واما الوجه الثاني الذي يدعي وقوع التزاحم بين الملاكين لا
بلحاظ عالم الامتثال بل بلحاظ حكم العقل بالتنجيز
والتعذير،فتوضيح الجواب عليه يبتني على تعيين المبنى
المختار في تفسير ملاك الاباحة الاقتضائية، اذ بعد رفض
التفسير المذكور في الوجه السابق لملاك الاباحة الاقتضائية، والتسليم بان هذا
الملاك ليس بنحو يدعو الى الالزام بشيء ولا الى تنجيز شيء على المكلف، وانما يدعو الى الترخيص والتعذير
فحسب.
سيبقى امامنا تفسيران فنيان لملاك الاباحة الاقتضائية، وهما:
أولا - ان يكون ملاك الاباحة الاقتضائية جهتيا، بمعنى ان هذا
الملاك عبارة عن وجود مصلحة في ان لا يكون المكلف
ملزما عقلا بفعل هذا العمل او تركه من جهة الزام صادر من
المولى في خصوص هذا العمل.
وهذا يعني ان المصلحة المذكورة وان كانت تدعو الى نفي
المسؤولية العقلية ولكنها انما تدعو الى نفي حصة خاصة
من المسؤولية العقلية وهي المسؤولية العقلية الناشئة من جهة
صدور الزام من قبل المولى في خصوص ذلك العمل، ولا
تدعوالى نفي المسؤولية العقلية بجميع حصصها وانواعها.
وثانيا - ان لا يكون ملاك الاباحة الاقتضائية جهتيا، بل يكون
مطلقا بمعنى ان هذا الملاك عبارة عن وجود مصلحة في ان
لايكون المكلف ملزما عقلا بفعل هذا العمل او تركه لا من جهة
الزام صادر من المولى في خصوص ذلك العمل فحسب، بل من
جهة اي سبب يؤدي الى حكم العقل بالالزام في ذلك الفعل
المباح. وهذا يعني ان المصلحة المذكورة تدعو الى نفي
المسؤولية العقلية تجاه ذلك الفعل من جميع الجهات، لا من
جهة خاصة فحسب.
ويظهر الفرق بين هذين التفسيرين فيما اذا كان لدينا مباح
بالاباحة الاقتضائية ولم يصدر من المولى الزام بخصوص فعله
اوتركه، ولكن صدرمنه الزام بفعل آخر لا يضمن امتثاله الا
بالالتزام بفعل هذا المباح او بتركه، فان حكم العقل حينئذ
بلزوم فعل هذا المباح او تركه لاجل ضمان امتثال الفعل الخر لا
يكون منافيا لملاك الاباحة الاقتضائية بناء على التفسير الاول،
لان هذا الالزام العقلي ليس من جهة الزام صادر من قبل المولى
في خصوص هذا الفعل المباح، بل انما هو من جهة ضمان
امتثال الوجوب المتعلق بفعل آخر، ولكنه مناف لملاك الاباحة
الاقتضائية بناء على التفسير الثاني، لانه على كل حال الزام
عقلي تجاه هذا الفعل المباح، مهما كانت جهته ومنشؤه.
ولا نقصد بهذين التفسيرين الحكم بصحة احدهما وبطلان
الخر بالضرورة في جميع المباحات الاقتضائية، اذ قد
يصح التفسير الاول في قسم من المباحات ويصح التفسير
الثاني في قسم آخر منها، وان لم نميز بين القسمين اثباتا.
ففي كل مورد صح التفسير الاول لملاك الاباحة الاقتضائية
زالت الشبهة المذكورة نهائيا، وذلك لان ما يدعيه اصحاب
مسلك حق الطاعة من حكم العقل بلزوم الاحتياط تجاه الحكم
الالزامي المحتمل عند الشك في التكليف لا ينافي ملاك
الاباحة الاقتضائية بالمعنى المذكور في التفسير الاول، لانه
على فرض كون هذا الفعل مباحا واقعا فليس هناك الزام من
قبل المولى في خصوص هذا الفعل ليكون حكم العقل بالالزام
ناشئا من جهته، وعلى فرض كون هذا الفعل واجبا او حراما
واقعا فليس فيه ملاك الاباحة الاقتضائية ليكون هذا الالزام
العقلي منافيا له.
وهذا يعني اننا في موارد الشك في التكليف التي يصح فيها
التفسير الاول لملاك الاباحة الاقتضائية سنعلم اجمالا بان
ملاك الاباحة الاقتضائية اما لا وجود له في الواقع، واما ان له
وجودا ولكنه لا يفوت بسبب حكم العقل بوجوب الاحتياط، لان
هذاالحكم العقلي ليس ناشئا من جهة الزام شرعي متعلق
بالمباح، وعلى كلا التقديرين سوف لا يكون ملاك الاباحة
الاقتضائية المحتملة صالحا للتزاحم مع ملاك الحكم الالزامي
المحتمل بلحاظ حكم العقل بالتنجيز والتعذير. فلا مانع اذا امام
ما يقتضيه ملاك الحكم الالزامي المحتمل من التنجيز العقلي
عند القائلين بمسلك حق الطاعة.
واما الموارد التي يصح فيها التفسير الثاني لملاك الاباحة
الاقتضائية فقد يقال فيها: ان ملاك الحكم الالزامي المحتمل
كما يدعوالى حكم العقل بلزوم الاحتياط لضمان حفظه على
تقدير وجوده بناء على مسلك حق الطاعة، كذلك ملاك الاباحة
الاقتضائية المحتملة لابد وان يكون داعيا الى حكم العقل بعدم
لزوم الاحتياط لضمان حفظه ايضا على تقدير وجوده، وذلك
لان ملاك الاباحة الاقتضائية - بناء على هذا التفسير - يدعو الى
نفي الالزام العقلي من جميع الجهات، فلو حكم العقل
بوجوب الاحتياط باي سبب من الاسباب كان ذلك منافيا لهذا
الملاك على تقدير وجوده، وهذا يعني وقوع التزاحم بين
الملاكين المحتملين في موارد الشك في التكليف، بلحاظ
اقتضاء احدهما للتنجيز واقتضاء الخر للتعذير، فيكون الحكم
بالتنجيز عندالقائلين بمسلك حق الطاعة ترجيحا بلا مرجح.
والجواب:
وثانيا - صحيح ان العقل لو حكم في مثل هذه الحالة بالتنجيز
انحفظ به ملاك الحكم الالزامي المحتمل على تقدير
وجوده،وضاع به ملاك الاباحة الاقتضائية المحتملة على تقدير
وجوده، ولو حكم بالتعذير انعكس الامر، اي انحفظ به ملاك
الاباحة الاقتضائية المحتملة على تقدير وجوده، وضاع به ملاك
الحكم الالزامي المحتمل على تقدير وجوده.
ولكن الواقع ان الداعي الى حكم العقل بالتنجيز لا يمكن
اجتماعه مع الداعي الى حكم العقل بالتعذير - بالمعنى الذي
يؤدي الى استحالة الترجيح بلا مرجح - حتى يقع الاشكال في
وجه تقديم احدهما على الخر عند الاجتماع، وذلك لان
الاحكام العقلية لا تتبع الملاكات التي تحفظ بها، وانما تتبع
موضوعاتها المعينة لها من قبل العقل نفسه، لان المرجع في
تعيين موضوعات الاحكام العقلية هو العقل ايضا، والموضوع
الذي يعينه العقل لكل حكم من احكامه قد يقترن بنفس
الملاك الذي لايحفظ الا بذلك الحكم العقلي فيحفظ به، وقد
لا يقترن بذلك، بل يقترن بملاك آخر لا يتم حفظه بذلك
الحكم العقلي فيخسر ويفوت.
مثال ذلك: لو حصل لنا القطع بحكم شرعي مشتمل على
ملاك الالزام، او وصل الينا حكم ظاهري مثبت للتكليف، تم
بذلك موضوع حكم العقل بالتنجيز وحكم العقل على اساسه
بالتنجيز، حتى اذا كان القطع الحاصل للعبد او الحكم الظاهري
الواصل اليه غير مطابق للواقع، وكان الحكم الواقعي ترخيصيا
ومشتملا على ملاك الاباحة الاقتضائية.
وهكذا لو حصل لنا القطع بالترخيص او وصل الينا حكم ظاهري
مؤمن عن التكليف، تم موضوع حكم العقل بالتعذير
وحكم العقل على اساسه بالتعذير، حتى اذا كان القطع الحاصل
للعبد او الحكم الظاهري المؤمن الواصل اليه غير مطابق
للواقع، وكان الحكم الواقعي الزاميا ومشتملا على ملاك الالزام،
وفي الحالة الاولى سيفوت ملاك الاباحة الاقتضائية، وفي
الحالة الثانية سيفوت ملاك الحكم الالزامي.
اذا، فالداعي الى حكم العقل بكل من التنجيز والتعذير ليس هو
ذات الملاك الذي لا يتم حفظه الا بالتنجيز تارة وبالتعذير
اخرى، وان كنا قد نسمي ذلك بالداعي الى حكم العقل بالتنجيز
او التعذير على اساس ان حفظه منوط بذلك الحكم العقلي،
ولكن الداعي بهذا المعنى قابل للانفكاك عن الحكم العقلي
الذي يدعو اليه، وذلك لما قلنا من ان الحكم العقلي بكل من
التنجيز والتعذير انمايتبع موضوعه المعين له من قبل العقل
نفسه سواء اقترن بملاك يحفظ بنفس هذا الحكم العقلي او
اقترن بملاك آخر لا يحفظ الا بحكم عقلي تابع لموضوع آخر.
وعليه، فلابد من الرجوع الى موضوع حكم العقل بكل من
التنجيز والتعذير لنرى هل هما قابلان للاجتماع حتى يقع
التزاحم بينهما او لا، والصحيح انهما غير قابلين للاجتماع،
وذلك لان موضوع حكم العقل بالتعذير عبارة عن نقيض
موضوع حكمه بالتنجيز، وليس لكل من هذين الحكمين
العقليين موضوع مستقل عن الخر حتى يمكن اجتماعهما في
بعض الحالات.
فاذا كان موضوع حكم العقل بالتنجيز عبارة عن خصوص
الانكشاف القطعي للحكم الواقعي المشتمل على ملاك الالزام
اوللحكم الظاهري المثبت للتكليف - كما يعتقده اصحاب
مسلك قبح العقاب بلا بيان - كان موضوع حكمه بالتعذير عبارة
عن انتفاء هذا الانكشاف القطعي، وان كان موضوع حكمه
بالتنجيز عبارة عن مطلق انكشاف الحكم المشتمل على ملاك
الالزام سواء كان قطعيا او ظنيا او احتماليا ما لم يرد حكم
ظاهري مؤمن عن التكليف - كما يعتقده اصحاب مسلك حق
الطاعة - كان موضوع حكمه بالتعذير عبارة عن انتفاء مطلق
الانكشاف المذكور ايضا الذي يساوي القطع بانتفاء الحكم
الالزامي او وصول حكم ظاهري مؤمن عن التكليف.
وليس موضوع حكم العقل بالتعذير عبارة عن الانكشاف
القطعي او مطلق الانكشاف للحكم المشتمل على ملاك
الترخيص على غرار كون موضوع حكمه بالتنجيز عبارة عن
الانكشاف القطعي او مطلق الانكشاف للحكم المشتمل على
ملاك الالزام، حتى يقال بامكان اجتماعهما معا على مستوى
الانكشاف الاحتمالي، كما في حالات الشك، وعلى مستوى
الانكشاف القطعي كما في حالات العلم الاجمالي المشار اليه
في النقض الاول من النقوض الثلاثة.
والدليل على ان موضوع حكم العقل بالتعذير نقيض موضوع
حكمه بالتنجيز وليس امرا مستقلا عن ذلك عبارة عن ان
التقابل بين نفس التنجيز والتعذير العقليين تقابل النقيضين
وليس تقابل الضدين، اذ اننا لو عرفنا التنجيز بامر وجودي وهو
«ثبوت حق الطاعة او حق العذاب والمؤاخذة للمولى على العبد»
كان التعذير عبارة عن العدم المقابل لذلك الوجود، اعني
«عدم ثبوت هذه الحقوق له عليه»، ولو عرفنا التنجيز بامر عدمي
وهو «عدم قبح عقاب المولى ومؤاخذته للعبد عند
المخالفة» كان التعذير عبارة عن الوجود المقابل لذلك العدم،
اعني «قبح عقاب المولى ومؤاخذته للعبد عند المخالفة»، وعلى
كلاالتقديرين يكون التقابل بينهما تقابل النقيضين لا تقابل
الضدين((181))، فبحسب قاعدة ان «نقيض العلة علة
لنقيض المعلول» لابد وان يكون التقابل بين موضوعيهما - الذين
هما بمنزلة العلة التامة لهما - تقابل النقيضين ايضا لا
تقابل الضدين.
وليس هذا ثابتا بالقاعدة الفلسفية المذكورة فحسب، بل هو
ثابت بالفهم العرفي الوجداني ايضا، اذ بعد ان عرفنا ان
المعذرية اما تعني «عدم ثبوت حق الطاعة للمولى على العبد
عقلا» او تعني «قبح عقاب المولى ومؤاخذته للعبد عند مخالفته
له» اوما يقرب هذين المضمونين مما يرتبط بحدود دائرة حق
طاعة المولى، اذا فالمناسب ان يكون موضوعها دائرا - سلبا
وايجابا حول ملاك قابل للطاعة والمعصية، وقد قلنا سابقا ان
ملاك الاباحة الاقتضائية غير قابل للطاعة والمعصية، لانه لا
يستدعي امتثالا معينا اصلا حتى يطاع تارة ويعصى اخرى، وانما
الملاك القابل للطاعة والمعصية عبارة عن ملاك الحكم
الالزامي، فكماان موضوع حكم العقل بالتنجيز يدور سلبا
وايجابا حول ملاك الحكم الالزامي - سواء كان ميزانه الانكشاف
القطعي لهذا الملاك فحسب او ما يعم الانكشاف الاحتمالي له
ايضا - لابد وان يكون موضوع حكم العقل بالتعذير دائرا ايضا سلبا
وايجابا مدار ملاك الحكم الالزامي بنحو معاكس لموضوع حكم
العقل بالتنجيز، ولا يصح ان يكون دائرا مدار ملاك الاباحة
الاقتضائية الذي لا يعقل فيه الطاعة والمعصية، وهذا يعني ان
موضوع حكم العقل بكل من التنجيز والتعذير يدوران حول
ملاك الحكم الالزامي باختلاف السلب والايجاب فيهما، وليس
احدهما يدور حول ملاك الحكم الالزامي والخر حول ملاك
الاباحة الاقتضائية حتى يمكن اجتماعهما ووقوع التزاحم
بينهما في بعض الحالات.
اذا، فمتى ما تم موضوع حكم العقل بالتنجيز تجاه الحكم
الالزامي - سواء على مبنى حق الطاعة او على مبنى قبح العقاب
بلابيان - حكم العقل بالتنجيز على ذلك المبنى، ومتى ما تم
نقيضه وهو موضوع حكم العقل بالتعذير تجاه الحكم الالزامي
- على كل من المبنيين - حكم العقل بالتعذير بحسب ذلك
المبنى، سواء كان الملاك الثابت في الواقع عبارة عن ملاك
الاباحة الاقتضائية او عبارة عن ملاك الحكم الالزامي.
وليس حكم العقل بالتعذير عند القطع بالاباحة الواقعية او
الظاهرية ناشئا من انكشاف ملاك الاباحة، بل انما هو ناشئ من
عدم انكشاف وجود الحكم الالزامي الذي هو نقيض موضوع
حكم العقل بالتنجيز، على الخلاف بيننا وبين المشهور في
تفسيرالانكشاف بخصوص الانكشاف القطعي او بما يعم
الانكشاف الظني والاحتمالي.
وعلى هذا الاساس لو اراد المولى ان يحفظ ملاك الاباحة
الاقتضائية كان عليه ان ينظم حكمه الواقعي او الظاهري ثبوتا
واثباتا بنحو لا يتم به موضوع حكم العقل بالتنجيز بل يتم
نقيضه، وذلك بايصال الاباحة الواقعية او الظاهرية الى المكلف - مثلا بحيث ينتفي به انكشاف الحكم الالزامي باحد الوجهين في
تفسير الانكشاف، وان لم يصنع ذلك باي سبب من الاسباب
فتم موضوع حكم العقل بالتنجيز، حكم العقل بالتنجيز وضاع به
ملاك الاباحة الاقتضائية على تقدير وجوده، وليس ذلك
بتقصيرمن العبد حتى يستحق عليه العقاب، بل انما هو بسبب
الموانع التي منعت المولى عن رفع موضوع حكم العقل
بالتنجيز، كالمانع التكويني عن ابلاغ المكلف برفع يده عن
الحكم الواقعي الالزامي، او المانع التكويني عن ايصال الحكم
الظاهري المؤمن الى المكلف، او غير ذلك من الموانع.
وبما ذكرنا نتخلص من مشكلة التزاحم الموهوم في عالم
التنجيز والتعذير العقليين بين ملاك الحكم الالزامي وملاك
الاباحة الاقتضائية((182)) سواء بنينا على مسلك حق الطاعة او
على مسلك قبح العقاب بلا بيان.
واما الخلاف بين هذين المسلكين فلا مرجع فيه سوى وجدان
العقل العملي، اذ قلنا منذ البداية: ان هذه المسالة وجدانية
وليست برهانية، لان البراهين المدعاة او التي قد تدعى لصالح
مسلك قبح العقاب بلا بيان قد ابطلها القائلون بمسلك حق
الطاعة في المصادر المشار اليها في صدر هذا الحديث، والقائلون بمسلك حق الطاعة لا
يدعون ايضا وجود برهان منطقي لصالح مسلكهم،فلا يبقى شيء سوى وجدان العقل
العلمي، وهو قاض في راينا بصحة مسلك حق الطاعة، بمعنى
ان موضوع حكم العقل بثبوت حق الطاعة الله تبارك وتعالى
على عباده بحسب ادراك العقل العملي وجدانا عبارة عن
مطلق انكشاف الحكم الالزامي من قبله تبارك وتعالى، سواء
كان انكشافا قطعيا او ظنيا او احتماليا، ما لم يصل الينا ترخيص
ظاهري من قبله في ترك الاحتياط، ولدينا بعض الوجوه لتنبيه
هذا الوجدان يطول بذكرها المقام.
حل النقود الثلاثة:
اما بناء على التفسير الاول من التفسيرين اللذين ذكرناهما
لملاك الاباحة الاقتضائية - وهو ان يكون ملاكها جهتيا
بالمعنى الذي شرحناه - فواضح جدا، لان حكم العقل بالتنجيز
في موارد النقض الاول والثاني وحكمه بحسن الاحتياط في
مواردالنقض الثالث ليس ناشئا من جهة صدور الزام من المولى
في خصوص الفعل المباح، حتى يضيع به الملاك الجهتي
للاباحة الاقتضائية بناء على التفسير الاول، بل انما هو ناشئ من
جهة اخرى وهي ضمان الحفاظ على ملاك الحكم الالزامي،
وهذا لاينافي الملاك الجهتي للاباحة الاقتضائية كما هو واضح.
واما بناء على التفسير الثاني - وهو ان يكون ملاك الاباحة
الاقتضائية مطلقا من جميع الجهات بالمعنى الذي شرحناه - فهوواضح ايضا في موارد النقض الاول والثاني من النقوض
الثلاثة، وذلك لانه وان وقع التزاحم في موارد هذين النقضين
بين ملاك الحكم الالزامي وملاك الاباحة الاقتضائية بمعنى
عدم امكان حفظهما معا، لان حفظ الاول منوط بحكم العقل
بالتنجيز، وحفظ الثاني منوط بحكمه بالتعذير، ولكن قد ذكرنا
ان حكم العقل بكل من التنجيز والتعذير لا يتبع الملاك الذي
يكون حفظه منوطابه، وانما يتبع موضوعه المعين له من قبل
العقل نفسه، ولما كان التقابل بين الموضوع المعين من قبل
العقل لكل من التنجيزوالتعذير تقابل النقيضين كما ذكرنا،
لانهما يدوران معا حول ملاك الحكم الالزامي باختلاف السلب
والايجاب فيهما ولا يدوران حول ملاك الاباحة الاقتضائية، كما
مضى توضيحه، اذا فهما غير قابلين للاجتماع معا حتى في
موارد النقضين المذكورين.
وبما ان موضوع حكم العقل بالتنجيز متحقق في موارد هذين
النقضين سواء على مبنى حق الطاعة او على مبنى قبح العقاب
بلابيان، وذلك بالانكشاف القطعي للحكم المشتمل على ملاك
الالزام - وان كان هذا الانكشاف على نحو العلم الاجمالي في
مواردالنقض الاول، وعلى نحو العلم التفصيلي في موارد
النقض الثاني - فموضوع حكم العقل بالتعذير غير موجود
بطبيعة الحال رغم الانكشاف القطعي الموجود لملاك الاباحة
الاقتضائية، لان هذا الانكشاف ليس موضوعا لحكم العقل
بالتعذير كما ذكرنا، وانما موضوع حكمه بالتعذير نقيض موضوع
حكمه بالتنجيز.
فاذا اراد المولى ان يحكم العقل بالتعذير حفاظا على ملاك
الاباحة الاقتضائية كان عليه ان يرفع موضوع حكم العقل
بالتنجيزببعض الوجوه المشار اليها سابقا، ولو لم يصنع ذلك
باي سبب من الاسباب بقي حكم العقل بالتنجيز ثابتا لثبوت
موضوعه،وان ضاع به الملاك القطعي للاباحة الاقتضائية، ولا
محذور في ذلك ما دام المكلف غير مقصر فيه.
واما موارد النقض الثالث من النقوض الثلاثة الماضية، وهي
موارد حسن الاحتياط عقلا حتى مع ورود البراءة الشرعية،
فقديقال فيها بعدم كفاية الجواب السابق، وذلك لاننا قد سلمنا
بما ذكر في الجواب السابق، من ان المولى لو اراد ان يحفظ
ملاك الاباحة الاقتضائية كان عليه ان يتدخل في موضوع حكم
العقل ويجعله مناسبا لحكمه بالتعذير، والا لو تم موضوع حكم
العقل بالتنجيز لحكم العقل بذلك وان ضاع به ملاك الاباحة
الاقتضائية، ولامحذور في ذلك، ولكننا نجد في موارد النقض
الثالث ان المولى قد تدخل في موضوع حكم العقل فعلا، فجعل
البراءة الشرعية في مورد الشك واوصلها الى المكلف حسب
الفرض، وبذلك قد زال موضوع حكم العقل بالتنجيز حتى
عند القائلين بمسلك حق الطاعة، وذلك لان موضوع حكم
العقل بالتنجيزعندهم وان كان عبارة عن مطلق الانكشاف
سواء كان قطعيا او ظنيا او احتماليا ولكنه مشروط عندهم بعدم
وصول ترخيص ظاهري في ترك الاحتياط،ولا شك ان البراءة
الشرعية ترخيص ظاهري في ترك الاحتياط، فبوصول هذه
البراءة الشرعية يزول موضوع حكم العقل بالتنجيز، وهذا يعني
ان المولى قد رجح ملاك الاباحة الاقتضائية المحتملة عند
الشك على ملاك الحكم الالزامي المحتمل بالتصرف في
موضوع حكم العقل بالنحو المذكور. وبالرغم من ذلك كله قام القائلون بحسن الاحتياط بترجيح ملاك الحكم الالزامي المحتمل على ملاك الاباحة الاقتضائية المحتملة بدعوى حسن الاحتياط فيه الذي مرجعه الى حسن البناء على ثبوت الحكم الالزامي، ولم يقل احد منهم بحسن البناءعلى ثبوت الاباحة بدلا عن حسن البناء على ثبوت الحكم الالزامي، فما هو السر في ذلك؟
والجواب: ان حسن البناء على ثبوت الحكم الالزامي لا يعني
لزوم البناء عليه بل يعني حسنه فحسب، وهذا الحسن - ما دام
لم يورث اللزوم العقلي - لا ينافي ملاك الاباحة الاقتضائية على
تقدير وجوده، فان ملاك الاباحة الاقتضائية قد حفظ تماما
على تقدير وجوده بحكم العقل بالتعذير بعد تدخل الشارع في
موضوع حكم العقل بالنحو المذكور، ويمكن لهذا الحسن
العقلي ان يحفظ ملاك الحكم الالزامي المحتمل على تقدير
وجوده - حفظا نسبيا طبعا - من دون ان يضيع به ملاك الاباحة
الاقتضائية المحتملة على تقدير وجوده، وذلك لان المكلف لو
بنى على ثبوت الحكم الالزامي المحتمل واطاعه احتياطا
بمحض اختياره وتبرعه - اي بدون الزام عقلي بذلك - لحفظ به
ملاك هذا الحكم على تقدير وجوده من دون ان يضيع به ملاك
الاباحة الاقتضائية المحتملة على تقدير وجوده، ولا شك في
حسن ذلك عقلا، بخلاف العكس، اذ لو بنى على ثبوت الاباحة
ولم يتبرع بالالتزام بالطاعة للحكم الالزامي المحتمل لضاع به
ملاك الحكم الالزامي المحتمل على تقدير وجوده، ولهذا قالوا
بحسن الاحتياط تجاه الحكم الالزامي المحتمل، ولم يقل احد
بحسن البناء على الاباحة.
نظرية السنة او خبر الواحد الشيخ حيدر حب الله القسم الاول تمهيد
ثمة حاجة ملحة تطالب الدرس الديني عموما، والفقهي
خصوصا، بقراءات تاريخية، تعتمد مناهج النقد والتحليل ت
التاريخي في مزدوجها القديم والحديث، مقدمة لاكتشاف
علمي للتراث يبعد عنه شبح الايديولوجيات المسقطة عليه،
والتي تحاول استلابه، او مصادرته، او تفريغه.
وليست الرغبة في فتح ملف القراءة التاريخية لمجرد التحليل التاريخي رغم الاهمية
البالغة التي يحظى بها الجانب
التاريخي للعلوم والافكار، وانما - زيادة على عمليات التوصيف
الظاهراتي المدروس - تقديم معطيات ذات اهمية قصوى
للدراسات المعيارية، لكي يتسنى لها الاتكاء على مخزون علمي
ناضج للتراث عموما((183)).
لكن هذه السمة في الدرس التاريخي، يجب ان لا تخيم على
المنهج، فتقلبه من منهج هو في اساسه يحمل سمة ظاهراتية،
لكي يكون معياريا، حتى لا يتورط هذا النوع من الدراسة في
عمليات تطويع او تلاعب، علاوة على الخلل المنهجي، ذلك ان
هذا المنهج هو بطبيعته منهج توصيفي يمارس تحليلا، لكنه
يتجاوز السرد الى التنظيم والترتيب.
ومن اهم العلوم الاسلامية التي تشتد الحاجة فيها الى قراءة
تاريخية تحليلية، علم اصول الفقه، الذي نضبت - نسبيا - دروس
التاريخ فيه، دون ان نعدم محاولات هامة واولية معا تمثلت في
الشهيدين مرتضى مطهري ومحمد باقر
الصدر((184)) وغيرهما.
وفي واحدة من قضايا هذا العلم الاسلامي، سنسعى لممارسة
درس تاريخي لموضوع (الخبر الواحد او نظرية
السنة)((185)) في مدرسة الاصول القديمة عند الشيعة
الامامية، ونقصد بمدرسة الاصول القديمة الفترة الممتدة زمن
بداية الغيبة الكبرى الى نهايات القرن السابع الهجري، اي الى
الفترة التي تشكلت فيها بدايات نهوض جديد على مستوى
العلوم الاسلامية النقلية عندالشيعة بعد قرن تقريبا من وفاة
الشيخ الطوسي (460 هـ)، والسبب في تحديد هذه الفترة،
معرفة الاتجاهات الاصولية عندالشيعة ما بعد تشكل علمي
الفقه والاصول بصورتهما المتطورة وبداية تفعيل الليات
الاجتهادية التي كانت قد بلغت نضوجاملحوظا مع الطوسي،
ولان فترة العلامة الحلي وما تلاها اخذت طابعا مستقرا على
صعيد اسس الموضوع الذي نعالجه، علاوة على الدور العلمي
الذي يتركه موقف الحقبة الممتدة من القرن السابع وما قبل،
وفقا لنظريات عدة من امثال الاجماع والشهرة والسيرة
المتشرعية و...
هذا كله، يجعل من دراسة هذه الحقبة ضرورة تفوق دراسة
الحقبات اللاحقة، مع الاعتقاد الكامل بان دراسة تطور هذه
النظرية بكل امتداداتها حتى العصر الراهن - كغيرها من
الموضوعات الاصولية - هو في نفسه مطلب هام واساسي.
وسوف نحاول - فعلا - ان نركز جهدنا على اصول نظرية حجية
خبر الواحد مع غض النظر عن الامتدادات والفروع الراجعة لها،
مما يدخل في ابواب التعارض والترجيح والتسامح في ادلة
السنن و.. اللهم الا عند الضرورة.
وفي ملاحظة اولية سريعة، تم تشطير ثنائي للقرون السبعة
الاولى، من الفترة الممتدة حتى نهاية الغيبة الصغرى
تقريبا،وهي التي درسها العلماء تحت عنوان السيرة المتشرعية
من حيث محاولة تحديد الجري المتشرعي زمن حضور
المعصوم(ع)، يليها الفترة الممتدة منذ الغيبة مرورا بعصر
الشيخ الطوسي، وصولا الى اواخر القرن السابع الهجري مع
امثال المحقق الحلي وغيره.
لكن، ونظرا للدور البالغ الذي يلعبه تحديد حالة ما بعد القرن
الثالث على اكتشاف الموقف المتشرعي في القرون
الثلاثة الاولى، لا اقل من بعض الزوايا، فان ضرورات منهجة
البحث تتطلب الشروع في الفترة ما بين القرن الثالث والسابع
وان كان ذلك مخالفا للسير الزمني، لنعلق - سريعا - في النهاية
على الحقبة الاولى.
وفي اطار منهجة البحث، سوف نسعى لاستعراض وجهات نظر
العلماء الذين ابدوا آراءهم، وعندما ننتهي من السيد
المرتضى، نتجاوز الشيخ الطوسي لاكمال مواقف الفقهاء الذين
اتوا بعده حتى نهاية القرن السادس، نظرا لاقتراب نظريتهم او
تطابقها مع نظرية المرتضى، وبعد تكميل استعراض نظرية
الطوسي، نعرج على ذكر محاولات التوفيق ثم الترجيح بين
الاجماعين المدعيين من مدرستي الطوسي والمرتضى، لنخرج
بنتائج ان شاء الله تعالى، راجين من القارئ الكريم تعليق
بعض الاشكالات في فهم كلام الاعلام، الى ما بعد قراءته
محاولات التوفيق والترجيح معا.
نظرية السنة بعد الغيبة:
*
الشيخ المفيد وبداية التلويح بموقف شيعي:
وهذا النص يدلل على ان الشيخ المفيد لا يرى خبر الواحد
مفيدا للعمل فضلا عن العلم الامر الذي يساوق سقوطه عن
الاعتبارراسا، الا اذا قيل: ان مراده الخبر الضعيف بقرينة قوله
بعد ذلك: «... ما انقطع العذر بصحته...» مما يعني ان الخبر
الصحيح مستثنى من القاعدة.
الا ان هذا التردد في دلالة هذا النص، لو سلمنا به - ولا نسلم
بقرينة صدر الكلام - سرعان ما يتلاشى، عندما يبسط
المفيدالكلام فيما هو الحجة عنده من الاخبار، فيقول:
«والحجة في الاخبار ما اوجبه العلم من جهة النظر فيها بصحة
مخبرها ونفي الشك فيه والارتياب، وكل خبر لا يوصل الى
صحة مخبره، فليس بحجة في الدين، ولا يلزم به عمل على
حال»((187)).
ومن الواضح ان تقييده بنفي الشك والارتياب كاشف جلي عن
انه اراد الخبر المعلوم الصدور، ولكي يحدد المفيد
تحديداميدانيا آليات العلم بالصدور يذكر التواتر واقتران الخبر
بما «يقوم مقام التواتر في البرهان على صحة مخبره،
وارتفاع الباطل منه والفساد»((188)).
وفي خطوة اكثر تقدما، يشرح المفيد هذا النوع من الخبر
المحفوف بالقرينة، حينما يقول: «فاما خبر الواحد القاطع
للعذر، فهوالذي يقترن اليه دليل يفضي بالناظر فيه الى العلم
بصحة مخبره، وربما كان الدليل حجة من عقل، وربما كان
شاهدا من عرف،وربما كان اجماعا بغير خلف، فمتى خلا خبر
الواحد من دلالة يقطع بها على صحة مخبره، فانه كما قدمناه
ليس بحجة، ولاموجب علما ولا عملا على كل وجه»((189)).
وهذا معناه ان الخبر الحجة عند الشيخ المفيد هو المعلوم
صحة مخبره، اما للتواتر او القرينة من عقل او عرف او ...، ومن
ثم فما يذكره الزنجاني في حواشيه على اوائل المقالات من ان
كلام المفيد اعم يشمل الاطمئنان النوعي، فلا يكون المفيد
-
عليه
-
موافقا للمرتضى في انكار حجية الخبر، ولو بقرينة اسناده
ذلك الى جمهور الشيعة حيث هم على العكس((190))،
مايذكره الزنجاني مجرد احتمال، فان ظاهر عبارات المفيد
ضرورة العلم ونفي الشك والارتياب، وهو ظاهر في ضرورة
تحصيل اليقين بوجه من الوجوه، وسياتي مزيد بحث حول
مسالة الاطمئنان لاحقا بعون الله سبحانه.
ولا يكتفي المفيد بتحديد موقفه من اخبار الحاد، بل يحاول نسبة ذلك ايضا الى جمهور
الشيعة، فيذكر في اوائل المقالات انه:«لا يجب العلم ولا العمل في شيء من اخبار الحاد، ولا يجوز
لاحد ان يقطع بخبر الواحد في الدين، الا ان يقترن به ما يدل
على صدق راويه على البيان، وهذا مذهب جمهور الشيعة،
وكثير من المعتزلة والمحكمة، وطائفة من المرجئة، وهو
خلاف لما عليه متفقهة العامة واصحاب الراي»((191)).
واذا كانت الجملة الثانية «ان يقطع بخبر الواحد في
الدين» تحتمل التدليل على تحصيل العلم بخبر الواحد، الامر
الذي كان مثار بحث وجدال بين علماء الاصول والكلام في تلك
الحقبة وان الخبر عموما هل يحصل منه العلم او لا يحصل؟
وهل هذا
الامر ضروري او غير ضروري؟ فان مطلع هذا النص
فيه نفي شامل للعلم والعمل في اخبار الحاد جميعها، ولو كان
هناك من اخبار الحاد ما هو حجة - رغم كونه ظنا - لما صح نفي
العمل عنه مطلقا.
والخطوة التي يمتاز بها هذا النص الاخير، نسبة ذلك الى
جمهور الشيعة، وان خلافه مقولة اهل السنة، وهي نقطة سوف
تدخل لاحقا في عملية دراسة مقارنة لتحديد موقف الشيعة
عموما من اخبار الحاد في تلك الحقبة الزمنية.
والى جانب هذه النصوص نصوص اخرى ايضا، ففي المسائل
الصاغانية يرد المفيد حديثا لابن عمر بحجة انه من اخبار
الحادعلاوة على مشكلة اخرى فيه((192))، ويعيد قضية انه
خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا في المسائل العكبرية لدى
رده على رواية استخلاف النبي(ص) ابا بكر للصلاة ويقول: «وما
كان هذا سبيله لم تثبت به حجة في الدين»((193)).
وفي «المسح على الرجلين» يرد كلام ابي جعفر النسفي
الحنفي بقوله:«انا اسلم لك العمل باخبار الحاد تسليم نظر،
وان كنت لا اعتقد ذلك، استظهارا في الحجة..»((194)).
ويعيد المفيد سلب العلمية والعملية عن الخبر الواحد في
رسالته في نفي سهو النبي(ص) ثم يقول: «ومن عمل عليه
(خبرالواحد) فعلى الظن يعتمد في ذلك دون
اليقين»((195))، ورغم ان المطالب بعضها عقائدي وفيه طابع
جدلي مع اهل السنة، الاان سلب الجانب العملي يعطي انطباعا
عاما، سيما وان حواره في سهو النبي(ص) حوار داخلي لا مع
السنة.
*
السيد المرتضى وخبر الواحد، قمة الرفض:
يقر السيد المرتضى بامكان التعبد بخبر الواحد عقلا ولا يرى
ذلك امرا مستحيلا((196))، خلافا لجماعة كابن قبة والجبائي
ممن اثاروا اشكاليات على مبدا التعبد بالظن عموما، ويتخط ى
المرتضى هذا الحاجز العقلي، ليثبت حتى وجوب العمل بالخبر
الذي لا يعلم ان مخبره على ما تناوله المخبر، على حد تعبيره،
الامر الذي يشمل اخبار الحاد الظنية عموما، هذا الوجوب تارة
يكون عنده (المرتضى) عقليا، كالخبر الذي يتعلق بالمضار
والمنافع، واخرى شرعيا كما في موارد الشهادات بلا خلاف او
الخبرالواحد على خلاف((197)).
ويحاول المرتضى
- انسياقا مع الجو الاصولي العام
آنذاك - ان يؤكد ظنية خبر الواحد، فيصر على انه لا يوجب علما
خلافا للنظام، وانما غلبة الظن بالصدق اذا كان المخبر عدلا،
معرضا بمن سمى التصديق الناتج عن الخبر بالعلم الظاهر،بان
هذا مجرد خلاف في عبارة، اذ سمى غالب الظن علما((198)).
لكن، ورغم اخذه بالخبر المتواتر المفيد للعلم بشروط منها
الكثرة، وعدم التواطؤ على الكذب، وعدم الشبهة((199))، الا
انه ينفي ورود العبادة بالخبر الواحد مع امكانها حتى لو كان
الراوي في غاية العدالة على حد تعبيره((200))، قائلا: «الصحيح
ان العبادة ما وردت بذلك (التعبد بخبر الواحد)... والذي يدل
على صحة ما ذهبنا اليه، انه لا خلاف بيننا وبين محصلي
(محققي)
مخالفينا في هذه المسالة ان العبادة بقبول خبر
الواحد والعمل به طريقة الشرع (الشريعة) والمصالح، فجرى
مجرى سائر(كسائر) العبادات الشرعية في اتباع المصلحة، وان
العقل غير دال عليه، واذا فقدنا في ادلة الشرع ما يدل على
وجوب العمل به(بما)، علمنا انتفاء العبادة به، ... ويمكن ان
يستدل بمعنى هذه الطريقة بعبارة اخرى، وهو ان نقول
(يقول): العمل بالخبر لا بدمن ان يكون تابعا للعلم، فاما ان
يكون تابعا للعلم بصدق الخبر، او العلم (للعلم) بوجوب العمل
به مع تجويز الكذب، وقد علمناان خبر الواحد لا يحصل عنده
علم بصدقه لا محالة، فلم يبق الا ان يكون العمل به تابعا للعلم
بالعبادة بوجوب العمل به، واذا لم نجد دليلا على وجوب العمل
به نفيناه»((201)).
وبعد تاسيسه هذا الاصل، الذي تواضع علماء الاصول فيما بعد
على التعبير عنه بقولهم: «الاصل عند الشك في الحجية
عدم الحجية»، يشرع المرتضى باستعراض ادلة القائلين بحجية
الخبر، فياتى على ذكر آية النفر، والكتمان، والنبا، وما دل
على الابلاغ، واجماع الصحابة، ورسل النبي(ص) وعماله،
والقياس بقول المفتي، وحكم الضرورة، والتحرز عن المضار،
ثم يناقش هذه الوجوه التسعة بالتفصيل دون ان يرضى بواحد
منها((202))، قائلا بعد ذلك كله: «اعلم انا اذا كنا قد دللنا على
ان خبرالواحد غير مقبول في الاحكام الشرعية، فلا وجه لكلامنا
في فروع هذا الاصل الذي دللنا على بطلانه، لان الفرع تابع
لاصله، فلاحاجة بنا الى الكلام على ان المراسيل مقبولة او
مردودة، ولا على وجه ترجيح بعض الاخبار على بعض، وفيما
يرد له الخبر اولا يرد في تعارض الاخبار، فهذا كله شغل قد
سقط عنا بابطالنا
ما هو اصل لهذه الفروع، وانما يتكلف الكلام
على هذه الفروع من ذهب الى صحة اصلها، وهو العمل بخبر
الواحد»((203))، الامر الذي اضطر الشيخ الطوسي في «العدة»
لبحثها بالتفصيل انطلاقا من اعتقاده بحجية الخبر
الواحد((204)).
ويعرج السيد المرتضى على الاستدل بالسيرة العقلائية معتبرا
ذلك خلطا بين الشرعيات والعاديات، كما يرفض
الاستدلال بالرجوع الى كتب اللغة مع كونها آحادا((205)).
وما يميز نص المرتضى على صعيد استكشاف الموقف الاصولي
الشيعي في تلك الحقبة، تركيزه في موارد متعددة على
نسبة عدم العمل بخبر الواحد الى الطائفة الشيعية، في نصوص
تبدو عليها الشدة والقوة والقاطعية، ففي «جوابات
المسائل التبانيات» المخصصة تقريبا لمعالجة موضوع الخبر
الواحد، يقول السيد المرتضى: «انا نعلم علما ضروريا لا يدخل
في مثله ريب ولا شك، ان علماء الشيعة الامامية يذهبون الى ان
اخبار الحاد لا يجوز العمل بها في الشريعة، ولا التعويل
عليها،
وانها ليست بحجة ولا دلالة، وقد ملؤا الطوامير وسطروا
الاساطير في الاحتجاج على ذلك، والنقض على مخالفيهم،
ومنهم من يزيد على هذه الجملة، ويذهب الى انه مستحيل من
طريق العقول ان يتعبد الله تعالى بالعمل باخبار الحاد، ويجري
ظهور
مذهبهم في اخبار الحاد مجرى ظهوره في ابطال
القياس في الشريعة وخطره وتحريمه، واكثرهم يحظر القياس،
والعمل باخبار الحاد عقلا.
واذا كان الامر على ما ذكرناه من الظهور والتجلي، فكيف
يتعاط ى متعطي ضربا من الاستدلال في دفع هذا المعلوم، الا
كمن تكلف وضع كلام في ان الشيعة الامامية لا تبطل القياس
في الشريعة، او لا تعتقد النص على امير
المؤمنين(ع)
بالامامة»((206)).
ورغم نسبته ورود العبادة الى الفقهاء واكثر المتكلمين((207))
مما ظاهره اهل السنة، الا ان ما يشبه هذا النص في قوته
نصه الخر في «جوابات المسائل الموصليات الثالثة» حيث يقول:
«... ان اصحابنا كلهم سلفهم وخلفهم ومتقدمهم
ومتاخرهم يمنعون من العمل باخبار الحاد ومن القياس في
الشريعة، ويعيبون اشد عيب الذاهب اليهما، والمتعلق في
الشريعة بهما، حتى صار هذا المذهب - لظهوره وانتشاره - معلوما
ضرورة منهم، وغير مشكوك فيه من المذاهب»((208)).
وفي الجوابات نفسها يقول: «علم كل موافق ومخالف، الشيعة
الامامية تبطل القياس في الشريعة من حيث لا يؤدي الى
علم،
فكذلك نقول في اخبار الحاد...»((209)).
وفي رسالة «ابطال العمل باخبار الحاد»، لا يتردد السيد
المرتضى في القول بان: «العلم الضروري حاصل لكل
مخالف الامامية او موافق بانهم لا يعملون في الشريعة بخبر لا
يوجب العلم، وان ذلك صار شعارا لهم يعرفون به، كما ان نفي
القياس في الشريعة من شعارهم الذي يعلمه منهم كل مخالط
لهم»((210)).
ومثل هذه النصوص غيرها ما يؤكد
- بصراحة او بظهور -
النسبة الى راي الامامية((211))، بما يجعل الوضوح في الامر - بحسب عبائره
- على حد الوضوح في الموقف الشيعي من مسالة
القياس.
*
المرتضى وتفسيره لظاهرة الاحاديث في الوسط الشيعي:
أ - الركون الى الوضوح الذي ادعاه في ترك الشيعة العمل بالخبر
الواحد، بل وذهاب بعضهم الى استحالة التعبد به، ليقول: ان
نسبة العمل بالخبر للشيعة - مع ما تقدم - انما هو اقبح المناقضة
وافحشها على حد تعبير المرتضى نفسه في الموصليات
الثالثة((212))، وهو اتهام سيئ لكبراء الطائفة بان عملهم
مناقض لقولهم على حد تعبيره في المسائل التبانيات((213)).
ب - محاولة التمييز بين نوعين من العلماء، من عليه المعول
ممن يدري ما ياتي وما يذر كما تفيده عبارة المرتضى، وهؤلاء
لايعملون بالخبر الواحد، وبين اصحاب الحديث الذين «رووا ما
سمعوا.. وليس عليهم ان يكون حجة في الاحكام الشرعية او
لايكون»((214)).
ج - يرى المرتضى ان احتجاج علماء الامامية على مخالفيهم كان
بالكتاب والسنة المقطوع بها، كما كان بما رووه من
اخبارهم على سبيل المناقضة والاستظهار عليهم، دون
الاحتجاج بخبر واحد ترويه الشيعة((216)).
د - ان الكثير - كما يرى المرتضى - من الاخبار المدرجة في
مصنفات الامامية متواتر وليس بحاد، وهذا ما يجعل
ايرادهااجنبيا عن الاعتراف بحجية خبر الواحد((217))، علاوة
على ان المرتضى يعتقد بان الخبر المحفوف بالقرينة القطعية - كما اسلفنا - يمكن الاخذ به، كما يعتقد بان اجماع الشيعة على
الاخذ بخبر يجعله هو الخر قطعيا((218)).
وهكذا يتحرز المرتضى عن مجانبة المعلوم حاله الى امر
محتمل ملتبس، فعدم عمل الطائفة باخبار الحاد امر معلوم
عنده، اماايرادهم الروايات في مصنفاتهم فهو محتمل ملتبس
ذو وجوه، فيؤخذ بالبين ويترك المشتبه المحتمل((219)).
*
مدارك الاجتهاد عند السيد المرتضى:
واذا تجاوزنا اشكالية احالة المرتضى
- بعد فقد الاجماع -
الامر الى نص الكتاب مع ان العودة الى الاجماع بحسب مبانيه
فرع فقدان نص الكتاب، الا اذا اراد ما يوافق من الرايين القرآن
وما يخالف على طريقة تعارض الخبرين.. اذا تجاوزنا
هذه الاشكالية بدا لنا بوضوح عنصران اساسيان ميزا منهج
السيد المرتضى عموما في الاستنباط الفقهي، وهما:
الاجماع،
والعقل.
والاجماع كثير الحضور في المباحث الفقهية للسيد المرتضى
لمن يراجع مصنفاته ادنى مراجعة، كما ان تحكيم العقل كان
ميزة هامة في المنهج الاستنبطي عنده، حتى قال عنه صاحب
روضات الجنات((222)) بانه لما سد العمل باخبار الحاد اضطر
الى استنباط الشريعة من الكتاب والاخبار المتواترة المحفوفة
بقرائن العلم.. ونحوه ما ذكره البحراني في
لؤلؤة البحرين((223)).
وكنتيجة تلقائية لمبنى المرتضى، يصرح مرارا بان الخبر
الواحدلا يخصص القرآن((224))، وهذه نتيجة طبيعية لا من
باب الاستحالة بل من باب عدم ورود التعبد، وان لم تكن
محصورة بمبنى المرتضى كما سيرد معنا ان بعض من قال
بحجية الخبركالشيخ الطوسي منع عن تخصيصه عموم
الكتاب الكريم.
*
امتدادات مدرسة الرفض بعد السيد المرتضى:
*
ابن البراج وعدم حجية غير المتواتر:
ومن الواضح ان ابن البراج صريح في نصه هذا بعدم العمل بخبر
الواحد، جاعلا اياه في مقابل المتواتر، اي ان كل ما ليس متواترا
لا يصح العمل به.
وبهذا تصحح النسبة اليه ايضا على ما جاء في بعض الكتب
الاصولية المتاخرة((226)).
*
الطبرسي المفسر وانكار اخبار الحاد:
وهذا النص يفترض اخذه مدركا لنسبة القول بعدم حجية
الخبر، الا اذا قيل - ما سياتي مثله مع الشيخ الطوسي - بان
نفيه حجية الخبر بدلالة الية لا يعارض اثباته لها بالاجماع كما
حصل مع الشيخ الطوسي في التبيان والعدة، لكننا نرى هذا
مجرداحتمال، ولو كان عنده راي آخر نهائي لبينه، سيما وانه
لم يكتف بنفي دلالتها على الحجية، بل تعداه لاثبات دلالتها
على عدم الحجية دون ان يرفق كلامه باي استثناء او تعديل مما
كان ذكره لازما.
واما نص «التبيان» فلعل قرينته ما كان ذكره سابقا في العدة، اما
هنا فنبقى على مقتضى الظهور حيث لا قرينة.
وثمة نص آخر في «مجمع البيان» استفاد منه البعض ادعاء
الطبرسي اجماع الامامية على عدم حجية الاخبار، وهو قوله
في تفسير الية 79 من سورة النساء حول قضاء داوود وسليمان
مستدلا على ان الامر لم يكن اجتهادا من النبي وانما وحيا من
اللهتعالى، قال: «ان النبي(ص) اذا كان يوحى اليه وله طريق الى
العلم بالحكم فلا يجوز ان يحكم بالظن، على ان الحكم
بالظن والاجتهاد والقياس قد بين اصحابنا في كتبهم انه لم
يتعبد بها في الشرع الا في مواضع مخصوصة ورد النص بجواز
ذلك فيها،نحو قيم المتلفات واروش الجنايات وجزاء الصيد
والقبلة وما جرى هذا المجرى...»((229)). |