اصلاح المناهج الدراسية في الحوزة
بين الواقع والطموح

رئيس التحرير

لا اظن عاقلا لا يرجح الافضل ويميل للمفضول.. ولا اتصور فاضلا يقنع بالذي هو ادنى ولا يرجو الذي هو خير.. هذا حتى في دائرة الاهتمامات الشخصية..فكيف بنا اذا فكرنا على صعيد القضايا الكبرى!.. ان نشدان الحالة الاكمل هو الخيار الوحيد لكل من يفكر بعقلية رسالية.. ربما يتراجع احدنا خطوة او خطوات في طريق تحقيق مستقبله الخاص.. لانه امر راجع اليه وهو مسلط عليه.. فقد يتنازل عن ذلك لسبب منطقي او غير منطقي.. ولكنه ليس مفوضا في التسامح والغض عما تمليه الرسالة من وظيفة وموقف ولم يطلق له العنان في ان يقدم او يمسك.. كلا ثم كلا..

ان رصد الحركة الفقهية وتشخيص المواقع الفعلية والمستقبلة لحملة الفقه من اهم قضايانا الاساسية التي لا يحسن السكوت عنها.. فان تركها ليس من خلق المومنين.. ولا من ذوق الشريعة ان ندع هذه الامانة الضخمة دون رعاية وتخطيط.. اترى الشارع الاقدس يرضى لنا ان نلقي الحبل على الغارب ونذر الفقه وموسساته تحت رحمة المصادفات؟!.. سيما ونحن اليوم نتحرك في عالم يتابعنا فيه طائفتان.. طائفة الاصدقاء الذين علقوا علينا آمالا طويلة واماني كثيرة..اتخذونا مثلا اعلى لهم في كل حركة او سكنة.. ينتظرون مبادراتنا لحظة لحظة.. ويتطلعون دوما الى افقنا بفارغ الصبر.. وطائفة من الشانئين الذين يتربصون بناالدوائر ويكادون يزلقوننا بابصارهم يتحينون الفرص ويتصيدون الغفلات .. ونحن في غمرة الرضى وادعون.. فرحين بما عندنا لا نلوي على شيء..

اما التيار الاستصحابي الذي يحظ ى على ما هو المعتاد برصيد من الاحترام والتوقير .. فيصر على ابقاء ما كان على ما كان خوفا من فقدان ما هو كائن.. ان هولاء يدعون ان احداث اي تغيير على الوضع التقليدي للفقه والموسسة الفقهية يهدد هذا الكيان بالزوال ويفقده البركة الموروثة والسر الذي استودعه الاوائل فيه.. لااقل من انه يعد مجازفة لا يعلم عقباها.. فليس من الصحيح تعريض هذا الموجود لتجربة غير معلومة النتائج.. وذلك النمط من التفكير ليس غريبا ممن عاشوادهرا الفوا فيه وضعا فهم به مانوسون.. واعتادوا منهجا سنه السلف الصالح فهم على آثارهم مقتدون.. تشدهم ذكريات دافئة ومفاخر رائعة سجلها من كان قبلهم..وحتى الان كل ذلك يبدو طبيعيا.. ولكن تبرز علامات الاستغراب عندما يمتزج الاعتزاز بالتراث مع ندى الحنين لما هو مالوف.. فيتولد مركب القداسة على شكل قوس قزح يحيط بكل ما يتلقى عن الماضين وان كان عاديا غير مقصود لهم بالذات بل بالعرض.. وتصطخب شارات الدهشة اكثر عندما يهمل المقدس الحقيقي فلا يثير التفات احد ويضيع بين اسماء سميناها نحن.. بل قد ينزعج بعضهم من اية محاولة للتطوير..

وفي مواجهة ذلك يقف التيار الفتي الذي يتعشق الجديد.. ويسعى وراء البديل وان لفه الغموض احيانا.. ان انصار هذا المسلك يتسابقون مع الزمن كافراس رهان..يحدوهم عنفوان العزم الاكيد.. وتشدهم نشوة الاعتداد.. تتراكم الطموحات على افنان آمالهم.. وتزدحم الطروحات في افنية اخيلتهم.. كل موروث يرونه رثا..وكل قديم يبدو في اعينهم غثا..

ولسنا فعلا بصدد التقريب بين هولاء وهولاء.. ولا نقصد الفصل فيما بينهم.. فان قضاءنا لا يكاد يجدي في انهاء خصومات من هذا النوع.. بل نترك ذلك للتاريخ ..فهو وحده الذي يستطيع ان يقول كلمة الفصل بهذا الشان فيدين من تعوزه الجدارة.. وينتصر لمن هو مستحق للصدارة..

اننا نستهدف هنا التحليل الموصل للحل الناجع بعيدا عن المزاجية.. منطلقين في ذلك من ثوابت اساسية ثلاثة - ركزت عليها المرجعية العليا -:
الاول: حفظ  الرصيد الفقهي وموسساته.. فان التفريط بذلك خيانة كبرى وخسران مبين..
الثاني: ترميم مواضع الخلل..
الثالث: الشموخ بالفقه ودفع الموسسة الفقهية الى الامام..
وعلى ضوء ذلك نشرع في اثارة تصورات اجمالية حول احدى المفردات الهامة.. الا وهي تطوير المنهجية الفقهية ابتغاء علاجها.. وان كانت المشكلة قدتعم علوما اخرى كعلم الكلام وغيره مما له تعلق بالشريعة.. الا ان ما يعنينا بالدرجة الاولى هو الفقه قبل غيره.. لذا فسنومي هنا الى مجموعة من الملاحظات سجلناها عسى ان تكون نافعة لمن يشاءان يلج هاتا الباب ويخوض مثل هذا العباب..

انه لا يخفى الاثر الكبير للمنهجية في اي علم من العلوم.. فان مسائل العلم ما لم تنتظم في سلك منهج معين لا يمكن ان ياخذ طريقه بسهولة ويسر الى الاذهان..ولا يستطيع ان يرتقي ذلك العلم الى مصاف سائر العلوم.. ولا يعترف به رسميا في المحافل العالمية.. ولا يسمح له بالنفوذ الى الدائرة الاكاديمية.. والانفتاح على المراكز العلمية.. اذ يظل يراوح في ميدانه هو معزولا عن اشقائه.. بل قد يصبح غريبا في اهله..

ان المنهجية ليست من الامور المتواطئة بل المشككة.. فقد اتخذت في العصر الراهن شكلا مختلفا تمام الاختلاف عن السابق.. فنحن عندما ننادي بضرورة وضع منهجية حديثة لا ننكر اصل وجود منهجية للفقه.. بل لم يكن ذلك غائبا عن اذهان الاساطين من علمائنا الماضين قدس الله اسرارهم.. الا ان تلك المنهجية الموروثة وان كانت قد اعطت للفقه آنذاك رونقا.. وزادته قوة الى قوته بحيث تقدم فيها على العلوم الاخرى.. لكنها لم تعد قادرة اليوم على اشباع اغراض الشريعة بحكم التغييرات الواقعية التي شملت اغلب مظاهر الحياة البشرية وفي شتى الميادين..

ان المنهجية يمكنها ان تقدم خدمة للفقه على مستويين في آن واحد.. للعالم والمتعلم فكما انها تيسر الوصول الى المعلومة باقصى سرعة ممكنة يطمئن بها الباحث من تمامية استقرائه وتجعله قادرا على معالجة موضوعات بحثه .. ومهيمنا على كيفية الورود والخروج خصوصا في المجالات المستحدثة.. فهي ايضا تسهل عملية ايصال الفكرة الى المتعلم والدارس لعلوم الشريعة.. فهي منفعة ذات وجهين..

لابد من لحاظ حيثيتين ثنتين عند تصميم المنهجية.. اولاهما: بلورة المادة الفقهية.. فانه ينبغي جدولة الكليات وفق هيكلية متكاملة وناضجة وفرز ما ينضم تحتهامن تطبيقات منثورة.. والثانية: لا بد ايضا من اعتماد اللغة العصرية التي تتعامل بها سائر العلوم.. ولا منافاة بين الوضوح والعمق كما لا ملازمة بين السهولة والسطحية.. ولا يتوهم امتناع ذلك لما تشغله المتون من مساحة واسعة في الفقه.. فلدينا جملة من العلوم تشترك مع الفقه في ذلك كالتاريخ والعلوم الادبية وقدتغلبت على المشكلة..

مما يساعد في تفعيل المنهجية سواء في طور التكوين او طور التنفيذ هو تسخير الوسائل والاليات الحديثة من جهة واعتماد العمل الموسسي من جهة اخرى.. فقلما ينجو الانجاز الفردي مما ترد عليه من اشكالات حادة.. فان عجلة العلم اليوم ترتكز في حركتها على المشاريع المشتركة وعلى مقدار ما لديها من تقنية عالية.. ولا يشذ الفقه عن هذه الحالة العامة..

وقد اثبتت بعض التجارب المعاصرة التي لمسناها عن مقربة امكانية تطبيق مثل ذلك عمليا.. غير ان هذه التجارب لا تزال في دور الفتوة.. لم تستحكم بعد ولم تتعد بعض الدوائر الضيقة.. بيد اننا في الوقت ذاته نشعر بالتفاول الكبير في قدرة الموسسة الحوزوية على توسعة هذه الظاهرة وتعميقها.. بنحو تصبح فيه اكثرتاثيرا.. وتكون فيه اشد قوة..

من المفيد جدا الوقوف على فقه المذاهب الاسلامية الاخرى كما هو المعهود في طريقة السلف من حيث المباني الاصولية العامة ومن حيث الاتجاهات الفقهية .. وعلى الاخص في المسائل المختلف فيها.. اصلية او فرعية.. بل ان ذلك قد يوثر على فهم الحيثيات التاريخية للمسالة الفقهية..

ومن جملة ما يسهم في توسعة الذهنية الفقهية هو دراسة الفقه الوضعي الحديث وما تتبناه مدارسه من نظريات ومبان.. فانه من خلال دراستنا لذلك يمكن اكتشاف ما فيه من مفارقات.. ولعلنا في غضون متابعاتنا قد نصادف نقاطا ايجابية.. او تحليلا دقيقا او فكرة علمية بتراء قابلة للتكميل.. او نكتة عقلائية يمكن تطويرها وتنضيجها والافادة منها..

ان الخطوة الاولى في هذا الطريق الشاق تبدا بطرح النموذج.. فان المحاولة سبيل الموفقية.. غير ان المحاولة لا بد وان تكون مبتنية على دراسة للموضوع من جميع شووناته.. فالارتجال في المشاريع العلمية امر غير محمود سيما في مثل الفقه.. فنح نحذر من عرض مشروع حدث يطرح قبل حين بلوغه.. ونخش من تبني روية عاجلة ولما تنضج وتتبلور بصورة واضحة.. فلتبذل من الجهود اقصاها.. ومن الدقة غايتها من اجل النهوض بهذا المشروع التاريخي بتوفيق منه سبحانه..

ولذا فانه ومنذ بضعة عقود تطلق فكرة التجديد والاصلاح المنهجي في الدراسات الحوزوية ويتردد صداها في اروقة الحوزات العلمية وتراود بال الكثيرين من علمائنا المخلصين حتى خف لها نفر من علية القوم من ذوي الهمم العالية من المراجع واساتذة الحوزة فترجموا تلك الامنية الى واقع ماثل ومشاريع علمية..فكانت مبادرات الجيل الاصلاحي الاول امثال السيد الشهيد الصدر والشيخ المظفر والشيخ محمد جواد مغنية والسيد محمد تقي الحكيم(قدس سرهم) باكورة التجديد المناهجي في الحوزة.. وهكذا سار على نفس النهج ثلة من المعاصرين..

ولقد شخصت المرجعية العليا اليوم بحنكتها ما لهذا الامر من اهمية عظيمة وما يمثله من خطورة كبيرة.. فاكدت عليه قبلا باصرار.. وعاودت اليه اليوم بتكرار..وكان الطلب وديا من جهة ومولويا من جهة اخرى.. والمترقب ان نتسامع بدوي الحوار في هذه القضية وصخب التداول فيها بين ذوي الفضل والحجى.. كمابانت لوائح ذلك في الافاق.. بل المامول ان نرى خيرا ونلمس النتائج العملية الطيبة التي تتمخض عنها تلك المباحثات الجادة والمذاكرات العلمية في القريب العاجل ان شاء الله تعالى..

ومجلة «فقه اهل البيت(ع)» بدورها قد احست بهذه الحاجة الملحة وسمعت النداء.. بل كان ذلك اهم البواعث التي دعت الى تاسيسها.. وقد سعت جاهدة الى تقديم الحلول النموذجية في دوائر مختلفة وعلى مستويات متفاوتة.. فقد ادلت بدلوها في دائرة الاستنباط والتكييف الفقهي للمسائل المستجدة.. وفي اطاراعداد وتهيئة المناهج الدراسية عرضت في باكورة صدورها في العدد الاول والثاني انموذجا جديدا للمرحلة المتوسطة من مراحل الدراسة الحوزوية..

وهي اليوم تفتح في هذا العدد ملفا خاصا بالمناهج الدراسية الحوزوية وضرورة اعادة النظر فيها واصلاحها.. وقد احتوى هذا الملف على مجموعة من الحوارات مع ثلة من العلماء واساتذة ؛الحوزة من المهتمين بهذا الشان وبعض الدراسات في هذا المجال.. ويتصدر جميع ذلك كلمة تحليلية قيمة وشاملة لسماحة آية اللهالسيد علي الخامنئي - دام ظله - في هذا المضمار..

(وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب)
.. والحمد الله اولا وآخرا ..

البنوك
دراسة في اقسامها واحكامها

آية الله السيد محسن الخرازي

القسم الاول

والكلام في ذلك يقع في مقامات:

المقام الاول: في انواع البنوك
تنقسم البنوك الى داخلية وخارجية.

فالبنوك الداخلية: هي التي تقوم بتاسيسها دولة اسلامية، وتسمى بالحكومية، او التي يقوم بتاسيسها بعض المسلمين، وتسمى بالاهلية.

ولا فرق في ذلك بين دولة اسلامية واخرى، فكلها تشترك في اطلاق الداخلية على بنوكه؛ اذ الدول الاسلامية وطن واحد.

وكذا لا فرق بين كون بعض افراد المسلمين منتميا الى هذه الدولة او تلك؛ لان المسلمين ملة واحدة. فبنوك افراد المسلمين بنوك اهلية، وبنوك الدول الاسلامية بنوك حكومية، وكلها داخلية.

والبنوك الخارجية: هي التي تؤسسها دولة كافرة حربية، او التي يؤسسها بعض الكفار ممن لا يكون من اهل الذمة ولا من اهل المعاهدة من الحربيين. وعليه، فالبنوك التي تؤسسها الدول الاستعمارية او بعض افراد الكفار في الممالك الاسلامية من دون قبول ذمة او التزام بمعاهدة تعد بنوكا خارجية وان اسست في داخل البلد الاسلامي.

نعم، لو اسس بعض الكفار من اهل الذمة بنكا في خارج الدولة الاسلامية او داخلها فلا يعد من البنوك الخارجية، بل لعله يلحق بالداخلية. فالبنوك الخارجية مختصة بالحربيين، سواء كانت في داخل الدولة الاسلامية او خارجها، وسواء كانت حكومية او اهلية.

ثم ان تعاطي الربا - اخذا وعطاء - مع البنوك محرم، سواء كانت البنوك داخلية او خارجية؛ حكومية او اهلية. واما اخذ الربا من البنوك الحربية اهلية كانت اوحكومية فلا حرمة فيه وان كان اعطاء الربا حراما.

وبالجملة، فالمستثنى هو اخذ الربا من الكفار الحربيين، فمع صدق الحربي يجوز ذلك، من غير فرق بين كون بنوكهم حكومية او اهلية. ولو شك في كونها حربية اولا، فمقتضى الاصل (عموم حرمة الربا) هو حرمة اخذ الربا كاعطائه، فلا تغفل.

ولو اشتركت مجموعة من الدول في تاسيس بنوك، فان كانت تلك الدول اسلامية فهي داخلية، وان كانت حربية فهي خارجية.

ولو اشتركت دول اسلامية مع دول حربية في التاسيس، ففي اخذ الربا من تلك البنوك اشكال؛ لاشتراك الدول الاسلامية في ذلك. اللهم الا ان يقال: انه جائزبنسبة اسهم الدول الحربية في البنك الدولي. ولو دعت الضرورة الى اخذ القرض ممن لا يعطي الا بالربا، فان امكن اعمال الحيل الربوية فاللازم مراعاتها، والافيجوز اخذ القرض بلا نية اعطاء الربا وان علم بانه يؤخذ منه ذلك قهرا. ولا فرق في ذلك بين كون الضرورة فردية او حكومية.

المقام الثاني: في ترتب الاحكام على البنوك
لا فرق بين انواع البنوك - سواء كانت داخلية او خارجية؛ حكومية او اهلية - في ترتب الاحكام عليها.

ولا يخفى ان مقتضى القواعد العامة كقوله عزوجل: (احل الله البيع)((1))، و (اوفوا بالعقود)((2)) هو جواز جميع المعاملات المحللة مع البنوك سواء كانت اهلية او حكومية، كما انها تكون جائزة مع افراد المسلمين. نعم، اذا كانت المعاملة مع الكفار الحربيين سببا لتقويتهم او لنفوذهم في الممالك الاسلامية كانت محرمة من هذه الجهة.

وكيف كان، فاذا كانت المعاملات المحللة مع البنوك صحيحة جاز التصرف فيما يؤخذ منها، كما يجوز التصرف في الماخوذ من ذوي الايادي من ارباب التجارات والصناعات وغيرها. ولا فرق في ذلك بين البنوك عدا ما تقدم من جواز اخذ الربا من البنوك الحربية دون غيرها.

نعم، الشبهة قائمة في البنوك الحكومية من حيث كونها غير مالكة حتى تصح المعاملات المحللة معها، وعليه، فتعامل البنوك معاملة مجهول المالك بعد اختلاط الاموال فيها وعدم تشخيص اعيان اموال الناس المودعة فيها.

وهذه الشبهة ناشئة عن الشبهة في مالكية الجهات العامة او الخاصة من الشخصيات الاعتبارية، والشبهات المطروحة في مالكية الجهات تنشا من عدة امور:

منها: ان من شرائط المالك العقل والبلوغ، والجهات المذكورة فاقدة لهما.

ويمكن الجواب عنه: بان العقل والبلوغ من شرائط العاقد لا المالك؛ ولذا يملك المجنون والصبي ويجوز لوليهما ان يعقد لهما، كما لا يخفى.

ويشهد لذلك ايضا: معهودية مالكية الاعيان الخارجية كالكعبة بالنسبة لثوبها ونحوه، والمعابد والمساجد بالنسبة لاموالها، ومالكية العناوين العامة كعنوان الفقراء وسائر الجهات المذكورة للمصرف في الزكاة، ومالكية عنوان المسلمين بالنسبة للاراضي المفتوحة عنوة، ومالكية منصب الامامة للانفال ونحوها مع ان الاعيان او العناوين او المناصب العامة لا تتصف بالبلوغ والعقل.

ومنها: ان الجهات مطلقا قاصرة عن التصرف فيما ملكته، مع ان المالك هو الذي يتسلط على ماله بالتصرف فيه، كما يشير اليه قوله(ص): «الناس مسلطون على اموالهم»((3)).

ويمكن الجواب عنه: بان القصور عن التصرف المباشر لا يمنع من المالكية؛ اذ يكفيه امكان التصرف في اموالها ولو بواسطة وليها او المتصدي لها، كما ان قصورالاطفال والمجانين لا يمنع من تملكهم للاشياء بل يتصرف اولياؤهم فيها اذا كان التصرف في مصلحتهم، ففي الجهات يتصرف الحاكم الاسلامي او المتولي فيها.

وقوله - صلوات الله عليه وآله - لا يدل على حصر المالكية في الناس؛ اذ اثبات الشيء لا يدل على نفي ما عداه، بل يكون في مقام تشريع السلطنة وتعميمها للناس المالكين، فتدبر جيدا.

ومنها: ان ملكية الجهات والشخصيات الاعتبارية من المستحدثات ولا سابقة لها في زمان الشارع، وعليه، فاعتبار المالكية لها في زماننا هذا لا يفيد مع عدم امضاء الشارع لها، كما لا يخفى. فاللازم حينئذ التفصيل في البنوك بين الحكومية والاهلية التي تكون مالكيتها للافراد.

ويمكن الجواب عنه: باننا نمنع كون ملكية الجهات والشخصيات الاعتبارية من المستحدثات؛ لان مالكية بعض الاعيان والعناوين العامة والجهات العامة والخاصة معهودة كما ذكرنا، الا ترى ان المعابد والكنائس والمساجد والمزارات قبل الاسلام وبعده تعد عند الناس مالكة لاموالها؟! وقد كان ذلك في مراى ومسمع من الشارع، وهو لم يردع عنه؛ مما يدل على امضائه لذلك. وحيث ان هذه المذكورات لا خصوصية لها عندهم، بل يعتبرون المالكية لها من باب كونها من الجهات والشخصيات الاعتبارية، فعدم ردع الشارع فيها يرجع بالتبع الى عدم الردع بالنسبة الى مرتكز العرف؛ وهو مالكية الجهات والشخصيات الاعتبارية.

لا يقال: نعم، ولكن هذه الامور كلها اجنبية عن مالكية الدولة والكلام فيها.

لانا نقول: نحن نمنع الاختصاص بالامور المذكورة، ويشهد لذلك العقود والمعاملات المتبادلة بين الدول على طول الزمان، فانها كانت واقعة بينها لا بين الافراد، ولذا كانوا يعتبرونها صحيحة ولو مع موت الوالي او سقوطه، وهذا شاهد على ان العقود والمعاملات واقعة لجهة الحكومة لا لشخص الحاكم والوالي، ولو تتبعناهذا الامر تاريخيا لوجدنا انه كان قائما ومستمرا الى عصر الشارع وانه قد امضاه ولم يردع عنه، بل اتبع الشارع نفسه في ادارة الحكومة الطريقة التي اتبعتها سائرالحكومات مع اصلاح بعض الشرائط او المباني، والنصوص في ذلك كثيرة جدا، واليك بعضها:

منها- موثقة عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله(ع) قال: «قضى امير المؤمنين(ع) في رجل وجد مقتولا لا يدرى من قتله، قال: ان كان عرف له اولياء يطلبون ديته اعطوا ديته من بيت مال المسلمين، ولا يبطل دم امرى مسلم؛ لان ميراثه للامام، فكذلك تكون ديته على الامام، ويصلون عليه ويدفنونه».

قال: «وقضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات: ان ديته من بيت مال المسلمين»((4)).

والمستفاد منها هو مالكية الامام بما هو امام، واشتغال عهدته بالدية، وتفرغ تلك العهدة بادائها من بيت المال.

ومنها- خبر مسعدة بن زياد عن جعفر(ع) قال: «... فاما اذا قتل في عسكر او سوق مدينة فديته تدفع الى اوليائه من بيت المال»((5)).

ومنها- موثقة ابي عبيدة قال: سالت ابا جعفر(ع) عن اعمى فقا عين صحيح؟ فقال: «ان عمد الاعمى مثل الخط؛ هذا فيه الدية في ماله، فان لم يكن له مال فالدية على الامام، ولا يبطل حق امرى مسلم»((6)).

ومنها- خبر ابي مريم عن ابي جعفر(ع) قال: «قضى امير المؤمنين(ع): ان ما اخطات به القضاة في دم او قطع فعلى بيت مال المسلمين»((7)).

وهو يدل على ان عهدة بيت المال مشغولة بالدية. وحيث ان الراوي عنه هو يونس بن يعقوب وهو من اصحاب الاجماع فالرواية معتبرة عندنا.

وامثال هذه الروايات كثيرة جدا((8)).

والنصوص المذكورة تدل على ان بيت المال او عنوان الامامة ضامن لدية الافراد المذكورين، وعهدة الضمان على الشخصيات الاعتبارية تشهد على اعتبار هذه الشخصيات عند الشارع كاعتبار الشخصيات الحقيقية، وهذا امر عقلائي امضاه الشارع، كما هو واضح.

ان قلت: انا نسلم ملكية الدولة بالنسبة للانفال والمساجد فيما يتعلق بالموقوفات، وعنوان الفقراء بالنسبة للزكاة، وغيرها من الجهات والعناوين، ولكن لا نسلم وجود اطلاقات تدل على ثبوت غير الملكية من الحقوق للجهات المذكورة كثبوتها للشخصيات الحقيقية.

وعليه، فلا كلام في كل ما ورد فيه النص من الموارد الخاصة، كصحة الوقف للمساجد وصحة مالكية الدولة وبيت المال او الامام، واما في غيره مما لم يرد فيه نص واطلاق كهبة شيء او استقراض او اقراض للدولة او المساجد او عنوان الفقراء فلا دليل على صحة هذه الامور ونحوها.

قلت: لا خصوصية لبحث الملكية عند العرف؛ اذ هذا الامضاء يدل على اعتبار الشخصية الاعتبارية للدولة او المسجد او عنوان الفقراء ونحوها، ومع عدم خصوصية الملكية فلا وجه للاقتصار عليه؛ اذ لا فرق بينها وبين سائر الامور من الهبة والصلح والاستقراض والاقراض والبيع والشراء والمعاهدات وغير ذلك،فلا حاجة الى اطلاق دليل يدل باطلاقه على ذلك بعد عدم خصوصية الملكية.

هذا، مضافا الى ان هذه الامور هي شان الدول على طول التاريخ؛ اذ كل دولة ولو كانت صغيرة تحتاج الى الاقتراض والاقراض والهبة والاتهاب والمعاملات والمعاهدات، وغير ذلك من الامور التي تقتضيها الروابط الداخلية والخارجية، ومع ذلك لم يردع عنها الشارع، بل امضى ما بنى عليه العقلاء من الحكومة والولاية.

ومضافا الى ما قيل: من ان الارتكاز العقلائي يحكم بعدم الانفكاك بين الاحكام او الحقوق التي تكون له او عليه، فكل شيء يقبل الملكية يقبل الاقتراض وغيره،فالتفكيك بين حق وآخر لا يقبله الارتكاز. فاذا صح قبول الدولة او بيت المال او عنوان الامام للملكية، فسائر الامور من الاقتراض والاقراض والهبة والاتهاب تكون صحيحة من الجهات المذكورة؛ بالارتكاز العقلائي على عدم الانفكاك بين الحقوق او الاحكام.

ان قلت: ان ما ذكر يتم بالنسبة للجهات والشخصيات الموجودة في عصر الشارع، واما غيرها من الجهات والشخصيات المستحدثة كالبنوك والمؤسسات الخيرية ونحوها فلا دليل على اعتبار الملكية او سائر الحقوق لها من الشرع.

قلت:
أولا- انه لا خصوصية للجهات الموجودة في عصر الشارع، وقد تقدم ان امضاء الشارع للشخصيات الاعتبارية يرجع الى امضاء المرتكز عند العرف من اعتبار الملكية وسائر الحقوق للشخصيات الاعتبارية ايا ما كانت.

وثانيا- ان القضايا الدالة على نفوذ المعاملات من البيع والصلح والقرض والهبة وغيرها ظاهرة في القضايا الحقيقية، وحملها على القضايا الخارجية خلاف الظاهر ويحتاج الى قرينة. وعليه، فشمول تلك الادلة تابع لصدق عناوين المعاملات، ومع صدقها على المعاملات البنكية او المؤسسات فمقتضى الادلة المذكورة هو صحتها ونفوذه؛ اخذا باطلاق ادلة النفوذ والصحة.

فمثلا: اذا ابرم بيع او شراء او اقتراض او اقراض او هبة او مصالحة او غير ذلك مع بعض المؤسسات، فان عناوين تلك المعاملات تصدق حقيقة، وحيث ان موضوعات تلك الادلة ماخوذة بنحو القضية الحقيقية فالادلة المذكورة تشملها، فمقتضى اطلاق (احل الله البيع)((9)) او عموم (اوفوا بالعقود)((10)) و«المؤمنون عند شروطهم»((11)) هو الصحة والنفوذ وان لم يكن لتلك المؤسسات والبنوك سابقة.

وبالجملة، يكفي في المقام الاطلاق اللفظي لادلة المعاملات والمعاهدات بعد صدق موضوعاتها، ولا حاجة في لحكم بصحة سائر المعاملات بعد صدق موضوع ادلة سائر المعاملات الى دعوى عدم التفكيك بين الحقوق من ناحية الارتكاز العقلائي.

وايضا لا وقع لما قيل: من انه يحتمل ان الشارع يخالف العرف في هذه الامور ولم ير البيع ونحوه من هذه المؤسسات بيعا ومعاملة حقيقة. ومع هذا الاحتمال لامجال للاخذ بالاطلاق؛ فان الشك حينئذ ليس في التخصيص او التقييد، بل الشك في تحقق الموضوع في هذه الادلة؛ اذ المقصود من البيع في قوله تعالى: (احل الله البيع) هو البيع الشرعي، وهو غير معلوم الصدق في امثال المقام((12))؛ وذلك لان الموضوع في مثل (احل الله البيع) وغيره عرفي وليس بشرعي؛ ولذا لوشك في اعتبار شيء عند الشارع يتمسك بالاطلاق، والا فلا مجال للاخذ بالاطلاق مطلقا عند الشك في اعتبار شيء شرعا، كما لا يخفى. وعليه، فاحتمال تخطئة العرف فيما يراه لا يضر؛ فانه محكوم بالعدم بالاطلاق المقامي؛ اذ لو كان كذلك لبان وشاع، وحيث لم يرد شيء دل على ان المراد من الموضوعات في ادلة المعاملات هي الموضوعات العرفية، فلا وجه لرفع اليد عما يراه العرف موضوعا. فاذا عرفت ان الموضوع في مثل (احل الله البيع) عرفي فهو يشمل كل ما تحقق وصدق عليه العنوان.

ودعوى: ان الاطلاق المقامي متصور بالنسبة للعرف المعاصر لزمان المعصوم لا سائر الاعصار؛ فشمول العنوان لسائر الاعصار يحتاج الى توسعة الارتكاز، وهو باطل.

مندفعة: بان الاطلاق المقامي يفيد ان الموضوع ليس بشرعي، بل هو ما يراه العرف صادقا، وحيث ان الموضوع العرفي في المقام كسائر المقامات ماخوذ بنحوالقضية الحقيقية لا الخارجية، فهو بنفسه يشمل ما يصدق عليه عنوان الموضوع في كل عصر وزمان عرفا من دون حاجة الى احراز توسعة الارتكاز . وعليه، فالاطلاق المقامي يدل على ان الموضوع هو الموضوع العرفي، والموضوع العرفي باطلاقه اللفظي شامل لما يصدق عليه العنوان في كل زمان ومكان، فتدبر جيدا.

لا يقال: ان المستفاد من قوله تعالى: (الا ان تكون تجارة عن تراض)((13)) هو لزوم التراضي في صحة المعاملة، وهو غير ممكن في الجهات.

لانا نقول:
أ
ولا: يكفي الرضا من قبل المتصدي للجهات في صدق التجارة عن تراض.
وثانيا: ان قصور دلالة هذه الاية لا يمنع عن شمول غيرها، ك (اوفوا بالعقود) و (احل الله البيع).

وبالجملة، فقد انقدح مما ذكرناه ان الجهات العامة كالحكومة والدولة كانت قائمة ومستمرة في ادوار التاريخ، وكان بناء العقلاء على التعامل معها باعتبارهاالمالكة للاشياء التي كانت تحت سلطة الحكومة ، كدار العمارة وبيت المال وغيرهما، ولم يردع عنه الشارع، فهو كاف في مقام الاثبات، والبنك من شؤون الدولة والحكومة، ومالكيته هي مالكية الدولة.

هذا، مضافا الى ثبوت سيرتهم ايضا على اعتبار الملكية في العناوين الانتزاعية التي ليس لها مصاديق موجودة في الخارج، ككلي الفقراء والطلاب، وعنوان المسلمين في الاراضي المفتوحة عنوة.

ومضافا الى امكان الاستدلال بالاطلاقات لنفوذ المعاملات مع الجهات العامة والخصوصية، فلا ينبغي الاشكال في المالكية ونحوها بالنسبة للجهات العامة والعناوين الانتزاعية الكلية.

هذا، مضافا الى ان القول بعدم المالكية ومجهولية الاموال في مثل البنوك يوجب الحرج، وهو منفي في الاسلام. وكيف كان، فلا اشكال في المسالة بحمد الله.

نعم، هناك اشكال في معاملات الدولة من جهة عدم القيمومة الشرعية فيما لو كان متصدوها غير واجدين للشرائط؛ لان تصرفاتهم فيها تكون فضولية، وهي محتاجة الى اجازة الواجد للشرائط بحسب القاعدة، الا ما دلت عليه الروايات تسهيلا، كجواز اخذ الصدقات والمقاسمات والجوائز من السلطان الجائر.

وكيف كان، فهذا الاشكال غير وارد في مثل زماننا هذا بالنسبة للجمهورية الاسلامية في ايران؛ لان الامر بيد المجتهد الجامع للشرائط، فلا يحتاج الى تصحيح غيره؛ بناء على عموم الولاية والنيابة للفقيه الجامع للشرائط في زمان الغيبة.

المقام الثالث: في احكام المعاملات البنكية
تنقسم معاملات البنوك الى انواع:

الاول: الحساب الجاري
وهو ايداع مال لدى البنك ليتيسر لصاحب المال حفظه وصرفه كيفما شاء وذلك عن طريق سحب الشيكات. والتعبير بالايداع مسامحة، والواقع انه قرض،ويكشف عنه تمليكه بضمان مثله.

ولا اشكال في جوازه ومشروعيته؛ لان عنوان البنك الحكومي هو من قبيل العناوين الاعتبارية كما تقدم، فله شخصية اعتبارية، فيصح ان يتملك ويملك ويقرض ويقترض، وغير ذلك من انواع المعاملات.

وعليه، فالبنك في الفرض المذكور نظير التاجر الثقة الذي يودعه بع الناس المال ويقول له: تصرف فيه كيف شئت وادفع الي مثله اذا احتجت اليه، فكما ان التاجريتملك المال بالضمان فكذلك البنك يتملك بالضمان، ومن المعلوم ان التملك بضمان المثل في الذمة ليس هو الا القرض، فيؤول ايداع المال عند البنك الى القرض.

واذا لم يكن القرض المذكور مع شرط شيء من الربح فلا شك في صحته وجوازه، ولا اشكال في تصرف البنك فيه بضروب المعاملات؛ لان المال بعد صيرورته مضمونا بمثله يكون ملكا للبنك، وتكون عوائده له لا للمودع.

وحينئذ، فلو اعطى البنك شيئا للمودع ترغيبا في الايداع من دون شرط من ناحية المودع فلا اشكال فيه، بخلاف ما اذا كان الايداع مبنيا على الزام البنك بذلك،فانه يكون رب؛ لان الايداع كما ذكرنا يرجع في الحقيقة الى القرض.

نعم، لو كان بناء البنك على اعطاء شيء ولم يشترط المودع ذلك ولم يكن هناك اتفاق بينه وبين البنك حتى مع افتراض ان داعي المقرض هو ذلك فلا اشكال؛ لان الداعي ليس بمشروط، كما لا يخفى.

ثم ان البنك ربما يثق بالمودع وصاحب الحساب الجاري على نحو يسمح له بان يسحب عليه مبالغ ازيد مما اودعه في البنك، فان كان سحبه بمقدار وديعته فلااشكال فيه؛ لانه اخذ ما ملكه في ذمة البنك، واما سحب الزائد عليه؛ فان لم يكن بينه وبين البنك شرط زيادة فلا اشكال فيه ايض؛ لان المودع في الحقيقة استقرض من البنك من دون شرط ربح فيه.

نعم، لو كان بشرط الربح او مبنيا عليه فهو ربا محض.

فروع:
الاول: لا يجوز لصاحب الحساب الفاقدة ذمته للاعتبار ان يسحب الشيكات نقدا الا اذا كان له في الحساب الجاري بمقدار ما سحبه، والا فالزائد عليه لا يصلح لان يتعامل به؛ اذ لا واقعية له مع فرض عدم اعتبار ذمته، والمعاملة حينئذ ترجع الى اكل المال بالباطل، فلا يمكن له ان يتملك ما اشتراه به، ولا يجوز التصرف فيه؛ لبطلان المعاملة بالنسبة لمقابل الزائد.
نعم، لو كانت ذمته معتبرة فاشترى شيئا بذمته فلا مانع منه؛ لان ذمته لها واقعية، فلا تكون المعاملة من دون عوض. ولا فرق في ذلك بين ان تكون المعاملة على وجه النقد او على وجه النسيئة، والشيكات حينئذ تكون اسنادا لما في ذمته لا لما في الحساب الجاري؛ حتى لا تكون حاكية عن شيء بالنسبة للزائد.

الثاني: ربما يسمح البنك لبعض ذوي الاعتبار ان يسحبوا مبالغ ازيد مما لهم في حسابهم، وحينئذ، ان اشتروا شيئا بالشيكات قبل ان يدفع البنك مبالغها اليهم لم تقع المعاملة؛ اذ المفروض انه لم يكن شيء له في الحساب الجاري ولم ياخذ من البنك ما سحبه حتى يشتري به، وكذلك لم تكن ذمة البنك مشغولة به حتى يجعل ذمة البنك في مقابل المثمن.
نعم، لو كان معتبر الذمة عند البائع ايضا بقرينة من القرائن واشترى في الذمة، فالمعاملة صحيحة من جهة صحة مقابلة ذمته مع المثمن، كما لا يخفى.

الثالث: هل يجوز للبنك الترخيص لصاحب الحساب الجاري في الشراء بذمة البنك، او لا يجوز؟
فيه وجهان، الوجه الثاني: ان حقيقة البيع هو ان يخرج الثمن من كيس من يدخل المثمن في كيسه، وحيث ان المفروض عند الترخيص المذكور خلافه فلا يصح.
والوجه الاول: ان المعيار هو صدق البيع، وهو حاصل وان خرج الثمن من كيس من لم يدخل المثمن في كيسه؛ اذ بعد الصدق تشمله العمومات الدالة على نفوذ البيع والعقود؛ ولولا الاجماع لم يبعد الوجه الاخير.

الرابع: لا يجوز للبنك التاخير في دفع مبالغ الشيكات مع وصول مبالغه؛ لان كل ما لديه من اصحاب الحسابات الجارية يعد قرضا، وحيث انه لا اجل في القرض المذكور لزم عليه الدفع عند مطالبة المقرضين.
نعم، لو تخلف عصى، ولكن لا يستحق اصحاب الشيكات على البنك شيئا بعنوان الربح؛ لان الربح على القرض ربا محرم، وجعل الغرامة على التاخير محل اشكال؛ لصدق شرط النفع عليه ولو لم يرجع الى الاذن في التاخير.
واما ارباح المعاملات الواقعة على الاموال فهي ارباح لاموال البنك بعد صيرورة اعيان الاموال ملكا للبنك بضمان المثل في القرض.
نعم، لو كانت اعيان الاموال وديعة بمعناها الاصطلاحي من دون اذن في تصرف البنك فيها، فكل معاملة وقعت عليها تكون فضولية، فيمكن حينئذ لاصحابها ان يجيزوا تلك المعاملات، وتختص الارباح بهم، كما لا يخفى.

الخامس: اذا فقدت الشيكات اعتبارها بسبب مضي زمان طويل ونحوه، فان كانت تلك الشيكات حوالة فلا يجب على صاحب الحساب الجاري دفع مبالغها، والافان كان المبلغ المذكور فيها من باب الدين وجب على صاحب الحساب الجاري او ورثته او المحال عليه وفاء الدين المذكور؛ لان الدين باق ولا يزول بزوال السند، وان لم يكن دينا بل كان هبة او نحوها من التبرعات، فلا يستحق من بيده الشيكات شيئا، فيجوز لصاحب الحساب او ورثته الامتناع عن تعويضها او ابدالها بشيكات اخرى معتبرة، او الامتناع عن دفع مبالغه؛ اذ غايته هو الوعد بدفع المبالغ المذكورة فيها، ولا ملزم بالوفاء بالوعد وان اشترى من بيده الشيك به شيئ؛ لان المبلغ قبل القبض لم ينتقل اليه حتى يكون شراؤه صحيحا.
نعم، لو اباح صاحب الحساب ذمة البنك لاخذ الشيك بان يشتري بها شيئا، فعند الشراء تصير ذمة البنك ملكا لاخذ الشيك، ويقع الشراء في ملكه، فمع التصرف في الذمة لا مجال لرجوع صاحب الحساب الى ذمة البنك؛ لان المفروض انها منتقلة الى غيره، فتدبر.

السادس: لو فقدت الشيكات، فان كانت اسنادا للديون وجب على صاحب الحساب تجديدها، او دفع المبالغ المذكورة فيها بعنوان الديون؛ فان اداء مبالغ الشيكات انما هو اداء للاسناد وليس اداء للديون، فمع الفقدان تبقى الديون على حالها ويجب على المدين اداء دينه. وان قلنا بان اداء الاسناد حوالة وتبرا ذمة المحيل بالحوالة، وجب عليه ايضا تجديد الاسناد؛ لان المحتال لا يتمكن من اخذ الحوالة الا به.
نعم، لو لم تكن اسنادا للديون بل كانت بعنوان الهبة او الصدقات وغير ذلك من التبرعات، فلا يجب تجديده؛ لما تقدم من انه في حكم الوعد، ولا ملزم بالوفاء بالوعد الا اذا اباح التصرف في ذمة البنك المشغولة لصاحب الحساب والتي تصرف فيها المباح له بالشراء ونحوه، كما عرفت.

السابع: لو سرق الشيك المحرر لامر حامله، فدفع البنك مبلغه للمتقدم به، فلا ضمان على البنك؛ لاشتراطه على صاحب الحساب او الذي بيده الشيك بان البنك يحق له دفع مبلغه للذي يتقدم به فيما لو كان محررا لامر حامله، وحيث ان الاشتراط المذكور في ضمن الايداع الذي يؤول الى القرض يعتبر شرطا في ضمن عقد لازم، فيكون لازما، وعليه، فلا ضمان على البنك وان دفع مبلغه لمن اتى به.
واما صاحب الحساب فهو بريء الذمة بنفس الحوالة بناء على اعتبار الشيكات حوالة، كما هو الظاهر.
نعم، لو كان اعطاء الشيك للدائن توكيلا له لاخذ ما للمدين من البنك، لم تبرا ذمة صاحب الحساب بمجرد اعطاء الشيك، فمع عدم تفريط الدائن فله اخذ حقه من صاحب الحساب بعد امتناع البنك عن دفع المبلغ له بسبب شرطه. وكذا ان قلنا بان السحب من البنك هو اقتراض جديد من البنك ينشا بسببه دينان متقابلان فيتهاتران؛ فان اعطاء الشيك حينئذ لا يوجب براءة ذمة صاحبه؛ اذ ليس هو حوالة، بل هو اقتراض جديد، وما لم يقبض مبلغ الشك لم يصح القرض، كما لايخفى. ولكن الذي يسهل الخطب ان الظاهر ان اعطاء الشيك هو من باب الحوالة، فتترتب عليها احكامها، فتدبر جيدا.

الثامن: لا يجوز سحب الشيكات في الموارد التي منع منها البنك، كاصدار الشيك موقعا من دون ذكر مبلغ، او من دون ذكر تاريخ، او بعنوان سند الديون كالكمبيالات، وغير ذلك من الموارد الممنوعة، وكل ذلك بناء على ان المنع المذكور مشروط في ضمن الايداع الذي مرجعه الى القرض والاقتراض، او في ضمن جعل الاجرة على الخدمات. ثم مع التخلف يستحق المؤاخذة، بل عليه الغرامة ان اشترطت في ضمن العقد، ولا اشكال فيه؛ لانه شرط للمقترض لا للمقرض.

التاسع: لا يعتبر الايداع في البنك بعنوان الحساب الجاري مع العلم بحرمة جملة من المعاملات الجارية فيه اعانة على الاثم ما دمنا لا نعلم بان ما نودعه يصرف في الحرام، واما مع العلم بذلك فقد يقال انه اعانة على الاثم ومحرم.

وفيه: انه مبني على عدم اعتبار قصد التوصل الى الحرام في حقيقة الاعانة، وهو محل كلام ومنع؛ فان اعانة شخص على شيء عبارة عن مساعدته عليه وكونه ظهيرا للفاعل، وهو انما يصدق فيما اذا ساعده في توصله الى ذلك الشيء، وهو متوقف على قصده لذلك، والا فلا تصدق الاعانة، الا ترى ان من يريد بناء مسجد او مدرسة يصدق على كل من اوجد مقدمة من مقدماته لاجل التوصل الى القصد المذكور انه يعينه ويساعده على البناء؟! بخلاف من يبيعه الاشياء والمواد اللازمة من الجص وغيره بغرض التجارة؛ اذ لا يصدق على البيع المذكور انه اعانة؛ لان البائعين لا يقصدون من البيع الا المبادلة.

نعم، لو كان تمكين الغير بالتمليك وغيره لا فائدة له الا الحرام عرفا، لا يبعد صدق الاعانة على التمكين المذكور؛ ولذا تصدق «الاعانة على الاثم» على اعطاء العصا لمن يطلبها لضرب مظلوم؛ فان تملكها للانتفاع بها في هذا الزمان تنحصر فائدته في الحرام عرفا، وكذا تصدق على تمليك العصير النجس لمن يستحله حال النجاسة؛ فان فائدته منحصرة في الانتفاع به في هذه الحالة، وغير ذلك من الموارد. ولكن تمليك مثل العنب ممن يعلم انه يستعمله في الحرام ليس كذلك؛ لعدم انحصار فائدته في الحرام، فلا يحرم التعامل به مع من يعلم انه يستعمله في الحرام من دون قصد التوصل اليه.

نعم، لو كان التمليك او التمكين موجبا لسلطة الكفار او تقويتهم فهو محرم؛ لا من باب حرمة الاعانة بل للنهي عن تقوية الكفار او التولي لهم.

وكذا لو كان امتناع البائع عن البيع علة تامة لعدم وقوع الحرام كما اذا انحصر العنب عنده فالاقوى هو وجوب الترك؛ لا من باب حرمة الاعانة بل من باب وجوب الردع عن المعصية عقلا ونقلا، كما ذهب اليه شيخنا الانصاري(قدس سره)((14)).

ثم على فرض صدق الاعانة على الايداع في الحساب الجاري مع العلم بانه يصرف في الحرام وكون ذلك موجبا للحرمة التكليفية، فلا يوجب ذلك حرمة الماخوذ من البنك بدلا عما اودعه فيه؛ لعدم الحكم بكونه من الاموال المحرمة، والاصل يقتضي حلية الماخوذ، كما لا يخفى.

العاشر: لو لم يتمكن صاحب الحساب الجاري من اداء المبلغ المحرر في الشيك، فالواجب هو الامهال كسائر موارد الديون، كما قال عزوجل: (وان كان ذوعسرة فنظرة الى ميسرة واءن تصدقوا خير لكم ان كنتم تعلمون)((15))، قال في زبدة البيان: «اي ان وقع وثبت غريم ذو عسرة، فـ«كان» تامة. وحاصله: ان كان غريم من غرمائكم: اي الذي عليه حق ومال، ذا عسرة: اي فقر وعديم المال. والجملة شرطية، والجزاء (فنظرة الى ميسرة) اي: فالواجب او فعليكم او فلتكن نظرة. والنظرة: التاخير، وهو اسم قائم مقام المصدر؛ اي الانظار، ومثله كثير. والميسرة والميسور: بمعنى اليسار والغنى والسعة. كذا في مجمع البيان»((16)).

ولا يجوز حبس المعسر؛ لان المفروض انه غير متمكن من الاداء ولم يكن من الخائنين، فالواجب في حقه هو الامهال، والتصدق مستحب.

نعم، لو كان له نية سوء كما اذا كانت ذمته فاقدة للاعتبار ولم يكن له رصيد في الحساب الجاري ومع ذلك تعدى واصدر شيكا بلا رصيد واشترى به شيئا فلااشكال في حرمة ذلك؛ لانه تصرف عدواني في اموال الناس، ويؤول الى اكل المال بالباطل؛ لان ما اشتراه به لا مقابل له وشراءه بلا ثمن، وهو حرام وباطل، فلاينتقل اليه شيء، ويجب عليه رد اعيان اموال الناس ان كانت محفوظة، وغرامتها ان لم تكن محفوظة، ويستحق بذلك المؤاخذة والتعزير، بل الحاكم الشرعي ياخذه باشق الاحوال بحسب ما يراه من المصلحة العامة؛ لانه مخل بالنظام، وعلى الامام ان يحفظ النظام الاسلامي في البلاد بين الرعية، فكل من يخل بالنظام بالتعدي والفساد والمزاحمة فعلى الحاكم تاديبه وتعزيره، كما عليه سيرة النبي(ص) والامام علي بن ابي طالب(ع) بحسب ما ورد عنهم في زمان حكومتهم.

هذا، مضافا الى دلالة موثقة سماعة عن ابي عبد الله(ع) قال: «ان لكل شيء حدا، ومن تعدى ذلك الحد كان له حد»((17)).

نعم، الاحوط الاقتصار في الحبس على مقدار لا يصل التضييق الحاصل منه الى التضييق الوارد عليه بالحد الشرعي؛ لان الحبس في المورد المذكور من باب التعزير.

ثم انه يجوز للحاكم ان يحبس المتهم حتى يتضح الحال؛ حفظا للنظام، ويؤيده ما روي عن رسول الله(ص) انه حبس رجلا اتهم بسرقة بعير، ولما ظهر فيما بعدانه لم يسرقه اخلى الرسول(ص) سبيله((18)).

وما روي عن ابي جعفر(ع) ان عليا(ع) قال: «انما الحبس حتى يتبين للامام، فما حبس بعد ذلك فهو جور»((19)).

وما رواه السكوني بسند موثق عن ابي عبد الله(ع) انه قال: «ان النبي(ص) كان يحبس في تهمة الدم ستة ايام، فان جاء اولياء المقتول بثبت((20)) والا خلى سبيله»((21)).

ومورد بعض الروايات وان كان تهمة الدم، ولكن يمكن ان يقال انه من باب دخالته في حفظ النظام؛ اذ يلزم من القول بعدم جواز حبس المتهم اضاعة الحقوق والاموال واختلال النظام؛ وعليه، فلا وجه لتخصيص جواز حبس المتهم بمورد الرواية، بل يستفاد منه جواز ذلك في كل مورد يختل النظام بعدم جوازه.

نعم، حيث كان جواز الحبس في مورد الاتهام خلاف الاصل فاللازم الاقتصار فيه على مورد تكون الملازمة بين عدم جوازه واختلال النظام امرا بينا، كما لايخفى.

وهل يجوز اشتراط الحبس عند التخلف بين البنك وصاحب الحساب في ضمن معاملة من المعاملات، او لا يجوز؟

يمكن ان يقال بالثاني؛ لانه شرط امر غير مشروع؛ اذ لا تسلب الحرية من الحر. اللهم الا ان يقال: ليس الشرط سلبا للحرية حتى يكون خلاف الشرع، بل الشرط هو الا يستفيد الحر من حريته باختياره في مدة الاشتراط، وكم من فرق بينهما! ولكن مع ذلك يشكل؛ لان الحبس قد يفضي الى هتكه في بعض الاحيان، ولااختيار للانسان في هتك نفسه بالشرط او بغيره.

واما جعل غرامة نقدية في مقابل التخلف من قبل الحكومة الشرعية بعنوان التعزير، فلا مانع منه فيما اذا رآه الحاكم الشرعي حفظا للنظام. واما جعلها من قبل غير الحاكم الشرعي - كالبنوك الاهلية - فلا ملزم له الا اذا كان في ضمن عقد لازم.

نعم، لو جعل الحاكم الشرعي غرامة نقدية للمتخلف - حتى التخلف في البنوك الاهلية - فالحكم فيه حكم البنوك الحكومية، كما لا يخفى.

واما كيفية اخذ الغرامة فتكون باختيارهما، فلو اشترط البنك على صاحب الحساب الجاري ان يستقطعها بنفسه من حسابه او سائر ما عنده بامانة او غيرها، وقبله صاحب الحساب، جاز للبنك اخذ ما استحقه على ما اشترط من دون حاجة الى الترافع، او التراضي طبقا لشرطه عليه في ضمن المعاملة.
وبالجملة، يجوز الاشتراط في كيفية الاخذ على نحو لا يحتاج فيه الى الرجوع الى المحاكم الشرعية.

الحادي عشر: لو افترض ان وصل مبلغ الى احد الحسابات عن طريق الخطا، فهل يتعلق شيء بعهدة صاحب الحساب غير اصل المبلغ المذكور، او لا يتعلق الااصل المبلغ؟
الظاهر هو الثاني؛ اذ لا وجه لاخذ الزائد؛ فلا يجوز للبنك ان ياخذ من صاحب الحساب شيئا غير اصل المبلغ الواصل خطاء الى حسابه، وهذا المبلغ ليس بقرض حتى يقال ان اخذ الزائد على الاصل ربا محرم، بل لا موجب لاخذ الزيادة.
واما جعل غرامة في هذه الصورة على صاحب الحساب مع انه لم يتخلف، فكما ترى؛ لان الغرامة فيما اذا تخلف عالما وعامدا، والمفروض عدمه. وعليه، فمايقال من انه اذا اخذ شخص مبلغ حوالة خطاء او وصل اليه مبلغ عن طريق حسابه الجاري تؤخذ خسارة التاخير من هذه المبالغ بمقدار معين من زمن الاستفادة علاوة على اخذ المبلغ المذكور((22)) منظور فيه؛ لان المبلغ المذكور باق على ملك مالكه، فان تعامل به كانت المعاملة فضولية، ولو اجازها فجميع ارباحها لصاحبه، وان لم يتعامل به او لم يربح فلا وجه لاخذ الخسارة، كما لا يخفى.

الثاني عشر: لو افتتح عدة اشخاص حسابا مشتركا، لزم ذكر الاسهم في قسيمة الاشتراك؛ حتى تتعين الاسهم ويقسم الموجود في الحساب بين الشركاء بنسبة اسهمهم عند الموت او الحجر والافلاس، ولو لم تذكر الاسهم فقد يقال انه يقسم بينهم بالسوية. ولعله هو مقتضى كون الحساب تحت ايديهم، واليد امارة الملكية.

الصفحة التالية