الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ثم ان البنك مكلف باعطاء المبالغ من الحساب الجاري المشترك حسب اتفاقهم، فان اشترطوا لزوم توقيع جميع الشركاء في جواز الاعطاء فلا يجوز للبنك التخلف عنه، وان اجازوا اعطاء المبالغ بتوقيع بعضهم فلا اشكال في وجوب الاعطاء على البنك كما اشترطوا، ويكون البنك ضامنا في صورة التخلف وتلف المال.
وان تعلقت جوائز بذلك الحساب الجاري المشترك فهي حلال ان لم يكن شرط في البين، وتقسم الجوائز بينهم بالنسبة. وان اشترطها بعضهم كانت محرمة عليه بخصوصه دون الاخرين؛ لانها ربا محرم، وترد على البنك.
ثم لو سمح البنك لاصحاب الحساب المشترك ان يسحبوا مبالغ ازيد مما لهم في الحساب، كان ذلك ايضا بينهم بالنسبة؛ فلا يجوز لكل واحد من الشركاء ان يستفيد منه ازيد من نصيبه بحسب سهمه.

الثالث عشر: لا يجوز افتتاح الحساب الجاري باموال الصغار او المجانين من دون اذن اوليائهم من الاب والجد من ناحية الاب والوصي والحاكم الشرعي، ولاولاية للام ولا لابويها.

ومما ذكر يظهر عدم صحة بعض البنود المدرجة في لوائح بعض البنوك من جواز افتتاح الام حسابا جاريا للصغار والتصرف فيه حتى يبلغو؛ لما ذكرنا من انه لاولاية لها بالنسبة للصغار.

نعم، لو افتتحت الام باموالها الخاصة حسابا باسم الصغار بعنوان الهدية، فلا مانع منه؛ لبقاء الاموال المذكورة على ملك الام قبل قبض الاولياء، ولا يلزم منه التصرف في ملك الصغار. واذا قبضها الاولياء ولو باجازة افتتاح الحساب فلا يجوز للام ان تتصرف فيها بدون اذن الاولياء، ولا يجوز للبنك ان يعطيها من دون اذن الاولياء، كما لا يخفى.

ولو توقف حفظ اموال الصغير على افتتاح حساب ولم يقدم الولي على ذلك، وجب على الاخرين امره بذلك، ولو لم يجد الامر فهل يجوز للاخرين ذلك ام لا؟

يمكن ان يقال: لا دليل على جواز التصرف في مال الصغار مع وجود الولي.

اللهم الا ان يقال: ان وجوده كعدمه، ومقتضاه هو تكليف الاخرين بذلك، ومع الامتناع تصل النوبة الى الحاكم الشرعي. نعم، مع فقد الولي والحاكم والوصي يجوزذلك للاخرين.

واذا بلغ الصغار او افاق المجانين وعلم رشدهم جاز لهم التصرف في اموالهم من دون حاجة الى اذن اوليائهم في حال الصغر او الجنون. والبلوغ الشرعي بحسب السن: هو اتمام تسع سنين في الاناث واتمام خمس عشرة سنة في الذكور. والرشد: هو ان يصل البالغ الى حد يتمكن معه من اصلاح ماله والتجنب من صرفه في الوجوه غير اللائقة بافعال العقلاء. وعليه، فلا يجوز للبنك الامتناع عن اعطاء اموالهم اليهم وان لم يبلغ سنهم الثامنة عشرة.

ومما ذكر يظهر ايضا حكم افتتاح الحساب بعنوان الادخار ونحوه.

ثم انه لا كلام في ان العمى والعجز عن الكتابة لا يعدان من اسباب الحجر، بل يجوز لمن هذه صفته ان يفتتح حسابا جاريا. نعم، للبنك ان يشترط عليهما تعريف وكيل معتمد للتوقيع من قبلهم؛ لئلا يقع الخلط والاشتباه، فلا تغفل.

الرابع عشر: تقدم ان ما يودع في الحساب الجاري يعد قرضا للبنوك، فلا يجوز جعل الربح من ناحية المقرضين عليه؛ لانه ربا محرم، ولكن يجوز للبنوك منح الجوائز من دون شرط بين البنك وصاحب الحساب الجاري، سواء كانت الجوائز نقدية، او عينية، او كانت تخفيضا في اخذ اجرة الخدمات، او حق التقدم في الاستفادة من التسهيلات البنكية، او غير ذلك.

الخامس عشر: لو فرض ان يكون ما في الحساب الجاري في البنك امانة مع تخويل البنك في تبديل الامانة بامثالها، فيترتب على ما في الحساب الجاري حكم الامانات؛ فلا يضمن البنك ما لم يفرط في حفظها.
ولا يجوز للبنك التعامل به؛ لعدم تخويله في ذلك، وكذا لا يجوز اي تصرف آخر فيها.
ويستحق البنك الاجرة بحسب طبيعة الاخذ والحفظ والنقل من مكان الى آخر، وغير ذلك من الخدمات المستحقة للاجرة ما لم يتبرع بها.

السادس عشر: مما جاء في قانون الشيكات الايراني ان كل من استلم شيكا في المعاملات وغيرها يحق له المطالبة بالمبلغ الحال المذكور فيه، وليس له مدة زمنية محددة. ولكن جاء في قرار لاحق صادر عن هيئة النظارة على البنوك المؤرخ في (23/7/1376 ش) والمبلغ بالرقم (3187/25) ان تسليم مبالغ الشيكات الماضي عليها عشر سنوات من تاريخ اصدارها منوط بالتاييد المجدد من صاحب الحساب((23)).
وعليه، فيكون التاييد المذكور شرطا اضافته الهيئة المذكورة للاعطاء، ولا باس به، فلا الزام عليه بعد الاشتراط المذكور بالاعطاء من دون التاييد المذكور قضاء للاشتراط المذكور؛ اذ لا فرق بين الشرط المذكور وسائر الشروط التي اشترطها البنك على صاحب الحساب من اول الامر؛ لان خدمات البنك تبرعية؛ فله ان يمتنع عنها في اي وقت كان، الا اذا قلنا بكونها محكومة بحكم حكومي على الاتيان بالخدمات، ولكن الحكم الحكومي يكون مع ملاحظة المقررات لا بدونها، او افتراض وقوع معاملة بين البنك وصاحب الحساب بالنسبة للخدمات، والمفروض هو العدم.
وكيف كان، فلا يوجب ذلك اسقاط السندية من الشيكات بالنسبة لاخذيها في قبال المعاملات والديون، بل هي باقية على اعتبارها وان كان للبنوك عدم تسليم مبالغها بعد الاشتراط المذكور الا مع التاييد المجدد.
ثم ان المقرر في المادة(315) من قانون التجارة الايراني انه يلزم المطالبة بمبلغ الشيك في مدة اقصاها (15) يوما ان كان حسابه في المدينة التي صدر فيهاالشيك، وفي مدة اقصاها (45) يوما ان كان في مدينة اخرى. ولو تخلف عن ذلك لم تسمع دعواه في المحاكم القضائية ضد مصدره او المظهر له((24)).
ولكن هذه المقررات لا توجب سقوط حقه، بل هو باق شرعا على ذمة مصدر الشيك او المظهر له((25)).
وبعبارة اخرى: ان هذه المقررات مختصة بالحكم الجزائي لا الحقوقي، فتدبر.

السابع عشر: اذا ماطل المديون في اداء دينه، فاضطر الدائن الى مراجعة المحاكم الشرعية او توكيل محام عنه لانتزاع حقه منه، فهل تكون الخسائر المترتبة على ذلك مضمونة على المديون، ام لا؟
يمكن القول بالاول؛ لانه في صورة انحصار انتزاع الحق في المراجعات المذكورة يكون المماطل هو السبب في ذلك، والسبب المذكور محكوم عند العقلاءبالضمان، ولم يردع عنه الشارع.

هذا، مضافا الى امكان الاستدلال بحديث نفي الضرر والضرار؛ فان مقتضى عدم جواز ايجاد الضرر ونفي طبيعته هو الضمان، والمفروض ان المماطل هوالموجد للضرر، فتدبر.
نعم، لو لم يكن التاخير في الاداء عن تقصير وعمد فلا استناد للضرر الى المديون، ومعه فلا وجه للضمان في صورة مراجعة الدائن للمحاكم الشرعية وتوكيل محام عنه، بل لا يجوز له اجبار المديون على بيع المستثنيات لاداء ديونه، بل يجب عليه ان يمهل المعسر حتى يتيسر له الامر بنص قوله تعالى: (وان كان ذوعسرة فنظرة الى ميسرة )((26)).

الثامن عشر: الظاهر كما افاد الشهيد الصدر(قدس سره) ان السحب من الحساب الجاري استيفاء لا اقتراض فيما اذا كان للساحب رصيد مالي عند البنك،وعليه، فيمكننا ان نفهم الشيك الذي يدفعه المدين الى الدائن بوصفه حوالة من المدين الى دائنه على البنك الذي يملك المدين في ذمته قيمة ودائعه المتحركة،فتكون من حوالة دائنه على مدينه، وتصح شرعا، وتحصل بها براءة ذمة المحيل تجاه المستفيد من الشيك، وبراءة ذمة البنك تجاه المحيل بمقدار قيمة الشيك((27)).
وحصول البراءة من جهة تحقق الحوالة بالرضا من المحيل والمحتال من دون حاجة الى رضا المحال عليه فيما اذا لم يكن المحال عليه بريئا او كانت الحوالة بغير جنس ما عليه، والا فيحتاج الى رضا المحال عليه ايضا، فاذا رضي المحيل والمحتال والمحال عليه حصلت البراءة، لتمامية الحوالة، كما لا يخفى.

ضمان الطبيب

الاستاذ الشيخ حسن الجواهري

مقدمة

حرمة الحياة الانسانية:
ان الحياة الانسانية محترمة لا يجوز الاعتداء عليها الا في المواطن التي حددتها الشريعة الاسلامية، وهي موارد خارجة عن نطاق الطب.

اما في غير تلك المواطن، فلا يجوز التعدي على حياة اي انسان حتى اذا كان بداعي الشفقة؛ لانه خارج عما نص عليه الشارع من اهدار الحياة، ومخالف لتعاليم الشريعة التي منعت منه وعاقبت عليه، فقد ورد عن رسول الله(ص): «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فاخذ سكينا فحز بها يده، فما رقا الدم حتى مات. فقال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة»((28)).

ولهذا المبدا (احترام الحياة الانسانية) قال تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكانما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكانما أحيا الناس جميعا)((29)).

وقال تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق)((30)).

وقال تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل)((31)).

وقال تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطاء فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة الى أهله)((32)).

وعلى هذا، فلا يجوز الاعتداء على اي نفس حتى حياة الفرد نفسه بالانتحار بدعوى ان الم الحياة اشد من الموت والانتحار، فان هذا هو منطق الملحدين الذين لا يؤمنون الا بالحياة الدنيا وهم في غفلة عن حياة الاخرة، على ان الالام مهما قست يمكن التغلب عليها بالدواء او الجراحة العصبية كما يقول الطب. ومن اجل هذا ورد النص القرآني القائل: (ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة)((33))، وقوله(ص): «لا ضرر ولا ضرار في الاسلام»((34)).

وظيفة الطبيب:

ان اي انسان لا يصح له ان يتصدى للطب والطبابة ما لم يكن ملما بعلوم الطب المعتبرة التي تقرها المؤسسات الطبية المعتبرة؛ وذلك لعدم اندراجه في عنوان «اهل الخبرة» حتى يسوغ له ان ينظر في امر المريض ويكون الرجوع اليه من قبيل رجوع الجاهل الى العالم الذي هو امر بديهي وطبيعي في استقرار الحياة الانسانية، بل يكون من قبيل رجوع الجاهل الى الجاهل الذي لا يقره العقلاء ولا الشرع، فلا يكون تصديه صحيحا ولا مبرء لذمته اذا تضرر المريض بذلك التدخل الباطل.

ويؤيده ما روي من قول رسول الله(ص): «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن»((35)).

ومع تقدم الطب وتطور الابحاث والتكنولوجيا في العمليات الطبية الذي ادى الى ظهور الاختصاصات المتعددة، فلا يحل لمن كان ملما بطب القلب مثلا ولم يكن ملما بطب العيون ان يتصدى لطب العيون؛ حيث يصدق عليه انه تطبب ولم يعلم منه طب، فيكون ضامنا.

وبما ان الطبيب يكون وكيلا او اجيرا للمريض في الاشراف على جسمه والتصرف فيه عند مراجعة المريض له، فهذا يعني ان الطبيب مسؤول عن معالجة مريضه بقصد الشفاء، ويعمل كل ما فيه المصلحة من اجل شفاء المريض، ولا يجوز له ان يهمل فيقصر او يتعدى على المريض وجسمه بما ليس فيه مصلحة للمريض.

وهكذا نعرف: ان الطبيب اذا عمل بوظيفته الطبية ورضي المريض بكونه اجيرا له ومعالجا لمرضه، وقصد الطبيب بعمله هذا شفاء المريض، ولم يقع الطبيب في اهمال المريض او التعدي عليه، بان عمل على حسب القواعد الفنية لعلم الطب، ولم يصدر منه خطا او اهمال لا تقره الابحاث الطبية العلمية فقد عمل بوظيفته وخرج عن المسؤولية اتجاه المريض، سواء كانت النتيجة مرضية للمريض ام غير مرضية.

وقد يستدل لهذا: بان تطبيب المريض صار سائغا، واذا صار سائغا لا يستتبع ضمانا، على اننا اذا شككنا في الضمان فالاصل عدمه.

اقول: سياتي منا ان الطبيب ضامن حتى في هذه الصورة اذا لم ياخذ البراءة من المريض، وهذا على حسب القاعدة حيث يضمن الفقهاء كل اجير قد اخل بعمله الذي استؤجر له؛ فكل من آجر نفسه لعمل في مال او غيره اذا افسد ذلك المال ضمن كالحجام اذا جنى في حجامته. والختان في ختانه، وهكذا الخياط والنجار والحداد اذا افسدوا.

هذا اذا تجاوز الحد الماذون فيه. اما اذا لم يتجاوز ففي الضمان اشكال، وكذا الطبيب المباشر للعلاج بنفسه اذا افسد فهو ضامن.

اذا، ما يطلب من الطبيب هو ان يقدم لمريضه العناية اللازمة حسب ما يقتضيه الوجدان والفن، ولا يسال الا اذا اهمل او تعدى في ذلك.

ولكن مع هذا، فقد يتعرض الطبيب الى انتقادات، فقد يتهم بالتقصير لانه لم يلجا الى الاساليب الحديثة التي ذكرها علم الطب الحديث، كما انه قد يتهم بالتهور والتعدي فيما اذا لجا الى الاساليب الحديثة بحجة اذا لم يثبت بعد رواجها وفائدتها بلا ضرر بصورة اكيدة، وهكذا نرى ان الطبيب «المحافظ» كالطبيب «المتجدد» كلاهما عرضة للنقد والانتقاد من الناحية الفنية.

ضمان الطبيب:

ان ضمان الطبيب في الفقه الوضعي يعني المسؤولية القانونية التي تتوجه الى الطبيب والتي يترتب عليها الجزاء القانوني.

والمسؤولية القانونية: هي مسؤولية شخص تجاه آخر اذا توجه ضرر لغير المسؤول نتيجة اخلال بالتزام سابق (سواء كان عقدا او عدم الضرر).

وتنقسم المسؤولية القانونية الى قسمين:

1- المسؤولية المدنية:
وتتوجه اذا كان هناك ضرر اصاب الفرد نتيجة عمل غير مشروع فيكون جزاء المسؤولية المدنية التعويض اذا طالب به المتضرر؛ لانه حقه ويجوز له ان يتنازل اويتصالح عن حقه؛ لان الحق خاص به.

2- المسؤولية الجنائية:
وهي تقوم على وجود ضرر اصاب المجتمع نتيجة جريمة منصوص عليها، فيكون جزاء المسؤولية الجنائية عقوبة يطالب النائب العام بها باعتباره ممثلاللمجتمع، ولا يجوز التنازل عنه؛ لان الحق عام للمجتمع، ولابد من توفر القصد في اقتراف الجريمة؛ فان القصد شرط ضروري في اكثر الجرائم((36)).

واما في الفقه الاسلامي: فان ضمان الطبيب متفرع على التفريط (التقصير) بحيث يلحق الاذى والضرر بالمريض بسبب تقصير الطبيب الناشى من اهماله، فيكون ضامنا لتعويض الضرر اذا طالب به المتضرر به، واما اذا كان مع هذا التقصير تجاوز (تعدي) على الحكم الشرعي بترك واجب او فعل حرام، فيكون هناك بالاضافة الى تعويض الضرر عقاب يتوجه الى المتجاوز للحكم الشرعي في الدنيا وعذاب في الاخرة، والفقه الاسلامي لا يفرق في العقاب الذي يتوجه لمخالف الحكم الشرعي بين ان يكون حدوث الضرر متوجها الى المجتمع او الفرد.

المسؤولية المدنية للطبيب (بذل العناية):

ان المسؤولية المدنية للطبيب تاتي من تعامله مع المرضى طبق القواعد العامة للاجارة على الاعمال، وهي على نوعين:
1- قد يلتزم الطبيب اداء منفعة للمريض بانجاز امر معين محدود مع تمكنه ان يتلقى المهام الاخرى، فيكون الطبيب اجيرا عاما للمريض.
2- قد يلتزم الطبيب للمريض باجارة خاصة فيرتبط الطبيب بالمريض خلال مدة معينة بتطبيبه بنحو لا يعمل لغير المريض الذي تعاقد معه، فيكون الطبيب اجيراخاصا للمريض.

وهذا يسمى بالاصطلاح الثانوي «بذل العناية».

وحينئذ يكون الطبيب مستحقا للاجر اذا انجز ما عليه، فان حصل البرء في المدة فهو، وان امتنع المريض من مواصلة العلاج فهو مسؤول عن اداء الاجر للطبيب، ولكن اذا مات المريض في المدة او في وقت جريان العمل الذي يقدمه الطبيب للمريض او تلف العضو الذي عالجه الطبيب فهل يكون الطبيب ضامنا؟

هنا يوجد خلاف، فقد ادعي الاجماع عند باقي المذاهب على عدم ضمان الطبيب اذا ادى ما عليه من مسؤوليات فنية، ولكن هناك راي آخر سياتي لجمع من علماء الامامية ادعوا فيه ضمان الطبيب الا ان ياخذ البراءة من المريض او من وليه من اول الامر.

اما اذا لم يقدم الطبيب المنفعة الخاصة للمريض في الاجارة العامة بان اخل بها لاي سبب كان، وقد تضرر المريض نتيجة ذلك او لم يقم الطبيب بقوانين الاجارة الخاصة بنحو قد لحق المريض ضرر من عدم العمل بقوانين عقد الاجارة، فيكون الطبيب مسؤولا مسؤولية مدنية بلزوم تعويض المريض عن الاضرار التي لحقت به.

وبعبارة اخرى: ان المسؤولية المدنية للطبيب متفرعة على التفريط، فيلحق الاذى والضرر بالغير بسبب ذلك التفريط، وحينئذ تكون المسؤولية المدنية مترتبة على الخطا والاهمال لا عن عمد (تفريط).

ولكن قد يكون العمل غير المشروع قد وقع عمدا بتعدي وتجاوز.

وعلى كل حال، فالضرر الذي احدثه الخطا (كسوء علاج المريض) يجب ان يعوض كاملا من دون تفريق بين الحالتين، وان كانت الحالة الثانية فيها مسؤولية جنائية ايضا.

وحينئذ اذا حدث ضرر من انسان على آخر نتيجة نسيانه او اهماله فالضمان للتعويض عن الضرر موجود؛ لان الاهمال الموجب لضرر من يجب عليه عدم الاهمال والاعتناء لا يسقط حقوق الاخرين المالية وان كان يسقط الاثم او التكليف.

وترتفع مسؤولية الطبيب المدنية اذا كان طبه عن معرفة ودراية واذن له المريض او وليه، فعمل بوظيفته حسب القواعد الفنية، ولم يقع منه خطا او اهمال لا يقره الطب، وكان عمله بقصد العلاج، وان لم يحصل المريض على غايته المنشودة من الشفاء.

وقد ادعى بعض ان العلماء اجمعوا على عدم ضمان الطبيب في الصورة المتقدمة.

ولكن علل عدم المسؤولية هذه فقال: «ان الفقهاء حين اجمعوا على رفع المسؤولية عن نتائج فعل الطب حين توافر الشروط المشار اليها اختلفت وجهات نظرهم في تعليل نفي المسؤولية على نحو يدل على التقدير لشان هذه المهنة وخطورتها في آن واحد، فبعضهم يرى ان العلة هي الحاجة الى ممارسة المهنة في جويشجع على ادائها... لا سيما حين يقترن ذلك بالاذن... وبعضهم يرى ان العلة بالاضافة للاذن ان الغرض من الفعل قصد العلاج لا الضرر، والقرينة على هذا القصدوقوعه موافقا للاصول الفنية... ويرى البعض ان العلة هي الاذن في صورته المزدوجة المركبة من اذن الحاكم بممارسة المهنة واذن المريض باداء ما تقضي به من اعمال»((37)).

اقول: هناك قول قوي لضمان الطبيب حتى في الصورة المتقدمة، ذهب اليه جمع كثير من علماء الامامية واليك هذا الراي مع دليله:

ضمان الطبيب في حالة عدم التقصير والتعدي:

ذهب جمع من علمائنا الى القول بضمان الطبيب اذا عمل على وفق قواعد الطب وفنونه ولم يقصر ولم يتعد ولكن لم يحصل على النتيجة التي ارادها المريض من العمل الجراحي وتلف المريض او تلف عضو منه.

قال صاحب العروة: «وكل من آجر نفسه لعمل في مال المستاجر اذا افسده يكون ضامنا اذا تجاوز عن الحد الماذون فيه، وان كان بغير قصده؛ لعموم من اتلف وللصحيح عن ابي عبد الله (الامام الصادق(ع)) في الرجل يعطي الثوب ليصبغه؟ فقال(ع): «كل عامل اعطيته اجرا على ان يصلح فافسد فهو ضامن» بل ظاهر المشهور ضمانه وان لم يتجاوز عن الحد الماذون فيه»((38)).

وقد ذهب السيد الگلبايگاني الى ضمان الختان وان لم يتعد عن محل القطع بان كان اصل الختان مضرا بالمعالج، اذا كان الختان طبيبا جراحا يعتمد عليه فيه مثل الجراحين في زماننا فقال: «الاقوى الضمان (اي ضمان الختان الطبيب المعالج وان لم يتعد) الا مع التبرئة»((39)).

اقول: ولهذا ستكون البراءة من الضمان مفيدة؛ لعدم ضمان الطبيب اذا لم يتعد ولم يفرط في عمله لا مطلق؛ وذلك: لقاعدة الضمان على المتلف، واما الاذن في العلاج فهو ليس اذنا في الاتلاف، والاذن في العلاج قد جاء بالجواز الشرعي، وهذا الجواز الشرعي لا ينافي الضمان كما في ضرب الطفل للتاديب فانه جائز ولكن اذا حدث تلف فالضمان متوجه على الضارب.

وقد يقال: ان الطبيب لم يتلف عضوا عمدا، وهذا صحيح، الا انه اذا ثبت ذلك فيرتفع عنه العقاب الذي هو القصاص في الدنيا وعذاب الله في الاخرة الذي هو مترتب على الحرمة، واما الضمان فهو مترتب على الاتلاف الذي حصل وان لم يكن عمديا لقاعدة من اتلف.

هذا وقد وردت الروايات عن اهل البيت(ع) تدل على الضمان في هذه الحالة، فمن الروايات: ما رواه السكوني (في الموثق) عن الامام الصادق(ع) قال: «قال امير المؤمنين(ع): من تطبب او تبيطر فلياخذ البراءة من وليه، والا فهو له ضامن»((40)).

بتقريب: ان المراد من الولي هو من له الولاية وهو يشمل نفس المريض ايضا.

ومنها: ما ورد في تضمين الختان القاطع لحشفة الغلام، فقد روى السكوني ايضا عن الامام الصادق عن ابيه (الامام الباقر(ع)) ان عليا(ع): «ضمن ختانا قطع حشفة غلام»((41)).

اقول: الرواية الثانية لعلها ظاهرة في الطبيب الذي لم يعلم منه طب، حيث ان قطع الحشفة في الختان لا يصدر من الطبيب الحاذق، او انه قد اهمل اهمالا لا يعذرفيه فيكون ضامنا من هذه الجهة لا من جهة تضمينه مع عدم خطاه وتجاهله وتعديه كما هو مفروض البحث.

تبقى عندنا الرواية الاولى: وهي دالة على تضمين الطبيب حتى اذا لم يهمل وعمل بما توجبه قواعد الطب وفنونه الا انه حصل التلف، فيكون ضامنا الا في صورة اخذ البراءة من المريض لدفع الدية.

وقد يقال: ان هذه الرواية تسقط ضمان الدية قبل حدوث الدية فتكون دالة على اسقاط ما لم يجب ولم يحدث، وهو غير صحيح؛ لان الاسقاط انما يتوجه للموجود لا للذي سيوجد فيما بعد.

والجواب: ان هذه الرواية تقول بان البراءة من الضمان معناها سقوط الفعل عن اقتضاء الدية عند اخذ البراءة، وحينئذ تتخصص الدية عند عدم البراءة فيكون الفعل مقتضيا للدية.

ولنا ان نقول ايضا: ان اسقاط ما لم يجب وما لم يوجد ممتنع في الامور الطبيعية واما في الابحاث الفقهية التي هي اعتبارات الشارع حيث اعتبر الدية عند اتلاف عضو ما، فيمكن ان يعتبر البراءة من الدية في صورة اتلاف عضو غير متعمد في المستقبل، وهي صورة اخذ البراءة للطبيب من المريض، فلا تقاس الابحاث الفقهية بالابحاث الفلسفية والطبيعية.

على ان اسقاط ما لم يجب ليس مدلولا لفظيا، وليس فيه استحالة عقلية، بل يوجد اجماع على بطلان التعليق في العقود كبطلان الطلاق قبل الزواج وانشاء البيع للسلعة قبل شرائها، اما اسقاط ما لم يجب فهو معروف بين الفقهاء فلا يشمله الاجماع.

هذا مضافا الى ان هذا الراي لم يثبط الاطباء من معالجة المرضى حيث يمكنهم ان لا يقدموا على عمل الا بعد اخذ البراءة من الضمان عند التلف وهو امر يقوم به الاطباء عادة عند اجراء العمليات الجراحية، تخلصا من الضمان.

مجالات المسؤولية القائمة على تحقق نتيجة:

قد يحتوي عقد الاجارة بين المريض والطبيب، بالاضافة الى بذل العناية على بذل غاية وهي الشفاء من المرض (البرء)، فهل هذا العقد الذي احتوى على هذه الغاية يكون صحيحا ام لا؟

ذهب البعض الى بطلانه لما فيه من الجهالة، لان البرء غير معلوم الحصول حتى لو احاط الطبيب علما باحوال مريضه ومرضه، لانه ليس مقدورا للطبيب، بل هوبيد الله تعالى.

اقول: ان احتواء عقد الاجارة بين المريض والطبيب على تحقق نتيجة البرء يتصور على صورتين:
1- ان يكون البرء قيدا في عقد الاجارة، فمتعلق الاجارة العلاج الذي ينتهي الى البرء.
2- ان يكون البرء شرطا في عقد الاجارة.

وهنا يكون متعلق الاجارة هو العلاج، ولكن يشترط المريض على الطبيب انه لو لم يبرا يكون له حق الفسخ، ولكن ظاهر الشرط في الكلي والعمل في الذمة هوكونه قيدا، فهذا الفرض خلاف الظاهر.

ويمكن ان نصل الى صحة هذا العقد بتوضيح امور:

1- قد ذهب السيد الطباطبائي صاحب العروة الوثقى الى تصحيح العقد في الصورتين معا فقال: «يجوز المقاطعة عليها (الطبابة) بقيد البرء او بشرطه اذا كان مظنونا بل مطلقا»((42)).
وقد اشكل عليه: بان البرء خارج عن القدرة لانه بيد الله تعالى فليس اختياريا للطبيب((43)).
وقد اجاب عن هذا الاشكال فقال: «يكفي كون مقدماته (البرء) العادية اختيارية، ولا يضر التخلف في بعض الاوقات»((44)). كما هو ملتزم به اذا كان العمل المستاجر عليه حفظ المتاع مع ان الذي تحت القدرة هو محاولة الحفظ ولكن بما ان الحفظ مقدور عليه بالقدرة على مقدماته صح العقد على حفظ المتاع.

2- اقول: هناك اشكال آخر على عقد الاجارة المحتوي على البرء قيدا وهو صيرورة العقد غرري؛ لان الطبيب يجهل حصوله على الاجر اذا دخل هذا الامر في العقد قيدا فيتحول العقد الى عقد غرري، والغرر يبطل العقد كما هو واضح.
ولذا فقد ذهب جمع من الفقهاء منهم السيد الامام الخميني والسيد الامام الخوئي والسيد الامام الگلبايگاني((45)) الى صحة هذا العقد مع الوثوق او الاطمئنان للطبيب بالقدرة على حصول البرء بالواسطة، اي حسب ما عنده من علم موصل الى البرء عادة فيتمكن من الوصول الى البرء فعل؛ اذ في هذه الحالة يرتفع الغررمن المعاملة وان كانت كل الامور راجعة الى قدرة الله تعالى ومشيئته.
واما مع عدم الوثوق والاطمئنان بالبرء فيكون العقد غرريا باطلا.
ثم ان متعلق الاجارة في كون البرء شرطا هو العلاج ولكن اذا اشترط المريض على الطبيب البرء فمعنى ذلك ان المريض يحتفظ بحق الفسخ ان لم يحصل على البرء، واثر هذا انه لو حصل الفسخ وجب ان يدفع المريض الى الطبيب اجرة المثل دون الاجرة المسماة.

3- ولو لم يقبل جواب اشكال عدم القدرة على البرء بارتفاع الضرر بالوثوق على القدرة بتحصيل البرء، او كان الطبيب غير واثق بحصول البرء، فيمكن الوصول الى صحة العقد بجعل جعالة للطبيب معلقة على حصول البرء كان يقول: من عالجني معالجة برء فله كذا، او من عالجني بشرط البرء فله كذا، فحينئذ ان لم يحصل البرء لا يستحق الطبيب الجعالة.
وعلى هذا، فان ترك الطبيب المعالجة قبل البرء فلا شيء له وان تمم غيره العمل حتى برء يستحق الطبيبان الجعل بالنسبة.
وقد ذهب الى هذا القول من قال ان البرء بيد الله وليس اختياريا للطبيب ولم يقبل كون مقدمات البرء العادية اختيارية، ومن هنا لم يصحح الاجارة على هذا النحومن الطبابة، ولذا صحح الجعالة في هذه الصورة وان كان البرء عملا مجهولا، فيكفي في الجعالة تحديد مقدار الجعل وبيان الغاية المطلوب تحقيقها بقطع النظرعن مقدار العمل.

4- كما يمكن لتصحيح العقد شرعا ان يجعل الطبيب المريض وكيلا عنه في ابراء ذمته من الاجر للطبيب ان لم يحصل البرء من عمله.
او يشترط المريض على الطبيب الوكالة عنه في ابراء ذمته من الاجرة اذا لم يبرا من مرضه، وهذه الوكالة صحيحة ولا تقبل العزل.

5- ان يشترط المريض على الطبيب ان يبرا ذمته من الاجرة على تقدير عدم البرء، وهذا شرط فعل على الطبيب يجب عليه الوفاء به.

6- ان يشترط المريض براءة ذمته من الاجرة على تقدير سراية العلة الى المريض، وهذا كشرط النتيجة لا يصح عند من يقول بان شرط النتيجة غير صحيح اذا كان الشارع قد جعل للابراء طرقا محصورة كابراء الدائن او الوفاء.
هذا وقد ذكر وجه آخر لتصحيح هذا العقد القائم على تحقيق نتيجة لدليل تعبدي الا وهو ما ورد من ان ابا سعيد الخدري عالج رجلا وشارطه على البرء وعلم بذلك رسول الله(ص) فاقر تصرفه((46)). وهذا يؤيد القول بالصحة الذي ذكرنا وجوها متعددة له.

مجالات المسؤولية القائمة على اشتراط السلامة:

لو تعاقد الطبيب مع مريضه واشترط المريض ان يكون عمل الطبيب مقترنا بالسلامة من السراية الى المضاعفات التي لا تحمد عقباها، فهل هذا الشرط صحيح؟

نقول:

1- ذكر البعض: بطلان هذا الشرط؛ لان الطبيب غير قادر على الالتزام بهذا الشرط. على ان ضمان الادمي يجب بالجناية لا بالعقد((47)).
اقول: اما عدم القدرة على ذلك، فقد تقدم ان مقدمات السلامة العادية اختيارية ولا يضر التخلف في بعض الاوقات.
وحينئذ نقول: اذا كان الطبيب واثقا ومطمئنا من عدم سراية ما يعالجه الى مواطن اخرى من الجسم فيصح ان يقبل الطبيب ذلك الشرط عليه مع كون العقد واقعاعلى المعالجة، ومعنى ذلك ان يحتفظ المريض بحق الفسخ ان لم يحصل على السلامة من السراية ولم يتحقق الشرط، واثره ان لا يدفع الى الطبيب الاجرة المسماة بل اجرة المثل.
واما ضمان الطبيب فقد تقدم ان الطبيب ضامن اذا لم ياخذ البراءة من المريض حسب موثقة عبد الله بن سنان المتقدمة فلا نعيد فلاحظ.

2- وقد ذكر بعض بطلان هذا الشرط بكون الطبيب يعمل بواجبه عند اشتراط السلامة عليه، والاصل ان الواجب لا يتقيد بوصف السلامة((48)). بخلاف الحقوق المباحة كحق الولي في التاديب وحق الزوج في التعزير فيما يحتاج له ونحوهما، فهذه الحقوق تتقيد بوصف السلامة لمن يؤدب ويعزر.
اقول: هذا باطل ايضا، لان الاصل لو كان صحيحا، الا ان المريض اشترط ذلك، فقد دخل على الاصل شرط فنسال حينئذ: هذا الشرط باطل او صحيح؟ فلابد ان يتكلم في هذه الناحية.

3- وقد ذكر البعض عدم صحة الشرط لانه راجع الى تضمين الامين، وشرط ضمان الامين باطل((49)).
اقول: وهذا ايضا غير صحيح؛ لان الامين لا يضمن اولا وبالذات، اما اذا شرط ضمانه فهل يكون صحيحا ايضا؟
وعلى كل حال، فان شرط السلامة كشرط البرء ووثق الطبيب من قدرته ولو بواسطة علمه ووسائله الفنية المتطورة انه قادر على ان لا يجعل المضاعفات تسري الى المريض، فله ان يقبل هذا الشرط على نفسه، ولا يكون العقد غرريا وتكون فائدة الشرط هو ان لم تحصل السلامة وبدت المضاعفات تؤثر على بدن المريض فللمريض حق الفسخ، وحينئذ اذا فسخ فلا يستحق الطبيب الاجرة المسماة بل يستحق اجرة المثل، ولكن مع هذا تكون الاضرار اللاحقة بالمريض مضمونة حسب النص المتقدم من ضمان الطبيب ان لم ياخذ البراءة.

المسؤولية الجنائية للطبيب:

الجناية هي الذنب والجرم مما يوجب العقاب والقصاص وهي في اللغة: عبارة عن ايصال المكروه الى غير مستحق.

وفي الشرع: عبارة عن ايصال الالم الى بدن الانسان كله او بعضه، فالاول جناية النفس والثاني جناية الطرف... وغلبت الجناية في السنة الفقهاء على الجرح والقطع، والجمع جنايات، وجنايا (مثل عطايا) قليل((50)).

والمسؤولية الجنائية في موضوعنا هنا: هي عبارة عن المسؤولية التي تكون ناشئة من تجاوز حق الطبيب في المعالجة (عند ممارسة مهنته) بشرط اختيار الطبيب وادراكه.

وتوضيح ذلك:

1- ان حق الطبيب في المعالجة اذا قلنا انها حق للطبيب تستوجب مساءلته في حال تجاوز حقه الذي نشا منه ضرر على المريض.

2- واذا قلنا ان طبابة الطبيب للمريض واجب شرعي يقوم به اتجاه المريض، فحيث ان طريقة اداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب لما له من تفويض واسع في طريقة وكيفية الاداء، كان هذا ايضا داعيا لمسائلته عن نتائج عمله اذا ادى الى نتائج ضارة بالمريض نتيجة خطاه الجسيم غير المغفور له طبيا.
وحينئذ اذا تبين ان الطبيب قد نهج في عمله اكثر مما يجوز له، فضرر المريض، او تبين انه قد اخطا خطاء جسيما غير مغفور له طبيا، فهو مسؤول جنائيا عن عمله هذ؛ لانه يعد تعديا عمدا يوجب مسؤولية جنائية.

3- كما ان الطبيب اذا اجرى عملية جراحية لمريض بدون اذنه (وكان بالامكان اخذ الاذن منه او من وليه) وضرره كان مسؤولا مسؤولية جنائية عن عمله الذي يعدتعديا على جسم المريض بدون اذنه((51)).

4- كما ان الطبيب اذا اقدم على تطبيب مريضه او اجرى له عملية جراحية بباعث يخالف مبادى الشرع يعتبر مسؤولا جنائيا، فالطبيب الذي يستاصل مبيض امراة بناء على طلبها، او يستاصل رحمها، وكان الاستئصال مضرا بها، او قتل مريضا لا علاج له ليريحه من المعاناة، يقع تحت طائلة المسؤولية الجنائية والمدنية معا.

5- لا يحق للطبيب اجهاض الجنين حتى لو طلب منه الوالدان ذلك؛ لان حياة الانسان محترمة في كافة ادوارها حتى مراحل حياته الجنينية في رحم الام، وان كان في ادواره الاولى (المضغة وما قبلها مما يطلق عليها اسم اللقيحة).

وقد دلت الادلة الدالة على النهي عن ذلك الدال على الحرمة، وكذلك الادلة على وجوب الدية على المجهض، وهي امارة على حرمة العمل وتلك الروايات الدالة على حرمة الاجهاض للجنين ولو في مراحل حياته الاولى موثقة اسحاق ابن عمار: قال: قلت لابي الحسن (الامام الكاظم(ع)) المراة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها؟ قال: «لا»، فقلت انما هو نطفة؟ فقال(ع): «ان اول ما يخلق نطفة»((52)).

ومن الروايات الدالة على وجود غرامة مالية على من اسقط الجنين، صحيحة محمد بن مسلم: قال: سالت ابا جعفر (الامام الباقر(ع)) عن الرجل يضرب المراة فتطرح النطفة؟ فقال(ع): «عليه عشرون دينارا»، فقلت: يضربها فتطرح العلقة؟ فقال: «عليه اربعون دينارا»، فقلت: فيضربها فتطرح المضغة؟ فقال: «عليه ستون دينارا»، فقلت: فيضربها فتطرحه وقد صار له عظم؟ فقال: «عليه الدية كاملة...»((53)).

كما ان الادلة دلت على وجود حقوق للجنين في تركة ابيه او احد مورثيه، وهو اقرار بحق الجنين في الحياة، كما ان الحامل لو حكم عليها بالقتل اجل التنفيذ حتى تضع الحمل ولو كان جنين سفاح، وما هذا الا للتاكيد على حق الجنين في الحياة، ومع حق الجنين في الحياة كيف يجوز للطبيب اسقاطه؟

وعلى هذا فكل دعوة للاجهاض سواء كانت قبل بث الروح في الجنين او بعده فهي باطلة وخلاف الادلة الشرعية وخلاف حق الجنين في الحياة.

الخطأ المتعمد:

ان الجناية سواء كانت قتلا او جناية على الطرف، فانها تنقسم الى ثلاثة اقسام (ولنطبق الجناية على القتل وهي بنفسها تنطبق على الجناية على الاطراف):

1- القتل العمدي:
وضابطه ان يكون البالغ العاقل عامدا في فعله وقصده، فيقصد الفعل والقتل معا، او يقصد الفعل الذي يقتل مثله غالبا عالما به، وان لم يقصد القتل؛ لان القصدالى الفعل الذي يقتل مثله غالبا عالما به هو كالقصد الى القتل.

وذهب بعض الى صدق العمد بالقصد الى القتل بما يقتل نادرا، فاتفق القتل((54)).

2- القتل شبه العمد:
ولعله هو المقصود بالخطا المتعمد، مثل ان يضرب للتاديب فيموت، والضابط فيه: ان يكون عامدا في فعله وهو الضرب للتاديب والمزح او نحوهما مما لم يرد به القتل، ومنه علاج الطبيب، فيتفق الموت به، بل ومنه الضرب بما لا يقتل غالبا بقصد العدوان، فيتفق الموت به... فالمراد بشبه العمد ان يكون عامدا في فعله مخطئا في قصده الذي هو القتل بمعنى عدم قصده القتل((55)).

فما لم يقصد القتل او قصد عدم القتل، فحصل القتل، فيصدق القتل؛ لان صدق القتل عرفا لا يرتبط بقصد القتل او عدمه، بل يكفي استناد القتل الى الفاعل،ولكن لا يصدق العمد.

ولكن لو تنزلنا وقلنا ان هذا يصدق عليه العمد، لان الفاعل قصد فعله والفعل ادى الى القتل فيصدق القتل العمدي، الا اننا نقول: ان الادلة الشرعية اجرت على هذا حكم الخطا شبه العمد وستاتي ادلته.

ويلحق بشبه العمد: قصد الفعل والقتل لمن ظنه مستحقا لذلك بكفر او قصاص، فبان خلافه، بل ومن ظنه صيدا مباحا فبان انسانا، وربما يتكلف لادراجهما بانه قصد الفعل واخطا في قصد القتل المخصوص((56)).

3- القتل الخطا المحض:
ومثاله ان يرمي طائرا فيصيب انسانا، او لم يقصد الفعل اصلا، كمن تزلق رجله فيقع على غيره فيقتله او ينقلب في النوم على غيره كذلك((57)).

وضابط الخطا المحض: المعبر عنه بالخطا الذي لاشبهة فيه، هو ان يكون مخطئا في الفعل والقصد، ففي مثال رمي الطائر واصابة الانسان لم يكن قاصدا بالرمي اصابة انسان ولا قتله، سواء كان بما يقتل غالبا ام لا.

ويلحق بالخطا المحض: تعمد الطفل والمجنون شرعا.

وهكذا تنقسم الجناية على الاطراف الى ثلاثة اقسام (جناية عمدية، وجناية شبه عمدية، وجناية خطاية).

الادلة على هذا التقسيم:

وقد وردت الادلة الوافرة على صحة هذا التقسيم، فمن تلك الادلة:

1- صحيحة الفضل بن عبد الملك على رواية الصدوق عن الامام الصادق(ع) انه قال: «اذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد، قال: سالته عن الخطا الذي فيه الدية والكفارة اهو ان يتعمد ضرب رجل ولا يتعمد قتله؟ فقال: نعم. قلت: رمى شاة فاصاب انسانا؟ قال: ذاك الخطا الذي لا شك فيه، عليه الدية والكفارة»((58)).

2- صحيحة ابي العباس وزرارة عن الامام الصادق(ع) قال: «ان العمد: ان يتعمده فيقتله بما يقتل مثله، والخطا: ان يتعمده ولا يريد قتله، يقتله بما لا يقتل مثله،والخطا الذي لا شك فيه: ان يتعمد شيئا آخر فيصيبه»((59)).

3- صحيحة اخرى لابي العباس عن الامام الصادق(ع) قال: قلت له: ارمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله؟ قال: «هذا خطا (ثم اخذ حصاة صغيرة فرمى بها)قلت: ارمي الشاة فاصيب رجلا؟ قال: هذا الخطا الذي لا شك فيه، والعمد: الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله»((60)).

وغيرها من الروايات الكثيرة الدالة على هذا التقسيم.

امثلة للتعدي العمدي من قبل الطبيب:

1- يتحقق العمد من قبل الطبيب العاقل البالغ بقصده للعمل الذي يعد جناية على المريض فيما اذا ترتبت الجناية عليه، كما في قلع السن الصحيحة عمدا بدلاعن السقيمة.

2- يتحقق العمد من قبل الطبيب اذا قصد عملا لم يكن جناية غالبا، ولكن ترتبت الجناية عليه، كما اذا عمل عملا جراحيا لمريض لم يرقا جرحه، فالعمل الجراحي ليس جناية غالبا، الا انه في مورد يعلم الطبيب ان الجرح لم يرقا عند هذا المريض الخاص وحصل ضرر من عدم رقا الجرح، فهو عمل عمدي، لحصول قصد الضرر عند الطبيب حيث ان القصد الى الفعل مع الالتفات الى ترتب الجناية عليه لا ينفك عن قصد الجناية تبعا.

3- لو تعهد الطبيب بتمريض المريض واجرى له عملية جراحية، ومنع اي طبيب آخر من الاشراف عليه، وطرات مضاعفات لهذا المريض وابلغ الطبيب بذلك ولم يحضر في الوقت المناسب حتى مات المريض، فهو من التعمد الذي يحاسب عليه الطبيب.

الخطا الجسيم من الطبيب يوجب مسؤولية جزائية عليه:

1- يمكن ان نعد الخطا الجسيم الذي يوجب القتل من العمد وان لم يقصد الطبيب القتل بخطاه الجسيم، فمثلا اذا اطعم الطبيب مريضه عمدا دواء ساما يقتل عادة ولم يكن المريض عارفا بالحال، او كان غير مميز، فمات المريض، فهنا يعد الطبيب متعمدا للقتل وان لم يقصد قتل المريض بهذا الدواء السام؛ وذلك: لان القتل العمدي صادق في هذه الصورة عرفا وان لم يقصد الطبيب القتل((61)) حيث تقدم ان ميزان العمد هو القصد الى الفعل الذي يقتل غالبا وان لم يقصدالقتل.

2- وكذا لو اجريت عملية للمريض وكانت العملية دقيقة وصعبة بحيث يضر المريض اي تصدع لهذه العملية الدقيقة، ولكن لم يجعل لهذا المريض مرافق من اهله ولم يكن له مرافق من المضمدين، فوقع من سريره وهو في حالة الاغماء فتصدعت عمليته، فيعتبر هذا من العمد (وان لم يقصده الطبيب)، فيوجب عليه مسؤولية جزائية((62)).

3- اذا نقل مريض الى مستشفى الطبيب وهو بحالة اسعاف شديدة وبحاجة الى اجراء عملية جراحية سريعة، ولكن الطبيب لم يقبله بحجة الارهاق مثلا، فمات المريض، او لم يقبل الطبيب اجراء العملية له حتى يقبض اجره مسبقا ولم يكن الاجر حاضرا، فهنا يصدق على هذه الحالة القتل عمدا عند العرف حقيقة وهذاكاف في توجيه المسؤولية الجنائية الى الطبيب.

4- لو قال المريض للطبيب اقتلني، فقتله، فقد ارتكب الطبيب محرما، حيث ان حرمة القتل لا ترتفع باذن المقتول، ولكن هل يكون الطبيب عامدا في قتله فعليه القصاص؟ اختلف فقهاء الامامية في ذلك:
فذهب الشيخ الطوسي في محكي مبسوطه والفاضل في التلخيص والارشاد، واختاره المحقق في الشرائع وفي المسالك انه الاشهر الى عدم القصاص من الطبيب.
وقد استدل على ذلك: بان الامر قد اسقط حقه بالاذن فلا يتسلط عليه الوارث.
ولكن السيد الخوئي؛ ذهب الى ثبوت القصاص على الطبيب اذا مات القاتل مختارا (كما في صورة الفرض)؛ وذلك لان الانسان غير مسلط على اتلاف نفسه ليكون اذنه بالاتلاف مسقطا للضمان كما هو الحال في الاموال، فعموم ادلة القصاص محكمة((63)).

5- اذا جيء بانسان يراد قتله الى الطبيب ليقتله قتل رحمة بتزريقه ابرة مثلا، وكان بامكان الطبيب ان يخلصه من القتل ولو بتزريقه ابرة مخدر يظن المريد للقتل حصوله، ولكن الطبيب قبل العرض فضربه ابرة القتل مع التفاته الى صورة التخلص، او لم يقبل العرض اصلا مع علمه بان الفرد سيقتل قتلا غير رحيم اذا امتنع،وحصل القتل غير الرحيم بامتناعه لاصل العرض، ففي الصورة الاولى يعتبر الطبيب قاتلا عمدا، وفي الصورة الثانية يكون الطبيب مسؤولا مسؤولية جنائية لرفضه تخليص هذا الانسان من القتل ولم يفعل.

6- قال السيد الخوئي؛ في المسالة الخامسة: «اذا جنى ولم تكن الجناية مما تقتل غالبا، ولم يكن الجاني قد قصد بها القتل، ولكن اتفق موت المجني عليه بالسراية، فالمشهور بين اصحاب الامامية ثبوت القود، ولكنه لا يخلو من اشكال، بل لا يبعد عدمه، فيجري عليه حكم القتل الشبيه بالعمد»((64)).

وقد ذكر في وجه قول المشهور ورده: «انهم ذهبوا الى ان السراية في الجناية العمدية مضمونة وان لم تكن مقصودة، فيثبت القصاص اذا سرت الجناية وترتب عليها الموت، ولكنه يندفع بان ضمان الجناية انما هو بمقدارها المقصود، واما الزائد المترتب عليها اتفاقا فهو اذا لم يكن مقصودا ولا مما يترتب عليها غالبا لايكون عمديا، بل هو شبيه بالعمد على ما ياتي من انه متقوم بقصد الفعل المترتب عليه القتل اتفاقا من دون قصده...»((65)).

هذا ولكن ذهب الحنفية الى ان القاعدة هي ان الطبيب لا يسال متى لم يتجاوز الموضع المعتاد، ويعللون ذلك: بان الهلاك ليس بمقارن للعمل، وانما هو بالسراية،بعد تسلم العمد، والتحرز عنها غير ممكن؛ لان السراية تبنى على قوة الطباع وضعفها في تحمل الالم، وما هو كذلك مجهول، والاحتراز من المجهول غيرمتصور، فلم يمكن التقييد بالمصلح من العمد لئلا يتقاعد الناس عنه مع مساس الحاجة((66)).

اقول: ان هذا الدليل اذا اريد به رفع الحرمة (الحكم التكليفي) فهو امر صحيح، اما اذا اريد به رفع استناد المضاعفات الى الطبيب فهو غير صحيح؛ لان صدق استناد المضاعفات الى من اوجد علتها واضحة عرفا، الا انه لا يصدق عليه العمد، وعلى هذا فالطبيب يكون مسؤولا عن الضرر الذي لحق بالمريض وتعويضه،فيكون مسؤولا مسؤولية مدنية؛ لاستناد السراية اليه وان لم يكن قد فعل محرما ولم يكن يصدق عليه العمد ايضا.

اقول: ويؤيد ما ذهب اليه السيد الخوئي من كون سراية الجرح الى القتل تعتبر شبه عمد ما ورد عن ذريح قال سالت الامام الصادق(ع) عن رجل شج رجلاموضحة وشجه آخر دامية في مقام واحد فمات الرجل؟ قال(ع): «عليهما الدية في اموالهما نصفين»((67)).

صور من المسؤولية الطبية:

1- هل للطبيب ان يعمل عملا جراحيا لخدمة مريضه حتى وان لم يوافق عليه؟

يرى بعض الاطباء ان لهم الحق باجراء عملية تخدم المريض وتقوده الى الشفاء رغم ممانعة المريض من ذلك، كان يتفق المريض مع الطبيب على اجراء عملية الزائدة الدودية فقط دون المساس بالفتق الذي يحتاج الى اجراء عملية ايضا، ولكن الطبيب يرى ان له الحق عند تخدير مريضه من اجراء كلا العمليتين معا بدون اذن مريضه اذا وجده قادرا على تحملهما، وكان ذلك يقود المريض الى الشفاء.

وقد ذكر ابن حزم ما نصه: «من قطع يدا فيها آكلة بغير اذن صاحبها، قال ابو محمد قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)((68)) وقال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)((69))، فالواجب استعمال هذين النصين من كلام الله تعالى، فينظر فان قامت بينة او علم الحاكم ان تلك اليد لا يرجى لها برء ولا توقف وانها مهلكة ولابد، ولا دواء لها الا القطع فلا شيء على القاطع وقد احسن؛ لانه دواء، وقد امر رسول الله بالمداواة...»((70)).

اقول: على هذا الاستدلال اذا يجوز ان ناخذ اموال الناس بلا اذن منهم ونصرفها في البر والتقوى استنادا الى قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، وهذا الصرف في وجوه البر ليس الا معاونة على البر وليس اعتداء على صاحب المال؛ لان الصرف في البر كان في صالحه.

ولكن هذا الكلام غير صحيح؛ لان الطبيب وان كان قد عمل لصالح المريض الا انه غير مجاز بهذا العمل حسب الفرض، وكل عمل غير مجاز يعد تعديا وان كان فيه نفع للغير؛ فان الاحسان انما يكون احسانا بشرط ان يوافق عليه من يحسن اليه، فاذا اراد انسان ان يصلح بيت الغير بدون اذنه فهو عمل غير مشروع؛ لانه تعدعلى حق الغير بدون اذنه، فيجب على المعمر ان يزيل ما عمره اذا احدث التعمير بدون اذن صاحب البيت، ويجبر ضرر صاحب البيت لو حصل من ذلك ضررعليه.

فالصحيح هنا عدم جواز اقدام الطبيب على عمل فيه نفع بحسب علم الطبيب مع منع المريض من ذلك؛ وذلك لعدم جواز ان يتدخل الطبيب في جسم المريض بما زاد على الاتفاق معه، فان فعل ذلك كان مسؤولا مسؤولية مدنية لو حصل ضرر على المريض ومسؤولية جزائية لعمله عملا غير مشروع بدون الاذن.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية