاعتبار الحكم تعبديا ييسر على الناظرين الامر ويمنعهم من مهمة استمرار بذل الجهودللوصول الى علة الحكم ومقاصده ولذلك لم يشع البحث في مقاصد الشريعة شيوع البحث في اصول الفقه الاخرى»((52)).

كما ذكرنا ان السبب في عدم شيوع البحث في المقاصد ليس ما ذكره العلواني، اما عند الامامية فواضح من سمة هذا المذهب وتميزه عن غيره بنزعته التعبدية وعدم اعتماده على الظنون والقياسات العقلية من اول امره، وذلك لا لعدم ثبوت حجيتها وشرعيتها بل لثبوت عدم حجيتها بالدليلين العقلي والنقلي، ولذلك لم تكن الرغبة في تحصيلها قوية ثم فترت بعد حين حتى يعزي ذلك للكسل وفتور الهمة.

اما السنة فالكثير ممن يعمل بالقياس كان يرفض العمل بمقتضى المقاصد، لانهم يفرقون بين الامرين ويجعلون الحجة للقياس دون المقاصد، ومن هنا تدرك ان شيوع طرح هذه النظرية في عصرنا الحاضر هو من ضيق الخناق الذي شعروا به ولم يجدواله حلا سوى مقاصد الشريعة، وان كان في كلماتهم ما يحاولون اقناع الخرين به وليس هو الا كلاما خطابيا قد تغر حلاوته من لايعرف خطورة هذا الطرح على الدين.

وبغض النظر عن مناقشة ادلتها وبيان ضعفها - اذ لا مجال لهذا الن - فالسؤال الذي لابد من طرحه هو انه: هل صحيح ان دراساتنا للمقاصد والاهداف والغايات وتعليل الاحكام والبحث عن الحكم سوف يساعد كثيرا على اخراج العقل المسلم من الوحدة ويعالجه من تلك الامراض؟ ام ان الامر سيزداد سوء ويصبح الدين رهن عقول الرجال فيصبح قوانينه اشبه بالقوانين الوضعية يتحكم في صياغتها افهام البشر القاصرة فتاخذ بالابتعاد عن مقاصد الشرع الواقعية كلما تقدم بنا الزمن وازداد المنظرون في المقاصد؟

ان الاختلافات الشديدة بين المنظرين في هذا الموضوع والضبابية حول الكثير من الامور المتعلقة بهذه النظرية تنذربالاحتمال الثاني.

ثم ان التفصيل في هذا الموضوع وبيان ادلته وشواهده يحتاج لدراسة مستقلة ليس هنا محلها.

اذا بعد رفض نظرية المقاصد ورد اعتبارها كاساس في الاستنباط فهل عندنا بديل يعالج اشكالية التناقض بين الاحكام الظاهرية وغايات الدين الواقعية؟