3 - رجحنا ان تكون عقود الاذعان عقودا حقيقية لوجود
الايجاب والقبول والرضا، سواء كانت عقودا صحيحة شرعا اوغير
صحيحة.
4 - اقر القانون المصري القديم والجديد بعقود الاذعان، فكان
القانون المصري القديم يحمي عقود الاذعان حماية قضائية ثم
جاء القانون المصري الجديد فحماها حماية تشريعية ايضا.
5 - ان دائرة عقود الاذعان تكون في خصوص السلع الحياتية
الضرورية اذا احتكرت من قبل الدولة او الشركات المرخص لها
بذلك وكانت شروطها تعسفية وبصورة واحدة للجميع.
6 - ذكر بعض القانونيين الغربيين ان استغلال الغير يعتبر عملا
غير مشروع في التعاقد فيبطل العقد، وذكر آخرون منهم ان
استغلال الغير يعيب ارادة المتعاقد، فله الحق في المطالبة
بابطال العقد او للانقاص من الشروط التعسفية في العقد،
وتابع القسم الثاني القانون المصري الجديد.
7 - ذكرنا ان الاختلال في التعادل بين تعهد احد المتعاقدين
وتعهد المتعاقد الآخر الذي يسمى بالاستغلال ان ادى
الى حصول العلم بسفه احد المتعاقدين فالعقد باطل، لان
السفيه محجور عليه من التعاقد المالي، وان لم يكن الاختلال
مؤديا الى حصول العلم بسفه احد المتعاقدين، فان كان احد
المتعاقدين جاهلا بالقيمة فحصل هذا الاختلال فيثبت خيار
الغبن فقط، وان كان عالما بالغبن فليس له خيار اصلا وان
حصل الاستغلال والشروط التعسفية في العقد كما هو في
عقود الاذعان.
8 - واما بطلان العقد للاحتكار الحاصل للسلع والخدمات فقد
قلنا ان الاحتكار انما حرمه الشارع في الامور الستة او
السبعة:
(الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والزيت والملح) او ما
صدق عليه عنوان الغذاء
للناس، اما غيرها فلا حرمة في احتكارها
ما لم يحرمه ولي الامر بالحرمة الحكومية، وحتى لو حرم
بالحرمة الحكومية فهو يدل على الحرمة ولا يدل على بطلان
المعاملة الاحتكارية، للفرق بين الحكم التكليفي والحكم
الوضعي.
9 - عقود الاذعان يمكن ان تكون نوعا من انواع العقود
المعاطاتية، الا ان هذا لوحده لا يحل مشكلة عقود الاذعان التي
تثارعند القانونيين في الغرب.
10 - لا علاقة لعقود الاذعان بالبيع الاكراهي الذي حكم فيه
الشرع الاسلامي بالبطلان، لانه لا اكراه من قبل الغير على
عقدالاذعان الذي يبرمه الطرف المذعن للسعر.
11 - نعم قد تكون عقود الاذعان قد اضطر اليها المتعاقد لرفع
العذر الخارجي الذي لم يكن متوجها اليه من قبل الظالم،
فهوعقد وجد فيه التراضي وطيب النفس لايجاده في الخارج،
وحينئذ لا يوجد اي مبرر لبطلانها لانها حاوية على التراضي
المعاملي الكامل، وحتى حديث الرفع لا يشمل العقود التي
يضطر اليها الفرد لدفع الضرر الخارجي الذي توجه اليه من غير
جهة الظالم،لانه حديث امتناني، وبطلان العقد في هذه الصورة
خلاف الامتنان.
12 - يمكن لولي الامر ان يجعل رقابة حكومية على عقود
الاذعان في القطاع الخاص فيعمل على:
13 - هناك عقود تشبه عقود الاذعان من ناحية التواطؤ الذي
يحصل من البائعين على سعر معين مجحف، الا انها ليست سلعا
او خدمات حياتية ويمكن ان يوجد بديل لها فهي من ناحية
تشبه عقود الاذعان من ناحية السعر الذي يخضع له
المتعاقد، وبما انها ليست من السلع الضرورية والحياتية ويمكن
ان يكون لها بديل فلا تشبه عقود الاذعان من هذه الناحية.
14 - حل المشكلة في عقود الاذعان لا يكون بوصفها بانها عقود
اكراهية، لعدم وجود الاكراه عليها من قبل الظالم، ولايكون
بوصفها اضطرارية، لان الاضطرار اذا كان لدفع الضرر الخارجي
المتوجه لا من قبل الظالم لا يؤدي الى بطلان العقد، بل يكون
العقد المضطر اليه واجدا للرضا المعاملي الكامل وواجدا لطيب
النفس، فلا يوجد اي مبرر لبطلانه.
نعم تحل مشكلة عقود الاذعان بواسطة ولي الامر الذي يحرم
كلا من: الجهاد - الابتدائي في عصر الغيبة الاستاذ الشيخ عباس الكعبي
القسم الثالث تمهيد:
قبل البدء ببيان القائلين بالجواز دون الوجوب، لابد من الاشارة
الى ان بعض الفقهاء - كجمال الدين السيوري الحلي(قدس سره)
في التنقيح الرائع لمختصر الشرائع وغيره - نفى امكان استظهار
هذا القول من كلمات الاصحاب، لان هذه المسالة من المسائل
التي متى شرعت وجبت ومتى لم تشرع حرمت.
وسنتعرض لهذا المدعى عند بيان الادلة ان شاء الله، ونقتصر
هنا على بيان كلمات الاصحاب الدالة على الجواز دون الوجوب:
كلمات الاصحاب الدالة على الجواز دون الوجوب:
1 - قال شيخ الطائفة(قدس سره) في باب الجهاد من كتاب
الاقتصاد الهادي الى طريق الرشاد: «جهاد الكفار فرض في
شرع الاسلام، وهو فرض على الكفاية اذا قام من في قيامه كفاية
سقط عن الباقين. ولوجوبه شروط: اولها: وجود امام عادل او
من نصبه امام عادل للجهاد، و... متى اختل شرط من ذلك
سقط فرضه الا ما كان على وجه دفع العدو عن النفس
اوالاسلام»((91)).
وفي رسالة الجمل والعقود قال: «الجهاد فرض من فرائض
الاسلام، وهو فرض على الكفاية، اذا قام به البعض سقط عن
الباقين.وشرائط وجوبه سبعة:... 7 - ويكون هناك امام عادل او
من نصبه الامام للجهاد، فاذا اختل واحد من هذه الشروط
سقط فرضه [ولم يسقط الاستحباب]»((92)).
ووجه استظهار القول بالجواز دون الوجوب من قوله في
الاقتصاد:«متى اختل شرط من ذلك سقط فرضه» انه لو كان
يعني بسقوط الفرض عدم الرجحان او الحرمة لصرح بذلك،
كصريح عبارته في المبسوط والنهاية المتقدم ذكرها والتي جاء
فيها: «بل لا يحسن فعله اصلا» وانه «خطا قبيح يستحق فاعله
الذم والعقاب، ان اصيب لم يؤجر وان اصاب كان
ماثوما»((93))، وحيث لم يورد هنا هذه التصريحات نفهم من
قوله: «سقط فرضه» الرجحان، لا سيما وانه يعمل بمفهوم
الوصف كما في عدة الاصول.
واما عبارته في رسالة الجمل والعقود فهي كعبارة كتاب
الاقتصاد المتقدمة بناء على ما في بعض النسخ التي ليس فيها
الا عبارة «سقط فرضه»، لكن في النسخة التي صححها
واعتمدها المحقق واعظ زادة الخراساني - حفظه الله - والتي
قال عنها: انها اضبط النسخ - لتاخرها عن النسختين الاخريين،
ولمقابلة المستنسخ لهذه النسخة معهما - وردت العبارة
بهذا الشكل: «سقط فرضه ولم يسقط الاستحباب»، ودلالتها
على القول بالجواز دون الوجوب واضحة وصريحة.
واما كون المراد من «منصوب الامام للجهاد» هو النائب الخاص
المباشر فقد بيناه واوضحناه اكثر من مرة.
وللشيخ نظير ذلك في نهايته وخلافه من القول بالجواز مقابل
الوجوب في انعقاد الجمعة في عصر الغيبة، ففي النهاية
قال: «يجوز لفقهاء اهل الحق ان يجمعوا بالناس الصلوات كلها
وصلاة الجمعة...». وعقب عليه((94)) صاحب الجواهر قائلا:
«ان جوازه في زمن الغيبة رخصة لا عزيمة»((95)).
وقال في الخلاف: «تنعقد الجمعة بخمسة نفر جوازا، وبسبعة
تجب عليهم»((96)). ووافقه على ذلك: ابن البراج((97))،
وابن حمزة((98))، وابن زهرة((99))، والصدوق((100))،
والشهيد الاول((101))، والعاملي((102))، والفاضل الهندي((103))،
وقواه في الجواهر((104)) ومصباح الفقيه((105)).
2 - وقال سلار في مراسمه في باب صلاة الجمعة من كتاب
الصلاة: «صلاة الجمعة فرض مع حضور امام الاصل او من يقوم
مقامه»((106)). وقال في باب الامر بالمعروف: «ولفقهاء الطائفة
ان يصلوا بالناس في الاعياد والاستسقاء، واما الجمع فلا، واما
الجهاد فالى السلطان او من يامره السلطان، الا ان يغشى
المؤمنين العدو فليدفعوا عن نفوسهم واموالهم واهليهم،
وهم في ذلك مثابون، قاتلهم ومقتولهم، جارحهم
ومجروحهم»((107)). فهو(قدس سره) لم يجعل الجهاد في
عداد صلاة العيد
والاستسقاء مفوضا الى فقهاء الشيعة ولا في
عداد انعقاد الجمعة التي هي فرض مع امام الاصل او من يقوم
مقامه، بل جعله موكولا الى السلطان المنصرف عن سلاطين
الجور.
وهل المراد من سلطان الحق هو الامام المعصوم(ع)؟ قال بعض
اساتذتنا الاعلام - سلمه الله ورعاه
-: «لا، بل الفقيه الواقع
في راس الدولة سلطان حق»((108)).
ويرد عليه: عدم مساعدة العبارة عليه، بل المراد من سلطان
الحق هو المعصوم المبسوط اليد، وذلك لانه جعل ابتداء
الجهادالخاص بالسلطان مقابل ما هو جائز وخاص بالفقهاء، فلو
كان المراد من السلطان هو الفقيه الواقع في راس الدولة لذكر
حكم الجهاد في نفس السياق ليدل على الجواز، او لقيد الفقيه
بما اذا كان مبسوط اليد وامثاله، اذ هو اخصر والطف ويطابق
مايستفاد من عبارته، وحيث جعل حكم الجهاد مقابل ما هو
للفقهاء وما ليس لهم فيستفاد منه ان الكلام حول وظائف
الفقهاء قد تم،
وقوله: «واما الجهاد» فكلام مستانف.
والمقصود من السلطان غير الفقهاء، وبما انه منصرف عن
سلطان الجور فنعرف ان المراد منه هو المعصوم، ويفهم من
تعبيره بالسلطان انه فيما اذا كان مبسوط اليد، وهناك قرينة
صريحة في نفس الباب وما جاء قبل هذه العبارات تؤيد هذا
الامر، وذلك عندما قال: «فاما القتل والجراح في الانكار فالى
السلطان او من يامره السلطان، فان تعذر الامر لمانع فقد
فوضوا(ع) الى الفقهاء
اقامة الحدود والاحكام بين
الناس...»((109))، فعبارة:«فقد فوضوا(ع)» هي بديلة عن عبارة
«السلطان او من يامره السلطان»، حيث لم يجعل حكم القتل
والجراح في عداد اقامة الحدود والاحكام المفوضة من
قبلهم(ع) الى الفقهاء. والمراد من قوله: «من يامره السلطان»
المنصوب الخاص، كعبارات سائر الفقهاء التي سبقت الاشارة
اليها.
فتحصل: ان الجهاد خاص بامام الاصل او نائبه الخاص عند سلار، واذا انتفى الشرط - وهو الامام او نائبه الخاص
- انتفى المشروط
وهو الوجوب، وبقي الجواز على حاله، لاسيما مع الاخذ بعين
الاعتبار قوله: «وهم في ذلك مثابون، قاتلهم
ومقتولهم،
جارحهم ومجروحهم» حيث يمكن ارجاع
الضمائر
الى المؤمنين المدافعين، او اليهم في حال الغيبة ان
جاهدوا من دون امام الاصل.
3 - وقال الصهرشتي في اصباح الشيعة بمصباح الشريعة:
«الجهاد من فرائض الاسلام... اما شرائط وجوبه:... وامر امام عادل
او من ينصبه الامام او ما يقوم مقام ذلك، كحصول خوف على
الاسلام او على الانفس والاموال. ومتى اختل احد هذه الشروط
سقط الوجوب. وهو - مع تكاملها - فرض على الكفاية، اذا قام من
له كفاية سقط عن غيره»((110)).
ودلالته على الجواز دون الوجوب واضحة، وذلك:
4 - وقال السيد ابن زهرة في كتاب الجهاد من الغنية: «الجهاد
فرض من فرائض الاسلام بلا خلاف، وجملة ما يحتاج الى علمه
فيه خمسة اشياء:... اما شرائط وجوبه: فالحرية والذكورة... وامر
الامام العادل به او من ينصبه الامام او ما يقوم مقام ذلك،من
حصول خوف على الاسلام او على الانفس والاموال. ومتى
اختل شرط من هذه الشروط سقط فرض الجهاد بلا خلاف
اعلمه،ومع تكاملها هو فرض على الكفاية، اذا قام به من فيه
كفاية سقط عن غيره بلا خلاف»((111)).
5 - واما الشيخ علاء الدين بن ابي الفضل الحلبي فقد قال في
باب الجهاد من كتابه اشارة السبق الى معرفة الحق: «واماالكلام
في الجهاد فهو فرض على الكفاية. وشرائط وجوبه:... مع امر
الامام الاصل به او من نصبه وجرى مجراه او ما حكمه
حكم ذلك، من حصول الخوف الطارئ على كلمة الاسلام او
المفضي الى احتياج الانفس او الاموال. فبتكاملها
يجب،وبارتفاعها اوالاخلال بشرط منها يسقط، فكل من اظهر
الكفر او خالف الاسلام من سائر فرق الكفار يجب - مع تكامل ما
ذكرناه من الشروط جهادهم»((112)).
فهذه العبارة كاخواتها في الدلالة على المقصود وذلك من
خلال قوله «فبتكاملها يجب، وبارتفاعها او الاخلال بشرط
منها
يسقط». على انه لم يصرح بعدم الجواز، مما يدل على بقاء الجواز والرجحان على حاله حتى مع الاخلال بالشروط، والا لصرح بعدم الجواز كما في عبارات بعض الفقهاء، كابن حمزة في الوسيلة حيث قال: «لا يجوز الجهاد بغير الامام ولا مع ائمة الجور».((113)) استعراض للاقوال السابقة في حكم الجهاد الابتدائي ووجه الجمع بينها
عرفنا فيما سبق ان ادلة القول بالحرمة ليست تامة بل غايتها
نفي الوجوب، وهو ليس بمعنى نفي الجواز، ثم ادلة نفي
الوجوب تقيد ادلة القول بالوجوب مما يجعلنا نحمل ادلة هذا
القول بطولها وعرضها على الجواز والراجحية وليس على
الالزام، كما ان طبيعة دليل ولاية الفقيه والتكليف بهذا الامر
وفقا للمصالح في هذا العصر هو الانسب، لكن مع ذلك ربما
يعترض علينا بان هذا
القول خرق للاجماع المركب، واحداث
لقول ثالث لم يقل به احد، وان الجهاد من المواضع التي متى
شرعت وجبت ومتى لم تشرع انتفت.
ولنفي هذا الاستبعاد نقول - مضافا الى ما ذكرناه في دليل
الاجماع على الحرمة : ان مصب الاجماع انما هو على عدم
الوجوب لا على نفي المشروعية، كما ان الادلة اللفظية - السابق
ذكرها في الاقوال((114)) - يعرف منها ذلك، مضافا الى
كلمات الاعلام من القدماء، كالشيخ الطوسي في الجمل
والعقود، والاقتصاد الهادي الى طريق الرشاد، والصهرشتي في
اصباح الشيعة، وغيرهما ممن ذكرنا.
بقي امر مهم بشان القول بالجواز دون الوجوب، وهو نفي
استبعاده كما توحي اليه بعض كلمات الاصحاب، وهذا ما
يتكفله البحث التالي:
نفي استبعاد القول بالجواز دون الوجوب:
من اجل نفي استبعاد هذا القول وبيان امكان استظهاره من
كلمات الاصحاب - رضوان الله تعالى عليهم - ومن الروايات،
لابدان نتعرض لكلمات من نفى امكان استظهار هذا القول من
الاصحاب:
ثم حكم بسراية حكم اقامة الجمعة الى مسالة اقامة الحدود
وذلك عقيب قول المحقق في الشرائع: «قيل: يجوز للفقهاء
العارفين اقامة الحدود في حال غيبة الامام(ع)» فقال صاحب
الجواهر معلقا على عبارته: «ومن هنا كان لا اشكال ولا خلاف
في وجوب الحكم عليه [اي الفقيه العارف بالاحكام الشرعية]
بين المتخاصمين مع طلب ذي الحق له، فالمتجه حينئذ كونه
[يعني قول المحقق: «يجوز»] عزيمة [وليس رخصة بمعنى نفي
الالزام]»((118)).
ثم بناء على ان صاحب الجواهر يرى ان جهاد الدعوة من
مناصب الامامة ويرى امكان المناقشة في ادلة المانعين منه
على مبنى عموم ولاية الفقيه ويعتقد ان الائمة(ع) انما اشترطوا
في جهاد الدعوة وجود الامام(ع) لعلمهم بعدم الاحتياج الى
حكم جهادالدعوة في عصر الغيبة المحتاج الى سلطان
وجيوش ولعلمهم بقصور اليد فيها والا لظهرت دولة
الحق((119))، فيمكن - على هذا - سراية حكم صلاة الجمعة
واقامة الحدود الى جهاد الدعوة، بان لو كانت هناك آراء
للاصحاب او روايات للائمة على الجواز فيجب حملها على
الوجوب، لان المقام من المواضع التي متى جاز فيها الحكم
وجب.
3 - والمحكي عن عوائد المحقق النراقي في جواز اقامة الحدود
قوله: «الظاهر من القائلين بثبوت الولاية لهم الوجوب،حيث
استدلوا باطلاق الاوامر وبافضاء ترك اجراء الحدود الى المفاسد،
وصرحوا بوجوب مساعدة الناس لهم، وهو كذلك،
لظاهر
الاجماع المركب...»((120)) الخ.
4 - ما علقه بعض اساتذتنا من المراجع الاعلام - حفظه الله - على
المحكي من كلام المحقق النراقي(قدس سره) بقوله:«واما
مقتضى ادلة الولاية وان لم يكن الوجوب بل الجواز، ولكن من
المعلوم ان الولي المنصوب عموما او خصوصا لو لم يقم بوظائفه
وما تقتضيه الغبطة والمصلحة فيمن ولي عليهم فقد خان
اميره وخانهم ايضا، وهذا غير جائز... وبالجملة لا ينبغي الشك
في المسالة، بل الظاهر ان من عبر بالجواز اراد الجواز بالمعنى
الاعم، والا هذا الحكم من الاحكام التي يدور امرها بين الحرمة
والوجوب، ولا يقبل الجواز بمعنى الاباحة كما لا
يخفى»((121)).
وحاصل ما يمكن استخلاصه من هذه الكلمات على نفي امكان
استظهار القول بالجواز دون الوجوب من ظاهر فتاوى
الاصحاب والادلة الشرعية يتبلور في العنوان التالي:
تحقيق المواضع التي اذا شرعت وجبت واذا لم تشرع حرمت:
الجواب على المواضع التي ادعي انها متى جازت
وجبت ومتى لم تجز حرمت وان الجهاد ليس منها:
اما الجواب على الوجه الاول:
وان كان مراده باثبات وجوب الجهاد من ثبوت جوازه هو بعد
الاتيان بالعمل وسقوط الفرض، فهذا غير معقول، مضافا
الى انتقاضه باستحباب الاتيان بصلاة الميت - المصلى عليه - بعد
يوم وليلة، وباستحباب طلب العلم فيما لم يتعين عليه وسقط
عنه بفعل البعض وامثال ذلك. ثم سقوط الفرض الكفائي تارة
يكون باتيان من به الكفاية واخرى بفقدان مشروطه.
والكلام في مسالتنا هذه هو هذا المورد بالخصوص، يعني عدم
وجوب الجهاد الابتدائي بغير امام الاصل. وهل عدم
الوجوب بمعنى نفي المشروعية كما عليه جمع من الاصحاب او
لا؟ فمن قال منهم بالجواز انما قال بذلك لرفع توهم الحظر
والحرمة
-
لما في بعض الاخبار والادلة - لا لاثبات اللزوم
والوجوب. ونظيره في الفقه ليس بقليل، مثلا في شروط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الاربعة التي منها: العلم بالتاثير، وعند انتفاء هذا الشرط هل ينتفي الوجوب بمعنى نفي المشروعية، او يبقى الجواز والرجحان؟
قال في الجواهر: «الساقط مع العلم بعدم التاثير الوجوب دون
الجواز، بل عن بعض الاصحاب استحبابه»((217)).
اقول: والامر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات
الكفائية كما هو واضح. وهل يصح ان نقول هنا بالجواز
بمعنى الوجوب كما يقول السيوري في التنقيح بان هذا شان
الواجبات الكفائية؟ فالجهاد بامر نائب الغيبة نظيره، اذا سقط
الفرض لم ينتف الجواز والرجحان.
واما الجواب على الوجه الثاني:
اذا من اجل معرفة المواضع التي متى جاز فيها الحكم وجب في
امثال الاحكام الشرعية المتوقفة على المناصب، ينبغي
النظرالى لسان دليل هذه الاحكام وخصوصية تعلقها بالمنصب،
حتى يتضح الامر، ولذلك نقول: اما اقامة الحدود فمن لوازم
القضاء
الواجب عن طريق:
وحيث ان اقامة الحد الى من اليه الحكم - كما جاء في خبر
حفص بن غياث عن ابي عبد الله(ع)((129)) - فلو كان ممن
اليه الحكم هو الامام(ع) رفع المنع، حتى بالتعبير في مثل «لا
مانع من اجراء الحد» ونظير «يجوز» وامثال ذلك، ويبقى
التمسك بعمومات النهي والقاعدة والدليل على حاله، ويصح
التعبير - في مثل وجوب اقامة الحدود - بالجواز هنا، لعمومات
النهي عن التعطيل وغيره.
واما انعقاد صلاة الجمعة فالظاهر من كلمات الاصحاب ان
الوجوب العيني للجمعة مشروط بامام الاصل او من
نصبه بالخصوص للجمعة او مع غيرها من المناصب وبدونهما،
وقد اختلفوا: هل ان الوجوب العيني يسقط ويبقى الجواز او
تنتفي المشروعية؟ بعدما اتفقوا في عدم الوجوب العيني
للجمعة حينئذ، بلا خلاف من احد من الاساطين من علماء
المؤمنين والمسلمين عدا الشافعي كما في الجواهر((130)).
ولانها من المناصب الخاصة او يشك في كونها كذلك استشكل
استاذ
مشايخنا(رحمه الله) في القول بالترخيص في اقامتها من
ادلة ولاية الفقيه.
وكيفما كان، فقد شاع عن الاصحاب من المتقدمين
والمتاخرين في انعقاد الجمعة التعبير بالجواز دون الوجوب
والقول بالاستحباب، مما يبطل دعوى كون الجمعة من
المواضع التي متى جاز الفعل فيها وجب، واليك نبذة من هذه
الاقوال:
1 - قال الشيخ في نهايته - على محكي الجواهر(رحمه الله):
«ويجوز لفقهاء الحق ان يجمعوا بالناس الصلوات كلها وصلاة
الجمعة والعيدين...» الخ. وعقب على هذا الكلام صاحب الجواهر
قائلا: «لا يخفى صراحة كلامه في نفي الوجوب العيني عقدا،
وظهوره في نفيه اجتماعا بانتفاء الشرط المزبور، وان جوازه في
زمن الغيبة رخصة لا عزيمة لا في العقد ولا في الاجتماع بعد
العقد»((131)).
2 - وقال الشيخ في الخلاف: «تنعقد الجمعة بخمسة نفر
جوازا،وبسبعة تجب عليهم»((132)). ووافقه على ذلك - على ما
في كتاب صلاة الجمعة (لية الله الشيخ مرتضى
الحائري(قدس سره))((133)) - بنو حمزة وزهرة والبراج
والكيدري والصدوق والكاتب والرائع والذكرى والمدارك، وهو
ظاهر رسالة صاحب المعالم وكشف اللثام، وهو الذي قواه
في الجواهر((134)) ومصباح الفقيه((135)).
3 - وفي المعتبر: «السلطان العادل او نائبه شرط وجوب الجمعة،
وهو قول علمائنا»((136)). ثم قال في المسالة الخامسة من
اللواحق: «لو لم يكن امام الاصل ظاهرا سقط الوجوب ولم يسقط
الاستحباب، وصليت الجمعة اذا امكن الاجتماع والخطبتان،
وبه قال الشيخ في المبسوط، وانكره سلار»((137)).
4 - وفي التذكرة: «يشترط في وجوب الجمعة السلطان او نائبه
عند علمائنا اجمع»((139)). ثم قال: «وهل للفقهاءالمؤمنين
حال الغيبة والتمكن من الاجتماع والخطبتين صلاة الجمعة؟
اطبق علماؤنا على عدم الوجوب، واختلفوا في
استحباب اقامتها، فالمشهور ذلك، وقال ابن ادريس وسلار: لا
يجوز»((140)).
5 - وفي محكي التنقيح: «مبنى الخلاف ان حضور الامام(ع) هل
هو شرط في ماهية الجمعة ومشروعيتها او في وجوبها؟
فابن
ادريس على الاول، وباقي الاصحاب على الثاني»((141)).
6 - وفي الروضة البهية: «ربما عبروا عن حكمها حال الغيبة
بالجواز تارة وبالاستحباب اخرى، نظرا الى اجماعهم على عدم
وجوبها حينئذ عينا، وانما تجب على تقديره تخييرا»((142))..
الى غير ذلك مما هو مسطور في الجواهر((143)). في
بيان عدم وجوب الجمعة عينا في زمن الغيبة وحرمة الجمعة
في عصر الغيبة، واكثره ينفعنا في المقام للنقض والابرام،
واتضح ان اقامة الجمعة ليست من قبيل «متى جاز الفعل وجب»
بل الحكم فيها يختلف بين الحرمة والوجوب، والجواز قول ثالث
هنا، كماذكرنا نبذا من الاقوال فيه.
واما جهاد الدعوة: فاما ان نقول في اشتراطه وجود الامام
المعصوم ونائبه الخاص او لا، فعلى عدم الاشتراط ربما
يتمسك باطلاقات وعمومات الجهاد ويقال بوجوب الجهاد
الابتدائي في عصر الغيبة، وعلى الاشتراط - كما عليه مشهور
الفقهاء بين المتقدمين والمتاخرين - فاذا انتفى الشرط، كما في
حال الغيبة، ينتفي الوجوب قطعا. وهل تنتفي المشروعية وان
القيام به حرام، او يبقى على رجحانه وجوازه؟ قولان، ذهب الى
كل واحد منهم طائفة من الفقهاء، وقد ذكرنا سابقا القول
بانتفاء
المشروعية من المتقدمين والمتاخرين، والقول الثالث
هو قول من يذهب الى الجواز دون الوجوب، كما بينا القائلين
به ايضا.
فتحصل: ان الجواز هنا مقابل الحرمة، ولا معنى لان يكون
التعبير بالجواز يراد به الوجوب هنا، وحيث ان الجمعة، كما
بيناه،
على قول تتوقف على منصب الامامة او النيابة الخاصة - وقد سردنا اقوال الاستحباب والجواز عند انتفاء هذا الشرط
-
فالامر هنا كذلك ايضا، وتكون تلك العبارات في الجمعة محل
شاهدنا هنا ايضا.
الجواب على الوجه الثالث:
وكيف كان فالانظار في المسالة مختلفة، والوجوب واحد منها
لا كلها، فلا يكون ذلك مانعا من اقامة ادلة الآخرين.
اما الاجماع المركب على بطلان القول بالجواز دون الوجوب
فتصويره بان يقال: كل من نفى المشروعية لا يقول بالجواز،
وكل من قال بالمشروعية لا يقول الا بالوجوب واللزوم. وعلى
هذا الاساس لابد من حمل كلام من يظهر منه القول بالجواز
دون الوجوب اما على عدم الجواز ونفي المشروعية لاشتراط
الجهاد باذن الامام، او ان يحمل على الوجوب، لعدم اشتراط
الجهاد
باذن الامام.
والجواب: ان كان يمكن حل هذا الاجماع المركب الى اجماع
بسيط فذاك امر آخر، كما لو افترضنا ان النافي للمشروعية
حتى لوتنازل عن نفي المشروعية لما قال بالجواز بل لذهب
الى الوجوب، كافتراضنا ان القائل بالوجوب لو تنازل عن القول
بالوجوب لما قال بالجواز بل لقال بالحرمة، فالجهاد اما واجب
واما حرام، وكلا القولين متحد على طرد القول بالجواز دون
الوجوب، وبهذا
يتكون اجماع بسيط.
والاجماع البسيط الذي يورث القطع بدليل شرعي حجة كما
في علم الاصول، لكنه هنا وعلى هذا الفرض لا يكتسب
الحجية ايضا، حيث نقطع ان هكذا اجماع لوجود المدرك وليس
هو تعبديا ارتكازيا. وعلى افتراض ان هذا الاجماع المركب لا
ينحل الى بسيط - كما لو ان النافي للمشروعية لا يقول بالجواز
دون الوجوب لانه ينفي المشروعية، والقائل بالوجوب لا يقول
بالجواز
لانه اختار الوجوب - عند ذلك نقول ان الاجماع المركب
الذي لا ينحل الى بسيط ليس بحجة، حيث نحتمل الخطا في
كل واحدمن القولين بالنظر الى عدم انسجامهما واختلاف
مناشئهما. نعم هو حجة على مسلك الاجماع اللطفي - وامثاله - الواضح بطلانه لنا.
الجواب على الوجه الرابع:
لقد عرفت الفرق بين النصب في مثل اجراء الحدود وبين
النصب في الجهاد عند الجواب على الوجه الثاني. ثم مقتضى
النصب العام في الجهاد هو القول بالوجوب: اما على فرض
الجواز دون الوجوب فلانه لم يتعد الحدود المقررة له من قبل
الامير فلاتصدق الخيانة، حيث ان الامير لم يلزمه بذلك حسب
المفروض، واما المصلحة والغبطة على المولى عليهم
فملاحظتهما
بالنسبة الى المسلمين واجبة، والا عد خيانة لهم،
ومورده اقامة الحدود لا الجهاد لرد الكفار الى الاسلام، فلا
غبطة ولا مصلحة لهم الا قمع فسادهم وكسر شوكة الكفر، وهو
حسب الافتراض غير الزامي، لاسيما وانه يفضي الى هدر الدماء
وتضييع الاموال وايتام الاطفال وسبي الذراري والتشريد وما
الى ذلك مع عدم وجود من نطمئن معه بالوجوب، فلا يرد
اشكال.
الجواب على الوجه الخامس:
يتضح بطلان الوجه الخامس بالجواب على الوجه الثاني بذكر
اقوال الفقهاء والاصحاب بما لا مزيد عليه، من ان الجهاد هو
من الاحكام التي يدور امرها بين الحرمة والوجوب، وربما يقال
بالجواز دون الوجوب. الشيخ علي المخلوق البحراني
في تحديد وقت الخطبتين يوم الجمعة ثلاثة اقوال اشار اليها
صاحب الفرحة الانسية(قدس سره) بقوله: «ومن شروطها
في المشهور دخول الوقت بتحقق الزوال، وقد نسبه في الذكرى
الى المعظم من الاصحاب. والشيخ في الخلاف على جواز ان
يخطب عند وقوف الشمس، فاذا زالت صلى الفرض، ومثله في
النهاية، واختاره ابن البراج. واوجب ابن حمزة الخطبة قبل
الزوال بمقدارما اذا خطب الخطبتين زالت الشمس.
ويدل عليه [القول المشهور] جملة من الصحاح، مثل صحيح
ابن مسلم، وصحيح معاوية بن عمار، ومعتبرة عبد الله
بن ميمون... الى غير ذلك من الاخبار - التي ذكرها - الدالة على
التوقيت. وللشيخ ومن تبعه صحيح عبد الله بن سنان
عن الصادق(ع) قال: «كان رسول الله(ص) يصلي الجمعة حين
تزول الشمس قدر شراك، وكان يخطب في الظل الاول،
فيقول جبرئيل: يا محمد، قد زالت الشمس، فانزل
فصل»((144)).
وحمل في المشهور على المضايقة للزوال وارادة الظل الاول
منه بحيث لا يطيل في الخطبتين، فسقط الاستدلال بها،
وعلى تقديرصراحتها فيجب حملها على التقية»((145)). انتهى
كلامه، رفعت في الخلد اعلامه.
اقول: لابد قبل مناقشة كل من هذه الاقوال من استعراض
الروايات التي استدل بها، وقد استدل المشهور على ما ذهب
اليه بروايات ثلاث، هي:
ويمكن المناقشة فيها بعدة مناقشات:
أولا - ان اقصى ما تدل عليه الرواية الاولى هو ان الجمعة باذان
واقامة، وان الامام يصعد المنبر بعد الاذان فيخطب، وليس
فيهاما يدل على ان الاذان يكون بعد الزوال حتى يلزم منه كون
الخطبة بعده.
واما ما رواه معاوية بن وهب عن ابي عبد الله(ع) قال: «لا تنتظر
باذانك واقامتك الا دخول وقت الصلاة...» الحديث((150))،
فلادلالة فيه على عدم جواز الاذان قبل دخول الوقت، بل ليس
هو ناظرا الى ذلك اصلا، وانما هو ناظر الى تاخير الاذان
والاقامة عن اول الوقت للمامومين او غير ذلك، فهو ناظر الى
المبادرة في مقابل التاخير عن اول الوقت، لا الى وجوب الاذان
في الوقت في مقابل التقديم عليه، فليتامل جيدا.
لا يقال: انه اذا ثبت بالدليل ان التقديم على الوقت خلاف
السنة حتى في صلاة الصبح فضلا عن غيرها، فقد حججت
نفسك، ولم يبق مجال للقول بتقديم الخطبتين على الزوال،
لانهما تقعان بعد الاذان.
لانا نقول: ان الدليل الصحيح الصريح - وهو صحيحة عبد الله بن
سنان المتقدم ذكرها - دل على سبق الخطبتين على الزوال،
فيكون الاذان لهما سابقا عليه ايضا، بل يمكن القول بان اذان
يوم الجمعة ليس ايذانا بدخول وقت الصلاة، وانما هو
ايذان بدخول وقت الخطبتين، فلا يكون مشمولا لادلة المنع.
ثانيا - ان روايتي معاوية بن عمار وعبد الله بن ميمون كرواية
محمد بن مسلم في عدم الظهور في كون الاذان والخطبة
بعد الزوال.
لا يقال: ان التعبير في رواية معاوية بن عمار بـ«زاغت
الشمس» ظاهر بل صريح في اعتبار الزوال في جواز
الاذان والخطبة.
لانا نقول: ان السؤال في الرواية عن الساعة التي يستجاب فيها
الدعاء، وانها ساعة خروج الامام للخطبة اذا لم يتقدم او
يتاخر، والا فهي ساعة زوغان الشمس.
ثالثا - ان لفظ «زاغت» بمعنى «مالت»، قال في لسان العرب:
«وزاغت الشمس تزيع زيوغا فهي زائغة: مالت وزاغت، وكذلك اذا فاء الفيء»((151)).
رابعا - قال في الحدائق: «قالوا: ويؤيده ان الخطبتين بدل
الركعتين، فكما لا يجوز ايقاع المبدل قبل الزوال فكذا البدل،
تحقيقا للبدلية، وانه يستحب صلاة ركعتين عند الزوال، وانما
يكون ذلك اذا وقعت الخطبة بعد الزوال، لان الجمعة عقيب
الخطبة، فلو وقعت الخطبة قبل الزوال تبعتها صلاة الجمعة،
فينتفي استحباب صلاة ركعتين والحال هذه»((152)).
اقول: ان اقصى ما تدل عليه الروايات هو ان كون صلاة الجمعة
ركعتين لمكان الخطبتين، كما عبرت به بعض
الروايات المعتبرة، كمعتبرة الفقه الرضوي((153))، ومعناه ان
تخفيف الصلاة في يوم الجمعة الى ركعتين لاجل ما تاخذه
الخطبة من الوقت متقدما على الصلاة، ولكي يتسنى للبعيد
الذي حضر الجمعة ان يرجع الى اهله قبل الليل، كما عبرت به
صحيحة زرارة عن الباقر(ع)((154)).
واما ما عبرت به بعض مراسيل الدعائم((155))
والمستدرك((156)) من البدلية او العوضية فليس المراد منه
البدلية اوالعوضية التامة، ووجوب الانصات على المكلف وحرمة
الكلام عليه وعلى الامام انما هما مستفادان من الدليل الخاص
الدال عليهما، كمرسلة الفقيه ومرسلة المجالس ومرسلة
الدعائم ومعتبرة الفقه الرضوي، والتعبير فيها وفي مرسلة
الدعائم عن الخطبتين بانهما صلاة انما هو لمجرد ترتيب بعض
احكام الصلاة عليها، ولو اريد البدلية الحقيقية للزم منه اشتراط
الطهارة فيهما، وتاخرهما عن الركعتين، وبطلان الصلاة
بعدم ادراكهما او النوم في اثنائهما، واتحاد الخطيب والامام،
وكل هذه لوازم باطلة بالاجماع، وما التعبير عن الركعتين بانهما
صلاة الا كالتعبير عن الطواف بالبيت بانه صلاة.
واما استحباب ركعتين عند الزوال فلا يدل على تاخر
الخطبتين عن الزوال، لان العندية منها ما هو تحقيقي ومنها ما
هو تقديري،ولم يعلم ارادة التحقيقية، بل علم استحالة تحققها،
بل في بعض النصوص: ان الامام كان اذا زالت الشمس يوم
الجمعة ترك الركعتين واشتغل بالفريضة، مما يدل على انه كان
يصليهما قبل الزوال، فليتامل جيدا.
خامسا - ان ما استدل به في الحدائق((157)) من كلام احمد بن محمد بن ابي نصر
البزنطي الصريح في كون الخطبتين بعدالزوال انما هو تقليد محض، والبزنطي لم يسنده
الى المعصوم(ع)، على انه يحتمل ان يراد من الزوال زوال الشمس عن كبدالسماء الى
ناحية خط منتصف النهار، لا زوالها عن خط منتصف النهار، لانا لا نتصور في مثل
البزنطي المطلع على
النصوص ان يحيد عنها قيد شعرة، واذا قام الاحتمال المعتد به
بطل الاستدلال.
سادسا - ان ما ذكره صاحب الفرحة الانسية من حمل المشهور
لصحيحة ابن سنان على التقية ليس في محله، لان ظاهر
ماذكره في «تبيين المسالك» في باب الجمعة عن ابن العربي
هو اتفاق علمائهم عن بكرة ابيهم على ان الجمعة لا تجب
حتى تزول الشمس، الا ما روي عن احمد بن حنبل من ان وقت
الخطبتين هو وقت وجوب الصلاة((158)).
ثم انه لا يمكن حمل الرواية على التقية من جهة اخرى، وهي
ان حملها على التقية يستلزم كذب المعصوم على
المعصوم(ع)،وهو غير ممكن فضلا عن انه لا يجوز. حيث ان
الحمل على التقية انما يتصور فيما اذا افتى المعصوم(ع) من
غير ان يسند الحكم الى غيره من المعصومين(ع) او يحكي فعلا
من افعالهم(ع)، كما لو قال: يجب كذا ويحرم كذا، واما لو قال
مثلا: قال رسول الله(ص)،
او علي(ع)، او ابي(ع)، او قال: فعل
رسول الله(ص) او غيره من المعصومين كذا، فلا يمكن حمله
على التقية، لما قلناه من استلزامه الكذب على المعصوم(ع).
فمثل هذه الصحيحة والرواية التي تقول: «ان عليا طاف بالبيت
ثمانية اشواط فزاد ستة...»((159))الى آخره لا يمكن حملهما
على التقية. فليتامل، فانه بالتامل حقيق.
نعم، دعوى الوضع من غير المعصوم على المعصوم متجهة،
لكن دون اثباتها خرط القتاد.
سابعا - مما يؤيد ان وقت الخطبتين سابق على الزوال،
بل يدل عليه باوضح مقال، ما دل من الروايات على ان وقت العصرفي يوم الجمعة هو وقت
الظهر في سائر الايام، ولا شك ان وقت فضيلة الظهر في غير يوم الجمعة هو ما اذا كان
الفيء قدر
ذراع، فيكون وقت الجمعة في وقت النافلة وهو الزوال، فتكون
الخطبة سابقة على الزوال.
ومن الروايات الدالة على ذلك: ما عن ربعي بن عبد الله وفضيل
بن يسار جميعا عن ابي جعفر(ع) قال: «ان من الاشياء
اشياءموسعة واشياء
مضيقة، فالصلاة مما وسع فيه، تقدم مرة
وتؤخر اخرى، والجمعة مما ضيق فيها، فان وقتها يوم الجمعة
ساعة تزول الشمس، ووقت العصر فيها وقت الظهر في
غيرها»((160)). بل الروايات مستفيضة في ان وقت الصلاة في
يوم الجمعة هو الزوال سواء صليت جمعة او ظهرا، كما في رواية
الحلبي قال: وقال ابو جعفر(ع): «اول وقت الجمعة ساعة تزول
الشمس الى ان تمضي ساعة، فحافظ عليها، فان رسول الله(ص)
قال: لا يسال الله عبد فيها خيرا
الا اعطاه»((161)).
ورواية محمد بن ابي عمير قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن صلاة
يوم الجمعة، فقال: «نزل بها جبرئيل مضيقة، اذا زالت
الشمس فصلها». قال:اذا زالت الشمس صليت ركعتين ثم صليتها؟ فقال ابو عبد الله(ع):
«اما انا اذا زالت الشمس لم ابدا بشيء قبل المكتوبة»((162)).
ورواية سماعة عن ابي عبد الله(ع) قال: «وقت الظهر يوم
الجمعة حين تزول الشمس»((163)).
وحمل لفظ الجمعة في رواية الحلبي على ما يشمل الخطبتين
خلاف الظاهر، فلا يصار اليه.
ثامنا - روى الصدوق باسناده عن الحلبي انه سال ابا عبد الله(ع)
عن الفطر والاضحى اذا اجتمعا في يوم الجمعة، فقال:
«اجتمعا
في زمان علي(ع)، فقال: من شاء ان ياتي الى الجمعة فليات،
ومن قعد فلا يضره، وليصل الظهر. وخطب خطبتين
جمع فيهما خطبة العيد وخطبة الجمعة»((164)).
هذه الرواية ان لم تكن صريحة في تقديم الخطبتين على
الزوال فلا اقل من انها ظاهرة في ذلك، لانه اما ان يكون قد
صلى العيدفي اول وقتها وخطب الخطبتين بعدها واكتفى
بهما عن خطبتي الجمعة، فلما زالت الشمس صلى الجمعة
بغير خطبة، او انه اخرالعيد الى آخر وقتها وهو الزوال، وصلاها
ثم خطب بعدها خطبتين ثم صلى الجمعة.
ولا شك ان الانسب هو الاحتمال الاول، لانه المناسب للاذن
لمن بعد في عدم حضور الجمعة، وبه يحصل التخفيف عليهم،
ويكون الغرض من الجمعة - وهو استماع الخطبتين والانتفاع
بمحتواهما - قد تحقق.
فالرواية - على الاقل - ظاهرة في ان عليا(ع) قدم الخطبتين
ليس على الزوال فحسب، بل على وقت الضحى، فليتامل جيدا.
تاسعا - قد تبين من مطاوي ما ذكرناه من المناقشات قوة ما
ذهب اليه الشيخ
(قدس سره)((165)) ومن تبعه((166)) من
القول بالجواز، واقوائية ما ذهب اليه ابن حمزة((167)) من
القول بوجوب تقديم الخطبتين على الزوال بمقدار ما اذا فرغ
منهما زالت الشمس. ودليله ما قدمناه من صحيحة عبد الله بن
سنان الصريحة في ذلك، فان التامل فيها يدل دلالة واضحة
على الوجوب،حيث تصور جبرئيل(ع) واقفا بالمرصاد، فاذا زالت
الشمس قال للنبي(ص): «يا محمد، قد زالت الشمس، فانزل
فصل»((168)).وكلا الفعلين امر، والامر ظاهر في الوجوب،
فيدلا ن على وجوب صلاة الركعتين عند الزوال المستلزم
لوجوب ايقاع الخطبتين قبله. ولا ينافيه قوله في اول الرواية:
«كان رسول الله(ص) يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر
شراك»، لان ذلك لا ينافي العندية كما قدمناه، ولتحصيل
اليقين بتحقق الزوال، ولا معارض لها، وتعضدها الروايات التي
قدمناها في المناقشة السابعة الدالة على ان وقت العصر في يوم
الجمعة هو وقت الظهر في سائر الايام.
الاستاذ الشيخ صادق لاريجاني
(*)
نشرت هاتان الدراستان في العدد الاول من مجلة
پژوهش هاى اصولى (بالفارسية)
في سنة 1423 ه.
نظرية «حق الطاعة» نظرية اصولية قامت في مقابل نظرية «قبح العقاب
بلا بيان»، واقترنت باسم الشهيد السعيد آية الله السيد محمد
باقرالصدر(قدس سره). وبعيدا عما يتم تداوله في محافل الحوزة
العلمية حول تبني بعض كبار المتقدمين لهذه النظرية
والتزامهم بها، فانه يبقى للشهيد الصدر(قدس سره) دوره
البارزفي بيان هذه النظرية بيانا دقيقا، والدفاع عنها دفاعا تاما
في مقابل نظرية «قبح العقاب بلا بيان». وقد طرح
الشهيد الصدر(قدس سره) هذه النظرية واماط اللثام عنها في
كتابه «دروس في علم الاصول» المعروف بـ«الحلقات»،
وفي تقريرات بحوثه الاصولية «الخارج»، وقد سعى فيما بعد
بعض تلامذته الى تعميق هذا البحث((169)). |