الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

أم أنه لابد من طرح الدين في عصر الغيبة بطريقة واسلوب لا يربط بين الالتزام براي الفقيه وحل المشاكل الواقعية، وان كان على المكلف ان ينقاد لراي الفقيه ما دام لا يعلم ما هي الحجة الواقعية؟

وبعبارة اخرى هل نستطيع بمقتضى معطيات المذهب الشيعي وطرق الاستنباط عنده ان نقدم للعالم الاسلامي منظومة اقتصادية واجتماعية وسياسية كاملة تسد حاجات الانسان المسلم في عصرنا الراهن؟

هذا ما حاوله السيد الشهيد محمد باقر الصدر في خصوص طرح المذهب الاقتصادي في الاسلام((53)).

والنظرية التي طرحها جديرة بالبحث والدراسة وان كان البعض يدعي ان احد ركائزها المهمة هي مقاصد الشريعة وان كان نفس الشهيد لم يصرح بهذا، وسواء صحت هذه الدعوى ام لم تصح فلا ينبغي سد باب البحث والاجتهاد وفق مسلمات المذهب التي لا يمكن التنازل عنها كما تطورت الكثير من النظريات الاصولية سيما في القرنين الاخيرين.

لفت نظر ومسلك الختام:

ان ما يميز المذهب الشيعي في مواجهته لهذه المشكلة - واعتبارها مشكلة مرحلية وان لم نوفق لحلها - ان من اصوله الاعتقاد بامام معصوم عن الذنب والخطا لارتباطه بالغيب، وهو غائب الن لاسباب معلومة وغيرها مجهولة سيظهر بعد تحقق الوعد الالهي وياتي بدين جده محمد(ص) كما نزل به الوحي على قلبه(ص) فيملا الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا، فتنعم البشرية بالسعادة والرخاء وتنزل بركات الارض والسماء وتتحقق غايات الدين الواقعية فترقى البشرية اعلى درجات الكمال وتفوز بسعادة الدارين.

ومن هنا يمكن القول: ان اصل وجود هذه المشكلة يعتبر دليلا على لابدية خليفة معصوم مرتبط بالغيب يكون حافظا للدين من الزيادة والنقصان وحاكما في الرعية بالعدل والسوية وهذه الخلافات منذ اكثر من الف سنة تدل على انه لا يمكن حل المشكلة كلها باستقلال عقول البشر والله ولي التوفيق.

عقود الاذعان

الاستاذ الشيخ حسن الجواهري

ما هي عقود الاذعان في النظم التجارية؟

ان عقود الاذعان (كما في عقود شركات التامين والنقل وعقود المرور وشركات الغاز والمياه ومصالح البريد وغيرها) بلغة الحقوق الحديثة هي كبقية العقود متكونة من ايجاب وقبول ورضا الطرفين، الا ان القبول يتميز بانه مجرد اذعان لما يمليه عليه الموجب، ويسمى هذا العقد في الفرنسية (عقد الانضمام) حيث ان من يقبل العقد انما ينضم اليه دون ان يناقشه، الا ان الاستاذ الدكتور السنهوري آثر تسميته في العربية بـ«عقد الاذعان» لما يشعر به هذا التعبير من معنى الاضطرار في القبول، وقدشاعت هذه التسمية في اللغة القانونية من فقه وقضاء((54)).

ويتميز الايجاب في عقود الاذعان بانه معروض بشكل مستمر الى كافة الناس، بمعنى ان يكون الايجاب ملزما بالنسبة للموجب الى مدة اطول بكثير من المدة التي يلزم فيها الايجاب في العقود المعتادة الا ان يتغير هذا الايجاب بتعديل في هذا النظام.

وكذا يتميز الايجاب بكونه واحدا بالنسبة لجميع الناس، ويكون ملزما للمتعاقد وان لم يطلع على شروط العقد ما دام انه يتمكن ان يطلع عليها لانها مطبوعة في متناول اطلاعه، فيتقيد بالشروط المطبوعة حتى من كان اميا لا يعرف القراءة((55)).

وقد نصت المادة (100) من القانون المصري الجديد فقالت: «القبول في عقود الاذعان يقتصر على مجرد التسليم بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل المناقشة فيها» فالقابل للعقد لم يصدر قبوله بعد مناقشة ومفاوضة، بل هو في موقفه من الموجب لا يملك الا ان ياخذ او ان يدع، ولما كان في حاجة الى التعاقد على شيء لا غناء عنه فهو مضطر الى القبول، فالرضا بالعقد موجود ولكنه مفروض عليه((56)).

اقول:
1 - ان هذه العبارة جمعت بين ان يكون العقد مضطرا اليه ومفروضا عليه، ولعل مراده ان العقد مضطر اليه ومكره عليه،
وسوف نرى الفرق الواسع بين الاضطرار الى العقد والاكراه عليه.

2 - ثم ان هذا الضرب من الاذعان للعقد والاكراه للقبول ليس هو الاكراه الذي يوجب عيبا في رضا المتعاقد، لان هذا الاكراه لم يكن صادرا من الموجب، بل هو اكراه متصل بعوامل اقتصادية، ولذا ذكرت المذكرة الايضاحية للمشروع التمهيدي للقانون المصري الجديد:

ان عقود الاذعان هي ثمرة التطور الاقتصادي في العهد الحاضر، فمن حقها ان يفرد لها مكان في تقنين يتطلع الى مسايرة التقدم الاجتماعي الذي اسفرت عنه الظروف الاقتصادية.

وفي راي بعض الفقهاء: ان عقود الاذعان هي سمة بارزة من سمات التطور العميق الذي اصاب النظرية التقليدية للعقد((57)).

اقول: توضيح ذلك: ان النظرية التقليدية للعقد تقول: بان الاصل في العقود (سواء كانت مكتوبة ام غير مكتوبة) هو عقودالتراضي التي تتم وفقا للرضا التام بين الطرفين في تحديد محل العقد وشروطه بلا اضطرار ولا اكراه حتى بالمعنى الاقتصادي، حيث تكون السلع والمنافع متوفرة معروضة، ومصادرها متنوعة من تجار او شركات تقوم بتسويقها وتوفيرها، فالمنافسة موجودة بين الشركات والتجار على تقديم الافضل والارخص للمنتفع، ولكن في بعض الاحيان، نظرا للتقدم الاقتصادي، حصلت بعض السلع التي تحتكرها الحكومات او بعض الشركات العملاقة او المحضوضة (بترخيص من الدولة لايتعداها الى غيرها) التي تجعل السلعة او الخدمة المطلوبة غيرموجودة الا في جهة واحدة فقط، خاصة اذا كانت تلك السلع اوالخدمات ضرورية وحيوية وحياتية لا يمكن العيش ومسايرة التطور الحضاري بدونها، كالمياه والغاز والكهرباء والتلفون والبريد وامثالها، وفي هذه الحالة يتحول احد المتعاقدين وهو الضعيف الى متعاقد تملى عليه الشروط من قبل القوي وهو المتعاقد الآخر، ولابد له ان يقبل اذا اراد ان يساير الحياة الحضارية، وبهذا فقد اصيبت النظرية التقليدية للعقد التي كانت قائمة على الرضا التام بين الطرفين الى رضا يكره عليه (او يضطر اليه احد المتعاقدين اكراها اقتصاديا).

فالسؤال الذي يمكن ان يطرح هو ما يلي:
1 - ان هذا الاكراه الذي يصيب احد المتعاقدين هل يوجب خللا في صحة العقد؟
2 - ان هذا الاضطرار الذي يصيب احد المتعاقدين هل يوجب خللا في صحة العقد؟
3 - الا يمكن ان نسمي هذا النوع من العقود احتكارا او استغلالا محرما، او يجب ان يقف منه ولي الامر موقف المانع والمحرم؟
وسوف تاتي الاجابات على هذه الاسئلة في مطاوي هذا البحث.

طبيعة عقود الاذعان:

ذكر السنهوري انقسام الفقهاء في طبيعة عقود الاذعان الى مذهبين رئيسين((58)).

أولهما: يرى انها ليست عقودا حقيقية، وقد تراس هذا المذهب (الاستاذ سالي) وتابعه فقهاء القانون العام مثل: (ذيجيه وهوريو) حيث انكر على عقود الاذعان صبغتها التعاقدية، اذ العقد توافق ارادتين عن حرية واختيار، اما هنا: فالقبول مجرد اذعان ورضوخ، فعقد الاذعان اقرب الى ان يكون قانونا اخذت شركات الاحتكار الناس باتباعه، فيجب تفسيره كما يفسر القانون ويراعى في تطبيقه مقتضيات العدالة وحسن النية، وينظر فيه الى ما تستلزمه الروابط الاقتصادية التي وضع لتنظيمها.

فالمذعن في عقد الاذعان لا يستطيع الا ان ينزل على حكم شركات الاحتكار، فالرابطة القانونية فيما بين المذعن والمحتكر قدخلقتها ارادة المحتكر لوحدها، وهذه الارادة المنفردة للمحتكر هي بمثابة قانون، اخذت شركات الاحتكار الناس باتباعه شان كل قانون، فتفسير العقد الاذعاني وتحديد الالتزامات التي يولدها يجب ان يكون في ظل هذه الاعتبارات، فيفسر العقد كما يفسر القانون لا باعتبار انه وليد ارادة الافراد.

اذا هو مركز قانوني ينظم المصلحة العامة لمجموع الافراد الذين يخضعون له، فيطبق هذا القانون التعاقدي تطبيقا تراعى فيه مقتضيات العدالة وحسن النية، وينظر فيه الى ما تستلزمه الروابط الاقتصادية التي وضع لتنظيمها((59)).

فالمشترك في هذه الشركات العامة المحتكرة للامور الحياتية والضرورية يقبل ان يكون عضوا في هيئة لها نظامها، فهو لايساوم ولا يناقش ولابد له في وضع النظم التي يخضع لها في عمله، بل المتعاقد والمشترك يقبل قانونا يعرض عليه فهي ظاهرة قانونية اصبحت معتادة في الوقت الحاضر.

ويرى الاستاذ (ديموج): ان عقد الاذعان هو مركز قانوني منظم يجب ان يعنى في تطبيقه بصالح العمل اولا ثم بما يستحق الحماية من صالح كل من طرفي العقد((60)).

ثانيهما: يرى غالبية فقهاء القانون المدني ان عقد الاذعان عقد حقيقي يتم بتوافق ارادتين، ويخضع للقواعد التي تخضع لها سائر العقود، ومهما قيل من ان احد المتعاقدين ضعيف امام الآخر، فان هذه ظاهرة اقتصادية لا ظاهرة قانونية، وعلاج الامر لايكون بانكار صفة العقد عن عقد حقيقي، ولا يتمكن القاضي من تفسير هذا العقد كما يشاء بدعوى حماية الضعيف فتضطرب المعاملات وتفقد استقرارها، بل ان العلاج الناجع هو: تقوية الجانب الضعيف حتى لا يستغله الجانب القوي. وتقوية الجانب الضعيف يكون باحدى وسيلتين او بهما معا:
الأولى: وسيلة اقتصادية، فيجتمع المستهلكون ويتعاونون على مقاومة التعسف من جانب المحتكر.
والثانية: وسيلة تشريعية، فيتدخل المشرع - لا القاضي - لينظم عقود الاذعان((61)).

والسؤال المطروح هنا هو: ما هو الصحيح من هذين المذهبين؟

والظاهر: ان الجواب مرتبط بتعريف العقد في الفقه:
1 - فقد عرف الفقه الغربي العقد بانه: اتفاق ارادتين على انشاء حق او على نقله او على انهائه((62)).

اقول: بناء على هذا التعريف فتكون عقود الاذعان عقودا تفيد الالتزام بالتمليك للسلع او للخدمات (المنافع)، لان تعريف العقدعندهم عبارة عن انشاء الالتزام بنقل الحق او ايجاده، وليس بنفسه انشاء للنقل او للحق، فالبيع مثلا في الفقه الغربي ليس انشاء للتمليك والتملك او النقل والتبادل، وانما هو انشاء للالتزام بفعل ذلك((63))، وعلى هذا تكون عقود الاذعان عندهم عقودا حقيقية.

ولكن هذا التعريف للعقد من قبل الفقه الغربي غير صحيح، لان العقد كما يمكن ان يكون عبارة عن انشاء التزام بنقل حق او ايجاده فيمكن ان يكون انشاء للنقل او انشاء للحق كما في البيع الذي هو انشاء التمليك والنقل. فالاقتصار على ان تكون العقود هي انشاء للالتزام بنقل حق او ايجاده هو تخلف في الفقه الغربي، على ان التعريف يشمل الوعد ولا يقتصر على العقد، وهذااشكال آخر على تعريف الفقه الغربي للعقد.

2 - وقد عرف الاستاذ الزرقاء العقد ناسبا ذلك الى مصطلح الفقه الاسلامي (السني الحنفي في مجلة الاحكام الشرعية) بان العقد هو: ارتبطيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت اثره في محله((64)).

ويقرب من هذا التعريف ما نقله الدكتور عبد الرزاق السنهوري عن صاحب «مرشد الحيران» من ان العقد عبارة عن ارتباط الايجاب الصادر من احد العاقدين بقبول الآخر على وجه يظهر اثره في المعقود عليه((65)).

اقول: اذا جعلنا العقد مختصا بالعقد الصحيح (كما في التعريفين المتقدمين عن الزرقاء والسنهوري) فما دامت عقود الاذعان مختلفا في كونها عقدا او قانونا او ما دامت مختلفا فيها صحة وبطلانا، فلا يمكن التمسك باطلاق لفظ العقد لان الشك آل الى وجود المقوم، فيكون التمسك باطلاق لفظ العقد تمسكا بالاطلاق في الشبهة الموضوعية وهو باطل كما قرر ذلك في الاصول.

ثم ان الاستاذ الزرقاء جعل اختصاص العقد بالعقد الصحيح مرجحا له على التعريف المنقول عن الفقه القانوني. وقد ذكر السيد الحائري (حفظه الله) ان كون هذا مرجحا له غير واضح، فاي باس في تعريف العقد بالنحو الذي يشمل الباطل؟ فنحن تارة نفتش عن حقيقة العقد القائمة بنفس المتعاقدين، واخرى نفتش عما يحدثه الاعتبار التشريعي الذي احدثه المشرع (سواء كان هوالعقلاء او اي مشرع آخر) ولا تلازم بين الامرين... (فان) انشاء نقل الملك في اعتبار المتعاقدين مغاير لحصول الملك في اعتبارالقانون ولا تلازم بينهما، ولا ينبغي الخلط بينهما، فبالامكان ان ننظر في تعريف العقد الى ما يقوم به المتعاقدان بقطع النظرعن مدى امضاء الشارع له((66)).

3 - وقد عرف العقد في الفقه الشيعي الامامي بتعبير المحقق الاصفهاني(قدس سره) بانه: قرار مرتبط بقرار آخر. اما العهد: فهو عبارة عن القرار والجعل: فالعقد والعهد يتصادقان في مورد القرار المرتبط بالقرار، فحيثية القرار فيه هي حيثية العهدية، وحيثية الارتباط هي حيثية العقدية.

والعقد بمعناه اللغوي اعم من العهد، لان العقد لغة هو ربط شيء بشيء، والعهد لا اقل من ارتباطه بما تعلق به، فكل عهد وقرارعقد، ولكن ليس كل عقد عهدا وقرارا، فعقد الحبل مثلا لا علاقة له بالعهد والقرار، ولكن العقد بمعناه الاصطلاحي اخص من العهد، لان العقد هو القرار المرتبط بالقرار، والعهد هو مطلق القرار من دون تقييد بالارتباط بقرار آخر، والعهد الذي هو القرار والجعل قد يكون في المناصب المجعولة كالامامة والخلافة كما في قوله تعالى: (اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)((67)) وقد يكون في التكاليف كقوله تعالى: (وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين)((68)).

وعلى هذا التعريف للعقد تكون عقود الاذعان عقودا حقيقية، لان قرارالمتعاقد ارتبط بقرار المذعن (سواء كانت عقود الاذعان صحيحة او فاسدة)، ولا يشمل هذا التعريف الوعد الذي كان مشمولا لتعريف الفقه الغربي، على ان التعريف مستبطن للايجاب والقبول بمعنى اوسع من مثل بعت وقبلت، وبعت واشتريت، لانه يشمل مطلق القرارين المرتبط احدهما بالآخر، فيشمل القرارين المرتبط احدهما بالآخر ولو كانا فعليين، فتدخل فيه المعاطاة ايضا.

والخلاصة: ان كل التعاريف للعقد (سواء كانت غربية او اسلامية) اثبتت ان عقود الاذعان هي عقود حقيقية، وليست صيغة قانونية اخذت شركات الاحتكار الناس باتباعها.

على اننا يمكننا ان نقرر عدة ملاحظات على عقود الاذعان تجعله لا يختلف عن بقية العقود التي لا اشكال في صفتها بالعقدية، وهي:
1 - ان اكثر العقود فيها اذعان من احد الطرفين للاخر اذا كان احدهما مضطرا للاخر او كانا كلاهما مضطرين للتعاقد.
2 - ان عقود الاذعان تحتوي على ضرر اقل من العقود الاخرى التي يضطر اليها احد الاطراف، لان الايجاب في عقود الاذعان يكون عاما للجميع بصورة واحدة فيندر ان يكون غلط في العقد او تدليس.
3 - ان المحتكر في عقود الاذعان ليس له غلبة على غيره، لانه هو ايضا خاضع للظروف الاقتصادية المحيطة به، فهي تضطره وتملي عليه شروط العقد، وليس هو الذي يملي شروط العقد على الطرف الآخر حقيقة.
4 - بل قد يكون المحتكر اضعف من المستهلكين كما يحصل عند تالبهم عليه واجتماع كلمتهم على محاربته((69)).

ومن كل ما تقدم ثبت عندنا ان عقود الاذعان عقود حقيقية.

حكم عقود الاذعان في القانون المصري القديم والجديد:

كان القانون المصري القديم يحمي عقود الاذعان حماية قضائية، فيعتبر القضاء عقود الاذعان عقودا حقيقية واجبة الاحترام،فيحترم الشروط.. ويلزم من يتعامل مع شركة باحترام لوائحها المطبوعة، ومن يتعامل مع مصلحة السكك الحديدية بمراعاة نظمها ولوائحها، ويقيد المستخدم في عقد العمل باحترام لوائح الخدمة التي يخضع لها، الا انه مع ذلك يغلب الشروط المكتوبة على الشروط المطبوعة، ويبطل الاعفاء الاتفاقي من المسؤولية، ويفسر الالتزام في مصلحة الطرف المذعن وينسخ الارادة السابقة بالارادة اللاحقة((70)).

وجاء القانون المصري الجديد، فجعل الحماية لعقود الاذعان حماية تشريعية، فجاء بنصوص عامة لتنظيم عقود الاذعان كلها((71))، فجعل القانون الجديد حماية تشريعية للقضاء المصري.

الحماية التشريعية لعقود الاذعان في القانون المصري الجديد:

نصت المادة (149) من القانون المصري على ما يلي: «اذا تم العقد بطريق الاذعان، وكان قد تضمن شروطا تعسفية، جازللقاضي ان يعدل هذه الشروط، او ان يعفي الطرف المذعن منها، وذلك وفقا لما تقضي به العدالة، ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك((72)).

وهذه المادة اداة قوية بيد القاضي يحمي بها المستهلك من الشروط التعسفية التي تفرضها عليه شركات الاحتكار.

من الذي يقدر الشروط التعسفية؟

ان القاضي هو الذي يملك حق تقدير الشرط التعسفي، فاذا قدر وجود الشرط التعسفي، فلا يجوز لاي محكمة ان تنقض ما قدره من الشرط التعسفي ما دامت عبارة العقد تحتمل المعنى الذي اخذ به القاضي في عد الشرط تعسفيا. وحينئذ اذا كشف القاضي شرطا تعسفيا في عقد الاذعان فله ما يلي:
1 - ان يعدل الشرط التعسفي بما يزيل اثر التعسف.
2 - ان يلغي الشرط باكمله (اي يعفي الطرف المذعن من الشرط).

ثم ان المشرع لم يحدد في تشخيص القاضي للشروط التعسفية حدودا الا ما تقتضيه العدالة.

وما دام هذا هو النظام العام لعقود الاذعان، فلا يجوز للمتعاقدين ان ينزعا من القاضي سلطته هذه (على تعديل شروط الاذعان او الغائها) باتفاق خاص، حيث يكون هذا الاتفاق باطلا لانه مخالف للنظام العام الذي وضعه القانون لعقود الاذعان، وبهذا سد القانون العام على شركات الاحتكار الالتجاء الى هذا الاتفاق لتجعله شرطا مالوفا في عقودها((73)).

أقول: ان العقد الذي وقع بين الشركة والمذعن بارادتهما، ان ادعى المذعن وجود شروط تعسفية لم يلتفت اليها حين العقد، بحيث عد المذعن سفيها حين اقدامه على العقد، فيكون العقد باطلا للسفه الذي يجعل العقد باطلا من اساسه، لان السفيه محجورعليه في معاملاته المالية، وان لم يعد المذعن سفيها ولكن كانت الشروط التعسفية توجب غبنا في المعاملة للمذعن، فهنا يكون للمذعن خيار فسخ العقد الذي اقدم عليه، وان لم توجب الشروط التعسفية غبنا في المعاملة فلا يحق للقضاء تعديل هذه الشروط او الغاءها، لان هذا عبارة عن عقد جديد ولابد فيه من رضا الطرفين، فما لم يرض احد الطرفين يكون العقد الجديد بلارضا من الطرفين وهو غير صحيح((74)).

كما نصت المادة (151) على ما يلي:
1 - «يفسر الشك في مصلحة المدين.
2 - ومع ذلك لا يجوز ان يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الاذعان ضارا بمصلحة الطرف المذعن»((75)).

وهذا اصل واستثناء، فالاصل هو ان يفسر الشك في مصلحة المدين عند غموض عبارة العقد غموضا لا يتيح زواله. ولكن المشرع استثنى من هذا الاصل عقود الاذعان، فقضى ان يفسر الشك فيها لمصلحة العاقد المذعن (دائنا كان او مدينا)، وذلك: لان العاقد القوي تتوفر لديه الوسائل التي تمكنه من ان يفرض على المذعن عند التعاقد شروطا واضحة بينة، فان لم يفعل ذلك والتجا الى الغموض يعتبر مخطئا او مقصرا ويتحمل تبعة هذا الخطا او هذا التقصير حيث يكون هو المتسبب في هذا الغموض((76)).

اقول: يمكن لنا ان نبطل الشروط التعسفية في عقود الاذعان اذا كانت مخالفة للقرآن والسنة (اي تحلل حراما او تحرم حلالا)، اواذا كانت تنافي مقتضى العقد او تتناقض مع شروط اخرى سابقة عليها. اما في غير هذه الموارد مما ينطبق عليها الشروط الصحيحة فيجب الوفاء بها.

دائرة عقود الاذعان:

ان عقود الاذعان لها خصائص تمتاز بها عن بقية العقود، وبهذا ستكون لها دائرة خاصة اذا عرفنا تلك الخصائص المميزة لها، والخصائص المميزة لها هي:
1 - ان يتعلق العقد بسلع او مرافق تعتبر من الضروريات بالنسبة الى المستهلكين او المنتفعين.
2 - ان يكون الموجب محتكرا لهذه السلع او المرافق احتكارا قانونيا او فعليا. او ان يكون على الاقل صاحب سيطرة عليهاتجعل المنافسة فيها محدودة النطاق.
3 - ان يصدر الايجاب الى كافة الناس بشروط واحدة، ولمدة غير محدودة، وهذا الايجاب يحتوي على شروط مفصلة، اكثرها لمصلحة الموجب (اما تخفف من مسؤوليته التعاقدية او تشدد من مسؤولية الطرف الآخر) ولا تجوز فيها المناقشة، والشروط بمجموعها تمتاز بانها غير متيسرة الاستيعاب والفهم لعامة الناس((77)).

بعض الامثلة لعقود الاذعان:

اذا نظرنا الى الخصائص الثلاث لعقود الاذعان تمكنا ان نعتبر من عقود الاذعان ما يلي:

1 - عقود شركات الكهرباء والغاز والمياه ومصالح البريد والتلفونات اذا كانت منحصرة في جهة واحدة وتملي شروطها بدون مناقشة وتخفف من مسؤوليتها وتشدد من مسؤولية المتعاقد.

2 - عقود النقل بوسائله المختلفة من سكك حديدية وكهربائية وبواخر وسيارات وطائرات وغير ذلك.

3 - عقود شركات التامين اذا كانت منحصرة بيد الدولة ومؤسساتها وكانت ضرورية.

4 - العقود مع المستشفيات التي تحصر الاجهزة المهمة للعمليات الكبرى التي يحتاجها المريض عندها.

5 - عقود المرور في الطرق العامة للسيارات التي باعتها الدولة لشركة او مؤسسة، مع حاجة الناس الى هذا الطريق المهم، ولا يوجد بديل لهم عنه.

6 - السلع الضرورية التي تستوردها او تصنعها الدولة او مؤسساتها وتمنع غيرها من الاستيراد وتتحكم في بيعها بدون منافس لها بالشروط التي تضعها بدون مناقشة.

7 - عقود الايجار التعسفية التي تضعها وزارة الاوقاف لموقوفاتها التي اوجدت حق التقدم (السرقفلية) لشخص حقيقي او حقوقي.

وهكذا كل عقد يضطر اليه الفرد ويذعن له مع شروطه التعسفية (عند عدم وجود منافسة حرة) لا تقبل المناقشة مع تخفيف مسؤولية الشركة وتشديد مسؤولية المتعاقد المذعن.

ما هي علاقة عقود الاذعان بالبيع الجبري من حيث فقدان الاختيار؟

طرح مجمع الفقه الاسلامي هذه الفقرة في موضوع عقود الاذعان في الدورة الرابعة عشرة.

اقول: ان عقود الاذعان لا جبر فيها في مقابل الاختيار، حيث ان العقد اذا كان فيه جبر والجاء لخرج عن العقد موضوعا لخلوه عن القصد المعتبر في حقيقة العقد باتفاق الكل.

لذا نرى ان العنوان الصحيح هو ان يكون عبارة عن علاقة عقود الاذعان بالبيع الاكراهي من حيث فقدان الاختيار، حيث ان الاختيار الذي يبحث عنه في العقود هو عبارة عن صدور الفعل من العاقد عن الرضا وطيب النفس مقابل الكراهة وعدم الرضا.

وعلى هذا يجب ان نفرض ان القصد الى العقد موجود في المعاملة، غاية الامر ان هذا القصد اذا كان المتعاقد مكرها عليه فهل يكون عقده صحيحا؟

والجواب: اتفق علماء الامامية على بطلان عقد المكره كما نقل عن اهل السنة عدم صحة بيع المكره، فقال الحنابلة: يشترط في البيع ان يكون المتعاقدان مختارين ظاهرا وباطنا.

فاذا كانا مختارين في الظاهر فقط كان اتفقا على بيع عين لاحدهما فرارا من ظالم يريد اغتصابها.. فان هذا البيع يقع باطلا ولاينعقد، لانهما وان تعاقدا باختيارهما ظاهرا ولكنهما في الباطن لا يريدان هذا البيع ويسمى بيع التلجئة والامان.

وقال الحنفية: ان كل عقد يكره عليه الشخص ينعقد، لان القاعدة عندهم في المكره، ان كل ما يكره على النطق به ينعقد... فاذا اكرهه ظالم على بيع ملكه، فان البيع ينعقد فاسدا ويملكه المشتري ملكا فاسدا، وللمكره ان يجيز البيع بعد زوال اكراهه، وله ان يسترد العين حيث وجدها.

وقال الشافعية: بيع المكره لا ينعقد راسا الا اذا قصد ايقاع العقد ونواه حال الاكراه، فانه في هذه الحالة لا يكون مكرها.

وقال المالكية: الاكراه الذي يمنع نفاذ البيع هو الاكراه بغير حق((78)).

ونحن في هذا البحث لا نتطرق الى الادلة الدالة على بطلان عقد المكره وانما ناخذ ذلك مفروض الحصول، ونقيده بغير ما اذاكان الاكراه بحق، كما لو كان الاكراه على البيع قد صدر من الشريعة المقدسة، فحينئذ لا يحكم بفساد العقد الواقع كرها، والا لزم ان يكون حكم الشارع بوقوع العقد الاكراهي لغوا (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا).

ثم ينصب البحث على وجود الاكراه في عقود الاذعان، فهل يوجد اكراه في عقود الاذعان؟

اقول: لابد من بيان معنى الاكراه الذي يبطل العقد او ينافيه ثم البحث عن وجوده في عقود الاذعان.

ما معنى الاكراه المبطل للعقد؟

فنقول: ان حقيقة الاكراه لغة وعرفا هي حمل الغير على ما يكرهه،فالاكراه متقوم بوجود مكره واقعا وعلم المكره به.

ولكن الادلة التي سيقت على بطلان عقد المكره مثل قوله تعالى: (لا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض)((79)). ومثل ما رواه سماعة في الموثق عن الامام الصادق(ع) في حديث: ان رسول الله(ص) قال: «من كانت عنده امانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه»((80)). وفي تحف العقول عن رسول الله(ص) انه قال في خطبة حجة الوداع: «ايها الناس انما المؤمنون اخوة، ولا يحل لمؤمن مال اخيه الا عن طيب نفس منه»((81)) وغيرها، تدل على انه لا يجوز تملك اموال الناس بالمعاملات الا ان تكون تجارة عن تراض، والمراد من التراضي في الية هو طيب النفس لا القصد والارادة، لان القصد والارادة مقومان للعقد، بينما شرط صحة التجارة هو الرضا وطيب النفس، والية والرواية هما بصدد بيان السبب الصحيح في المعاملات.

ولكن النسبة بين عنوان الاكراه وعدم طيب النفس هي العموم المطلق بمعنى انه كلما تحقق الاكراه تحقق عدم طيب النفس، امااذا تحقق عدم طيب النفس فلا يلزم تحقق الاكراه كما اذا توهم وجود مكره فباع داره لذلك ثم تبين عدم وجود المكره، فالاكراه غير متحقق ولكن لا يوجد رضا بالمعاملة ولا يوجد طيب النفس.

فالاكراه الذي يبطل المعاملة هو الفعل الفاقد للرضا المعاملي وطيب النفس بالمعاملة وهذا يتحقق اذا تحققت عدة امور:
1 - وجود مكره على الفعل يعلم به المكره.
2 - وعيد من المر (المكره) بتوجه الضرر على المكره عند عدم صدور الفعل منه عليه او على من يهمه امره عرفا.
3 - علم المكره او ظنه او احتماله بترتب الضرر على ترك المكره عليه، اذ في هذه الصورة تكون المعاملة فاقدة لطيب النفس والرضا المعاملي بها.
4 - ان يكون الضرر مضرا بالمكره عليه.
5 - ان يكون الضرر المتوعد به غير مستحق للمكره، اما اذا قال له: اما ان تبيع دارك او اطالبك بالدين الذي لي عليك، فهوليس باكراه، لان دفع الضرر من المطالبة بالدين تجعله راضيا ببيع البيت رضاء معامليا ونفسه طيبة بالبيع.
6 - ان لا يكون المكره قادرا على التخلص من الضرر المتوعد به بتورية او غيرها((82)).

اما اذا كان قادرا على التورية او غيرها للتخلص من ضرر المكره فلا يصدق عليه انه مكره، ولا يصدق على فعله انه فاقد للرضا وطيب النفس (لوترك التورية)، بل يكون فعله مع طيب النفس والرضا عرفا، ولا نقبل التفرقة القائلة بان المتمكن من التورية مع عدم اعمالها لا يصدق عليه انه مكره الا انه لا يصدق على عقده انه قد نشا من رضا وطيب النفس، لان العرف القاضي بعدم صدق الاكراه اذا صدر الفعل من صاحبه في هذه الحالة يحكم عليه عرفا بانه مع الرضا وطيب النفس، سواء قلنا ان الاكراه مانع من صحة العقد او قلنا ان الرضا شرط في صحة العقد، لان الفرد المتمكن من التورية عند عدم اعمالها لا يصدق عليه انه مكره وحينئذ يكون صدور العقد منه عن رضا واختيار عرفا.

واذا اتضح معنى الاكراه الذي هو (عدم الطيب وعدم الرضا على ايقاع المعاملة) فهل هذا الاكراه موجود في عقود الاذعان؟

الجواب: انه ليس موجودا، لعدم وجود مكره على الفعل وعدم الوعيد بتوجه الضرر على الغير ان لم يقدم الغير على المعاملة،وعدم احتمال توجه ضرر من اي فرد ان لم تتحقق المعاملة.

نعم هناك ضرر يتوجه الى من لم يعقد العقد الاذعاني، وهذا الضرر هو عدم استفادته من العقد عند عدم ابرامه، وهذا الضرر لايكون موجبا لاكراه المتعاقد على العقد، وليس هو ضررا اضافيا زائدا على عدم ابرام العقد حتى يكون مانعا من صحة العقد لعدم الرضا بالعقد الموجود، اذ لا عقد اصلا حتى يقال بان العقد وقع عن اكراه.

ولعل الدكتور السنهوري قد التفت الى عدم وجود الاكراه حقيقة على المذعن في عقود الاذعان فعبر بهذا التعبير:

«ولما كان (المذعن) في حاجة الى التعاقد على شيء لا غناء عنه فهو مضطر الى الاذعان والقبول، فرضاؤه موجود، ولكنه يكاد يكون مكرها عليه...»((83)).

وعلى هذا فلا اشكال في عقود الاذعان من هذه الناحية. وبهذا فقد اجبنا على التساؤل الاول المتقدم.

ما هي علاقة عقود الاذعان ببيع المضطر من حيث الخضوع للسعر؟

ان ما تقدم من شرط صحة العقود هو الرضا وطيب النفس كما تقدمت الادلة على ذلك، ولذا قال الفقهاء بعدم صحة عقد المكره وان كان عقد الاذعان الموجود في الخارج ليس داخلا في العقود الاكراهية، اما الن فنريد ان نعرف ان عقود الاذعان التي هي عقود اضطرارية، يضطر المتعاقد المذعن للخضوع للسعر الذي املي عليه كما يضطر لقبول الشروط التي تملى عليه بدون اي مناقشة، فهل يكون هذا الاضطرار مانعا من صحة العقد؟

وبعبارة اخرى: ان عقود الاذعان اذا لم يكن هناك مكره عليها، الا انها يضطر اليها المذعن، فهل يكون هذا الاضطرار مضرا بصحة العقد؟

والجواب: انه يوجد فرق اساسي بين الاكراه والاضطرار، حيث يكون الاكراه منصبا عليه من فرد خارجي مع عدم تحقق الرضا وطيب النفس لما يملى عليه ويوقعه، اما الاضطرار والضرورة التي تلجئ المتعاقد الى ايجاد العقد وليست من فرد خارجي ظالم، بل هي حالة من داخل الانسان تنشا من الظروف المعيشية للفرد المتعاقد وحاجياته، يدفع بها ضررا خارجيا متوجها اليه لولا اقدامه على العقد، فالرضا وطيب النفس موجود في حالة الضرورة الى العقد.

وكمثال على ذلك: اذا اضطر الفرد الى بيع داره لصرف ثمنها في علاج مرضه، او للانفاق على عياله، او لاداء حق شرعي متعلق بذمته او لدفع غرامة حكم بها عليه، ومع عدم دفعها يودع السجن لمدة عشر سنين، فالعاقد في هذه الامثلة مضطر لا على العقدبل مضطر لدفع المضار التي تتوجه اليه لا من ظالم لولا العقد.

وعلى هذا اتضح الفرق بين الاكراه والاضطرار، فالاكراه الذي تقدم الكلام عنه (وان قلنا انه غير منطبق على عقود الاذعان) هو ان يكره زيد عمرا على عقد ما ويكيل له الوعيد بالضرر على ترك العقد، وهذا الامر يوجب فساد العقد، لانه يوجب خلو العقد عن الرضا المعاملي المعتبر في صحة العقد، بينما الاضطرار الى دفع المضار المتوجهة اليه «لا من ظالم» يضطر الفرد الى ايقاع المعاملة عن رضا معاملي وطيب نفس بالمعاملة، فمن اضطر بحسب وضعه الثقافي والاجتماعي ان يدخل في شبكة الانترنيت للاستفادة منها ويدرا المفساد المتوجهة اليه لولا دخوله فيها، يكون اضطراره هذا (لا من ظالم) داعيا له الى التعاقد مع شبكة الانترنيت (ولو كانت شروطها تعسفية) وموجبا لحصول الرضا وطيب النفس الى هذا التعاقد.

فكم هو الفرق بين الاكراه من قبل الظالم على عقد وبين اضطرار المتعاقد الى عقد لاجل تنظيم امور حياته، ولعله هو الفارق بين اكراه الجائر لفرد على قطع اصبعه والا يهلكه بقتله لو لم يفعل، ومن فسد جزء من اجزاء بدنه وانحصر علاجه بقطعه لئلا يهلكه، فان الثاني مبتهج وراض بقطع عضوه بخلاف الاول، ولاجل هذا فان المكره لا يرضى بالنتيجة التي تراد من العقد، ولواخبر ببطلان العقد لفرح بذلك، بخلاف المضطر فانه راض بالنتيجة التي تراد من العقد، ولو اخبر ببطلان العقد فانه يتاذى بذلك اذى كثيرا لانه يرى المتاع او السلعة او المنفعة موجودة وهو مضطر اليها ومريد لها ولا يتمكن من تحصيلها.

والخلاصة: ان اضطرار المتعاقد بمسايرة ركب الحضارة للتعاقد مع شركات الماء والكهرباء والتلفون والانترنيت... الخ يكون مع الرضا المعاملي وطيب النفس، فلا يمكن ان يكون حجر عثرة لافساد العقود ولو كانت عقودا اذعانية.

هل يمكن القول ببطلان عقد الاذعان الاضطراري للنص الخاص؟

قد يقال ان عقود الاذعان ان لم تكن اكراهية من قبل ظالم، وكانت اضطرارية معها الرضا المعاملي فهي صحيحة على القاعدة، الا اننا نحكم ببطلانها لوجود النص الخاص على بطلانها ان كان الفرد مضطرا اليها.والنص الخاص هو ما روي بالسنة مختلفة عن الامام الصادق(ع) عن النبي(ص) انه قال: «رفع عن امتي ست (او تسع) خصال: الخطا والنسيان وما اكرهوا عليه وما لايعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا اليه»((84)).

فقد يتوهم انه اذا ثبت بطلان عقد المكره وايقاعه من جهة هذا الحديث فلابد وان يحكم ببطلان العقود والايقاعات الصادرة من المضطر لهذا الحديث ايضا، وان كان بينهما الفرق المتقدم.

والجواب: ان حديث الرفع المتقدم بما انه وارد مورد الامتنان على الامة، فكل ما ادى الى خلاف الامتنان لا يكون مشمولا للحديث، ومن الواضح ان الحكم بفساد عقد المكره يكون موافقا للامتنان، لعدم رضاه بالعقد وعدم طيب نفسه به، واما الحكم بفساد عقد وايقاع المضطر فهو خلاف الامتنان، لان المضطر الى العقد والايقاع يكون راضيا وطيب النفس به، فالحكم بفساد عقده هذايكون على خلاف الامتنان عليه، فحينئذ لا تكون المعاملة الاضطرارية مشمولة لهذا الحديث، وينحصر معنى الاضطرار المرفوع في غير العقود والايقاعات الاضطرارية.
وبهذا فقد اجبنا على التساؤل الثاني المتقدم.

القانون الغربي وعقود الاذعان:

ذكر بعض القانونيين الغربيين ان الاستغلال (سواء كان استغلالا لجهل المتعاقد او استغلالا يؤدي الى الغبن غير استغلال الجهل) هو امر غير مشروع، فيبطل بواسطته العقد، فقد ذكر القانون المدني الالماني في المادة (138) بطلان التصرف القانوني الذي يستغل الشخص حاجة الغير او خفته او عدم تجربته ليحصل لنفسه او لغيره، في نظير شيء يؤديه، على منافع مالية تزيد على قيمة هذا الشيء بحيث يتبين من الظروف ان هناك اختلالا فادحا في التعادل ما بين قيمة تلك المنافع وقيمة هذا الشيء((85)).

اذا، الاستغلال هنا عمل غير مشروع ويبطل العقد.

وهناك من القانونيين الغربيين من ينظر الى ان الاستغلال يعيب ارادة المتعاقد، فجعل العقد قابلا للابطال او للانقاص لعيب في ارادة المتعاقد المغبون، وهذا ما اخذت به التقنينات الحديثة الاخرى ايضا، ومعها القانون المصري الجديد.

فقد ذكر قانون الالتزامات السويسري: بانه في حالة اختلال التعادل اختلالا واضحا ما بين تعهد احد المتعاقدين وتعهد المتعاقد الآخر، يجوز للمتعاقد المغبون في غضون سنة ان يعلن بطلان العقد، ويسترد ما دفعه اذا كان قد دفع الى هذا الغبن من طريق استغلال حاجة وقع فيها او خفة او عدم تجربة.

وجاء في القانون المصري الجديد في المادة (129): اذا كانت التزامات احد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد او مع التزامات المتعاقد الآخر، وتبين ان المتعاقد المغبون لم يبرم العقد الا لان المتعاقد الآخرقد استغل فيه طيشا بينا او هوى جامحا جاز للقاضي بناء على طلب المتعاقد المغبون ان يبطل العقد او ان ينقص التزامات هذا المتعاقد((86)).

اقول: قد يقال: ان عقود الاذعان تنطبق على مثل هذه العقود التي تستغل حاجة المتعاقد الآخر اليها، فاما ان يكون باطلا لمن حكم على هذا الاستغلال بالحرمة (اي انه عمل غير مشروع)، فتكون الارادة من قبل المستغل غير مشروعة، وهذا ما ذهب اليه القانون المدني الالماني.

واما ان يكون العقد قابلا للبطلان او للانقاص، لان ارادة المتعاقد المغبون صارت معيبة، وهذا ما اخذت به التقنينات الحديثة الاخرى مع القانون المصري الجديد.

ولكن يرد على ما تقدم:

ان خيار الغبن في الفقه الاسلامي((87)) انما يترتب في موارد الغبن في صورة جهل المغبون بالقيمة، لان اصالة التساوي في القيمة بين الثمن والمثمن، او ان التساوي في القيمة (وهو الغرض العام للعقلاء) يجعل اقدام المشتري على طبق هذا القانون، فاذا تبين ان القيمة اكثر من السعر السوقي للمثمن، كان له خيار الفسخ، فهو لم يقدم الا اعتمادا على ذاك الاصل او ذاك الغرض العام العقلائي، فكانه قد اشترط ذلك، فاذا تبين عدم وجود ذاك الشرط كان له خيار الفسخ.

اما طيش المتعاقد مع علمه بالسعر واقدامه عليه فهو لا يجعل له خيار غبن، حيث ان الطيش اذا كان صاحبه يعد سفيها فالبيع يكون باطلا للسفه الموجود في المتعاقد الذي يمنع صاحبه من اي عمل تعاقدي، وان لم يكن مستوجبا لاستغلاله.

اما ما نحن فيه من عقود الاذعان: حيث يكون المتعاقد قد اقدم على ما اقدم عليه باختياره التام وعلمه بالقيمة فلا وجه لبطلان العقد او جعله خياريا.

نعم هناك حالة استغلال حاجة الغير، وهذه الحالة لا توجب الخيار وليست هي محرمة بالعنوان الاولي، وحينئذ ما لم يحرمهاولي الامر بالحكم الحكومي لا تكون محرمة ايضا بالعنوان الثانوي الحكومي، فلا يكون العمل من قبل المستغل عملا غيرمشروع يوجب البطلان الا ان يكون المنع والنهي متوجها الى بيع الاستغلال.

احتكار السلعة او المنفعة:

قد يقال: ان عقد الاذعان قد يكون فيه احتكار للسلعة او للمنفعة التي يقدمها المحتكر، والاحتكار محرم في الشريعة الاسلامية، فحينئذ يكون عمل المحتكر للسلعة او المنفعة محرما، فلا يكون عقد الاذعان صحيحا.

والجواب: ان الاحتكار في الشريعة المقدسة وان كان محرما الا انه اما مختص بامور ستة او سبعة وهي: (الحنطة والشعير والتمر والزبيب والملح والزيت والسمن)، وهذا قول اشارت اليه الروايات، الا انها ضعيفة، او هو مختص باحتكار الطعام في وقت ليس عند الناس طعام وهو ما دلت عليه الادلة الصحيحة.

اما غير الطعام من السلع والمنافع فلا دليل شرعي على حرمة احتكارها. نعم لولي الامر ان يحرم احتكار اي سلعة او خدمة، فان اقدم ولي الامر على تحريم احتكار سلعة او منفعة معينة اصبح نفس احتكارها محرما، اما البيع الذي يحصل بعد الاحتكار فلايكون باطلا اذا كان قد اشتمل على شروط صحة العقد، لان الحرمة التكليفية لا تلازم البطلان.

وبهذا اجبنا على التساؤل الثالث المتقدم، فلا يكون استغلال حاجة الناس محرما، ولا يكون احتكار هذه السلع والخدمات محرما بالعنوان الاولي، نعم يكون الاستغلال لحاجة الغير او احتكار امثال هذه السلعة والخدمات محرما اذا حرمهما ولي الامر، ومع هذا لا يحكم ببطلان العقد المستغل فيه حاجة الغير، او المحتكر فيه السلعة او الخدمة اذا توفرت شروط صحة العقد، لان النهي والتحريم التكليفي لا يستلزم البطلان الوضعي.

هل عقود الاذعان من انواع العقود المعاطاتية؟

ذكر الشيخ الانصاري(قدس سره) فقال: (اعلم ان المعاطاة على ما فسره جماعة:ان يعطي كل من الاثنين عوضا عما ياخذه من الآخر) ويتصور بان يكون التعطي على وجه التمليك والتملك((88)).

والقول الصحيح فيها انها تفيد اللزوم (سواء كان الدال على التراضي لفظا من قبيل اعطني خبزا بدرهم ام كان غيره).

والدليل على ذلك هو اطلاقات وعمومات (احل الله البيع) و (اوفوا بالعقود)، والسيرة القائمة على معاملة الماخوذ بالمعاطاة معاملة الملك في التصرف فيه مع عدم ردع الشارع عن هذه السيرة.

واذا صح هذا فهل يعتبر في المعاطاة شروط العقد؟

والجواب: انه لا شبهة في كون المعاطاة عقدا عرفا وشرعا يعتبر فيها جميع ما يعتبر في العقد من شروط ويجري عليها مايجري على البيع من احكام، ولذا يحرم الربا في المعاطاة ايضا كما يحرم في البيع ويثبت الخيار في المعاطاة كما يثبت في البيع.

ثم ان المعاطاة بما انها لم ترد في آية او رواية، وليست معقد اجماع تعبدي كي يحفظ عنوانه ويؤخذ بالقدر المتيقن منه، بل بحثنا في المعاطاة من ناحية ان العقد قد يتحقق بالانشاءات اللفظية، وقد يتحقق بغير الانشاءات اللفظية، كالانشاءات الفعلية، وحينئذ اذا حدث اعطاء من جانب مع قصد التمليك، فصدق عليه الايجاب عرفا واخذ الجانب الثاني وصدق على اخذه القبول، صدقت المعاطاة، وان كان الاعطاء من الجانب الثاني يكون وفاء بالعقد، وبهذا سوف يتوسع التفسير المتقدم عن جماعة بان المعاطاة هو ان يعطي كل من الاثنين عوضا عما ياخذه من الآخر الى صدق المعاطاة بالاعطاء والاخذ كما تقدم.

وحتى اذا قلنا ان البيع هو تبديل مال بمال فليس المراد منه هو التبديل الخارجي بل التبديل الاعتباري الذي يصدق بغيرالتعطي الخارجي من الطرفين، ولذا نشاهد بالوجدان ان الناس على اختلاف طبقاتهم يتعاملون بالمعاملة المعاطاتية في الاشياء الحقيرة والخطيرة، ولم نر ولم نسمع ان يتوقف احد في جواز التصرف في الماخوذ بالمعاطاة حتى مع تحقق التعطي من طرف واحد. وذكر السيد الخوئي(قدس سره): «ان المغروس في اذهان القدماء والمشهور فيما بينهم ان اغلب المعاملات المعاطاتية انما تنعقد بالتعطي من طرف واحد، ويكون الاعطاء من ناحية الخذ وفاء بالتزامه لا قبولا للايجاب المتقدم»((89)).

ثم ان القاعدة اذا كانت هي صحة انشاء العقود والايقاعات باللفظ والفعل، جرت المعاطاة في جميع العقود الا اذا قام دليل خاص على عدم جريانها في فرد خاص، لانحصار مبرزه بشيء خاص كاللفظ كما ورد ذلك في النكاح والطلاق((90))، حيث ثبت اعتبار مطلق اللفظ الصريح في انشاء عقد النكاح واعتبار لفظ خاص في انشاء الطلاق.

اذا اتضح ما تقدم، فيمكن ان تكون عقود الاذعان لفظية او معاطاتية، فيحصل عندنا عقد اذعان بيعي وعقد اذعان اجارتي وعقد اذعان تاميني وعقد اذعان صرفي وهكذا...

الا ان هذا كله لا يمنع من البحث في صحة عقود الاذعان من ناحية الشروط التعسفية واضطرار الانسان للتعامل مع الشركات التي انحصرت السلعة او المنفعة عندها، فهل الاكراه الذي يصيب المتعاقد يضر بصحة العقد؟ او هل الاضطرار الى العقد يخل بصحة العقد؟ وهل الشروط التعسفية الملتفت اليها المتعاقد او الغافل عنها تضر بصحة العقد، فجعل عقود الاذعان نوعا من التعطي (كما فعل الاستاذ الزرقاء) لا يحل المشكلة التي تتوجه الى عقود الاذعان؟

هل هناك رقابة حكومية على عقود الاذعان في القطاع الخاص بالتسعير؟

نعم يتمكن ولي الامر (وهو رئيس الحكومة في الشرع الاسلامي) ان يتدخل ليمنع ويحرم استغلال حاجة الغير، او يمنع احتكار بعض السلع والمنافع وان لم تكن من الامور السبعة التي حرم الشارع فيها الاحتكار وهي (الحنطة والشعير والتمر والزبيب والملح والزيت والسمن) او حتى اذا لم تكن من الطعام، وهذا الحكم يثبت حيث يتدخل ولي الامر ويعلن عن التحريم الحكومي.وقد يزيل الحاكم الشرعي هذه الحرمة في ظروف اخرى.

واذا منع ولي الامر من استغلال الغير او منع من احتكار السلع الضرورية والخدمات المهمة فلا موضوع خارجي لعقود الاذعان وانما العقود التي توجد كلها عقود يتم فيها التراضي التام فلا شبهة اكراه ولا شبهة اضطرار للتعاقد مع الشركات.

ثم انه يتمكن ولي الامر من تسعير هذه السلعة المهمة والخدمات المحتاج اليها بصورة شديدة حسب ما يراه من المصلحة التي يستحصلها من اهل التخصص الثقات، واذا كان السعر منسجما مع فائدة السلعة والخدمة فلا يصدق عقد اذعان، اذ لااستغلال للاخر ولا احتكار يوجب ارتفاع الثمن، وبهذا تنحل مشكلة عقود الاذعان التي ترمى بوجود خلل في الارادة تارة، وبان ارادة الغابن تكون غير مشروعة فلا اثر لها تارة اخرى.

مشابهات عقود الاذعان:

نعم هناك عقود تشبه عقود الاذعان، كما اذا تواطا اهل صنعة او حرفة على طريقة معينة للبيع، او كما اذا كان التعامل مع اصحاب الوكالات الحصرية للاستيراد حيث يحصل استغلال الجمهور للخضوع والاذعان بما قرره المتواطئون، خصوصا اذاكان التواطؤ في منطقة لا يتمكن الفرد العادي تجاوزها الى غيرها ليؤمن ما يحتاج اليه من سلع او خدمات.

وكمثال على ذلك: الباعة في سوق المدينة لسلعة معينة اذا اتفقوا على ان يكون السعر لسلعة معينة دينارا واحدا، فهم بذلك يستغلون حاجة الناس لاخضاعهم الى السعر الذي يريدون، فاذا كان السعر مجحفا كان هذا شبيها بعقود الاذعان من ناحية خضوع الفرد لما يملونه عليه من السعر المجحف، الا ان السلع هذه لما لم تكن حياتية ولابد منها لوجود البديل لها فلا ينطبق عليها خصائص عقود الاذعان.

والمشكلة لا تحل الا بتدخل ولي الامر فيمنع من استغلال الغير ومن احتكار هذه السلعة الحياتية المهمة فيعالج موضوع عقود الاذعان من ناحية شرعية.

خلاصة البحث:

يمكن ان نلخص البحث بعدة نقاط:

1 - ان عقود الاذعان هي العقود التي يتميز فيها القبول بكونه مجرد اذعان لما يملي عليه الموجب.

2 - ذهب جماعة من القانونيين في الغرب الى كونها اقرب ما تكون الى القانون الذي يؤخذ الناس باتباعه، وذهب آخرون منهم الى كونها عقودا حقيقية تتم بتوافق الارادتين مع ايجاب وقبول.