الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وقد حاول الميرزا الآشتياني في بحر الفوائد ان يجعل هذا النص ظاهرا في ادعاء الاجماع كما تلوح به عبارة الفرائد، سيما بقرينة ان المستثنى كان من الموضوعات، فيضعف لذلك احتمال ارادة الاعم من الموضوعي والحكمي في طرف المستثنى منه((230)).

لكن محاولة التضعيف هذه غير واضحة، فان ارفاق الظن بالاجتهاد والقياس، ونسبة عدم التعبد بهذه الثلاثة الى الاصحاب، دال على انها في حكم واحد، والمنصرف من حكم القياس والاجتهاد هو استعمالها في موارد الاحكام، حتى لو كان السياق العام في قصة سليمان يعطي مناخا موضوعيا لا حكميا.

لكننا لا ندعي ان هذا النص صريح في دعوى الاتفاق، اذ لم ترد فيه كلمة اجماع او اتفاق، والتعبير بـ(اصحابنا) لا ممانعة في ارادة المشهور منه، وكون الدلالة بالظهور لا يضعف من ضم دعوى الاجماع او الشهرة هذه الى دعوى السيد المرتضى، وان كانت دعوى الاخير اصرح واشمل واكثر قاطعية.

* ابن زهرة الحلبي ومطابقة راي المرتضى:
3 - حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (585 ه): ذكر ابن زهرة ان الخبر الواحد لا يفيد العلم، وانما غلبة الظن اذا كان المخبرعدلا((231))، ورغم موافقته على جواز التعبد بهذا الخبر عقلا((232)) اذا كان المخبر على صفة مخصوصة، الا انه لم يرد
- عنده - هذا التعبد في الشرع حيث لا علم بمضمون الخبر((233)).

ويتابع ابن زهرة في غنيته كلام صاحب الذريعة - ولو باختصار - فيورد ادلة القائلين بحجية الخبر ثم يناقشها دليلا دليلا((234))، مجيبا عن نفس الاشكال الذي كان المرتضى اجاب عنه من قبل، وهو علة وجود الروايات في مصنفات الامامية، حيث يرى بان هذا يفيد في حصول التواتر((235))، معتبرا الملجا الى العقل حيث لا دليل((236)).

وبهذا يظهر ايضا صحة ما نسبه العلماء((237)) الى ابن زهرة من موافقته راي المرتضى في مسالة الخبر.

* ابن ادريس الحلي وبداية نقد نظرية الطوسي:
4 - ابن ادريس الحلي (598 ه) الذي يعد من ابرز المتشددين في نفي حجية الخبر اتباعا للسيد المرتضى، ينقل في بدايات سرائره نصا مطولا له في نفي الخبر عن اجوبة المسائل الموصليات يتبناه الحلي مدافعا عنه، ويتضمن النص مجمل الافكار التي سبق ان اوردناها عن السيد المرتضى، فلا نعيد
((238)).

وقبل ان يشرع الحلي في ذكر كلام المرتضى، يحدد منهجه الفقهي وما سيسير عليه في سرائره، وانه سوف يرجع للكتاب والسنة المتواترة والاجماع ((239)) والعقل، خاتما كلام المرتضى بالتعليق بالقول: «فعلى الادلة المتقدمة اعمل، وبهاآخذ وافتي وادين الله تعالى.. ولا اعرج الى اخبار الحاد، فهل هدم الاسلام الا هي؟!...»((240)).

ولتاكيد مدى تشبث الحلي في موقفه من الاخبار، نلاحظ مدى تكراره في سرائره الجمل التالية: «عدم حجية الاالمتواتر»((241))، وانه لا يلتفت لخبر الواحد((242))، وانه لا يوجب علما ولا عملا((243))، وانه لا يرجع الى اخبارالحاد((244))، وان اخبار الحاد عند «اصحابنا» غير معول عليها ولا يلتفت اليها((245))، كما ان «اصحابنا» لايعملون بخبر الواحد((246))، او لا يعمل «عندنا» في الشرعيات باخبار الحاد((247))، بل ان اجماع اصحابنا سلفهم وخلفهم على ترك العمل بالخبر((248))، ويذكر ان اصحابنا بغير خلاف بينهم، ومن المعلوم الذي يكاد يحصل ضرورة، ان مذهبهم ترك العمل باخبارالحاد، ما خالف فيه احد منهم ولا شذ((249))، بل نسب الحلي عدم العمل بالخبر الى اهل البيت(ع)((250)).

ويعرف الحلي بنقده اللاذع للشيخ الطوسي، ولذا يراه مخالفا لاجماع اصحابنا سلفهم وخلفهم، حتى ان المخالفين من اصحاب المقالات يذكرون في كتبهم ومقالات اهل الراء والمذاهب: ان الشيعة الامامية لا ترى العمل في الشرعيات باخبار الحاد.. معتبرا - اي ابن ادريس - ان المفيد والمرتضى اعرف بغيرهما باصحاب المقالات، فكيف خفي عليهما هذا الامر سيما المفيد((251))؟! والشيء الملفت في كلام ابن ادريس انه يحاول ان يجعل ما يورده الطوسي في نهايته (وحتى غيرها) مجرد ايراد رواية لاالاعتقاد بها او الفتوى، ويكرر هذا الامر مرات ومرات((252))، ويعتذر للطوسي بانه روى ذلك في نهايته لئلا يشذ عنه من الاخبار شيء، طبقا لما اعتذر به نفسه في العدة من ان اصحاب الحديث والاخبار يوردون ما سمعوا، ويروون ما روي لهم وحدثوا، وكان ابن ادريس يعتبره من طرازهم((253)).

ومن هنا يرجح الحلي - كما يفهم من بعض عبائره - ان يكون الطوسي غير قائل - في كتاب النهاية - بحجية الخبر الواحد((254)).

وهذه الفكرة من ابن ادريس تثير فيما بعد المحقق البي، فيسجل نقده عليه بانه كيف عرف ابن ادريس ان هذه الروايات اوردهاالشيخ ايرادا لا اعتقادا رغم انه ما اجتمع به مشافهة، ملاحظا عليه انه ينكر حجية الخبر وفي عين الوقت يعمل به((255)). الا ان ما يبدو انه دفع صاحب السرائر للقول بان الطوسي اورد ايرادا هو ما ذكره الطوسي نفسه في مقدمة المبسوط حين اتى على ذكر كتاب النهاية فقال: «وكنت عملت على قديم الوقت كتاب «النهاية» وذكرت جميع ما رواه اصحابنا في مصنفاتهم واصولهم من المسائل، وفرقوه في كتبهم، ورتبته ترتيب الفقه.. بل اوردت جميع ذلك او اكثره بالالفاظ المنقولة حتى لايستوحشوا من ذلك...»((256))، فلعل هذا النص يفيد ان الطوسي كان يهدف في «النهاية» تقديم كتاب على نسق فقهي لاروائي، لكن يشتمل متون الروايات، دون ان يريد الاجتهاد بمضمونه، كخطوة متقدمة في التاليف الفقهي الشيعي.

ولا نريد ترجيح موقف، فلا يعنينا فعلا، وعلى اية حال، لا يكتفي الحلي بذلك بل يسجل نقده على الطوسي في عدته - وهو اول نقد يتناول الطوسي صراحة في هذا الموضوع - من انه كيف يقول بحجية خبر خصوص الامامية ثم ياخذ بخبر السكوني العامي المذهب، مستعينا بذلك بما ينقله عن الشيخ محمود الحمصي في «المصادر» بان الطوسي ناقض نفسه في عدته، حينما عاد اخيرا وركز على الوثاقة بقطع النظر عن المذهب، فيما كان اساس مبناه هو حجية خبر الامامي((257)).

واستتباعا لكل ذلك ينسب الحلي عدم الخلاف الى المتكلمين في اصول الفقه في ان اخبار الحاد لا يخص بها العموم المعلوم ولو كان رواتها عدولا((258)).

كما وبما اسلفنا، تظهر صحة نسبة القول بعدم حجية الخبر الى ابن ادريس الحلي ايضا((259)).

وبهذا ظهر - بعيدا عن المناقشات القادمة - ان ستة من كبار علماء الامامية - متكلمين وفقهاء ومفسرين - لا يقولون بحجية الخبر الواحد وهم المفيد، والمرتضى، وابن البراج، والطبرسي، وابن زهرة، وابن ادريس، هذا اذا تجاهلنا ما نسبه صاحب الوافية الى ابن بابويه في كتاب الغيبة المفقود حاليا من القول بعدم الحجية ايضا، وما تلوح به كلمات ابن شهرآشوب((260)).

* الشيخ الطوسي وتاصيل نظرية خبر الواحد:
فيما وصلنا من مصنفات من تلك الحقبة الزمنية، يبدو لنا ان ما قدمه الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (460 هـ) على صعيد نظرية حجية خبر الواحد والمنافحة عنها كان هو الاسهام الابرز والاهم، بل والاكثر تاثيرا على مجمل الموقف الامامي من الموضوع سيما في الحقبات اللاحقة.

وقبل الشيخ الطوسي لم تورد كتب الرجال والتراجم والتصانيف مؤلفات تتعلق بنصرة نظرية حجية الخبر عدا ما نسبه النجاشي للحسن بن موسى ابي محمد النوبختي الذي وصفه بشيخنا المتكلم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها، وقال: ان من كتبه: كتاب الخصوص والعموم، وجواباته لابي جعفر بن قبة، وكتاب في خبر الواحد والعمل به و.. وكتب كثيرة اغلبها في الكلام((261))، وهو ما سطره آقا بزرك الطهراني في الذريعة ايضا.((262))

ورغم ان عنوان الكتاب لا يفيد انه لنصرة حجية الخبر او رده او غير ذلك صراحة، الا ان هناك نحوا من التعارف على انه لو كان نقدا لعبروا عنه بـ«كتاب في رد الخبر» كما هو واضح، لكن هناك احتمالا في ان يكون الكتاب في صدد اثبات جواز العمل بخبرالواحد عقلا، سيما بقرينة ان النوبختي من كبار المتكلمين، وكان هذا هو موضوعهم الشاغل، وكذلك قرينة ردوده على ابن قبة المعروف بقوله باستحالة التعبد بالخبر((263)).

نعم، على صعيد اهل السنة والفرق الاخرى ذكرت بعض الكتب القليلة، فقد نسب ابن النديم لعلي بن موسى القمي((264)) ان له ردا على الشافعي، وقال: له كتاب اثبات القياس والاجتهاد وخبر الواحد((265))، كما نسب لابي الحسين احمد بن يحيى الروندي كتابا اسمه: اثبات خبر الواحد((266))، وهكذا نسب لعيسى بن ابان (220هـ) كتاب خبر الواحد((267))، ولداوود بن خلف الاصفهاني (270هـ) كتاب خبر الواحد((268))، وايضا نسب الذهبي في سير اعلام النبلاء، لابي محمد البياني (276هـ) كتابا شريفا في الخبرالواحد((269))، والى جانب نسبة ابن حجر في لسانه لعبد الرحيم بن محمد بن عثمان ابي الحسن الخياط احد متكلمي المعتزلة كتابا اسمه: الرد على من اثبت خبر الواحد((270))، كان الذهبي في تذكرة الحفاظ قد نسب لشيخ الاسلام ابو عمر يوسف بن عبد البرالقرطبي (463 هـ) احد حفاظ الحديث في المغرب كتابا اسمه: الشواهد في اثبات خبر الواحد((271)).

كانت هذه ابرز الكتب المعاصرة او السابقة قليلا لعهد الشيخ الطوسي والتي خصصت لدراسة مسالة خبر الواحد بعنوانها، عدا عن درس هذه المسالة بالتاكيد في ثنايا الدراسات الاصولية - الكلامية سيما السنية قبل هذه الفترة مما تكشف عنه «الرسالة» لابن ادريس الشافعي (204 هـ)((272))، وما جاء له ايضا في كتاب الام، من رد على الطائفة التي طرحت الاخبارك((273)) لها، ما يدل على وجود جدل سابق حول هذا الموضوع في المناخ الاسلامي العام - سيما السني - مثل المعتزلة طرف الرفض فيه، واهل الحديث الطرف المقابل كما لاحظنا من نص المفيد سابقا، الى جانب بحث سني مطول حول مسالة الاخبار عاصر الشيخ الطوسي، كما يلاحظ بمراجعة اصول السنة في تلك الحقبة كمستصفى الغزالي، وبرهان وتلخيص الجويني وغيرهما.

لكن رغم ذلك، لم يوجد في المناخ الشيعي تصنيف عدا كتاب النوبختي السالفة الاشارة اليه، ومن هنا يظهر كتاب الطوسي «في العمل بخبر الواحد»، كما نص عليه هو نفسه وغيره ((274))، بوصفه انموذجا اماميا متقدما على هذا الصعيد، اي على صعيد نصرة نظرية الخبر، علاوة على كتابه «النقض على ابن شاذان في مسالة الغار» والذي ذكر صاحب الذريعة ان بحرالعلوم في فوائده وصف الكتاب بانه يدور حول مسالة الغار والعمل بخبر الواحد، مما يظهر انه (بحر العلوم) قد رآه كما يقول آقا بزرك((275))، هذا اذا افترضنا ان موضوع البحث في مسالة الغار هو نصرة نظرية الخبر لا ردها.

وبعيدا عن ذلك، يعد مبحث خبر الواحد في «العدة في اصول الفقه» للشيخ الطوسي من اهم المصادر القديمة شيعيا لنصرة خبر الواحد بحثا وتفريعا، لكن دراسة نتاجات الطوسي ربما توحي بانه قد حصل تطور او تارجح في نظريته ازاء مسالة الخبرالواحد ضمن السياق التالي:

1 - في تهذيب الاحكام - احد الكتب التي دونها الطوسي في بدايات حياته في بغداد - يوجز الطوسي منهجه في كتابه بالقول: «واذكر مسالة مسالة فاستدل عليها اما من ظاهر القرآن... واما من السنة المقطوع بها من الاخبار المتواترة او الاخبارالتي تقترن اليها القرائن التي تدل على صحتها، واما من اجماع المسلمين.. ثم اذكر بعد ذلك ما ورد فيها من احاديث اصحابنا المشهورة»((276)).

والذي يبدو ان مراده من الاخبار المقرونة بقرائن الصحة هنا الاخبارالمفيدة لليقين، لان السنة المقطوع بها قد قسمها الى متواتر واخبار محفوفة بالقرائن، لا ان الاخبار المحفوفة وقعت في عرض السنة القطعية، وذلك بقرينة «اما» و «او» فلاحظ،واما الجملة الاخيرة فلا تدل على انه يستدل بالاخبار بل تنص على انه يذكرها، فاصلا بين ذكرها، وبين ما جعله دليلا له.

لكن هذا النص قد يقال: انه لا يدل على نفيه صراحة القول بحجية الخبر الواحد الظني، اذ من الممكن ان يكون هذا منهجه في هذاالكتاب، رغم اعتقاده بالخبر، لكي يجعل ادلته من اقوى الادلة والمتفق على دليليته واعتباره، وان كان احتمال عدم اعتباره الخبر الواحد احتمالا قويا في نفسه.

ولكن اعادة تكرار جملة «خبر الواحد لا يفيد «لا يوجب» علما ولا عملا»((277))، وقوله: «اخبار الحاد التي لا توجب عندناعلما ولا عملا»((278)) مما جاء في ثنايا التهذيب، مما قد يفهم منه نسبة نفي الحجية الى الطائفة (عندنا)، وهي الجمل التي تستخدم لنفي حجية الخبر كما لاحظنا عند المرتضى وغيره. يعزز اكثر فاكثر ان الطوسي كان في بداياته متاثرا بمذهب استاذيه المرتضى والمفيد (رحمهما الله).

2 - واذا تجاوزنا «تهذيب الاحكام» الى «الاستبصار»، ربما وقعنا في شيء من الغموض، ففي بعض المواضع يصرح الطوسي بان خبر الواحد لا يوجب علما ولا عملا((279))، وهو في بداية كتابه يعرف الخبر الواحد بانه الخبر غير المتواتر ولاالمحفوف بقرينة((280))، لكنه في نفس الوقت - ولدى استعراضه منهجه في الاستبصار - وعقب اقراره ايضا بان خبر الواحد لا يفيد العلم، يقر به ويقبل الاخذ به، لكن ضمن شروط، كان لا يعارضه خبر آخر ونحو ذلك، اذ مع المعارضة يرجع الى الترجيحات وطرق الجمع((281)).

ولا يكاد يكون واضحا، كيف كان خبر الواحد عند الطوسي لا يوجب علما ولا عملا، ومع ذلك يؤخذ به مع عدم المعارضة؟ فلوكان غير معتمد عمليا ما الفرق بين المعارضة وعدمها؟ ولو كان معتمدا في صورة عدم المعارضة فلا يصح القول انه لا يوجب علما ولا عملا، وهي العبارة التي استخدمها المرتضى لنفي حجية الخبر غير القطعي، حتى صارت كالشعار لرفض اخبارالحاد كما يظهر بمراجعة اصول الشيعة والسنة معا.

الى هنا نستنتج غموضا في موقف الطوسي في الاستبصار، فاما انه ثمة خصوصية لا نفهمها من وراء هذه التعابير او ان الطوسي كان في تهذيبه معارضا لحجية الخبر، وفي استبصاره مضطربا، ليخرج بنظريته في العدة بعد ذلك، لان التهذيب والاستبصار الفهما قبل العدة حيث اتى على ذكرهما فيها((282)).

وسوف نحافظ على القول بوجود غموض او اضطراب في موقف الطوسي الى ان ناتي على ذكر الحلول التي ذكرهاالعلماء المتاخرون حول تناقض اجماع الطوسي والمرتضى في الموضوع، ونبين بعدها تصورنا الخاص فانتظر.

3 - وقبل بلوغ «العدة» تستوقفنا نصوص من تفسير التبيان يجدر مطالعتها مسبقا، فلدى تفسيره آية النبا، يجعل الطوسي من تعليلها مدركا لنفي حجية الخبر علما وعملا، مناقشا من استدل بها على حجية الخبر((283)).

ولدى تعرضه لية الكتمان، يبدي رايه في عدم دلالتها على حجية الخبر، قائلا: «وقد بينا في اصول الفقه انه لا يمكن الاعتمادعليه»((284)).

ونصوص «التبيان» هذه ربما يقال انها لا تعارض موقفه في العدة، لانه رفض فيها دلالة كل من آية النبا وآية الكتمان على حجية خبر الواحد - كما سنلاحظ - مع ذهابه فيها لحجية الخبر، لكن الاشكالية التي تبقى عالقة هي ان الطوسي لم يكتف بمنع دلالة آية النبا على حجية الخبر، بل ذهب الى دلالتها على عدم حجيته بقرينة التعليل الوارد فيها، وهو تعليل لطالما كان مورد بحث وجدل بين علماء اصول الفقه بعد ذلك.

فاذا كان مدرك الطوسي لاثبات حجية الخبر - كما سياتي - هو الاجماع، فان الية - وفق فهمه لها في «التبيان» وما قدتفيده العدة ايضا((285)) - ستكون ردعا واضحا وابطالا جليا للاجماع، الا اذا كان الطوسي يريد بالاجماع تخصيص مفادالنهي المستفاد من التعليل، وهو - اي اصل المنافاة هذه في هذا المورد - ما لم يات الطوسي على ذكره في اي مصنف من مصنفاته حسبما يبدو، رغم انه جدير بالبحث، الامر الذي يجعلنا امام احتمالين: اما ان الطوسي يقول بتقدم الاجماع على مفادالية ومن ثم يزول التعارض المتوهم ما بين «العدة» و«التبيان»، بل العدة نفسها، سيما وان الطوسي يقول بتخصيص القرآن بالاجماع كما صرح به في مباحث العموم والخصوص من العدة((286))، او انه عدل عما اورده في احدهما الى الخر وفقالطبيعة الاشياء، مما يؤيد ان نظرية الطوسي حول حجية السنة مرت بمقاطع متعددة على خلاف ما كان عليه الحال مع السيد المرتضى، سيما لو وافقنا على ما ذكره بعض الباحثين المعاصرين من امتياز تفسير الطوسي بعدم اعتماده اطلاقا على خبرالواحد لا اثباتا لشيء ولا نفيا((287)).

لكن احتمال تطور نظرية الطوسي مع التبيان بعيد، لان التبيان الفه الطوسي بعد العدة، كما تؤكد ذلك اشاراته لكتاب العدة فيه((288))، مع عدم ذكره له في الفهرست، وهكذا وقع التبيان بعد كل من المبسوط والخلاف ايضا((289))، وبذلك يظهر ان الارتباك النظري قد يكون هو التفسير الوحيد الاضمن لتحليل ظاهرة الطوسي، لولا احتمال تخصيص الكتاب بالاجماع كمااشرنا، لا اقل من ان عدم تحديد صورة يبقي رؤيتنا للطوسي من حيث استقرار نظريته غامضا على خلاف ما كان الحال عليه مع المرتضى.

4 - وفي سياق التجوال في امهات كتب الطوسي، يطالعنا كتاب المبسوط في مقدمته، اذ يذكر الشيخ الطوسي في مقام رده على اهل السنة، انه «ما من فرع الا وله مخرج على مذاهبنا لا على وجه القياس، بل على طريقة توجب العلم (علما) يجب العمل عليها، ويسوغ المصير اليها من البناء على الاصل وبراءة الذمة وغير ذلك»((290)).

وهذه العبارة قد يستفاد منها عدم عمل الطوسي بالخبر الظني لانه يصرح بان الفروع باسرها لها تخريج يوجب العلم، مما يدل على انه يرى الاجوبة الفقهية الشيعية قائمة برمتها على اساس افادة العلم كما يذكره بعض الفقهاء المعاصرين((291)).

وربما يناقش في هذه الاستفادة بان ذكر الشيخ الطوسي الاصل وبراءة الذمة في آخر كلامه، يدل على انه يريد العلم بالوظيفة الشرعية الاعم من الواقعية والظاهرية، والا فمن الواضح ان اصالة البراءة ليست طريقا ظنيا للواقع فضلا عن ان تكون طريقا علميا.

الا ان العقبة التي تمنعنا عن تتميم ملاحظتنا هذه، ما اشار له السيد محمد باقر الصدر في دراساته الاصولية، من ان الاصول العملية كانت مدرجة سابقا في دليل العقل، ولذلك سموا الاستصحاب باستصحاب حال العقل، واستدلوا على البراءة بدليل عقلي هو عدم الدليل دليل على العدم... مما يرشد الى عدم انفصال الاصل العملي في العقل الاصولي القديم عن الامارات، وان هذا الانفصال ظهر مؤخرا سيما مع الوحيد البهبهاني، ليبلغ قمته مع الشيخ الانصاري((292)).

فاذا صحت هذه الفكرة فلا يبعد ان يستفاد من كلام المبسوط - وان لا بدرجة الصراحة انصافا - انه لا يؤمن بطريق غيرعلمي، والا فاستفادة ذلك من عبارته امر مشكل.

5 - وعلى نسق «المبسوط»، تاتي مقدمة «الخلاف»، حيث يذكر الشيخ الطوسي قائلا: «سالتم ايدكم الله.. وان اقرن كل مسالة بدليل نحتج به على من خالفنا، موجب للعلم من ظاهر قرآن، او سنة مقطوع بها،او اجماع، او دليل خطاب، اواستصحاب حال.. او دلالة اصل او فحوى خطاب....»((293)).

فقد استفاد بعض المعاصرين دلالة النص المذكور على التزام الطوسي بالطريق العلمي دون الظنون، مما يدل على عدم عمله بخبر الواحد((294)).

الا ان الانصاف ان العبارة - ضمن سياقها - لا تدل على ذلك، لان كتاب الخلاف، كتاب في الفقه المقارن، ومن الواضح ان الاستدلال في هكذا حال بادلة علمية، اي باقوى ما لدينا من ادلة، هو السبيل المنطقي، سيما وان الطوسي يصرح بان هناك من ساله ان يفعل ذلك فاجاب، مما لا يعني انه لا يرى ادلة اخرى، ولهذا اعقب كلامه السالفة الاشارة اليه بقوله عن رواياتنا: «وقد ذكرنا طرفا كثيرا من ذلك في كتابنا المعروف بتهذيب الاحكام، وكتاب الاستبصار، وان كان هذان الكتابان مقصورين على مانختص بروايته»((295))، مما يعني انه كان يريد الاقتصار على غير روايات الامامية حتى تكون ابلغ في الحجة واقوى في البرهان.

وبهذا ظهر ان كلمات الطوسي في التهذيب ظاهرة في نفيه العمل بخبر الواحد، اما الاستبصار ففيه غموض، واما الخلاف فلا يدل،واما التبيان فالانصاف التوقف بمقدار في امره بعد كونه قد جاء بعد العدة لا قبلها.

* الطوسي ونظرية السنة في «العدة»:
يتشابه سير البحث في عدة الطوسي مع ما جاء في ذريعة السيد المرتضى، باستثناء تفصيلات مبنية على حجية الخبر كان لها اهمية خاصة سيما في علم الرجال يدرجها الطوسي في آخر البحث.

ومع الاقرار بمرجحات ترشد الى اسبقية الذريعة على العدة، فهذا يعني ان الطوسي كان ناظرا الى نتاج المرتضى لتطويره وفق وجهة نظره، اما لو قلنا بان «العدة» سابق على الذريعة، فان اغلب الاشكاليات التي يثيرها السيد المرتضى في ذريعته او في جوابات المسائل الموصليات او في التبانيات او غيرها سيكون بالدرجة الاولى ناظرا الى نتاج الطوسي ومواقفه الداخلية في الوسط الشيعي((296)).

ولا نريد ان نميل لاحتمال، وان كنا نرجح ان الذريعة يسبق العدة، الا ان ما نستهدفه هو تحديد الخطوات التي امتاز بها الطوسي عن استاذه.

يشرع الطوسي بتقسيم الخبر الى ما يعلم ان مخبره على ما تناوله وما ليس كذلك، والثاني اما تعلم المخالفة فيه او لا، فيؤخذعنده بالاول دون الثاني، اما الثالث فيقسمه الى ما لا يجب العمل به وما يجب العمل به اما وجوبا عقليا كما في المضار او شرعيا كالشهادات، ثم يقول: «والاخبار الواردة في فروع الدين اذا كانت من طرق (طريق) مخصوصة، ورواها من له صفة مخصوصة»((297))، ممهدا بالقيد الاخير لنظريته القادمة.

وبعد ذكره السجالات الاسلامية الكلامية حول افادة الخبر العلم او لا، يذهب الطوسي الى ان الخبر الواحد لا يفيد العلم، مجوزاورود العبادة به عقلا((298))، مناقشا بالتفصيل من ذهب لافادته العلم((299))، ومن جعل التعبد به مستحيلا((300)) ، مناظرا ذلك بعدم استحالة تخصيص عموم القرآن به او نسخه وان كان لم يقع((301)) اصلا.

ومع عدم ذهابه للاستحالة العقلية المذكورة، يرفض الطوسي ايضا الوجوب العقلي المدعى للتعبد بخبر الواحد، معتبرا انه امر لا دليل عليه((302)).

ويوافق الطوسي استاذه عدم وجود اشكالية في عدم الاخذ بالخبر الواحد بادعاء لزوم خلو الواقعة من حكم، اذ يذهب الى مرجعية العقل وحكمه حظرا واباحة وتوقفا حينئذ((303)).

ويواصل الطوسي تهيئة الارضية اللازمة لنظريته برد مقولة من ذهب الى منع الشرع من العمل بالخبر انطلاقا من (لا تقف ماليس لك به علم)((304))، وهي مقولة كان ذكرها المرتضى في الذريعة، وذلك بقوله: ان العمل بالخبر قامت ادلة قطعية عليه،لهذا فهو عمل بعلم((305)).

وهنا يبلغ الطوسي نظريته حيث تتلخص في حجية السنة، على اساس ان الدليل الشرعي قد قام على جواز العمل بخبر الواحد،بيد ان ذلك موقوف على طريق مخصوص، وهو ما يرويه من كان من الطائفة المحقة، ويختص بروايته، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره من العدالة وغيرها((306)).

ويختار الطوسي لاثبات نظريته هذه - بعيدا عن التناقض المدعى فيها - طريقا آخر، حيث يرفض الاستدلال على الحجية بية النبا((307))، والنفر((308))، والكتمان((309))، واجماع الصحابة((310))، والقياس على المفتي((311))، و... مصرحا بعدم حجية الخبر في امور العقيدة((312)).

ويشرح الطوسي مراده من الخبر الواحد حينما يناقش من شرط التعدد في الراوي بان الاشكالات السالفة ترد عليهم، معللا ذلك باننا نمنع من ايجاب هذا الخبر العلم((313))، وهذا ما يدلل على ان المحور عنده كان افادة العلم وعدم افادته.

والطريق الذي يختاره الطوسي لاثبات حجية الخبر هو: اجماع الطائفة الامامية على العمل بالاخبار التي رووها في كتبهم ومصنفاتهم، واجماعهم معصوم((314))، فانهم اذا احيلوا على كتاب معروف او اصل مشهور وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه،سكتوا وسلموا((315)) الامر، نعم لا يسلم الطوسي بان الطائفة جميعها تعمل بالاخبار فيما يجب فيه العلم كمسائل العقيدة، مما((316)) يعني ان الطوسي يحصر حجية الخبر بمجال الفروع والشرعيات، اما من خالف فقال بعدم جواز العمل عقلا او عدم الورود شرعا فهو عنده معلوم النسب، اذن فلا يضر بالاجماع((317)).

ويدعم الطوسي اجماعه السالف الذكر بـ:

أولا: ان هناك ما يزيد على خمسة آلاف حديث متعارض، وكل طائفة من العلماء اخذت بخبر، فاختلفوا في الاحكام، ومع ذلك لم يفسق بعضهم بعضا ولا ضلله ولا خرج عن موالاته، على خلاف قضايا الاصول والعقائد، الامر الذي يدلل على التزامهم بصحة الاخذ بالخبر في الفروع وعدمه في امور العقيدة((318)).
وقد كان السيد المرتضى ناقش هذا الوجه، في رسالة مستقلة حملت عنوان: «عدم تخطئة العامل بخبر الواحد»، حيث ذكر باننا لا نكفر من يخالفنا في الشرعيات حتى لو كان غير امامي ولا نخرج عن موالاته، لكن هذا لا يعني اننا نرى فعله هذاصوابا وحقا، اذ ليس كل مخطئ كافرا، وهذا يعني اننا نكفر خصوص من قام الدليل على تكفيره((319)).

ثانيا: ان الجهود الرجالية المضنية التي قامت بها الطائفة الامامية تؤكد على انهم يرون الخبر السالم السند حجة، والا فاي معنى لهذه الجهود الكبيرة((320)).
ولا يقف الطوسي عند حد اقامة دليله الخاص، بل يفكك ادلة الطرف الخر وينقدها نقدا موسعا، واهم الوجوه ما يلي:

الوجه الاول: - وهو كما اسلفنا ذكره المرتضى - ان المعلوم من حال الطائفة المحقة عدم العمل بالخبر كالقياس.
وهذا الوجه يحاول الطوسي ان يختزله في الروايات التي اختص بها المخالفون، اما لو كان الراوي منهم - اماميا - فالمعلوم عملهم برواياته((321)).

الوجه الثاني: ان الشيوخ لازالوا يناظرون خصومهم في عدم حجية الخبر، وما راينا احدا منهم صنف كتابا ولا املى مسالة في ذلك، الامر الذي ذكره المرتضى ايضا.
واجاب الطوسي: بانهم كانوا يكلمون مخالفيهم، لدفعهم عما بايديهم من المرويات المخالفة لاحكام ما بايديهم، ونحن لم نجدهم اختلفوا فيما بينهم في رواياتهم انفسهم((322)).

الوجه الثالث: لماذا تركتم احاديث غيركم وعملتم باحاديثكم مع جواز خبر الواحد عقلا وورود العبادة به شرعا؟!
والجواب عند الطوسي هو: ان الحجية تابعة للجعل الشرعي، وهو مقيد باخبار الطائفة، خصوصا وان الحجية انما هي لخبرالعدل، وغير الامامي ليس بعدل((323)).

الوجه الرابع: كيف تاخذون بروايات الرواة، وفيهم من روى الغلو والتناسخ والجبر والتشبيه؟! وهذا ما ذكره المرتضى ايضا.
والجواب: ليس كلهم فعل ذلك، كما لا دلالة على انه اعتقد به، بل رووه لكي لا يشذ عنهم شيء لا للاعتقاد((324)).

الوجه الخامس: لعل الطائفة عملت بالاخبار لقرائن احتفت بها، كما تفيده مجموع كلمات المرتضى.
واجاب الطوسي بان هذا بعيد، لان الاخبار كثيرة، وليس فيها جميعها قرآن ولا تواتر ولا اجماع، فاخذهم يدل على انتفاءالقرائن((325)).

لكن الشيخ الطوسي لا يلغي دور القرائن، بل يؤكد عليها وان لم توجب العلم، لكنه يراها قرائن لصحة المضمون لا لصحة الخبر، ومن ثم فالخبر المتجرد عنها يبقى حجة، ويسميه الخبر الواحد المحض((326))، ومن هنا يذكرالطوسي موافقة ادلة العقل (الاصول العملية)((327))، وموافقة الكتاب بنحو من انحاء الموافقة ولو بفحوى الخطاب((328))، وموافقة السنة القطعية،وموافقة المجمع عليه عند الامامية((329))... قرائن لصحة المضمون، وعليه فان عورض الخبر بكتاب او اجماع طرح، والا وقع الترجيح((330)).

ونتيجة موقفه من الخبر، يركز الطوسي - خلافا للمرتضى كما تقدم - نظره على حالات التعارض والاختلاف بين الاحاديث((331))، كما لو روي احدهما باللفظ والخر بالمعنى حيث يقدم الاول عنده على الثاني اذا لم يكن راوي المعنى ضابطا عارفا والا فلا ترجيح((332))...

وهكذا يكمل الطوسي نظريته بموقفه من روايات غير الامامية، فيؤكد على ان العبرة بالوثاقة لا العدالة وكانه يرى عدالة خاصة في الرواية غير الشهادة((333))، الا اذا عورض الخبر بخبر من طريق الموثوقين فيطرح، او سوند فيؤخذ، او كان مسكوتا فيؤخذ ايضا، ولهذا اخذت الطائفة بما رواه حفص بن غياث، وغياث بن ابراهيم و... وهكذا الحال مع روايات الفطحية والواقفية و((334))... نعم الغلاة يتوقف في رواياتهم ما لم يكن هناك ما يشهد بصحتها((335)).

هذه هي الصورة المجملة لنظرية الطوسي في مسالة السنة، احببنا لفت النظر الى جوانبها لما لذلك من دخل في تحديد بعض النتائج القادمة وفهم بعض المداخلات بعون الله سبحانه.

ويبقى ان الطوسي يوافق المرتضى في ان الخبر الواحد لا يخصص العموم القرآني ابدا، كما لا ينسخه((336)). وهو ما يبدو انه كان فكرة سائدة في تلك المرحلة كما نسبناها في مطاوي ما تقدم الى جماعة، وذهب اليها حتى بعض المتاخرين كالمحقق الحلي في بعض((337)) كتبه، ونسبها صاحب المعالم الى اكثر العلماء((338)).

ما هو الموقف الامامي من نظرية السنة؟ بداية تكون الدرس التاريخي:

ما أسلفناه كان اطلالة عابرة على اهم ما وصلنا من نتاجات تلك المرحلة، دون ان نلاحظ تقييمات العلماء المتاخرين، وقد كان التضارب الملحوظ ما بين كلمات علماء تلك المرحلة - سيما المرتضى والطوسي - حول الموقف الشيعي آنذاك من نظرية السنة ومسالة الخبر هو النقطة البارزة التي استدعت العلماء والباحثين فيما بعد، وادت بدورها الى ظهور تفسيرات حتى لنفس راي المرتضى والمفيد والطوسي و... ذلك ان ادعاء السيد المرتضى الاجماع على عدم عمل الامامية بخبر الواحد، وادعاءالطوسي اجماعا مقابلا على عملهم به ضمن شروط، وهما من اعلام الامامية في القرن الخامس الهجري، وليس من فاصل زمني بينهما يمكنه ان يفسر عقدة التضارب هذه، سيما وان الطوسي تلميذ المرتضى المبرز عنده وعند الامامية، ذلك كله اثارالدهشة والاستغراب، فكيف وقع هذا التضارب؟ وكيف يمكن تبريره في مسالة يفترض ان تكون واضحة لكثرة الابتلاء بها؟

ان استغراب التضارب ادى الى تفسيرات انسحبت على فهم نفس موقف الطوسي والمرتضى من حجية الخبر، بعيدا حتى عن ادعائهما الاجماع، وهو ادعاء اذا تمم تفسيره سيساعد بالتاكيد على معرفة الموقف الشيعي من نظرية السنة في تلك الحقبة الهامة من التاريخ العلمي والثقافي والحضاري الاسلامي عموما.

وفي اول عمليات قراءة تاريخية هامة للموضوع صدرت بعد تلك الحقبة ، تواجهنا نصوص لعلماء ثلاثة شكلت كلماتهم بدايات تحليل هام، وهم المحقق نجم الدين الحلي (676 هـ) صاحب كتاب شرائع الاسلام الشهير، والعلامة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (726هـ)، والشيخ حسن بن الشهيد الثاني (1011 هـ) صاحب المعالم.

أ - اما المحقق الحلي فقد ذكر في معارج الاصول بعد بيانه جواز التعبد عقلا بالخبر ومنع المرتضى من ورود التعبد، ومخالفة المعتزلة اكثرهم، وفقهاء العامة بوقوعه، ذكر ان الطوسي عمل برواية العدل الواحد اذا كان اماميا((339))، وفي نهاية استعراض ادلة حجية الخبر من الكتاب و... غير ما ذكره الطوسي من الاجماع و... مناقشا في الادلة الاولى((340)) قال: «.. لفظه - اي الطوسي - وان كان مطلقا، فعند التحقيق تبين انه لا يعمل بالخبر مطلقا، بل بهذه الاخبار التي رويت عن الائمة ودونهاالاصحاب، لا ان كل خبر يرويه امامي يجب العمل به»((341))، مما قد يعني - وسياتي ان الشيخ الانصاري يعارض ذلك - ان المحقق قد فهم من الطوسي، زيادة على كون الراوي اماميا، ورود رواياته في المصادر الشيعية، مما قد يجعل راي الطوسي موافقا لفكرة القرائن التي تفيد القطع والا لاخذ بالخبر دون هذا التقييد.
وهذا النص الاخير كان مستمسكا لمحاولات لاحقة - سيما من طرف صاحب المعالم - لتفسير كلام الطوسي بنحو من انحاء التفسير كما سياتي، مشكلا بداية الجدل حول فهم كلام الطوسي.

ب - اما العلامة الحلي فقد ذكر رايا يشكل بداية اختلاف جاد في فهم كلام الطوسي حينما قال: ان الاصوليين من الامامية «كابي جعفر الطوسي(رحمه الله) وغيره وافقوا على قبول خبر الواحد، ولم ينكره سوى المرتضى واتباعه لشبهة حصلت لهم من اعتقاد الضرورة والعمل بتلك الاخبار، وظاهر الضرورة القاضية بان الجمع العظيم اذا اشتبه عليهم امر من الامور ثم انهم عند سماع شيء يوهم انه هو الدليل يذكر شيئا آخر هو الدليل حقيقة فانه يستحيل اتفاقهم على السكوت عن ذلك الدليل ودفع ذلك الوهم الباطل»((342)).
وهذا النص يعطي تعميما في اعتراف الطوسي بخبر الواحد، على خلاف ما كان قاله المحقق الحلي، وقد كان هذا الخلاف الحلي الحلي، باعثا فيما بعد على ترجيحات - سيما عند صاحب المعالم - لمناصرة تفسير المحقق على تفسير العلامة اوالعكس، الامر الذي كان الخلاف فيه متركزا اكثر على الطوسي، فيما فتح الباب واسعا بعد ذلك لتحليل كلام المرتضى ايضا.

ج - واما الشيخ حسن صاحب المعالم، فقد كان - على ما يبدو - اول من فتح الطريق امام توظيف فكرة انفتاح باب العلم وانسداده في تحليل كلام المرتضى، حيث ذهب الى حصر كلامه في مورد الانفتاح، على ما تشهد به كلمات المرتضى من ان اكثر الاحكام عليها دليل قطعي((343)).
وقد حاول صاحب المعالم حل التعارض بين كلام العلامة في نهاية الوصول وكلام المرتضى، بان الاخير لاحظ المناخ الكلامي الذي لم يكن على قناعة بمسالة الاخبار، فيما كان نظر العلامة الى طريقة الشيخ الطوسي واهتمامه بالاخبار والروايات، لكن مع ذلك لم يقتنع الشيخ حسن بوجود تعارض بين الطوسي والمرتضى، انطلاقا من كثرة القرائن آنذاك، وهو لذلك يميل الى راي المحقق دون العلامة في تفسير موقف الطوسي، وانه القول بالحجية لا لمطلق خبر الامامي بل لما اعتضد بالقرائن((344)).

وبعد هذه المحاولات الثلاث، برز الشيخ الاعظم مرتضى الانصاري (1281 هـ) كاهم من درس هذا الموضوع، وما تزال دراسته لتلك الحقبة هي المحور الذي تدور عليه كل ابحاث المتاخرين والمعاصرين تقريبا، وهي دراسة ناصر فيها الانصاري الطوسي، واعتقد بانه - اي الطوسي - قال بحجية الخبر، وفاقا لتفسير العلامة الحلي، وسجلها في كتابه: فرائد الاصول.

واذا حللنا جهود العلماء المتاخرين وجدناها تصب في احدى خانتين:
الأولى: محاولات التوفيق بين كلام المرتضى والطوسي، بما يرفع التعارض، ويزيل الاشتباك.
الثانية: محاولات الترجيح لاحد الكلامين على الخر.

وبدورنا، سوف نبحث اولا محاولات التوفيق، ثم نتعرض لمحاولات الترجيح، وحيث غلب على محاولات الترجيح الانتصارللطوسي، سوف ندرس اولا مدعمات اجماعه وثانيا مضعفاته ان شاء الله تعالى.

* محاولات التوفيق بين المرتضى والطوسي(قدس سرهما):
وعلى أية حال، فحاصل محاولات الجمع والتفسير التي قدمت او يمكن تقديمها على الشكل التالي، بعد الاشارة الى ان بعضها يهدف لتحديد واقع تاريخي بحت أولا وبالذات، وبعضها الخر يهدف في نهاية المطاف لتقديم ادعاء الطوسي على غيره بتاويل كلام المرتضى - على صعيد الاخذ باجماعه ليشكل بنفسه دليلا على حجية خبر الواحد((345))، او تقديم ادعاء المرتضى((346)).

المحاولة الاولى: ان الاجماع الذي ادعاه المرتضى منصب على اخبار الحاد التي يرويها المخالفون للامامية من الفرق الاخرى،اما الاجماع الذي يدعيه الطوسي فمعقده اخبار الطائفة وما ترويه عن ثقاتها، فيزول التعارض، وتثبت حجية الخبر آنذاك بلحاظ الدائرة الاضيق التي ذكرها الطوسي.

وهذا الوجه هو ما يفهم بوضوح من كلام الطوسي نفسه في العدة ((347)) وقد تابعه عليه جماعة((348))، منهم الشيخ مرتضى الانصاري (1281 هـ) في فرائده، حيث ذهب الى ان مل ذلك الى ان الشيعة لم تكن قادرة على رد روايات اهل السنة بحجة فسق الراوي، فكانت تبدي نفسها لا تعتقد اساسا بحجية الخبر، مما يوفر عليها رد اخبار غيرها((349)).

ويجعل السيد محمد باقر الصدر (1400 هـ) تبعا للمحقق العراقي (1361 هـ)((350)) اجماع الطوسي نفسه قرينة داخلية على مراد المرتضى، سيما وان كلام المرتضى جاء في سياق جوابات المسائل الموصليات مما يعزز كونه في حال تقية كما تقتضيه الجوابات عادة((351)).

أ - وهذه المحاولة تحتاج الى ان تحتملها نصوص المرتضى نفسه، والا كانت جمعا تبرعيا، واذا رجعنا الى نصوص المرتضى وجدناها تابى شديدا عن ان تفسر بهذا الشكل، سيما في كتاب الذريعة، فالسيد المرتضى لم يتحدث مرة واحدة سوى ما تقدم في جوابه الثالث على وجود الاخبار في مصنفات الامامية - عن هذا الموضوع في سياق اشارة الى جدل مع اهل السنة، وانما اتى على ذكره مرات بالغة الكثرة دون ان يوحي ولو في موضع واحد الى هذه الخصوصية، بل من يطالع كتبه ونصوصه بعيدا عن اي ملابسات لا يرتابه شك في تعميم المرتضى للموضوع، فمجرد الاحتمال لا يلغي صراحته القوية في التعميم، سيما وانه يصرح بعدم حجية حتى خبر العدل ومرارا، فكيف يمكن تحميل نصه هذا المعنى بلا اي قرينة؟!

ب - واما القول باحتمال انه كان في وضع تقية بلحاظ اجوبته فهو على تقدير تماميته في حد نفسه، لا يجري في مثل كتاب الذريعة الذي لم يكن على هذه الشاكلة، بل وغيره ايضا، بل كان الذريعة كتابا مرجعا يراد به تكوين اصول شيعي لا مجرد كتاب مساجلات يهدف افحام الخصم فقط، كما قد يحتمل في بعض كتب او رسائل المرتضى الاخرى.

ج - واما ان يكون ادعاء الطوسي الاجماع بنفسه قرينة على مراد المرتضى، فيبدو انه احتمال لا ينسجم وملاحظة كتابي الذريعة والعدة معا، فان احد الكتابين - كما اشرنا سابقا - كان متنا للاخر، ففي بعض المواضع - كمبحث القياس - هناك تطابق حرفي بين الكتابين تماما، مما يعني ان احدهما ناظر للاخر، فاذا كان الطوسي قد وضع العدة قبل المرتضى كما هوالاحتمال الاضعف فان كلام المرتضى ناقض تماما لنظرية الخبر الطوسية، اذ لم يبق اي مورد مقبول، بل نسف كل تفريعات الحجية بلا فرق بينها، فاي قرينية حينئذ؟! واذا كان الطوسي قد وضع عدته بناء على ذريعة المرتضى - كماهو الارجح - فان مقارنة كلماتهما في مبحث الخبر لا تفيد القرينية ابدا، لان الطوسي اقدم على ذكر ادلة واشكالات المرتضى ليردها باجمعهاكما اسلفناه، وحتى نفس اشكال الطوسي الذي يقول: كيف تقولون بحجية الخبر والطائفة اجمعت على رد العمل بخبر الواحد، هو نفس الكلام الذي كان اثاره المرتضى في الذريعة... فيكون حصر الطوسي اجماع الطائفة باخبار المخالفين ردا في واقعه على كلام المرتضى بصيغة ان قلت قلت، فكيف يكون قرينة مع ظهوره في الاشكال عليه؟!

د - والانصاف، ان احتمال تخصيص كلام المرتضى بصورة اخبار المخالفين احتمال ضعيف جدا، لا تحتمله كلمات المرتضى، سيما وان المدخل الذي دخله المرتضى كان مسالة العلم وعدمه، ومسالة استحالة التعبد بخبر الواحد وعدمه، ليقول بعد ذلك: انه غير مستحيل لكن لم يرد التعبد به، ثم ليحذف بعد ذلك كل ادلته بما فيها اي اجماع من الطائفة، اذ انه - كمااسلفنا - ذكر تدوين الطائفة للروايات ورده، وهذا عين كلام الطوسي في وجه ما، فكيف يمكن ان يكون كل هذا البحث الكبيرفي الذريعة وغيرها مخصوصا بما لا اشارة له اصلا؟!

هـ - على ان احتمال التقية او المراعاة غير واضح في حد نفسه حتى في الجوابات، فمن يطالع رسائل الشريف المرتضى (4 أجزاء) ويتتبع جواباته لا يجد اي تحفظ عنده في كثير من جواباته ازاء موضوع المخالفين، بل في رسالته في مسالة حجية الخبر نفسها صرح باننا نكفر مخالفينا في امور قام الدليل على تكفيرهم فيها لا في مسالة فرعية كالعمل بالخبر، وهذا يعني انه ليس في اي وضع تقية او مداراة ما دام يصرح بموضوع التكفير وشبهه.

و - فهذه الفكرة لا تحتملها كلمات المرتضى، ولا تشكل كلمات الطوسي قرينة على المراد من كلمات المرتضى، علاوة على انناما نزال نستفهم استفهاما: كيف تابع جمع من اعلام الطائفة المرتضى في نظريته كابن ادريس وابن زهرة رغم ان قرينة الطوسي كانت قد كتبت في زمنهم؟ فلماذا لم تشكل افهامهم لكلمات المرتضى بنحو اطلاقي قرينة عكسية تدفع احتمال تخصيص كلام المرتضى، وقرينية كلام الطوسي عليه؟ الامر الذي لا اقل يخفف من قوة هذا التفسير لو غضضنا النظر عن ضعفه بما اسلفنا.
ولا نريد بما تقدم تخطئة الطوسي في تفسيره للاجماع، وانما نريد افراغ محاولته عن ان تكون هي المراد من كلام المرتضى،ليستقر التعارض بين كلاميهما دون ان نرجح احدهما على الخر فعلا.

المحاولة الثانية: ما اعتبره الشيخ في رسائله - احتمالا - احسن وجوه الجمع حيث قال: «ان مراد السيد من العلم الذي ادعاه في صدق الاخبار هو مجرد الاطمينان، فان المحكي عنه(قدس سره) في تعريف العلم انه ما اقتضى سكون النفس... فمرادالشيخ من تجرد هذه الاخبار عن القرائن تجردها عن القرائن الاربع التي ذكرها اولا، وهي موافقة الكتاب او السنة او الاجماع اودليل العقل، ومراد السيد من القرائن التي ادعى في عبارته المتقدمة احتفاف اكثر الاخبار بها هي الامور الموجبة للوثوق بالراوي او بالرواية بمعنى سكون النفس بهما وركونها اليهما، وحينئذ فيحمل انكار الامامية للعمل بخبر الواحد على انكارهم للعمل به تعبدا، او لمجرد حصول رجحان بصدقه على ما يقوله المخالفون... ولعل هذا الوجه احسن وجوه الجمع بين كلامي الشيخ والسيد(قدس سرهما)، خصوصا مع ملاحظة تصريح السيد(قدس سره) في كلامه بان اكثر الاخبار متواترة او محفوفة، وتصريح الشيخ(قدس سره) في كلامه المتقدم بانكار ذلك»((352)). وذهب ايضا الى هذا الجمع((353)) جماعة.

وهكذا يعود نزاع المرتضى والطوسي لفظيا، ويبدو ان ما جعله الانصاري محكيا عن المرتضى في تعريف العلم هو ما ذكره المرتضى فعلا في بدايات الذريعة في تعريف العلم بانه: «ما اقتضى سكون النفس»((354)).

لكن هذه المحاولة لا تحتملها ايضا عبارات المرتضى(قدس سره) لكي يفسر بها كلامه، ذلك انه:

أولا: اننا اشرنا من قبل الى منهج المرتضى - الذي ذكره مرارا - في استنباطه بعد اسقاط حجية الخبر، وقلنا: ان المرتضى يرى المرجع كتاب الله ثم السنة المتواترة ثم الاجماع ثم العقل، ومن الواضح ان التواتر مما يفيد القطع كما هو المقرر في المنطق واصول الفقه سيما المنطق الارسطي والمدرسة العقلية التي كان المرتضى من اقطابها، فاذا كان الخبرالمطمان بصدوره لا على نحو القطع داخلا في مدارك الاستنباط، فلماذا حذفه المرتضى حينما عدد مصادر الاجتهاد؟! سيما وانه وصف المتواتر بالمفضي الى العلم المزيل للشك والريب((355))، واما الخبر القطعي غير المتواتر فهو داخل حكما فيه، لعدم احتمال عدم اخذه فيه جزما، والاختلاف معه في الصغرى غير ضائر، بخلاف غير القطعي فان ادخاله يحتاج الى دليل.

ثانيا: ان الخبر الاطميناني الموثوق به داخل في فهم المرتضى للخبر الواحد، حيث فهمه - كما مر في ثنايا البحث السابق بانه ما لا يؤمن فيه من الكذب حتى لو كان الراوي عدلا، فاحتمال الكذب وارد، فيكون الاقدام عليه اقداما على ما لا يؤمن فساده، وهوقبيح((356)).
والخبر الاطميناني فيه احتمال الكذب، والوثوق به لا ينفي هذا الاحتمال كما هو واضح سيما في مدرسة العقل الكلامية، وهذا معناه - بحسب فهم المرتضى - دخوله في خبر الواحد ومن ثم يلحقه حكم نفي الحجية.

ثالثا: ما ذكره الشيخ المظفر(قدس سره) (1388 ه) من ان الطوسي نفسه عرف العلم في العدة((357)) بعين تعريف المرتضى له، وهو في مباحث الخبر يقر بان الخبر الواحد لا يفيد العلم، فاذا كان العلم بمعنى الوثوق فهذا معناه ان خبر الواحد عند الطوسي هو ما لا يفيد الوثوق وهو حجة، مع ان المرتضى لا يرى هذا الخبر حجة فكيف يمكن الجمع؟! وهذا يعني ان هذا التعريف للعلم تعريف شائع لا يحمل مثل هذه المدلولات((358)).

لكن المظفر يحاول الانتصار - مع ذلك - لجمع الشيخ الانصاري باستبعاد ان يكون عمل المرتضى وابن ادريس بخبر الواحد على اساس انه متواتر عندهما او قطعي الصدور((359))، وهو استبعاد يقف على النقيض من محاولة الجمع التي ذهب اليها صاحب المعالم، كما سياتي، على ان فيها تحميلا لواقعنا الحالي على تلك المرحلة، فقراءة سريعة لنتاج المرتضى وابن ادريس تدلل بجلاء على حجم حضور فكرة الاجماع عندهما حيث اخذا به في موارد بالغة الكثرة، وهو عندهما من قرائن القطع، بل مما يفيد بنفسه ذلك، الامر الذي يدلل على امكانية انفتاح باب العلم لديهما بقطع النظر عن تقييمنا لمدى موضوعية هذاالقطع ومصداقيته، وسياتي مزيد كلام حول هذا الموضوع ايضا بعون الله سبحانه.