9- الرقابة الدستورية الشاملة للفقه والفقهاء: المادة الرابعة:
يجب ان تكون الموازين الاسلامية اساس جميع القوانين
والقرارات المدنية والجزائية والمالية والاقتصادية والادارية
والثقافية والعسكرية والسياسية وغيرها هذه المادة نافذة على
جميع مواد الدستور والقوانين والقرارات الاخرى اطلاقا
وعموما، ويتولى الفقهاء في مجلس صيانة الدستور تشخيص
ذلك.
10- المقومات العقائدية والايديولوجية: المادة الثانية: يقوم
نظام الجمهورية الاسلامية على اساس:
وهذا النظام يؤمن القسط والعدالة والاستقلال السياسي
والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتلاحم الوطني عن
طريق ما يلي:
* المطلب الثاني - القانون الاداري (Administrative
law):
وبعبارة اخرى: يتكفل القانون الاداري تنظيم علاقات المواطن
الادارية مع الدولة؛ فتارة هذا المواطن يريد ان يوظف من اجل
اعمال الادارة فياتي دور نظام الموظف العام من شروط
التوظيف والترقية والراتب والترفيع والاعفاء والتقاعد والرقابة
والدعاوى عليه وهكذا.
وتارة يراجع الادارة من اجل خدمات عامة كاصدار جنسية او
تسجيل ابنه في المدرسة او للخدمة العسكرية من اجل الدفاع
او الدراسة في التعليم العالي او تاسيس شركة واحتياجه للاذن
الحكومي، وهنا ياتي الحديث عن التنظيم الاداري للدولة
المتكفل لهذا الشان من وزارات ومحافظات وبلديات وامثالها،
كذلك البحث عن الاعمال الادارية كالعقود الادارية المحاكم
الادارية والمسؤولية المدنية الادارية ونظير ذلك من البحوث. الشيخ حيدر حب الله القسم الثاني
اجماعا المرتضى والطوسي في ميزان التقويم:
وفي سياق التقويمات، برز الشيخ الانصاري في دفاعه عن
اجماع الطوسي، ونظرا لكون اغلب التقويمات التي ذكرها
العلماء تصب لصالح اجماع الطوسي، سوف نجعل بحثنا ضمن
هذا السياق، مفردين معززات اجماع الطوسي اولا، لنبحث بعد
ذلك ثانيا مضعفات اجماعه، وسوف يلاحظ القارى اننا في
الحالين قدندعم اجماع الطوسي من خلال تضعيف اجماع
المرتضى، او مباشرة، وكذلك نضعف اجماع الطوسي اما مباشرة
او عبر تقوية اجماع المرتضى، حتى نلملم المحاولات المذكورة،
او ما يمكننا ذكره دون ان نقع في تشتت.
وحاصل اهم معززات اجماع الطوسي ما يلي:
معززات اجماع الشيخ الطوسي(قدس سره):
وهذا الوجه يفترض بطبيعته ان يطال اجماع الطوسي ايضا،
الامر الذي لم ياتوا على ذكره عندما تعرضوا للاستدلال على
حجية الخبر بالاجماع، بل ان الميرزاالنائيني الذي سجل
الاشكال المتقدم عينه على اجماع المرتضى، حينما وصل الى
اجماع الطوسي قال: ان كشف عن راي المعصوم فهو والا فلا
عبرة به، دون ان يشير الى معارضته باجماع المرتضى((106)).
والانصاف ان بعض الفقهاء - ومنهم الامام الخميني(قدس سره) -
اعتبروا اجماع الطوسي ايضا موهونا بمعارضته اجماع غيره،
ولهذا شككوا في وجود اجماع شيعي حول هذا الموضوع
معتبرينه مسالة خلافية غير متفق عليها((107))، ورغم
الاجماعات، يرى صاحب الكفاية - تبعا للمحقق الايرواني - ان
ثمة خلافات حقيقية في التفاصيل بين القائلين بحجية الخبر،
ولهذا لا يمكن الاخذ باجماعهم المحصل او المنقول، بل ان
الاتفاق على الحجية في الجملة يبدو ان في اثباته - عنده
- خرط القتاد كما يصرح((108)).
وبهذا يظهر ان العلماء المتاخرين لم يتمكنوا - جميعهم - من
الجزم بانعقاد اجماع شيعي على مسالة حجية الخبر رغم انهم
قائلون بالحجية، وما يجعلنا نفهم تركيزهم على اجماع
المرتضى اكثر من اجماع الطوسي في معركة توهين
الاجماعات المدعاة هو انهم - اي المتاخرون - قائلون بحجية
خبر الواحد، لذا كان من المطلوب منهم رد اجماع المرتضى، اما
اجماع الطوسي فلم يكونوا محتاجين اليه جدا ما دامت آية النبا
والسيرة العقلائية هي اهم مدارك الحجية عندهم.
اما العلماء الذين اصروا على تصحيح مقولة الطوسي، لا فقط رد
مقولة المرتضى، كما فعله الشيخ الانصاري، فقد تقدموا خطوة
اكثر عمقا بذهابهم الى تجميع قرائن تنتصر لاجماع الطوسي،
وسنمر عليها قريبا باذن الله في طيات المعززات القادمة.
وبهذا يظهر ان هذا ليس معززا ما دام متساوي النسبة الى
الطرفين.
1- الاجماع الذي نقله ابن طاووس (664 ه)، وهو اجماع
ينسبه ابن طاووس الى الطوسي وغيره لا فقط الى الطوسي
مما يعطيه مزية زائدة، قال ابن طاووس فيما حكاه في الفرائد:
«ولا يكاد تعجبي ينقضي كيف اشتبه عليه اي المرتضى ان
الشيعة تعمل (لا تعمل) باخبار الاحاد في الامور الشرعية؟ ومن
اطلع على التواريخ والاخبار وشاهد عمل ذوي الاعتبار، وجد
المسلمين والمرتضى وعلماء الشيعة الماضين عاملين باخبار
الاحاد بغير شبهة عند العارفين، كما ذكر محمدبن الحسن
الطوسي في كتاب العدة، وغيره من المشغولين بتصفح اخبار
الشيعة وغيرهم من المصنفين»((110)).
2- الاجماع الذي ادعاه العلامة في النهاية كما فهمه الانصاري،
حيث ذكر ذهاب الاخباريين الى القول بالحجية مطلقا، اما
الاصوليين فقالوا بها في الفروع، ولم ينكر سوى المرتضى
واتباعه لشبهة حصلت لهم((111)).
3- الاجماع الذي ادعاه العلامة المجلسي في بعض رسائله
على ما نقله عنه في الفرائد من تواتر الاخبار وعمل الشيعة
في جميع الاعصار على العمل بخبر الواحد((113)).
وعلى اية حال:
أ- فهذه الاجماعات الثلاثة الداعمة حسب راي الانصاري
تعود للقرن السابع، والثامن، والثاني عشر، ومن غير الواضح ان
تكون هذه الاجماعات على تقديرصدورها من اصحابها
جميعهم مستقلة عن اجماع الطوسي، وعن الراي الغالب عند
المتاخرين في مسالة حجية الخبر، كما ذهب اليه
البروجردي((115)).
ب- هذا، مضافا الى ان التمسك باجماع صاحب البحار
كصاحب الوسائل في امر يمس الموضوع الاخباري مع فرض
رفضنا للمنهج الاخباري كما عليه الاصوليون، وهكذا التمسك
باجماع ابن طاووس على ما عنده من مشرب حديثي يضعف
من درجة الكشف بلحاظ ارتفاع احتمال تدخل القناعات في
تكوين اجماع استنبطي، اذ لعل الاخباريين ادعوا الاجماع على
العمل بالخبر مع اعتقادهم باعتبار الكتب الاربعة جميعها،
بعيدا عن قطعيتها.
ج- علاوة على ان تاييد اجماع الطوسي بهذه الاجماعات
المتاخرة يعارضه تاييد اجماع المرتضى باجماعات اقرب زمنا
الى تلك الحقبة مثل كلام ابن ادريس وما نقلناه عن الشيخ
المفيد والطبرسي، فقد كانت تاييدات الثلاثة اقوى، نظرا
لقربهم الزمني، ومجرد القول ان هذا او ذاك من اتباع السيد
المرتضى كابن ادريس لايلغي قيمة اجماعه كلية لصالح اطراف
هي نفسها تصنف من انصار مدرسة الطوسي ايضا، واذا كان
اجماع المجلسي مفيدا فلماذا لا يكون قول الفاضل
التوني(1071 هـ) المعاصر له ذا قيمة بعد نصه على ذهاب اكثر
الاصوليين الى عدم الحجية، وعدم وجدانه قائلا بها ما قبل
العلامة الحلي، بل ونسبته القول بعدم الحجية الى الصدوق
نفسه في كتاب الغيبة المفقود اليوم((116))، واذا كان اجماع
المجلسي يغتفر فيه صراحة نص المرتضى وانصاره على نفي
الحجية فلماذا لا يغتفر للفاضل التوني صراحة نص الطوسي في
الحجية، بل يعلق الشيخ الانصاري على كلامه اي التوني
بعدما كان ظاهره ان الطوسي لا يعمل بخبر الواحد
بقوله: «وهو عجيب»((117)).
وقد تكررت النصوص اللاحقة ممن هم خبراء في الحديث ايضا
تدل على ذهاب اكثر المتقدمين لانكار خبر الواحد، فقد صرح
الشهيد الاول (786 هـ) في الذكرى بان «جل الاصحاب (انكروا
خبر الواحد) كانهم يرون ان ما بايديهم متواتر او مجمع على
مضمونه وان كان في حيز الاحاد»((118))، وقد عبر
صاحب منتقى الجمان بقوله: «واذا اطلقت الصحة في كلام من
تقدم فمرادهم منها الثبوت او الصدق»((119)) مما يكشف عن
الفكرة نفسها، وقد صرح الشيخ البهائي(1031 هـ) في وجيزته
بانه «رد الاحاد الصحاح المرتضى وابن زهرة وابن البراج وابن
ادريس واكثر قدمائنا رضي الله عنهم»((120))، فانظر كيف
عطف على المسمين عبارة اكثر القدماء مما يدل على انه يرى
ذهاب كثيرين غيرهم، وقد اعاد البهائي كلامه هذا بعينه،
مستبدلا عبارة «اكثر» ب«كثير» في زبدة الاصول((121))، ومع
ذلك كله، كيف ناخذ بكلام ابن طاووس والعلامة والمجلسي
على تقدير الدلالة، ونتجاهل نصوص معاكسة، لا نريد فعلا ان
نثبتها بقدر مانريد ان نضعف بها هذا المعزز؟! وهي نصوص
جاءت عن التوني، والشهيد الاول، وصاحب المعالم، والشيخ
البهائي، وسياتي ان المحقق الحلي يقول بذلك،علاوة على
عموم من قال بان الصحيح عند القدماء هو القطعي وسياتي
قولهم.
ولكي يتجاوز الشيخ الانصاري عقبة ان هذه الاجماعات
اجماعات منقولة، يذكر انها محفوفة بقرائن صحتها
وصدقها((122)) مما سياتي قريبا حاله في مطاوي المعززات
القادمة.
وبما اسلفناه تظهر القرينة السادسة بحسب ترتيب صاحب
الفرائد والتي دعم فيها الاجماعات المنقولة، حيث كانت تكرارا
لنص كلام البحار المتقدم((123))، فلانعيد.
وسياتي منا ما يناقش في مبدا الرجوع الى عمل الطائفة وليس
الى قولها فانتظر، غير انه مع ذلك ثمة خصوصية تبقي هذه
القرينة في وضع قوي، وهي تسمية المصدر الذي رجع اليه
الاصحاب، اي كتاب الشرائع للصدوق الاول (329 هـ)، مع
العلم بانه خبر واحد ظني، الا اذا قيل بانهم يرونه متيقن
الصدور لجلالة صاحبه ومن روى عنهم، او قيل ان معنى
اخذهم به اخذهم به على نحو القضية المهملة لا الكلية، اي
دون تحديد ان هذا الاخذ اخذ بكل اخباره وان كان ذلك خلاف
ظاهر عبارة الذكرى، او يقال بان «الاصحاب» يراد بها القضية
المهملة لا جميعهم مما يفيد في رد اجماع المرتضى لا اثبات
اجماع الطوسي، والواسطة ثابتة بين الامرين.
نظرية المحقق الحلي(قدس سره) في مسالة الخبر:
ولكي نحلل هذا المعزز يجب علينا دراسة نظرية المحقق
الحلي ولو مختصرا، في مسالة حجية الخبر حيث وقع تضارب
في فهم كلامه، فذهب البعض الى ان كلامه يدل على عدم
القول بحجية الخبر الواحد((217))، فيما عارض ذلك آخرون،
ووصف الاشتياني في بحر الفوائد كلامه بالمضطرب((218))،
وبعد تحليله نعود الى المعزز السالف الذكر.
وفي الحقيقة، هناك نصان هامان للمحقق، احدهما في المعتبر
وثانيهما في معارج الاصول.
اما المعتبر فالذي يظهر من عبارته تبنيه عدم حجية الخبر، ونسبته ذلك الى اكثر
الامامية، فقد عرف خبر الواحد بانه ما لم يبلغ العلم القطعي باستحالة التواطؤ مسندا كان ام مرسلا،
معرجا بان المتواتر حجة لافادته اليقين، وكذا ما اجمع على
العمل به، وما اجمع الاصحاب على اطراحه فلا حجة
فيه((129)).. ويقر المحقق بما قبله الاصحاب او دلت القرائن
على صحته، مستدلا لرفض غير ذلك بانه اما ان يفيد الظن او
لا، فعلى الثاني الامر واضح، واما على الاول فيتمسك بما دل
على النهي عن الظن قرآنيا((130))، وهذا يدل على ان
المحقق لا يقبل بغير القطعي الصدور، والا ما كان لاستدلاله
معنى.
وفي تطور لافت، يورد المحقق على نفسه بان الامامية عاملة
بالاخبار وعملها حجة وهو ما كان الشيخ الطوسي قد قاله
سابقا، ثم يجيب باننا نمنع ذلك، فان اكثرهم يرد الخبر بانه
واحد، وبانه شاذ..((131)).
وفي اشارة بالغة الاهمية تمنحنا تصورا عن تكون القطع في
سالف الازمان مما اشرنا له مرارا وسياتي، يذكر المحقق انه مع
عدم الظفر بالطاعن بالخبر والمخالف لمضمونه يعمل به، لكن
المحقق لا يرى ذلك عملا بخبر الواحد الظني، بل يردف سريعا
كلامه قائلا: لان مع عدم الوقوف على الطاعن والمخالف له
يتيقن(لاحظ) انه حق، لاستحالة تمالي الاصحاب على القول
الباطل، وخفاء الحق بينهم((132))، وهذا ما يو كد شكل
الحصول على اليقين الامر الذي قد لا نفهمه نحن سريعا اليوم،
ومن ثم فاذا عمل المحقق بالخبر فلعله لحصول اليقين له، وهو
من ابناء القرن السابع الهجري.
وهكذا ياخذ المحقق بالقرائن، لانها حجة بانفرادها فتكون دالة
على صدق مضمون الحديث((133)).
ولا يرضى المحقق بجعل ايراد الشيعة للاخبار دليلا على
عملهم بخبر الواحد، معللا بانهم اوردوا اخبار الكفرة والفسقة،
كما واوردوا اخبارا عقائدية كالتوحيد
والعدل((134)).
وبعيدا عن الفقرة التي تمسك بها الشيخ الانصاري ظهر ان
المحقق الحلي غير قائل في المعتبر بحجية خبر الواحد الظني.
واما معارج الاصول، فقد ذكر المحقق استدلال المرتضى على
عدم التعبد((135)) دون نقاش، ثم ذكر ادلة المتمسكين
بالخبر عقلا وردها، واعقب ذلك بذكر ادلة النقل من آية النفر،
فية النبا، فارسال النبي(ص) للرسل، فاجماع الصحابة((136))،
مفندا الوجوه الاربعة برمتها((137)).
وبعد ذلك، ذكر المحقق نظرية الطوسي، والتي يفهم منها ان
الطوسي لا يعمل بكل خبر امامي، بل منضما الى تدوين
الاصحاب له، او رواها غير الامامي واشتهرنقلها في كتب
الاصحاب((138))، مما يعزز فهمه امرا زائدا عن الحجية
التعبدية.
ويردف المحقق ذلك بذكر ادلة الطوسي، وهي الاجماع،
واختلاف الاصحاب باختلاف الاحاديث، واهتمام الطائفة
بالرجال، دون ان يناقشها، خاتما كلامه بذلك((139)).
والى هنا لا اقل، لا يظهر ان المحقق عامل بالخبر الواحد
الظني، كما لا يظهر عدم عمله، فلا يكون نص المعارج دليلا
على انه ذهب الى خلاف ما ارته في المعتبر، وان لم نجزم
فرضا بانه طابقه.
لكن المحقق يبحث بعد ذلك عن الخبر الذي لم يعارض كما
لم يحتف بالقرائن فيرى العمل به بشروطيبدو انها الايمان
والعدالة والعقل والبلوغ و...((140))،
وهو ما قد يدل على عمله
بالخبر.
لكن اذا ضممنا نص المعتبر الى نص المعارج لاحظنا ان الخبر
الذي يرويه مومن عدل بالغ عاقل ليس ما يدل على خلاف
متضمنه، هو خبر يقيني عند المحقق بشهادة نص المعتبر
السالف حين تحدث عن عدم الظفر بالطاعن والمخالف، الا اذا
قيل ان نص المعارج خاص بما يدل على خلاف متضمن الخبر
من اخباراخرى، اما دليل المعتبر فهو يركز على عدم الطاعن
في الخبر من الامامية، ولا اقل نشعر الى هنا بزوال ظاهرة
الغموض او الاضطراب، التي تحدث عنها بعض الاصوليين.
وفي هذا السياق يجب ان نفهم المقطع الذي استشهد به شيخ
الرسائل، فقد قال المحقق في المعتبر بعد ايراده على الحشوية
العاملين بجميع الاخبار طرا:«واقتصر بعض عن هذا الافراط
فقال: كل سليم السند يعمل به، وما علم ان الكاذب قد يلصق،
والفاسق قد يصدق، ولم يتنبه ان ذلك طعن في علماء
الشيعة،وقدح في المذهب، اذ لا مصنف الا وهو قد يعمل بخبر
المجروح كما يعمل بخبر الواحد المعدل»((141)).
وهذا النص وفق السياق الذي تحدثنا عنه ادل على عدم حجية
الخبر منه على حجيته، فضلا عن ان ينسب الى الشيعة العمل
به، ذلك انه يرد مقولة من اقتصرعلى التصحيح السندي،
ويشكك في هذا المعيار للاخذ بالروايات، لان الصحة السندية
لا تمنع من ان يلصق الكاذب او ان يصدق الفاسق، ومن ثم فهي
تبقينا في دائرة التردد، ولكي يكمل المحقق نقده على هذا
القول استشهد بواقع تجربة علماء الشيعة، اذ ان الاخذ بهذا
المعيار، وتطبيقه على تجربة علماء الشيعة ستكون نتيجته ان علماءهم يعملون بخبر
المجروح، اذن فهذا المعيار خطى حتى
لا ننسب الى علماء الشيعة تهمة كهذه، وبالتالي يجب وضع
معيار آخر لا يجمد على السند حتى لا نجبر على القيام بعملية
تصنيف تضع علماء الشيعة في خانة العاملين بخبر المجروح، لا
بالخبر المجروح فان المجروح وصف للراوي، لا للخبر
فلاحظ
جيدا.
وهذا كله يوكد ان المحقق يريد ان يتبنى معيارا آخر غير
المعيار السندي، وهو: ان ما قبله الاصحاب او دلت عليه القرائن
عمل به وما اعرض عنه الاصحاب اوشذ وجب اطراحه، وهذا
المعيار يعني يقينية الرواية وفقا لنفس كلامه المتقدم في
المعتبر ووفقا لادلة نظريته التي ذكرها ايضا((142))، اذ
ستكون رواية لا طاعن فيها، ومن ثم لا معنى للقول ان علماء
الشيعة عملوا بخبر المجروح، لان هذا الخبر اصبح يقينا
بالقرائن فلا تضر به جهالة او ضعف احد الرواة.
وبناء عليه، فنص المحقق يويد رفضه حجية الخبر لا العكس فلا
يكون مدعما لاجماع الطوسي. نعم يبقى قول المحقق بعد ذلك فورا: «وافرط آخرون في طرف رد الخبر حتى احال استعماله عقلا ونقلا، واقتصر آخرون فلم يروا العقل مانعا، لكن الشرع لم ياذن في العمل به وكل هذه الاقوال منحرفة عن السنن، والتوسط اقرب، فما قبله الاصحاب...»((143))، ثم ذكر نظريته... فان ما احالوه عقلا او شرعا هو الخبرالظني، فاذا كان المحقق موافقا للمرتضى فكيف اعتبر قوله (وهو الاخير بحسب استعراضه) مجانبا للصواب، رغم انه تبناه فورا حسب الفرض بعد ذلك؟! هذه هي الجملة الغامضة في نص المعتبر، رغم ان ادلته بعد ذلك كله ادلة لاثبات ضرورة اليقين الماخوذ من الخبر، اذن فهو لا يخالف المرتضى، فلماذا صرح بذلك هنا؟!
وهنا:
ولا اقل من ان هذه الفقرة - لمن يقرا كل نصي المعتبر
والمعارج - لا يمكنها لوحدها - انصافا - ان تجعل المحقق قائلا
بحجية الخبر الظني، فضلا عن ان تجعله ينسب الى الامامية
ذلك.
وقد اطلنا قليلا في تحليل موقف المحقق، لانه بنفسه مفيد
ايضا.
ويستغل الشيخ الانصاري هذه الثغرة ليجدد نقده على ابن
ادريس باقراره هذا بعمل الطائفة بخبر الثقة، مستدركا بالا ان
يريد المعلوم الصدور وفيه ما فيه، او يريدبالخبر العلمي ما افاد
الوثوق والاطمئنان((145)).
لكن هذا الوجه يصلح ملاحظة على مدعي اجماع المرتضى لا
قرينة داعمة لاجماع الطوسي على نحو مباشر، لكن الاخذ بنص
لابن ادريس وهو ممن يصرح بعدم عمل الشيعة بالخبر الواحد
تبعا للمرتضى، هو اخذ بنص من نصين، ولو جازت هذه الطريقة
لجاز لنا ابداء تعارض كما تقدم وسياتي في كلام
الطوسي،واذا كان حل التعارض هناك بان الطوسي مر بمراحل
على هذا الصعيد، فان رسالة خلاصة الاستدلال لا نعلم حيث
لم تصلنا متى كتبها ابن ادريس، فلعله تابع الطوسي في بداية
حياته الامر الذي عدل عنه فيما بعد في سرائره.
واذا لاحظنا بدقة نص ابن ادريس وجدناه ينسب العمل بالخبر
الموثوق رواته الى جماعة لو تاملنا في مشربهم لوجدناهم من
تيار الحديث كالقميين وابني بابويه، وهو تيار اما نعلم من
الخارج انه يعمل باخبار الاحاد ربما حتى في اصول الدين
احيانا على راي، او نعلم انه كان يحصل لهم اليقين من اخبار
الثقات سيما مدرسة قم التي عرف عنها انها ما كانت تقبل الخبر
الا بعد تصفيته مرارا وتكرارا، فحصول اليقين لهم من الخبر
الموثوق برواته غير بعيد، فاراد ابن ادريس ان يجعل هذا
مستمسكا له، بعد ان اعتبر رواة اخبار المضايقة موثوقين. وعلمنا ان نص ابن ادريس قد يبطل على ابعد تقدير - بعيدا عما اسلفنا في مسالة الاجماع - اجماعه واجماع المرتضى كوثيقة تاريخية، لا انه يمثل اقرارا باجماع الطائفة على العمل باخبار الاحاد، حتى يكون قرينة على صحة اجماع الطوسي وابن طاووس و... والا فلماذا لا نسقط اجماع الطوسي بمعارضته لراي المرتضى وانصاره بقطع النظر عن ادعائهم الاجماع؟!
واما ما ذكره بعض المعاصرين من رجحان ان يكون قصد ابن
ادريس بقرينة آرائه في بقية كتبه هو الخبر المحفوف
بالقرينة((146))، فهو احتمال وارد، لكنه فاقدلما يرجحه بعد
ان كان ظاهر العبارة لا ينسجم معه.
وقد حاول بعض المعاصرين تفسير نص النجاشي بانه تدليل
على توثيق ابن ابي عمير لا اكثر((148))، لكن الانصاف ان
عبارته ظاهرة في الاخذ بنفس مراسيله مما لا معنى له اذا
حصرناه في نفس التوثيق، علاوة على انه كان قد وثقه في بداية
الترجمة.
لكن هذه القرينة يمكن ان تقع مثار نقاش وفقا لما ذكره
جماعة من المحققين الرجاليين في تفسير نص الكشي
المنظور((150))، بقطع النظر عن ان تكون الرواية التي وردوا
فيها ماخوذا بها ومعمولا عليها، وهذا معناه ان نص الكشي يراد
منه ابراز اخذ الطائفة برواياتهم من حيث هم، ومن غير البعيد
ان يكون هذا العدد
المحدود من اعاظم الرواة مما يفيد قولهم
اليقين ولا يرقى الشك الى منزلتهم عند ابناء الطائفة نظرا
لجلالتهم وعلو قدرهم وضبطهم واهتمامهم بالحديث،
ومعه فلا يكون في النص دلالة قوية على المراد، وان كانت
الدلالة الضعيفة بدرجة من الدرجات ما تزال قائمة. واما القول بان الصحيح عند القدماء هو ما افاد الوثوق وسكون النفس كما ذكره جماعة منهم البهائي (1030 ه) في مشرق الشمسين((151))، فهو ما لا يكفي فيه الاعتماد على كلمات المتاخرين من علماء الرجال والحديث، ذلك ان جهودهم استنباطية، ومن ثم فنحن مطالبون بتحليل هذا المصطلح في تلك الحقبة، فهل كانت الاستخدامات متحدة له بالنسبة للفئات المختلفة؟ وهل كان مراد المرتضى وابن ادريس من مصطلح الصحيح نفس مراد الطوسي وانصار مدرسته؟!
ان ما نبحث عنه هنا، هو تحديد نظريتهم، وما ياخذون من خبر
وما يذرون، فلا يكون نص العلماء المتاخرين الذين يفترض انهم
مارسوا اجتهادا في فهم الامر
كما مارسه الانصاري ومن بعده،
نصا حاسما قاطعا للخلاف، فاذا ثبت هنا ان المرتضى قائل
بحجية خصوص الخبر العلمي فكيف يقال: ان مصطلح
الصحيح عنده هو الخبر غير العلمي الذي افاد الوثوق فضلا عما
لو لم يفده على طريقة التعبد بالحجية، فان مورد حجية الخبر
تعبدا غير مدلول عليها في هذا المدعم ابدا.
والذي يشهد على اجتهادية تعريف مصطلح الصحيح هو ان
بعض الاخباريين وتبعهم بعض المعاصرين، عرفه عند القدماء
بما ثبت عن المعصوم(ع) بالتواتراو قرائن القطع، كما فعله
الحر العاملي (1104 هـ) في خاتمة الوسائل والمحدث
الاسترآبادي في فوائده((152))، فبعيدا عن معارضته لكلام
البهائي(قدس سره)يدل لا اقل على ان المصطلح خضعت
معرفته للبحث الذي نحن فيه، فهذا البحث اسبق، فلا يكون
تعريف الصحيح شاهدا عليه او دليلا لطرف على آخر؛ الا اذاكان
هناك نص صريح للقدماء في تعريف الصحيح، ولا يبدو موجودا.
ولا نريد هنا نفي مقولة الشيخ البهائي، بل نراها صحيحة في
الجملة، وانما نريد نفي اطلاقها من جهة، ونفي كون نص
المتاخرين عنصرا حاسما للنزاع فيها من جهة اخرى وهو
الاهم فليلاحظ جيدا.
ولقد جزم شيخ الرسائل باجماع الطوسي حدا قال فيه: «فالشاك
في تحقق الاجماع في هذه المسالة لا اراه يحصل له الاجماع
في مسالة من المسائل الفقهية،اللهم الا في ضروريات
المذهب»((154))، مما يوكد ان الشيخ الانصاري كان يريد من
قراءته تاييد اجماع الطوسي لا دحض اجماع المرتضى فحسب.
قال الميرزا القمي (1231 هـ) في القوانين: لو كان صحيحا ما
يدعى من المرتضى و.. لما خفي على الشيخ فلا يوخذ
به((155)).
ولعل الشيخ الانصاري قد اخذ بعض هذه النقاط عن الوحيد
البهبهاني (1205 هـ) في رسائله الاصولية، ففي سياق نقاشه
للاخباريين لرد قولهم بقطعية النصوص وان مصطلح الصحيح
لا يراد به القطعي، ذكر الوحيد جملة شواهد ايضا منها بناوهم
في التصحيح على قول شيخهم، وان موافق الكتاب عندهم
قطعي رغم انه لايفيد القطع، كما يذكر شواهد من كلمات
الصدوق، ويعزز البهبهاني مقولته في شيوع العمل بخبر الواحد
في الوسط الشيعي بقوله: ان اكثر الفرق الشيعية الضالة انما نشا
بسبب وضع الحديث وتحريفه، فلو لم يكن الشيعة عاملين
بالخبر لما حصل كل ذلك((156)). ويمكن التعليق على القرائن الاخيرة بـ: أولا: كيف عرفنا ان معظم الاصحاب المتقدمين عدا المرتضى وانصاره قد ذهبوا للقول بحجية الخبر الواحد؟ فان قصد الاعتماد في ذلك على ادعاء الطوسي وابن طاووس ومن بعدهما فهذا دور، لاننا حسب الفرض نجمع قرائن لدعم الاجماعات المنقولة منهم (رضي الله عنهم)، وان اريد اثبات ذلك بالتتبع فهذا ما لم يحصل، ولو حصل لكان هو بنفسه حجة لنا دونما حاجة للاجماعات المنقولة، بل ان التتبع طبقا لما وصلنا عن تلك الحقبة قد يقضي بعكس ما افاده الطوسي،لان انصار المرتضى - حسبما بحثنا سابقا - هم الى جانب المفيد كل من ابن البراج، وابن زهرة، وابن ادريس، والطبرسي، و... وهم اكابر فقهاء الشيعة في القرن الرابع والخامس والسادس، فكيف يصح اختزال هولاء الفقهاء بكلمة «اتباع السيد» او الشاذ كما فعله الخاقاني في رجاله((157)) فيما ينعت انصار الطوسي الذين لا نعرفهم بوضوح في الغالب في تلك الحقبة ولم يرد عنهم نص صريح او ظاهر ... ينعتون بالمشهور والاجماع؟!
ثانيا:
ان اضافة «الى زماننا» بما يوحي بالكثرة الكاثرة، هي اضافة غير منتجة هنا، لان
المهم هو القرن الرابع والخامس والسادس، اما من بعدهم فان شهرتهم ليست بتلك
المثابة، بل انها لا تعارض نص المرتضى وابن ادريس الظاهر في الحديث عن عصرهما
لا ما بعدهما حتى تجعل مرجحا لاجماع الطوسي عليهما.
واما خبر العمري، فالانصاف ان ما ذكره السيد محمود الهاشمي
(متولد 1367 هـ) في تعليقته على بحوث استاذه الشهيد
الصدر في غاية المتانة، اذ ان رواية العمري لم ترد لاجل بيان
الوثاقة بالمعنى الاصولي، وانما الوثاقة بمعنى التوكيل وكونه
بمنزلة الامام(ع) في لزوم السمع والطاعة له، وهو وابنه من
السفراء الاربعة، وهذا هو ما دفع العمري للبكاء كما جاء في
الرواية عينها، والا فان الصدق في الرواية ليست مزية استثنائية
حتى تحاط الرواية بهذا اللسان((163)).
كما ان جملة من هذه الروايات هي في الحقيقة اخبار التعارض، وهي تنسجم مع شرطية
اليقين، فمن الممكن ان يكون كل خبر صالحا في نفسه لافادة اليقين، لكن حصول التعارض
اعاقه فاريد من الامام(ع) بيان السبيل هنا، وبعض تلك النصوص هو ارجاع الى الرواة
مثل خبر اسحاق بن يعقوب وهو لا يدل على شيءبعد ان كان الرجوع الى الرواة متساوي
النسبة بين شرطية اليقين وعدمها، كما ان بعض هذه الروايات
وارد في الحث على الكتابة وبث الحديث، وهو ايضا ليس بقرينة
اصلا على مفروغية حجية الخبر تعبدا، واكثر النصوص من هذا
القبيل متساوية النسبة الى شرطية اليقين وعدمها فليراجع،
ولنتامل كلمات الاصوليين اللاحقين الذين ناقشوا في دلالة
هذه الاخبار على مفروغية حجية الخبر الظني سيما السيدين
الجليلين الخوئي والصدر رحمهما الله، فقد فندوا دلالة
هذه الروايات باستثناء خبر العمري عند الشهيد الصدر بشكل
دقيق ومحكم، فلا نكرر هنا كلماتهم.
اننا هنا في الحقيقة نريد ان نبحث مسالة الاجماع بعد عصر
الغيبة، لا السيرة المتشرعية او العقلائية او ... زمن حضور
المعصومين(ع)، ومعه ما الذي يحيل ان يكون الشيعة زمن
الحضور من متشرعة واصحاب ائمة(ع) عاملين بخبر الواحد اما
من باب التعبد، او من باب الاطمئنان والوثوق النوعي، ثم وبعد
الغيبة ونتيجة خصوصا تطورات الدرس العقلي والكلامي،
حصل اتجاه شرط العلم في الاخذ؟ وما يمكنه ان يبرر ذلك،
علاوة على نفوذ علم الكلام ذو الطابع العقلي في الثقافة سيما
على يد المفيد وهو ما لم يكن مانوسا بهذا المستوى من قبل،
ان فقهاء المرحلة الاولى ربما فهموا من سلوك المتشرعة
اشتراط اليقين فيما كان متشرعة عصر الحضور يكتفون
بالاطمئنان، وعدم الفصل ما بينهما ربما هو الذي اودى الى
تطور شرطية اليقين في مسالة الاخذ بالاخبار، وعدم الفصل
هذاامرممكن بعد ان كان الفارق ما بين اليقين والاطمئنان
دقيقا.
والذي يمكنه ان يقف في وجه هذا الاحتمال هو استغراب
حدوث هذا التحول السريع من جهة، وتوهم ان هذه المقولة
ربما تقدم استلزامات تضر بالاستدلال الفقهي بقناعات الحقبة
الاولى من الغيبة على زمن المعصومين(ع) ما يودي الى ضرر
على جملة من الادلة عموما كالاجماع والشهرة والسيرة
المتشرعية، من حيث قطع الاتصال بينها وبين زمن الحضور،
وهو اتصال هام وضروري في الفقه.
الا ان هذا العائق يمكن تبديده حينما نعرف ان الاستدلالات
المذكورة مشروط فيها على المباني المتاخرة لعلماء الاصول
احراز الاتصال سيما في السيرة، ولهذا كان نظر القدماء اهم
من نظر المتاخرين، وعدم احراز الاتصال يفترض ان ينشا عن
احتمالات منطقية معقولة، لا مجرد احتمال عقلي صرف، الامر
الذي يجعل خصوصية الحالة كما فيما نحن فيه ذات
مدخلية في ذلك، لا ان الاستدلالات الثلاثة تصبح بنفسها
عديمة الجدوى.
وعليه، فما ذكره الشيخ الانصاري وتبعه عليه الشهيد
الصدر((164)) من تمسك بالروايات لدعم فكرة الاجماع لا
العكس، هناك احتمالات قد تعيقه اذا تمت آعن تدعيم اجماع
الطوسي، هذا مع غض النظر عن دعوى ان سيرة اصحاب
الائمة(ع) ربما كانت انطلاقا من العلم بالصدور لا التعبد
بالحجية((165)).
وما يعزز ذلك، ان الفرق الضالة التي يتحدث عنها الشيخ
البهبهاني كانت في الغالب فرقا كلامية، وقد كان الموضوع
الكلامي قطعيا، اي ان الاعتقاد بالامامة وغيرها غالبا ما كان
يبلغ بالانسان حد اليقين، وليس الحال فيه كالفقه وفروع
الشريعة، سيما اذا نددنا كما ذهب اليه بعض الاخباريين
بنسبة الرجوع الى اخبارالاحاد في امور العقيدة للشيعة.
أ- ومن الواضح ان هذه القرينة يمكن للطرف الاخر وربما
بطريق اوضح ان يتمسك بها لنفسه بعد معلومية الشيخ
الطوسي ونسبه.
ويلاحظ:
وبهذا ظهر ان اغلب هذه المقويات لاجماع الطوسي لا تصلح
قرينة، لكن لو اجتمعت مع بعضها شكلت انصافا قرينة
بدرجة من الدرجات، لكن من البعيدجداان تفيدنا اليقين او
الاطمئنان بمفاد اجماع الطوسي كوثيقة تاريخية بعد
المناقشات السالفة، سيما مع ملاحظة مضعفات اجماع
الطوسي الاتية، لكنها بالتاكيدتحدث شرخا قويا في اجماع
المرتضى اذا اريدت به الشمولية.
مضعفات اجماع الشيخ الطوسي(قدس سره):
وهذا عينه ما التزمنا به في حق ابن ادريس على ما نسبه اليه
الشيخ في «خلاصة الاستدلال»، رغم ان حجم الشواهد
المتعاكسة في نصوص الطوسي لا يرقى اليها مجرد خلاف واحد
من ابن ادريس لجملة كبيرة جدا من تصريحاته الشاملة.
من جهة اخرى، يقع الاجماع العملي في مظان الاجتهاد
والحدس، بخلاف الاجماع القولي فهو حسي يتتبع الاقوال
والمواقف، وهذه نقطة تقدم لصالح اجماع المرتضى على اجماع الطوسي نظرا لوقوع اجماع
الطوسي في اطار استنبطي، ومن
تتبع كلمات المرتضى والطوسي وقارن درجة القاطعية فيهما
لوجد بكل وضوح ان درجة القاطعية في كلام المرتضى وكثرة
تكرر موقفه هذا في كتبه، اكبر بكثير مما جاء في كلمات
الطوسي، كما اسلفنا كلماتهما فليراجع، لا بل ان ادعاء المرتضى
ان المسالة كالقياس ظاهر كما يفيده ظاهر عبارة صاحب
الكفاية((172)) فيما هو فوق ادعاء الاجماع.
وهذا كله يعني ان الشيخ الطوسي لاحظ جريا عمليا للطائفة
واستنبط من هذا الجري انهم عاملون بخبر الواحد، وهذه
النقطة هي ما تفيده ادلته كما سنلاحظ، وسنتوقف عندها ايضا.
اما الطوسي فقد اقام ادلة على الاجماع نفسه، لانه اعتقد بانه
المدرك الوحيد لحجية الخبر وهذه الادلة هي وجود الاحاديث
المتعارضة، والجهود الرجالية لعلماءالشيعة كما تقدم، وهذا
معناه ان الطوسي مارس عملية اجتهاد وحدس وتحليل كي
يتوصل الى اجماعه هذا، مما يعزز حدسية اجماعه مقابل حسية
اجماع المرتضى.
لكن هذا المضعف يواجه احتمال ان الشيخ الطوسي انما اتى
على ذكر هذه الادلة لكي ينبه الطرف الاخر على صحة اجماعه
نفسه، ويرفع له الشبهة التي طرات عليه، ولو لم يكن الطوسي
كما هو ظاهر عبارة العدة بصدد نقاش الطرف الاخر لما
اضطر الى تجشم عناء اقامة الدليل على الاجماع.
وهذا الاحتمال يبدو قائما مما يخفف من قوة هذا المضعف.
|