الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

والبحث التاريخي حول هذا الاصل او بديله - اعني «قبح العقاب بلا بيان» - يتطلب في واقع الامر مجالا آخر، اذ ليس من السهل استيعاب ما جاء حول هذه النظرية في كتب القدماء تحت هذا العنوان او عناوين اخرى مشابهة. وقد طرحت في البين جملة من المسائل المختلفة التي يحتاج الوقوف على النسبة فيما بينها وامكانية ارجاع بعضها الى البعض الخر الى تامل شديد، وهو ما نرجئ البحث فيه الى مقالة اخرى ان شاء الله تعالى. وما يهمنا فعلا هو عرض نظرية «حق الطاعة»، ثم دراستها ونقدها، حيث يمكن في الواقع توجيه النقد اليها من جهات ثلاث:
1 - النقد الاول: بلحاظ «الوجدان».
2 - النقد الثاني: بلحاظ «الانسجام الداخلي».
3 - النقد الثالث: بلحاظ «اللوازم الخارجية».

لكن قبل كل شيء، فان من الضروري التعرض الى بيان اصل النظرية.

* بيان نظرية «حق الطاعة»:

يتمحور البحث فيما نحن فيه حول تحديد موقف «العقل» في موارد احتمال التكليف غير المقترن بالعلم الاجمالي، او قل في موارد الشبهة البدوية قبل ملاحظة الترخيص او الاحتياط الشرعيين. والسؤال هو انه هل يحكم العقل في هذه الحالة بلزوم الاحتياط مراعاة منه للاحتمال؟ ام انه يحكم بالبراءة واطلاق العنان للمكلف وعدم استحقاقه العقاب على ارتكابه ما يحتمل حرمته او تركه ما يحتمل وجوبه، طالما انه لم يقم لديه بيان على الواقع؟

يعتقد الشهيد الصدر(قدس سره) بضرورة ارجاع البحث في هذه المسالة - شانها في ذلك شان غيرها من مسائل القطع وتوابعه - الى البحث في تحديد دائرة حق طاعة المولى الحقيقي، ومدى شمولها للتكاليف المظنونة والمحتملة بعد الفراغ عن شمولها للتكاليف المقطوعة. وهو يعتقد بسعة هذه الدائرة وشمولها للتكاليف المحتملة. والسبب في ذلك ان «المولوية» من المقولات المشككة التي يدركها العقل عبر جملة من الملاكات من قبيل «شكر المنعم» او «الخالقية» او «المالكية». [«ولكن حق الطاعة له مراتب، و كلما كان الملاك آكد كان حق الطاعة اوسع، فقد يفرض بعض المراتب من منعمية المنعم لايترتب عليه حق الطاعة الا في بعض التكاليف المهمة لا في كلها، وقد تكون المنعمية اوسع بنحو يترتب حق الطاعة في خصوص التكاليف المعلومة، وقد تكون مولوية المولى اوسع دائرة من ذلك بان كانت منعميته بدرجة يترتب عليه حق الطاعة حتى في المشكوكات و المحتملات من التكاليف»((170)).] ودليله(قدس سره) على هذا المدعى ما يشهده الوجدان.

وما ينبغي التنبيه اليه، هو ان الشهيد الصدر(قدس سره) لا يذهب عمليا الى الاحتياط في مورد الشبهة البدوية، وذلك لالتزامه في موردها باجراء البراءة الشرعية. الا ان بحثنا يتناول حكم العقل في مرتبة متقدمة عن مرتبة ورود الاحتياط او البراءة من قبل الشارع.

وباعتقادنا، فانه لا يمكن الالتزام بنظرية «حق الطاعة» كما قررها الشهيد الصدر(قدس سره)، والحق مع القائلين بـ«قبح العقاب بلا بيان» في موارد الشبهة البدوية. وكما اسلفنا، فانه يمكن توجيه النقد الى هذه النظرية من جهات ثلاث:

النقد الاول - بلحاظ «الوجدان»:

يعتبر الشهيد الصدر(قدس سره) «حق الطاعة» من بدهيات العقل العملي، وانه لا يمكن اقامة اي دليل برهاني عليها. وكما ان اصل «حق الطاعة» اذا قسناه الى «المنعم» و«الخالق» و«المالك»، وجدنا انه من مدركات العقل العملي وبدهياته، فكذلك الامر بالنسبة الى حدود هذا الحق وسعته، فانه في غنى عن البرهان. يقول(قدس سره) في كتاب «دروس في علم الاصول»:

«ونحن نؤمن في هذا المسلك بان المولوية الذاتية الثابتة الله سبحانه وتعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة، بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالا. وهذا من مدركات العقل العملي، وهي غير مبرهنة. فكما ان اصل حق الطاعة للمنعم والخالق مدرك اولي للعقل العملي غير مبرهن كذلك حدوده سعة وضيقا»((171)).

ومن الواضح ان من حق القائلين بقبح العقاب بلا بيان التمسك بالمدعى نفسه، وهذا ما سنبحثه مفصلا لدى استعراض مناقشات الشهيد الصدر(قدس سره) لقاعدة «قبح العقاب» ببياناتها المختلفة. فهم الى جانب تمسكهم بالادلة المثبتة لقاعدة «قبح العقاب»، يدعون وقوف الوجدان الى جانبهم، ودعواهم هذه مما يمكن الدفاع عنها.

وفي مقام اشكاله على كون قاعدة «قبح العقاب» من مدركات الوجدان، يتساءل الشهيد الصدر(قدس سره) قائلا:

«وكيف تكون هذه القاعدة من بديهيات العقل السليم مع انها لم تدرك ولم تذكر من قبل احد من العلماء العقلاء الى ايام الاستاذ الوحيد(رحمه الله)»((172)).

وهذا الاستفهام بعينه يمكن اثارته حول ما ادعاه الشهيد الصدر(قدس سره)، فانه على تقدير كون «حق الطاعة» من الامور الوجدانية والبدهية، فلماذا ذهب الى «قبح العقاب بلا بيان» عدد معتد به من الاصوليين من ايام الوحيد(رحمه الله) الى يومنا هذا؟ اضف الى ذلك انه لم يتصد احد قبل الوحيد(رحمه الله) الى بيان «حق الطاعة» بالنحو الذي بينه الشهيدالصدر(قدس سره). اما فيما يتعلق ببحثي «الحظر» و«الاباحة» ومدى ارتباطهما بـ«قبح العقاب» و«حق الطاعة» فقدطرحت آراء عديدة لسنا فعلا في مقام التعرض لها.

واما فيما يتعلق بدعوى عدم ذهاب احد قبل الوحيد(رحمه الله) الى مسلك «قبح العقاب بلا بيان»، فهو بحث تاريخي يتطلب الكثير من التتبع والعمق، وهو ما نتركه الى فرصة اخرى.

وعلى أية حال، فان اعتقاد الشهيد الصدر(قدس سره) بكون مسلك «حق الطاعة» و«الاحتياط العقلي في موارد الشبهات البدوية» من الامور الوجدانية، هو صرف ادعاء. وكذلك اعتقاده بان السبب في تشكيكهم بالاحتياط وذهابهم الى وجدانية «قبح العقاب» هو التزامهم ببعض البراهين الخيالية التي صاغوها في باب «البراءة العقلية»، والتي قد تحدث خللا في وجدان الانسان وعقله العملي((173)). وبطبيعة الحال فان ما وجهه اليهم حول «قبح العقاب» يمكن توجيهه اليه حول «حق الطاعة». على ان الذي يبدو هو وقوف الوجدان والعقل العملي الى جانب «قبح العقاب»، وهو ما قد يتضح لدى الحديث عن هذه القاعدة في الفقرات اللاحقة.

النقد الثاني - بلحاظ «الانسجام الداخلي»:

في اعتقادنا ان نظرية «حق الطاعة» تعاني من مشكلة رئيسية، وهي عبارة عن «عدم الانسجام الداخلي». ولسنا نعني بذلك التناقض المنطقي، انما نقصد انها تفضي الى نحو من التزاحم والتنافي في مقتضيات احكام العقل العملي. ولما كان هذا اللازم غير معقول بالفعل، فانه لا يمكن الالتزام بهذه النظرية كما جاءت على لسان الشهيد الصدر(قدس سره).

وكما قلنا، فان نظرية حق الطاعة تقول: ان دائرة مولوية المولى الحقيقي - اي الله تعالى - تتسع لتشمل التكاليف المظنونة والمشكوكة فضلا عن المقطوعة. فلو احتملنا التكليف في الواقع، لزم الاحتياط والعمل وفق مؤداه، وذلك بمقتضى «حق الطاعة» الذي يعد حكما من احكام العقل العملي. والنكتة التي لم يلتفت اليها بالكامل في نظرية «حق الطاعة» سواء من قبل مؤسسها الشهيد الصدر(قدس سره) او من قبل تلامذته، هي اننا في الشبهات البدوية كما نحتمل التكليف الاعم من الوجوب والحرمة، فكذلك نحتمل الاباحة الواقعية، والكلام حول حكم العقل العملي بحق طاعة المولى كما انه موجود في التكاليف الوجوبية والتحريمية، فانه موجود ايضا بنفس المستوى في الاباحة الواقعية.

اذا كانت «منعمية» المولى او «خالقيته» او «مالكيته» تستدعي اشتغال الذمة بتكاليفه والعمل على طبقها، فهي تستدعي ذلك ايضا بالنسبة الى «الاباحة» بوصفها حكما من الاحكام الخمسة.

ومن اجل التسهيل، سنفترض ان الاباحة التي نتناولها بالبحث هي الاباحة الاقتضائية ذات الجعل المستقل في مقابل جعل الحرمة وجعل الوجوب، والتي من اجل ذلك عدت من جملة الاحكام الخمسة. ونشير بادئ الامر الى عدم صحة القول بخلو الاباحة من اي ملاك، الامر الذي سننقحه لدى الحديث عن الاباحة الاقتضائية واللااقتضائية. بعد هذا نقول: ان اشكالنا على نظرية «حق الطاعة» يتلخص في انها في موارد «الشبهة البدوية» كما تقتضي الحكم بالاحتياط مراعاة للتكليف الواقعي،فانها تقتضي الحكم بالترخيص واطلاق العنان مراعاة للاباحة الواقعية. وبما ان هذين الحكمين العقليين - الحكم بالاحتياط والحكم بالترخيص - حكمان متنافيان لا يمكن اجتماعهما، فان بطلان هذه النظرية يصبح واضحا، وذلك بعد فقدان الدليل على ترجيح احدهما على الخر. اما القائلون بـ«قبح العقاب بلا بيان»، فهم بمناى عن هذه المشكلة، الامر الذي يدل على صحة مسلكهم.

والاشكال المتقدم، وان كان يبدو بسيطا، الا انه براينا يهدم اساس نظرية «حق الطاعة». ومع ذلك فانه قد يمكن الاشكال عليه بمجموعة من الاشكالات، نذكر بعضها مع الاجابات المناسبة عن كل منها:

الاشكال الاول:
ان الاباحة الاقتضائية وان كانت حكما من الاحكام الخمسة ومتعلقا لجعل المولى، الا انها تختلف عن الاحكام الاخرى اختلافاجوهريا. ويرجع ذلك الى ان العبد في مورد الاحكام الاخرى من قبيل «الوجوب» و«الحرمة»، يطلب منه الاتيان بعمل ما اوتركه، وما يحقق الطاعة او العصيان هو قيامه بذلك العمل او تركه له («الطاعة» عنوان للاتيان بما يامر به المولى او الانتهاءعما ينهى عنه، و «المعصية» عنوان لترك ما يامر به المولى او الاتيان بما ينهى عنه). اما في مورد «الاباحة» - حتى الاقتضائية - فلا يمكن تصور «طاعة» او «معصية» من هذا القبيل. فان الاباحة في الحقيقة عبارة عن جعل الترخيص للعبد واطلاق العنان له، واطلاق العنان هذا - الحاصل في ظرف التشريع - انما يقوم بنفس الجعل، ولا ينافيه فعل العبداو تركه، ولذا فان ترخيص المولى لا يمكن امتثاله عبر الفعل ولا عصيانه عبر الترك، والمتحقق من جهة جعل المولى هو«اطلاق العنان» في ظرف التشريع، ولا علاقة له بالعبد كي يعد الاتيان به امتثالا وعدمه معصية.

وبناء عليه، فليس في مورد «الاباحة الاقتضائية» حق طاعة كي يزاحم او ينافي «حق الطاعة» في مورد احتمال «الوجوب» واحتمال «الحرمة».

ويمكن الاجابة عن هذا الاشكال:
أولا: ان جعل الاباحة وان كان يختلف عن جعل الحرمة وجعل الوجوب،الا انه ينبغي النظر في انه هل هناك فرق بينهما فيما يتعلق بمسالة مراعاة حق المولى؟ وهل صحيح ما قيل حول كون الغرض من جعل الاباحة قائما بنفس الجعل لا بفعل العبد؟

والحق، ان للمولى غرضا من وراء جعل الاباحة والترخيص، وذلك من قبيل التسهيل ونحوه. وهذا الغرض قائم بفعل العبد اونحو فعله لا بنفس الجعل، اذ لو كان قائما به - اي بنفس الجعل - لسقط بمجرد جعله من قبل المولى - لانه يتحقق بمجردتحقق الجعل - وهو امر غير معقول.

ومن هنا نعلم بان للمولى غرضا من جعل الترخيص كامنا وراء نفس الجعل، وهو استفادة العبد من كونه مطلق العنان.صحيح ان الرخصة التشريعية تتحقق بمجرد جعل المولى - شانها في ذلك شان الالزام التشريعي المتحقق كذلك بمجردجعل المولى له - لكن لا يمكن الالتزام بان ملاك الحكم الالزامي هو صرف تحقق الالزام، بل هو تحقق متعلق الالزام، اي الفعل او الترك. وكذلك الامر في باب جعل الاباحة والترخيص واطلاق العنان، فان ملاك الاباحة غير قائم بمحض الترخيص واطلاق العنان الحاصلين تشريعا، بل قائم باستفادة العبد من كونه مرخصا ومطلق العنان. وهذه الاستفادة ترجع في الحقيقة الى نحوخاص من انحاء الفعل والترك، فان المكلف انما يعتبر مرخصا ومطلق العنان في فعله فيما لو اتى به من غير جهة الالزام.

ان استيفاء مصلحة «الاباحة» المجعولة انما يكون عبر عدم قيام العبد بالفعل او الترك من جهة الالزام، واي نحو من انحاءالالزام، يعد - عقلا - استخفافا بحق المولى وعدم مراعاة له فيما لو كان المولى قد رخص فعلا في مورده. غاية الامر، فان الاستخفاف بحق المولى تارة يكون من جهة عملية، كما لو قام بالفعل او الترك من جهة الالزام، واخرى من جهة نظرية، كما لوبنى على «الالزام» وعقد عليه قلبه في مقابل ترخيص المولى.

وعلى أية حال، فان تصور عدم مراعاة جعل «الاباحة» او «الترخيص» امر ممكن.

هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فان البحث في «حق الطاعة» غير مرتبط بالالفاظ والظواهر كي يصار الى البحث عن مواردصدق «الطاعة» وموارد عدم صدقها، وهل ان الطاعة متصورة في مورد الترخيص وجعل الاباحة ام غير متصورة، بل البحث في «حق الطاعة» بحث عقلي مرتبط بدائرة مولوية المولى، ولزوم مراعاة هذه المولوية. ومن المسلم به ان مولوية المولى غير منحصرة بالاحكام الالزامية، وكذلك لزوم مراعاة هذه المولوية. وكما راينا فان مراعاة العبد لهذه المولوية مما يمكن تصوره في مورد الاحكام الترخيصية، ولا دليل على انحصاره بالاحكام الالزامية.

ومما ذكرناه اتضح ان امتثال «الاباحة» غير قائم ببناء المكلف [بمعنى عقد القلب] على «الترخيص» او على «اطلاق العنان» - ليشكل بان «بناء المكلف على الترخيص» ليس من مقتضيات الاباحة والترخيص، وبان وجوب عقد القلب والبناء على الترخيص بحاجة الى دليل جديد [لانه لا يمكن استفادته من الملاك الاقتضائي للترخيص في حد نفسه] بحيث لوعقد قلبه على ذلك لم يرتكب على اسوء التقادير الا حرمة التشريع - بل قائم بناء على ما تقدم بنفس الفعل والترك الخارجيين، ولكن بكيفية خاصة وهي الفعل والترك لا من جهة الالزام في مقابل الفعل والترك الماتي بهما من جهة الالزام، وعليه فانه اذا شرع المكلف واتى بالفعل في مورد «الاباحة» من جهة الالزام، فقد ارتكب مخالفتين:

أولهما: [بلحاظ الجانب النظري] وهو ارتكابه التشريع المحرم [وذلك لبنائه على الالزام بدل البناء على «اطلاق العنان»].

ثانيهما: [بلحاظ الجانب العملي] وهو تركه امتثال ما جعله المولى في عهدته، وذلك لاتيانه بالفعل من جهة الالزام [في حين ان امتثال المجعول المولوي يكون من غير جهة الالزام].

ومحل كلامنا في موارد التشريع الامر الثاني لا الاول.

اضف الى ذلك ان بالامكان تصور الاتيان بالفعل من جهة الالزام، لكن دون الابتلاء بالتشريع المحرم. كما لو فرضنا - مثلا - ان فتوى المجتهد في مسالة من المسائل هي «الاباحة»، من قبيل ذهابه الى ان ترجيع الصوت ليس محرما في حد نفسه، فلوساله المقلد عن حكم ترجيع الصوت، وافتاه بالحرمة توهما منه بان الغناء المحرم عبارة عن مطلق ترجيع الصوت - والحال ان ذلك في الواقع خلاف فتواه - والتزم المقلد بهذه الفتوى، فان تركه ترجيع الصوت سيكون من جهة الالزام، ومع ذلك فانه لم يقع في محذور التشريع المحرم. فما ينبغي له العمل به في المقام هو «الاباحة» (وتوخيا للدقة في الاستدلال، نفترض مطابقة فتوى المجتهد للحكم الواقعي)، في حين ان ما قام به هو ترك ترجيع الصوت لكن من جهة الالزام. وفي هذه الحالة، فان مخالفة المقلد للترخيص الواقعي وان كانت لا تستلزم عقابا - نظرالنشوئها من خطا المجتهد - الا انها تثبت امكان تصور مخالفة «الحكم الترخيصي» و«الاباحة التشريعية» دون الابتلاء بالتشريع المحرم.

ثانيا: لو فرضنا ان الاباحة - وعلى الرغم من كونها حكما من الاحكام الخمسة، الا انها لا امتثال لها ولا عصيان، وذلك نظرالماهيتها الخاصة. وبتعبير البعض فان الاباحة نحو سلب للمسؤولية والادانة، ولا شيء على العبد سواء اتى بالفعل ام تركه.ففي هذه الحالة فان ما اوردناه على نظرية «حق الطاعة» لا يكون متوقفا على هذا البحث، لان المشكلة التي اثرناها هي وقوع التنافي بين مقتضيات العقل العملي [حيث يحكم بالتنجيز تارة والتعذير اخرى] والتنافي بينها لما كان امرا محالا كشف بذلك عن بطلان هذه «النظرية».

اما وقوع التنافي بين احكام العقل العملي، فلحكم العقل بالترخيص على ضوء الترخيصات الواقعية والاباحات المجعولة الواصلة الى العبد (حيث يحكم العقل بالاباحة والترخيص فور علمه بجعل المولى للاباحة) وهذا مقتضى احترام المولى ومولويته. وبناء على نظرية «حق الطاعة»، فان دائرة احترام المولوية لا تقتصر على موارد الوصول القطعي للحكم، فلامناص للعقل اذا من الحكم بالترخيص في موارد الشك في الاباحة ايضا، وذلك مراعاة منه لمولوية المولى التي تتساوى نسبتها الى الاحكام الالزامية والترخيصية على حد سواء. وما ذلك الا لما قدمناه من ان البحث في «حق الطاعة» غير منوط بلفظ «الطاعة»، وان المهم في المقام هو البحث في مراعاة مولوية المولى واحترامه. ومن الواضح عدم اختصاص احترام المولى بجعل دون آخر، بل يشمل جميع الجعولات، ومنها جعل «الاباحة» والترخيص.

وحاصل ما تقدم ان اصل الاشكال على نظرية «حق الطاعة» غير متوقف على تصوير «الامتثال في مورد الاباحة»، بل يبتني على لازم نظرية «حق الطاعة»، وهو التنافي الحاصل بين احكام العقل العملي.

الاشكال الثاني:
اما الاشكال الثاني الذي يمكن اثارته حول النقد الذي وجهناه الى نظرية «حق الطاعة»، فحاصله: انه لا تنافي مستقر من الاساس بين احكام العقل المتقدمة، اذ بعد المصادقة على ان احتمال التكليف الالزامي موجب لحكم العقل بالاحتياط، وان احتمال الاباحة الواقعية موجب لحكمه بالترخيص، الا ان هذين الحكمين لا يكونان فعليين في آن واحد كي يقال بوقوع التنافي والتزاحم بين الاحكام العقلية، بل يكون الحكم العقلي بالاحتياط فعليا، والحكم العقلي بالاباحة واطلاق العنان غير فعلي. والوجه في ذلك ان المنجزية والاحتياط حق للمولى على العبد، بينما المعذرية والترخيص حق للعبد على المولى، وكلما وقع التنافي بينهما، قدم العقل حق المولى على حق العبد الساقط بعد هذا التقديم. وعليه فلا فعلية للحكمين المذكورين معا لكي يقع التنافي بينهما.

ولمزيد من التوضيح نقول: ان ملاك الاباحة الاقتضائية في موارد الشك في الحكمين الالزامي والترخيصي، ان كان يستتبع الترخيص والاطلاق المطلق للعنان، ففي هذه الحالة يقع التنافي بين مقتضيات الحكم الالزامي والحكم الترخيصي بلحاظ الاحكام العقلية المترتبة عليهما (وعلى احتمالهما). غير اننا لو احرزنا ان الملاك المقتضي للتنجيز اهم عند المولى من الملاك المقتضي للتعذير (كما الحال في ادلة الاحتياط الشرعي وامثالها) ثبت التنجيز وسقط التعذير. وفي مقابل ذلك، لو احرزنا ان الملاك المقتضي للترخيص والتعذير اهم عند المولى من الملاك المقتضي للتنجيز (كما الحال في ادلة البراءة الشرعية وامثالها) ثبت التعذير وسقط التنجيز. وفي حالة عدم احراز اي منهما، قدم حق المولى على حق العبد بمقتضى حكم العقل العملي.

ويمكن الاجابة عن هذا الاشكال:
أولا: ان حكم العقل بالترخيص تبعا لحكم المولى به، انما هو صرف حكم وليس بحق. فالعقل انما يرخص تبعا لترخيص المولى، وكما ان ترخيص المولى ليس سوى حكم بالترخيص، فكذلك ترخيص العقل. وبناء عليه، فان اعتبار هذه التراخيص «حقا» لا دليل عليه من اساس. كما ان حكم العقل بلزوم الاحتياط مغاير لحكم العقل بوجود «حق الطاعة» و«حق المولوية» والثاني موضوع للاول، لان «حق الطاعة» و «حق المولوية» ثابتان بالنسبة الى المولى، والعقل انما يحكم بلزوم الاحتياط فحسب.
وعليه، فالتنافي بين حكم العقل بالالزام - الناشئ من حق مولوية المولى - وبين حكم العقل بالترخيص - الناشئ من ترخيص المولى - ليس تنافيا بين حق المولى وحق العبد كي يقال بتقديم حق المولى على حق العبد بلحاظ الاهمية.

ثانيا: انه على تقدير رجوع الترخيص الذي يثبته العقل للعبد الى حق العبد على المولى، بحيث يقع التنافي في المسالة اعلاه بين حق المولى وحق العبد، فما الدليل على كبرى التقديم الدائمي لحق المولى على حق العبد؟ وللانصاف، فان العقل لا يحكم بهذا الحكم الكلي والمطلق. والعجيب ان المستدل نفسه قد اذعن باننا لو احرزنا ان الملاك المقتضي للتعذير اهم عند المولى من الملاك المقتضي للتنجيز، ثبت التعذير وسقط التنجيز. او لا يرجع هذا الكلام - بعد كون التعذير حقا للعبد، والتنجيز حقاللمولى - الى تقدم حق العبد على حق المولى من حيث الاهمية؟ هذا والبحث عن منشا هذا الاحراز وهل انه البراءة الشرعية او غير ذلك خارج عن محل الكلام، لاننا انما نتكلم بلحاظ عالم الثبوت. غير ان ما نؤمن به على كل حال هو ان كبرى «تقديم حق المولى على حق العبد» غير مطردة بل نادرة، لاننا نحتمل في موارد الشك ان التعذير - وهو حق العبد على المولى - اهم من التنجيز، فلا يبقى مجال لتقديم «حق الطاعة» عليه.

ثالثا: ان طرح المسالة على ان الامر فيها دائر بين حق طاعة المولى وحق العبد لا يحل المشكلة بالكامل، لان اشكالنا على «حق الطاعة» قائم على اساس التنافي الحاصل بين الاحكام العقلية في باب «حق الطاعة» بحيث يرجع الحقان الى حق المولى على العبد. اما حق العبد على المولى فانه - بعد الاعتراف بوجوده - اجنبي عن اشكالنا.
وتوضيح الحال ان ترخيص المولى للعبد وان كان حقا للعبد على المولى، الا انه قائم في طول حق المولى على العبد. اذ لو لم يكن للمولى حق على العبد، فباي دليل صار ترخيصه العبد موضوعا لحكم العقل بحق التعذير والترخيص؟ وبعبارة اكثروضوحا: ان العقل انما يحكم بثبوت حق للعبد حينما يثبت الشارع له ترخيصا. اما صرف تحقق الترخيص من قبل المولى، فلايكفي لثبوت الحق للعبد، الا بعد الفراغ عن ثبوت هذا الحق للمولى في مرتبة سابقة، بحيث يمكنه ترخيص العبد او الزامه. والافان قول شخص لخر «انك مرخص» لا يثبت له اي ترخيص، لان الترخيص انما يكون ممن له حق الترخيص. وهذه المسالة واضحة ولا اختصاص لها بالترخيص (الذي لم نات على ذكره الا تنزلا بعد عدم اعترافنا اساسا بكونه حقا) بل تشمل حق خيارالفسخ وحق الحضانة وغير ذلك.
وهذه الحقوق انما تثبت بانشائها، عندما يكون للمولى حق جعلها للعباد وله ذلك. بناء عليه نقول: في موارد الشك البدوي حيث يدور الامر بين احتمال التكليف الالزامي والاباحة الاقتضائية، فكما ان مولوية المولى في موارد الاحكام الالزامية تقتضي الاحتياط ومراعاة احتمال التكليف، فانها في موارد الاحكام الترخيصية تقتضي مراعاة احتمال الاباحة والترخيص في الطرفين. ومن هنا ينشا التنافي بين حقي طاعة المولى، وليس بين حق طاعة المولى وحق طاعة العبد حتى تصل النوبة الى تقديم حق المولى على حق العبد.
ولكن هذا اجنبي عما بحثناه سابقا - لدى حديثنا عن امكان تعقل الامتثال في مورد الاباحة والترخيص (وان كنا قد ذهبنا #هناك الى امكان ذلك) وهو مبني على التسليم بان الاباحة لا تستلزم نوعا من الامتثال في مقام العمل. وبعد ذلك نقول بان المجعول الواقعي في موارد الشك البدوي اذا كان الاباحة فان مقتضى مولوية المولى حكم العقل بالترخيص، وكذلك الامر حال احتمال هذا الجعل، وذلك تحفظا على الترخيص الواقعي المحتمل. وهذا الحق المولوي القاضي بالترخيص العقلي في ظرف الشك ينافي الحق المولوي القاضي بالالزام العقلي في ذلك الظرف. فالتنافي اذا بين حقي المولى، لا بين حق المولى وحق العبد.

رابعا: يمكن القول بان مسالة التنافي بين الحكمين العقليين المتقدمين متفرعة عن مسالة اساسية - اكثر اهمية وهي مسالة مراعاة «اهتمامات المولى». فلو راى المولى في مقام مراعاة مصالح العباد بان اطلاق العنان للعبد اهم من تقييده وتضييق الخناق عليه، وحكم له بالترخيص مراعاة لهذه المصالح، فهل من الممكن للعبد والحال هذه تجاهل اهتمام المولى بمصالحه، وتمسكه بجانب التقييد والتضييق؟
كما ان لمسالة «اهتمام المولى» مجال آخر يمكن طرحها فيه، وهو حال اشتباه الاباحة الواقعية بالالزام الواقعي وعدم تبين المجعول الواقعي في البين. والسبب في ذلك ان احتمالنا لكون المجعول الواقعي هو «الاباحة» معناه ان اهتمام المولى وبملاحظة جميع الجوانب - قد تعلق بكون العبد مرخصاومطلق العنان. فلو لزمت مراعاة «اهتمامات المولى» فان على العقل عندئذ الحكم بالترخيص مراعاة منه لاهتمام المولى بالترخيص وكون العبد مطلق العنان، كما ان عليه الحكم بالاحتياط مراعاة منه لاهتمام المولى بالالزام وكون العبد مقيدا. وهذا هو معنى عدم الانسجام الداخلي الذي نعتقد بان نظرية «حق الطاعة» تعاني منه.

والانتقال بالبحث الى الحديث عن تزاحم حق المولى مع حق العبد، ناشئ من الغفلة عن ان التنافي واقع بين احكام العقل بلحاظ اهتمامات المولى في حد نفسها. والشهيد الصدر(قدس سره) نفسه يعتقد في بحث «العلم الاجمالي» بامكان الترخيص في كلاطرفيه، لان الاصول الجارية في اطراف العلم الاجمالي تتبع قوانين «التزاحم الحفظي». والمراد من «التزاحم الحفظي» التزاحم الحاصل بين مقتضيات الاحكام الالزامية والاحكام الترخيصية في مرحلة الجهل. ومقتضى التحفظ على الاحكام الالزامية في مرحلة الشك هو الاحتياط والاتيان بجميع الاطراف حفظا للملاكات الواقعية (او ترك جميع الاطراف، وذلك بحسب تعلق العلم الاجمالي بالوجوب او الحرمة). كما ان مقتضى التحفظ على الترخيص الواقعي، الترخص في جميع الاطراف.

وهناك التزم الشهيد الصدر(قدس سره) بامكان ترخيص المولى في جميع الاطراف حفظا منه للملاك الواقعي، وذلك فيما لو كان ملاك الترخيص الواقعي اهم لديه من ملاك الالزام الواقعي، بحيث يكون التحفظ على الاول مقدما لديه على التحفظ على الثاني.

وما نقوله: هو انه كيف يعقل لمن يعتقد بامكان تقديم ملاكات الاباحة على ملاكات الالزام في عالم التزاحم الحفظي، وبالتالي امكان ترخيص الشارع في جميع اطراف العلم الاجمالي، ان يذهب الى عدم لحاظ العبد لهذه الترجيحات؟ وهل للعبد سوى لحاظ اهتمامات المولى ومراعاتها؟ واذا كان المولى نفسه قد قدم الملاكات الترخيصية على الملاكات الالزامية، فهل للعبد سبيل الى تجاهل ذلك بحجة رجوع الاباحة الى حق العبد على المولى؟

الاشكال الثالث:
والاشكال الثالث الذي يمكن توجيهه على نقدنا ل «حق الطاعة» هو انه يمكن تفسير ملاك الاباحة الاقتضائية باحدتفسيرين((174)):

التفسير الاول: وهو ان يكون ملاك الاباحة الاقتضائية جهتيا، بمعنى قيام المصلحة في ان لا يكون العبد ملزما من قبل المولى ازاء فعل المباح او تركه، فيحكم العقل بعدم الالزام ازاءهما. فملاك الاباحة الاقتضائية اذا قائم بنفي المسؤولية العقلية ازاء فعل المباح وتركه، وليس بنفي المسؤولية ازاء مطلق الالزام العقلي، بل خصوص الالزام العقلي الناشئ من الالزام المولوي بالفعل او الترك.

التفسير الثاني: اما التفسير الثاني فملاك الاباحة الاقتضائية فيه مطلق غير جهتي، بمعنى قيام المصلحة في ان لا يكون العبدملزما عقلا بفعل المباح او تركه، سواء كان الالزام المراد نفيه ناشئا من جهة الالزام المولوي ازاء الفعل او الترك، او من اية جهة اخرى. وبناء عليه فان ملاك الاباحة الاقتضائية يستدعي الترخيص ونفي المسؤولية ازاء مطلق الالزام العقلي، لا خصوص الالزام العقلي الناشئ من الالزام المولوي بالفعل او الترك.

ويظهر الفرق بين هذين التفسيرين في المورد الذي يحكم فيه العقل بالالزام ازاء الفعل المباح، نظرا لان امتثال فعل آخر حكم المولى بالالزام ازاءه لا يضمن الا عبر الاتيان بهذا المباح.

فبناء على التفسير الاول، لا تنافي بين ملاك الاباحة الاقتضائية وبين حكم العقل بالالزام ازاء الفعل، اذ لا تنافي بين عدم الالزام العقلي الناشئ من عدم الالزام المولوي وبين الالزام العقلي الناشئ من الاحتياط، وذلك لان ملاك الاباحة الاقتضائية - بحسب هذا التفسير - قائم بنفي المسؤولية العقلية ازاء خصوص الالزام العقلي الناشئ من الالزام المولوي.

اما بناء على التفسير الثاني، فيقع التنافي بين عدم الالزام العقلي الناشئ من عدم الالزام المولوي وبين الالزام العقلي الناشئ من الاحتياط، لان ملاك الاباحة الاقتضائية - بحسب هذا التفسير - يستدعي الترخيص ونفي المسؤولية ازاء مطلق الالزام العقلي [حتى الناشئ من الاحتياط] لا خصوص الالزام العقلي الناشئ من الالزام المولوي.

ومن هنا اتضح انحصار ما ادعي من تناف في مسلك «حق الطاعة» بالتفسير الثاني لملاك الاباحة الاقتضائية دون الاول،والذي لم يقم دليل على نفيه.

ويجاب عن هذا الاشكال:
بعد غض النظر عن جملة من المسامحات الحاصلة فيما يتعلق بملاك الاباحة الاقتضائية، فقد وقع خلط بين ما سمي «تفسيرا» وبين «المحتمل الواقعي». فان التفسيرين المذكورين لملاك الاباحة الاقتضائية لا يعدوان كونهما نوعي اباحة اومحتملين واقعيين لها، وممكني الوقوع معا. ففي بعض الموارد يمكن رجوع ملاك الترخيص الى اطلاق العنان ازاء الالزامات المولوية فقط وفقط، وفي البعض الخر يمكن رجوعه الى مطلق اطلاق العنان سواء كان - اي اطلاق العنان - ازاء الالزامات المولوية ام ازاء سائر الالزامات.

اذا، فالامران المذكوران ليسا في الواقع «تفسيرين» بل هما محتملان ممكنا التحقق معا وفي عرض بعضهما البعض، ولو في غير مورد.

وعلى هذا الاساس، ومع اننا لا نلتزم بنفي المحتمل الاول، الا ان النقد المتقدم والمتوجه الى «حق الطاعة» يعود ليظهر بمجرد احتمالنا كون الاباحة من سنخ المحتمل الثاني لا الاول. ولا يمكن التخلص من - النقد المذكور الا بعد اثبات كون جميع الاباحات المتصورة من سنخ النوع الاول، وهو مما لا دليل ينهض به ثبوتا واثباتا.

النقد الثالث - بلحاظ «اللوازم الخارجية»:

نخلص الن الى النقد الثالث الذي يمكن توجيهه الى «حق الطاعة»، وهو بلحاظ لوازم مسلك «حق الطاعة» التي لا يمكن الالتزام بها. ومن جملتها لزوم الاحتياط في كل مورد نحتمل فيه وجود غرض الزامي للمولى، وهو ما لا يرتضيه المسلكان «حق الطاعة» و«قبح العقاب» على حد سواء.

ويتوقف اثبات هذا اللازم على نكتة «احترام المولى» التي يرجع اليها مسلك «حق الطاعة»، وعلى عدم ارادة «تحقق الامرمن المولى» الظاهر من لفظي «الطاعة» و«الاطاعة». فالغرض من «حق الطاعة» هو الاحترام الكامل للمولى وعدم الاستخفاف به، وهو فرع وجود «الامر» كما هو واضح. ولا فرق بين الاحترام بلحاظ اوامر المولى والاحترام بلحاظ اغراضه،بل ان دائرة احترام المولى وعدم الاستخفاف به تتسع ابعد من الغرض الواقعي لتشمل موارد الانقياد والتجري، في حين ان هذه الموارد تخلو في عالم الواقع من اي حكم او غرض.

وعليه، فلو التزمنا بان للمولى حقا يلزم احترامه في جميع موارد اوامره ونواهيه حتى المشكوكة منها، فلا بد من الالتزام بذلك  وبالتالي الاحتياط - في موارد الاغراض المحتملة ايضا. وهذا هو لازم «حق الطاعة» الذي يبعد التزام اصحاب هذا المسلك به.

وقد اجاب بعض تلامذة الشهيد الصدر(قدس سره) عن هذا الاشكال بان عدم التكليف من قبل المولى في نفسه كاشف عن عدم وجود غرض الزامي.

وعليه، فان «حق الطاعة» لا يلزم بالاحتياط في موارد الشك في الاغراض الواقعية.

وهذا الجواب غير تام، لان عدم التكليف من قبل المولى انما يصلح للكشف عن عدم وجود غرض الزامي له، فيما لو رجع عدم التكليف الى فقدان المقتضي (الغرض) ولم يمكن في البين طرح احتمال آخر. اما اذا لم يرجع عدم التكليف الى عدم المقتضي(الغرض) بل الى وجود مانع عن اصدار المولى تكليفه الى العبد، فلا يبقى مجال لما ذكر، لامكان افتراض وجود غرض تام مبتلى بمانع يمنع عن اصدار التكليف على وفقه. ففي هذه الحالة، وعلى الرغم من عدم امكان صدور التكليف من قبل المولى، فان احترام المولى واجب بسبب احراز وجود غرض تام له في البين.

مطارحة علمية
حول نظرية حق الطاعة

السيد علي اكبر الحائري

بيان اصل النظرية:

من جملة القواعد المدعى كونها عقلية ما يسمى بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) التي اشتهرت بين الاصوليين منذ عهد الوحيد البهبهاني(رحمه الله) (المتوفى 1206 ه)، وهي تعني حكم العقل بعدم استحقاق المكلف للعقاب تجاه الحكم الواقعي المجهول مالم يصل بيانه اليه بوصول قطعي، على كلام في ان المقصود بالبيان هل هو البيان الواقعي فحسب، او الاعم منه ومن الحكم الظاهري المثبت للتكليف عند الشك.

وقد استنتجوا من هذه القاعدة ان الاصل الاولي عند الشك في التكليف هي البراءة العقلية.

وخالف في ذلك استاذنا الشهيد الصدر(قدس سره) ايمانا منه بان هذه القاعدة تستلزم التضييق في حق طاعة الله تبارك وتعالى على خلقه، واختصاص حق طاعته علينا بالتكاليف القطعية فحسب، وهذا تعبير آخر عن ضيق مولويته سبحانه وتعالى، بمعنى ان مولويته علينا تختص بمجال التكاليف القطعية فحسب ولا تشمل مجال التكاليف الظنية والاحتمالية، وهذا ينافي ادراك العقل العملي السليم القاضي بثبوت حق الطاعة الله تبارك وتعالى علينا في اوسع نطاق، وشمول مولويته تبارك وتعالى لاوسع مجال، سواء بنينا على ان ملاك مولويته وحق طاعته علينا عقلا عبارة عن منعميته تبارك وتعالى علينا - على اساس وجوب شكر المنعم - او هو عبارة عن خالقيته لنا - على اساس دعوى ان الخلق يوجب الملكية الحقيقية للمخلوق عقلا - فان اي واحد من هذين الملاكين قبلنا به في علم الكلام فهو ثابت الله تبارك وتعالى بدرجة توجب حق الطاعة والمولوية له باعلى المستويات وفي أوسع نطاق.

فالصحيح اذا، لزوم الاحتياط عقلا تجاه التكاليف الظنية والاحتمالية رعاية لحق طاعة الله تبارك وتعالى الشامل لهذا المجال،ما لم نحرز ترخيصه هو لترك الاحتياط تجاه الحكم المحتمل او المظنون، وقد اشتهر ذلك بنظرية حق الطاعة.

وهذه النظرية ليست برهانية، كما صرح به استاذنا الشهيد(رحمه الله)((175))، وانما هي وجدانية ونابعة من ادراك العقل العملي، ولهذا لم يتمسك استاذنا الشهيد(رحمه الله) بدليل او برهان لاثبات هذه النظرية، وانما اكتفى بالتوضيح الوجداني لبعض وجوه الخطا في نظرية المشهور وابطال ادلتهم وتنبيه الوجدان على صحة هذه النظرية، وليس اصراره(رحمه الله)على الفرق بين المولوية الذاتية الثابتة الله تبارك وتعالى وبين المولويات المجعولة بالجعل والاعتبار لغير الله تبارك وتعالى((176)) الا لاجل توضيح ما قد يمنع عن ادراك العقل العملي السليم في هذا البحث، او ابطال ما قد يستدل به على نظرية قبح العقاب بلا بيان، لا لاجل الاستدلال على صحة نظرية حق الطاعة.

وقد تصدى(رحمه الله) للرد على بعض ادلة القائلين بقبح العقاب بلا بيان في الدورة الاولى من بحثه((177)) واضاف اليه الردعلى بعض الوجوه الاخرى في الدورة الثانية((178)) كما استعرض جملة منها في الجزء الثاني من الحلقة الثالثة من كتابه دروس في علم الاصول((179)). وقد جمعتها جميعا مع اضافات كثيرة في مقالة لي نشرت قبل سنوات((180)).

الاعتراض على النظرية:

وقد يعترض على نظرية حق الطاعة ببعض الشبهات والاعتراضات التي هي في اغلبها واهية وقابلة للرد بادنى تامل، ولكن بعضها جدير بمستوى عال من الدقة والامعان.

ومن اهمها الشبهة البراقة التي قد تزل فيها الاقدام، وحاصلها: اننا في موارد الشك في التكليف كما نحتمل ان يكون الحكم الواقعي حكما تكليفيا مشتملا على ملاك اقتضائي للالزام، كذلك نحتمل ان يكون حكما ترخيصيا مشتملا على ملاك اقتضائي للاباحة، فلو كان الاحتمال الاول مقتضيا لحكم العقل بالبناء على الالزام لضمان الحفاظ على الملاك الالزامي المحتمل على فرض وجوده، لكان الاحتمال الثاني ايضا مقتضيا لحكم العقل بالبناء على الترخيص لضمان الحفاظ على الملاك الترخيصي المحتمل على فرض وجوده، لان كليهما من الملاكات ذات الاهمية عند المولى على فرض وجودها، ولا وجه لترجيح الاول على الثاني ما لم نحرز كونه اهم منه عند المولى الى درجة تقتضي تقديم ضمان حفظه على ضمان حفظ الثاني عند التزاحم بينهمافي مقام الحفظ.

ويمكن الرد على هذا الاعتراض نقضا وحلا:

الجواب النقضي:
وذلك من خلال عدة امور:

الأول: انه لو امكن قياس ملاك الترخيص بملاك الالزام بنحو يجعله صالحا لمزاحمته له، فما وجه تقديم الثاني على الاول - حتى عند القائلين بقبح العقاب بلا بيان - في موارد العلم الاجمالي المشتمل على معلومين بالاجمال، احدهما حكم الزامي، والآخر حكم ترخيصي، حتى مع العلم بكون ملاك الحكم الترخيصي اقتضائيا كالحكم الالزامي؟ فانهم قالوا في مثل ذلك بلزوم مراعاة ملاك الحكم الالزامي وان ادى الى الاحتياط في تمام اطراف العلم الاجمالي، ولم يقل احد بلزوم مراعاة ملاك الحكم الترخيصي، او لزوم مراعاة الاهم ملاكا منهما عند الشارع، او غير ذلك مما تقتضيه ضوابط باب التزاحم.

والثاني: انه لو امكن ايضا قياس ملاك الترخيص بملاك الالزام بالنحو المذكور، فما وجه تقديم الثاني على الاول - حتى عند القائلين بقبح العقاب بلا بيان - في موارد وقوع التزاحم بين امتثال حكم الزامي والتمتع بحكم ترخيصي، حتى مع العلم بكون الملاك الترخيصي اقتضائيا؟ كما اذا كان فعل الواجب ملازما لترك عمل مباح، او ملازما لفعل عمل مباح، بحيث يكون امتثال الاول مؤديا الى سلب حرية المكلف تجاه الثاني، فانهم لم يطبقوا في مثل ذلك احكام باب التزاحم من تقديم الاهم على المهم، ووصول النوبة الى المهم عند عدم الاشتغال بالاهم - لو تعقلنا ذلك فيما نحن فيه - الى غير ذلك، بل قالوا بوجوب امتثال الحكم الالزامي وان ادى الى رفع اليد عن التمتع بالفعل المرخص فيه او الترك المرخص فيه.

والثالث: انه لو امكن القياس المذكور فما وجه تقديم الملاك الالزامي المحتمل على الملاك الترخيصي المحتمل بلحاظ حسن الاحتياط عقلا في موارد الشك في التكليف حتى عند القائلين بقبح العقاب بلا بيان؟ فانهم وان لم يسلموا بوجوب الاحتياط تجاه الحكم الالزامي المحتمل عند الشك في التكليف، ولكنهم سلموا بحسن الاحتياط فيه بالبناء على الالزام، ولم يقل احد بحسن الاحتياط تجاه الملاك الترخيصي المحتمل بالبناء على الترخيص، وان كان ملاكه اقتضائيا على تقدير وجوده، كما لم يقل احدبدوران حسن الاحتياط مدار ما هو اهم منهما ملاكا عند الشارع على تقدير وجوده، بل قالوا بحسن الاحتياط تجاه الحكم الالزامي المحتمل حتى بعد مجيء البراءة الشرعية في ذلك، رغم ان البراءة الشرعية تعبر عن اهتمام المولى بحفظ ملاكات الترخيص في موارد الشك اكثر من اهتمامه بحفظملاكات الالزام.

فبهذه النقوض يظهر اجمالا ان الملاك الترخيصي وان كان اقتضائيا لا يصلح عقلا للمزاحمة مع الملاك الالزامي ما لم نحرزتدخلا من المولى نفسه في ذلك، سواء قلنا بسعة دائرة مولوية المولى وشمول حق طاعته للتكاليف الظنية والاحتمالية، او لم نقل بذلك.

الجواب الحلي:
واما حلا فبان قياس ملاك الترخيص الاقتضائي بملاك الالزام، وبالتالي دعوى صلاحيته للتزاحم معه في بعض الحالات، يمكن تفسيره باحد وجهين:

الاول: دعوى ان ملاك الترخيص الاقتضائي شانه كشان ملاكات الاحكام الالزامية من حيث اقتضائه عقلا القاء نوع من المسؤولية على عاتق العبد في مجال تحقيق ذلك الملاك وحفظه، وهذا مرجعه الى دعوى اقتضاء المنجزية عقلا، فكما ان ملاك الحكم الالزامي يقتضي المنجزية عقلا على العبد، كذلك ملاك الاباحة الاقتضائية او الترخيص الاقتضائي فانه ايضا يقتضي نوعا من المنجزية عقلا على العبد، وكما ان الاول يستدعي امتثالا مناسبا له، كذلك الثاني يستدعي امتثالا مناسبا له ايضا،كالبناء على اطلاق العنان - مثلا - وعدم التقيد بالفعل او الترك. وهذا يعني امكان وقوع التزاحم بينهما في مقام الامتثال.

والثاني: ان يسلم بان ملاك الترخيص الاقتضائي لا يقتضي عقلا القاءشيء من المسؤولية والادانة على عاتق المكلف، وانمايقتضي نفي المسؤولية والادانة عنه، بمعنى ان ملاك اطلاق العنان لا يعني شيئا سوى وجود المصلحة في ان لا يكون المكلف مسؤولا وملزما بالفعل او الترك، وهذا يعني ان ملاك الترخيص الاقتضائي لا يستدعي امتثالا اصلا حتى يمكن وقوع التزاحم بينه وبين ملاك الالزام في مقام الامتثال.

ولكن بالرغم من ذلك يقال: ان بالامكان وقوع التزاحم بينهما في نفس حكم العقل بالتنجيز تارة والتعذير تارة اخرى، وذلك لان ملاك الترخيص الاقتضائي كملاك الحكم الالزامي من حيث ترتب حكم عقلي عليه، وان كان الحكم العقلي المترتب على ملاك الحكم الالزامي هو اثبات المسؤولية والادانة، والحكم العقلي المترتب على ملاك الترخيص الاقتضائي هو نفي المسؤولية والادانة، فكما ان ملاك الالزام يقتضي المسؤولية عقلا كذلك ملاك الترخيص يقتضي نفي المسؤولية عقلا - لا ان الاول يقتضي المسؤولية والثاني لا يقتضي المسؤولية ولا شك ان هذين الاقتضائين متنافيان، فاذا اجتمعا في مورد واحد وقع التزاحم بينهما بلحاظ حكم العقل، ولا يتقدم احدهما على الخر من حيث الحكم العقلي الا اذا ثبت رجحانه عليه في نظرالمولى.

وبناء على هذا يمكن دعوى صلاحية ملاك الترخيص الاقتضائي للتزاحم مع ملاك الحكم الالزامي بلحاظ حكم العقل بالتنجيزوالتعذير لا بلحاظ عالم الامتثال.

وكلا هذين الوجهين قابل للنقاش:

اما الوجه الاول، فلوضوح ان الاباحة - حتى ما كان منها اقتضائيا لا تعني القاء شيء على عاتق المكلف وتثبيت مسؤولية عليه، وانما تعني نفي المسؤولية عنه، ونفيه هذا للمسؤولية عن المكلف نابع عن مصلحة في ذات نفي المسؤولية عنه، فيما اذاكانت الاباحة اقتضائية، وليس نابعا عن مصلحة في فعل من افعال المكلف او موقف من مواقفه الاختيارية.

ومن الواضح ان ذات نفي المسؤولية ليس امره بيد المكلف سلبا وايجابا حتى يكون قابلا للتنجيز.

واما مثل بناء المكلف على الترخيص بمعنى عقد قلبه عليه وما شابه ذلك مما هو داخل تحت اختياره، فوجوبه بحاجة الى دليل جديد، ولا يمكن استفادته من الملاك الاقتضائي للترخيص، ولهذا لو تعمد المكلف البناء على الوجوب او الحرمة رغم علمه بالترخيص من قبل المولى، لم يكن بذلك مخالفا لملاك الترخيص الاقتضائي، وان كان مرتكبا للحرمة من حيث التشريع.

وهذا لا يعني ان مصلحة الاباحة الاقتضائية تكمن في جعلها الاعتباري الصادر من المولى بحيث يتم استيفاء هذه المصلحة بمجرد صدور الجعل من دون ان يترتب عليه حكم عقلي من تنجيز او تعذير، وانما يعني ان مصلحة الاباحة الاقتضائية تكمن في احساس المكلف بالحرية والتمتع باطلاق العنان، وهذا يحصل بحكم العقل بالتعذير لا بحكمه بالتنجيز، فلا يترتب على هذه المصلحة تنجيز عقلي لفعل او ترك يقوم به المكلف بجوارحه او جوانحه، وحتى اتصاف فعله او تركه بكونه صادرا عن حرية واختيار ليس امرا ينجزه العقل على المكلف ويلزم به، وذلك لان هذا الاتصاف ان قصد به ما يتقوم بنية عدم الالزام ومااشبهها من نشاط الجوانح فالالزام بمثل هذه النية او النشاط الجوانحي بحاجة الى دليل جديد، ولا يكفي لاثباته الدليل الدال على الاباحة، وان قصد به واقع اتصاف الفعل او الترك بكونه صادرا عن حرية واختيار - بقطع النظر عن مثل تلك النية - فهو مما يحصل بمجرد حكم العقل بالتعذير ونفي المسؤولية تجاه كل من الفعل والترك، وهذا خارج عن اختيار المكلف ولامعنى لتنجيزه عقلا والمطالبة بامتثاله، وهذا يعني ان ملاك الاباحة الاقتضائية لا يقتضي تنجيز شيء على المكلف بوجه من الوجوه حتى يستدعي امتثالا مناسبا له.

وبهذا يظهر عدم امكان وقوع التزاحم بين ملاك الالزام وملاك الترخيص بلحاظ عالم الامتثال.