المضعف السادس:
ان الوجوه التي ذكرها الطوسي لتاكيد
الاجماع هي في نفسها ايضا قابلة للمناقشة مما يعزز احتمال انه
اخطا في استنتاجه الامر الذي يضعف اجماعه على تقدير تمامية
حدسيته او احتمالها القوي.
أ- اما وجود الاحاديث المتعارضة مع عدم تكفير الطائفة بعضها
لبعض في العمل بهذا الحديث او ذاك، فقد تقدم نقد المرتضى
عليه، وهو نقد في محله فلانعيده.
ب- واما رجوعهم الى الكتب والمصنفات فهو كتاليفها
وتدوينها وحفظها ليس دليلا على عملهم بالخبر الواحد كما
اسلفنا، اذ قد يكون لتكثير القرائن، وربماكان عملهم بما عملوا
به نتيجة قطعهم به كما ذهب اليه جماعة((174))، ومجرد
استبعادنا حصول القطع اليوم لا يعني هذا الاستبعاد في تلك
الحقبة كما شرحناه فيما مضى، سيما وان بين المتاخرين من
ذهب الى قطعية الكتب الاربعة.
واما ما ذهب اليه الشيخ الانصاري للاستدلال على عدم وجود
ظاهرة القطع بالنصوص حتى زمن المعصومين(ع) مما يدعم
اجماع الشيخ الطوسي بروايات الاختلاف وما يشير لتحير الرواة
وتضارب الروايات بين ايديهم((175))... فقابل للمناقشة، ذلك
ان وجود بعض حالات التحير لا يعني ان هذه هي
الظاهرة العامة، كما ان الاختلاف لا يعني انهم لم يحصلوا على
قطع، فان الامور القطعية اعم من البديهيات والواضحات كما
لا يخفى، فربما اختلفوا في تبني الاخبار مع حصول القطع،
تماما كاختلاف المسلمين في شوون العقيدة مما يجامع القطع
لكل منهم برايه بقطع النظر عن الصحة والفساد، وحتى حالات
تعارض الاحاديث يمكن ان يحصل فيها قطع من موافقة حديث
للكتاب او الاجماع او نحوهما. وبناء عليه، لا نريد ان ندعي عدم وجود حالات لا قطع فيها، بقدر ما نريد ان نقول ان القرينة التي ابرزت لا تفيد ان عدم القطع هو الظاهرة العامة، ومن ثم لا تضر بالفكرة القائلة بان المتقدمين اعتمدوا على القطع، كيف والاخباريون يرون قطعية الكتب الاربعة لا اقل بعضهم دون ان يكون لظاهرة التعارض اثر على قناعتهم سواء وافقناهم ام لا، وهم من المتاخرين، فكيف لا يكون هذا الامر موجودا عند المتقدمين بعد تصريح مثل المرتضى وابن ادريس وجماعة من المتاخرين كماذكرنا سابقا؟! وبهذا يظهر وجه التوقف فيما ذكره السيد البروجردي (1380 هـ) على ما في تقرير نهاية الاصول، بان انفتاح باب العلم زمن السيد المرتضى غير وارد، بل يرى ان الانفتاح في زماننا اولى من ذلك الزمان بعدما انكشفت لنا النصوص بشكل اكبر بكثير وبكل خصوصياتها((176))، ذلك ان انكشاف المزيد من النصوص ليس دليلا على ارتفاع درجة القطع ان لم يكن دليلا على العكس، لان تكثير النصوص هو الذي ادى الى ظاهرة التعارض الواسعة التي لاحظها المتاخرون اكثر من المتقدمين، واذا خففنا من حدة ظاهرة التعارض في تلك المرحلة انطلاقا من قرب عصر النص ووجود حالات الاجماع سيما في نظرياته القديمة، فان تطورات الدرس الفقهي وكثرة القيل والقال والاخذ والرد ادت الى تخفيف حدة القاطعية الفقهية في كثير من الموضوعات لدى المتاخرين، وعدم جزمهم بالنتائج ممايجلي نفسه في ظاهرة الاحتياط في الفتاوى ايضا، اما المتقدمون فكانت النصوص غير منتشرة بشكل واسع بينهم كما هو عليه الحال اليوم، ولم تكن الخلافات الفقهية الداخلية قد توسعت الى الحد الذي بلغته اليوم، كما لم تكن المسائل الفقهية بالكثرة الموجودة في عصرنا، وهذا كله يساعد على تقبل احتمال القطع عندهم بعد ان صرح غير واحد منهم بذلك، فلماذا نلجا الى تاويل كلماتهم؟!
ج- واما اهتمامهم بالرجال فقد سبق ان ناقشنا فيه موافقين
صاحب المعالم فليراجع. المضعف السابع: ما يلاحظ على العدة من وجود تضارب في نظرية الطوسي، ففيما ذهب في اساس نظريته الى القول بحجية خبر الواحد الامامي، اتى في التفريعات اللاحقة على كفاية الوثاقة، فاجاز خبر العامي المذهب لان الطائفة عملت برواياته كالسكوني، كما اجاز روايات الفطحية والواقفية و...، فلم يعرف هل يقول بحجية خبر العدل الامامي او الامامي الذي جاءت روايته في كتب اصحابنا، او مطلق الثقة، او خصوص الثقة الذي عملت الطائفة بروايته ولو لم يكن اماميا؟!
ووجه كون ذلك مضعفا، هو انه يكشف عن عدم وضوح صورة
الاجماع في تصور الطوسي ومعقده، فبعد ان ادعى انه اجماع
على رواية الامامي، عاد وصورالطائفة عملت بغير ذلك وهكذا.
والفارق بين هذا المضعف والمضعف الثالث هو ادعاء تضارب
كلام الطوسي في كتاب العدة نفسه لا في مجموع كتبه، وهو
الكتاب الذي عليه المعول في اخذاجماع الطوسي.
وهذه الملاحظة - كمبدا - لعل اول من اوردها على الطوسي
فيما وصلنا، ابن ادريس الحلي في السرائر، ناقلا لها ايضا عن
الشيخ محمود الحمصي((177))، وهي ملاحظة تستحق
الدرس، وقد تقدم معنا ان المحقق الحلي فهم من الشيخ قوله
بحجية الخبر الذي روي عن الائمة ودونه الاصحاب لا كل خبر
امامي، على خلاف العلامة الذي فسره قولا بحجية خبر الواحد
بلا حاجة لقرائن او تدوين في كتب الاصحاب.
وقد حاول السيد البروجردي (1380 هـ) ان يذهب الى ان
الشيخ الطوسي لم يكن بصدد بيان الكبرى فقد كانت العمدة
عنده حجية خبر الثقة عقلائيا، وانما كان بصدد بيان الصغرى
وان كتب اهل السنة لم تكن هناك ثقة بها بعد كثرة الكذب
فيها، فلكي يحقق الطوسي صغرى الوثاقة شرط كون الرواية في
كتبنا، لا انه ضيق من حجية خبر مطلق الثقة الى خصوص
المسطور في مدونات الامامية((178))، ومن هنا قوى
البروجردي تفسير العلامة لكلام الشيخ دون المحقق((179)).
وبهذا التفسير يتبدد شبح التهافت المدعى بعد ان يكون كلام
الطوسي صغرويا، والا فالكبرى واحدة عنده وهو المطلوب.
الا ان هذه المحاولة لا يوجد اي شاهد عليها من كلام الطوسي،
على صعيد اصل النظرية، ومن ثم تحتاج الى شواهد موثوقة
تدعمها، والا فسوف تبقى مجرد احتمال، لا يلغي التنافي
الموجود في عبارة الطوسي بعد كون ظاهر عبارته تاصيل
الكبريات الاصولية لا تحقيق الصغريات والموارد. المضعف الثامن: مخالفة كلام الطوسي لما هو المعروف بين المذاهب الاسلامية من عدم قول الشيعة بحجية الخبر، فقد نص غير واحد من اعلام السنة على ذلك، مما يعزز اجماع المرتضى، انطلاقا من ان نصوصهم تشهد بمعروفية هذا الامر عن الشيعة في اوساط عامة المسلمين، فلو ان الشيعة عاملون بالخبر لذاع هذا الامر وشاع، ولما وجدنا نصوص جهابذة السنة تنص على عكس ذلك.
وفي الحقيقة، فهذه القرينة لا يراد بها تقديم نصوص علماء
السنة على كلام الشيخ الطوسي، اذ الطوسي اعرف بمقالة
الشيعة من بقية الفرق، وانما المقصود ان انضمام هذه الشهادات
من اصوليي السنة الى اجماع المرتضى وغيره هو الذي يجعل
موقف الشيخ الطوسي اضعف امام السيد المرتضى.
ولم تكن نصوص السنة وغير الامامية ما ذكره العضدي فقط
كما ينقل عنه الشيخ الانصاري، بل صرح بعدم عمل الشيعة
باخبار الاحاد المعاصرين منهم للمرتضى والطوسي، واللاحقين
بقرن وما يزيد، كابي اسحاق الشيرازي (476 هـ) في اللمع،
والكمال بن الهمام (861 هـ) ومعه ابن امير الحاج (879 هـ)
في التقرير والتحبير، وقبلهما الامدي (631 هـ) في احكامه
والغزالي (505 هـ) في المنخول((180))، وابو الوليد الباجي
(474 هـ) في احكام الفصول، واستمر الحال بعد ذلك مع محب
الله البهاري (1119 هـ) في مسلم الثبوت، والشوكاني (1255
هـ) في ارشاد الفحول((181)). وفي الكاشف عن المحصول لابي عبد الله العجلي الاصفهاني (653 هـ) عندما يتعرض للاقوال في مسالة الخبر عقلا وسمعا يقول والكلام للفخر الرازي: «ان دليل التعبد به السمع فقط، وهو قول ابي جعفر الطوسي من الامامية»((182)) مما يدل على تفرد الشيخ الطوسي بقوله هذا، الا اذا قيل بان تفرده كان من بنائه المسالة على السمع فقط، اما بقية الشيعة فيبنونها على العقل، وهو ما لا دليل تاريخي عليه اطلاقا.
وتبقى معروفية هذه الفكرة عن الشيعة في الوسط السني المعاصر مستمرة، حسبما يشهد
به كلام بعضهم، كالشنقيطي
في خبر الواحد وحجيته، والمستشار العشماوي في حقيقة
الحجاب وحجية الحديث((183)).
ورغم ان متابعة اللاحقين والمعاصرين من اهل السنة لمن
تقدمهم قد لا تكون عن بحث وتنقيب، وانما عن تلقي لما ذكره
الاقدمون كما يحصل كثيرا، الا ان تعدد نصوص اهل السنة
المعاصرة لتلك الفترة او المقاربة لها تعزز اكثر فاكثر اجماع
المرتضى.
والنص الوحيد غير الشيعي الذي عثرنا عليه مما يخالف هذه
النصوص هو نص ابن ابي الحديد المعتزلي (656 هـ) اذ ذهب
في شرحه للنهج الى ان مذهب المرتضى في خبر الواحد قول
تفرد به هو عن سائر الشيعة، ويستدل ابن ابي الحديد على ذلك
بان من قبله من فقهائهم ما عولوا في الفقه الا على اخبار
الاحاد كزرارة، ويونس، وابي بصير، وابني بابويه، والحلبي، وابي
جعفر القمي وغيرهم، ثم من كان في عصر المرتضى منهم
كابي جعفر الطوسي وغيره((184)).
وهو نص دال، بيد ان علائم الاجتهاد موجودة فيه نظرا
لاستعراضه الطبقات القديمة مما يعود للقرن الثاني الهجري
البعيد زمنا عنه، وتصريحه بالطوسي دون غيره، وصدور هذا
الكلام منه في مقام المحاججة للمرتضى في شرح النهج، وعلى
اية حال، فمع الاخذ بنص ابن ابي الحديد، تبقى نصوص
اصوليي السنة المتخصصين في الموضوع ذات دلالة اقوى.
وقد حاول الشيخ الانصاري رد نسبة بعض السنة هذه، بالقول
بان مستندها ما راوه من دعوى المرتضى الاجماع بل ضرورة
المذهب على كون الخبر كالقياس((185)). ويلاحظ عليه: أولا: انها مجرد دعوى ليس من ادنى دليل عليها، ومجرد احتمالها لا يغير كثيرا من واقع الامر، فلماذا اعتمدوا على كلام المرتضى، ولم يعتمدواعلى كلام الطوسي وهما علمان معروفان عندهم؟! ثانيا: ان بعض نصوص علماء السنة تشير الى انهم كانوا على دراية بوجود خلاف في الوسط الشيعي، لكن الغلبة فيه كانت للقول بعدم حجية الاخبار، فهذا ابوالمعالي الجويني امام الحرمين (478 هـ) المعاصر للطوسي يصرح في التلخيص بقوله: «وذهب معظم الروافض ومن تبعهم من اهل المذاهب الى ان خبرالواحد لا يقتضي العلم ولا يوجب العمل...»((186))، ويصرح ايضا في برهانه: «وذهب طوائف من الروافض الى ان خبر الواحد لا يناط به وجوب العمل...»((187)).
ومثل هذا النص لو كان صادرا تحت تاثير كلمات المرتضى لما
كان دقيقا التعبير بالمعظم ولا بالطوائف، لان قاطعية
المرتضى وجعله الامر كالقياس يحتم التعبيربذهاب الرافضة
اجمع كما دلت عليه نصوص اخرى، مما يدل على ان الجويني
كان على اطلاع محايد على الموقف الشيعي، ومنه موقف
المرتضى والطوسي.
استخلاص النتائج وتكوين قراءة تاريخية:
حينما نتحدث عن تكوين صورة تاريخية في موضوع كهذا،
يجب ان نبدي تواضعا، لنوكد ان الصورة التاريخية ليست امرا
قطعيا يقينيا لا ينبغي الريب فيه او اثارة التساول حوله، وانما
نعني تلك الصورة الاقدر من بين بقية الصور على تفسير
الظواهر والنصوص والاحداث، ومن ثم تبلغ في ابعد مدى لها
حد الظن القوي اوالاطمئنان، لتبقي المجال مفتوحا
لتفسيرات اكثر نضجا وموضوعية وكمالا.
وعلى اية حال، من مجموع ما اسلفناه، خرجنا بمجموعة نتائج،
نسعى على ضوئها لتكوين صورة تاريخية عن الموقف الاصولي
الشيعي في مدرسته القديمة،وهذه النتائج يمكن ذكر اهمها
على الشكل التالي: النتيجة الاولى: ثمة تياران قبل الطوسي كانا يتجاذبان الموقف الشيعي من مسالة الخبر هما: التيار العقلي الذي تزعمه المرتضى والمفيد وذهب الى انكار حجية الخبر، والتيار الحديثي الذي قد يصنف اصحاب المصنفات والمجاميع الحديثية كمتزعمين له، وقد كانت الغلبة على ما يبدو في تلك المرحلة لتيار انكار الخبر،وهذا هو ما يفسر وضوح وصراحة المرتضى في الموضوع، ولعل هذا يلتقي مع ما عبر به السيد حسن الصدر (1354 هـ) في شرحه للوجيزة بقوله: ان المنكرين مشوا على طريقة من اشتغل في اصول الفقه، واما من قرب اكثر من المحدثين كالكليني والصدوق فانه يرى ان طريقتهم كانت التعويل على خبر الواحد((188))، وهو ما يوكده الدرس التاريخي عموما الذي مارسه الباحث الايراني المعاصر السيد حسين المدرسي الطباطبائي ايضا((189)) ويحتمله صاحب الفوائد المدنية((190))، وتقدم عن صاحب المعالم.
ونتيجة هذا الكلام ان مجموع الشواهد التي دعمت اجماع
الطوسي او ضعفت اجماع المرتضى، وما اطلعنا عليه من سيرة
اهل الحديث آنذاك.. كله يوكد ان السيد المرتضى لم يطابق
قوله الواقع اذا اريد من الاجماع، الاتفاق، ومن ثم تتعزز
الاحتمالات التي اثرناها في مناقشة محاولة الجمع التي ابرزها
الشهيد الصدر، ووضوح وقاطعية عبارة السيد يمكن تفسيره
تغلبا لتيار العقل والكلام على تيار الحديث في تلك الحقبة، مما
جعله لا يابه كثيرا بحجم المخالف، وفي نفس الوقت نخرج
بنتيجة اخرى وهي عدم مطابقة اجماع الطوسي الواقع اذا اريد
منه الكشف عن اتفاق تام ، لان المضعفات السالفة كانت
للانصاف ولو بعضها آقوية، مما يشير الى حدسية
اجماعه(قدس سره) وجمعا بين النتيجتين، قلنا: بوجود تيارين
كانت الغلبة فيهما لمدرسة العقل والكلام.
واحتمالنا السابق وجود تحول في الموقف الشيعي بعد عصر
الغيبة، نجده قائما عندما نتبنى - اذا صحت هذه المقولة - ان
الامامية كانت تيارا اقرب الى النصية منها الى العقلية في
القرنين الاول والثاني، مما يعزز ان بداية السيطرة لتيار العقل
ومدرسة الكلام كانت مع القرن الثالث، وبلغت اوجها مع المفيد
والمرتضى، رغم جهود ضخمة لمدرسة الحديث بلغت ذروتها
مع الشيخ الصدوق (381 ه) في مصنفاته سيما من لا يحضره
الفقيه.
هذا كله، مفترضين ان مدرسة الحديث كانت عاملة بخبر
الواحد، واما اذا قلنا بعملها بالخبر اليقيني ايضا كما هو راي
جماعة فيتعزز اجماع المرتضى اكثر وتكون النتيجة شبه اجماع
شيعي على رفض اخبار الاحاد الظنية. النتيجة الثانية: ان الشيخ الطوسي مارس عملية توسعة للفقه بشكل ملحوظ جدا، وتمكن بجدارة من تقمص شخصية استاذه المرتضى من زاوية كونها شخصية عقلية في بداية حياته، وقد كان متاثرا به، ثم اخذت النظرية تتحول مع الطوسي نحو الاخذ باخبار الاحاد، تحولا اجتهاديا، وقد كان المناخ الحديثي الذي احاط الطوسي ذا اثر كبير في تكوين نظرية حجية الخبر، فقد خاض الطوسي مجال الحديث في تهذيبه واستبصاره، كما خاض في الرجال في اختياره، ورجاله،وفهرسته، كما ادخل الفقه في تفريعات جزئية هائلة اراد على ضوء اتجاهه الحديثي الاجابة عنها ردا على مقالة اهل السنة كما ذكره في مقدمة المبسوط((191))، الامر الذي اضطره لتوظيف كم اكبر من الاخبار مما عزز تكوين نظرية الحجية.
وهكذا مر الطوسي بمراحل من عقلية اصولية محتفة بالاخبار، الى اخبارية اصولية محتفة
بالمنزع العقلي، لكن الطوسي لم يتحول على الاطلاق الى اخباري،فهذه المقولة يبدو لنا
انها تجانب الصواب في قراءة شخصيته، وانما الذي حصل هو انه شكل الخط المعتدل الوسطي بين تيار الرفض الذي تزعمه
المرتضى،وتيار المحدثين الذي كان ياخذ احيانا بخبر الواحد
بطريقة واسعة نسبيا على تقدير القول بهذه المقولة.
وفي ضوء ما تقدم يظهر: أولا: ان الطوسي هو المنظر الاول لنظرية حجية الخبر في الفكر الامامي، وانه لم يسبقه احد على هذا الصعيد اي على مستوى التنظير وفلسفة الموضوع اصوليا،وهو ما توكده ندرة مصنفات الدفاع عن حجية الخبر قبله عدا النوبختي كما اسلفناه، على احتمال فيه ايضا تقدم. ثانيا: ان نظرية الطوسي مرت بمراحل في حياته، انتهت به الى القول بحجية الخبر، كما لاحظنا مع التهذيب الاستبصار العدة. ثالثا: ان الطوسي نفسه شكل بداية التكوين، ولذلك واجهت نظريته بعض الغموض من حيث عدم وجود تحديد قاطع وصريح لها، كما ظهر في العدة، وليس هذاعيبا على الاطلاق، وانما طبيعة الاشياء هي ما اقتضت ذلك، من حيث كون النظرية ما تزال في بدايتها. رابعا: لم ينجرف الطوسي في تيار الاخبارية القديم، بل وقف على الحد الوسط بين رفض الاخبار وقبولها، وهذا ما يمكنه ان يفسر لنا الى جانب شخصيته الموثرة تغلب تياره فيما بعد على تيار السيد المرتضى، كما ان ظروف البعد عن عصر النص وما قيل عن انسداد باب العلم ساهم ايضا في تعزيز نظرية الطوسي وضرورة تبنيها في القرن السابع وما بعد، سيما مع صاحب المعالم ومن قبله العلامة الحلي. النتيجة الثالثة: رغم تاثير الشيخ الطوسي في الواقع العلمي، وجزمنا بانه من البعيد جدا ان لا تكون نظريته قد تركت اثرا واعترافا في الاوساط العلمية آنذاك وفي وقتها ولو على نطاق غير واسع، الا ان مسار النظرية الشيعية استمر الى حد ما لصالح مدرسة السيد المرتضى، وفقا لما وصلنا من وثائق عن تلك الحقبة، ولذلك وجدنا تصريحات مساندة لنظرية المرتضى بعد الطوسي ايضا تمثلت في ابن زهرة، وابن البراج، وابي الفضل الطبرسي، وابن ادريس الحلي والمحقق الحلي،وابن شهرآشوب والسبزواري القمي((192)) و...، ولم يصلنا اي نص صريح بعد قرن ونصف من وفاة الطوسي يدل على وجود اتجاه قوي مويد لمدرسته، يمكن ان ندعي معه انه تغلب على تيار المرتضى، سيما وان ما وصلنا من مولفات كان ما يزال متسما بطابع الاختصار نسبيا، اي نسبة لمبسوط الطوسي، وهذا ما يعززانه لم تستمر عمليات التفريع الفقهية المضنية التي بداها الطوسي الا قليلا مع بعض الكتب التي نقل انها بلغت حجما كبيرا، لم نرها حتى نعرفها على وجه الدقة، الا ان مجيء ابن طاووس رحمه الله (664 هـ) كان له على ما يبدو دور في الدفاع عن مدرسة الطوسي قبل ان يقضي عليها ابن ادريس في هجماته العنيفة جدا، وقد كانت النزعة النصية التي امتاز بها ابن طاووس واضحة الدور، في بعث نصوص جديدة، وترويج ثقافة نصية حديثية.
لكن رغم وجود ابن طاووس ودوره الفاعل في اعادة خلق
مدرسة الطوسي التي لا ندعي انها كانت قد ماتت ابدا، لكن
نصوص المحقق الحلي (676 هـ) تكشف عن وجود تردد بسيط
كان ما يزال متبقيا الى حينه، لم يتم حسمه الا مع العلامة
الحلي (736 هـ) في نهاية الوصول، لينتهي كليا مع الشيخ
حسن صاحب المعالم(1011 هـ)، وتبدا مرحلة اخبارية جديدة
بزعامة الاسترآبادي (1036 هـ)، لتبلغ ذروتها مع الحر العاملي
(1104 هـ)، والمحدث النوري (1320 هـ)، والعلامة المجلسي
(1111 هـ).
ورغم اننا لا نريد تاكيد تصورنا في المرحلة التي تلت ابن
ادريس، لاننا لم نكمل دراستها في هذه الوريقات، الا ان اكثر
من موشر يدل على ما ذهبنا اليه دون ان نجزم جزما تعسفيا
والعياذ بالله. النتيجة الرابعة: من مناقشاتنا السالفة للشيخ الطوسي والشيخ الانصاري، يتبين ان ما تكشف عنه بدايات حقبة الغيبة الكبرى، لا يوكد ان اصحاب الائمة كانوايعملون بخبر الواحد الظني من باب التعبد كما ذهب اليه في المعالم وغيره((193))، لاننا اذا سرنا سيرا ارتجاعيا طبقا لنظريات في حجية الاجماع والشهرة ودلالتهما المنطقية، فان تبني القول بغلبة كبيرة لتيار رفض الخبر الواحد في القرون الرابع والخامس والسادس الهجري، سوف يعزز، وان لم نجزم بشكل قاطع، ان تكون اشهر اتجاهات اصحاب الائمة(ع) قائمة على التمسك بالاخبار من باب التواتر او وجود قرائن القطع كما احتمله ابو الحسن المشكيني في حواشيه على كفاية الاخوند((194))، ومن ثم فاستبعاد حصول القطع نتيجة وجود التعارض او لدلالة بعض الروايات و.. لايبدو في محله، اذا اصبنا في تقويماتنا السابقة.
ووفقا لذلك، يمكن ادعاء ان الشيعة لم تكن عاملة بخبر الواحد
اذا افاد الظن بحسب التيار الغالب، لان ادعاء الاجماع الكامل
الشامل امر تقتضي الامانة الاقراربالعجز عنه، لان احتمال وجود
تيارات حول هذا الموضوع زمن الحضور هو الاخر امر وارد،
حيث لم يكن الشيعة متحدي الراي في كل الموضوعات،
وهذاامرطبيعي في الجملة توكده العديد من الوثائق التاريخية
سواء على صعيد الكلاميات او الاصوليات او الفقهيات...
ولا نريد الجزم بذلك، بقدر ما نريد الحصول على موشر، فان الموشر لا يعطي ان التيار الغالب كان لصالح حجية الخبر، دون
ان نقدر على الجزم بانه لم يكن هناك تيار يعتمد الخبر تعبدا
ولو في الجملة. النتيجة الخامسة: لا يعني ما قدمناه ان الصحيح معياريا هو عدم حجية خبر الواحد، انطلاقا من فكرة الاجماع او الشهرة او السيرة المتشرعية، لاننا لا نرى الاجماع او الشهرة دليلين في المقام، واما السيرة المتشرعية المتصلة بزمن المعصوم(ع)، فقد شككنا في اتصالها اذا بني على حجية الخبر كما ذهب اليه المشكيني((195)) ان لم نقل بانقطاعها في القرن الرابع والخامس، واما لو بني على عدم حجية الخبر وقلنا بالجري المتشرعي على عدم العمل بخبر الواحد زمن الحضور كما احتملناه قويا، لا على مركوزية بطلان الحجية اذ هناك فارق بينهما كما يظهر بالتامل، فان الجري المتشرعي لا يكون دليلا على عدم حجية الخبر تعبدا لو قام عليه دليل من آية النبا او غيرها، لان هناك احتمالا قويا في ان عدم عملهم بخبر الواحد كان انطلاقا من عدم حاجتهم له، اما لتوفر عناصر موضوعية تفيد الوثوق بالاخبار او لوجود ظواهر ثقافة قطعية تسرع في حصول اليقين في الوعي الجمعي كما ذكرناه سالفا، وهذا معناه ان الشارع يكون قد سكت عن تصرفهم هذا انطلاقا من صحته، وعدم ابتلائهم بشكل غالب بخبر الواحد، ومن ثم يكون احتمال حجية الخبر ولو بعنوانه الخاص احتمالا غير مطرود من جانب السيرة المتشرعية، لانها سيرة سكوتية ازاءه، فلاحظ جيدا.
وهذا كله يعني ان بحثنا السالف اذا اراد ان يوثر في هدم
نظرية حجية الخبر فلن يمكنه ذلك الا اذا اثبتنا ان الشيعة
زمن الحضور كانوا مطبقين على التنديد بالعمل بالاخبار
ومركوزية ذلك عندهم رغم كون موارد الاخبار لا اقل بدرجة
معتد بها لا يقين فيها، واما في غير ذلك فلا يهدم بحثنا
السابق سوى دليل الاجماع والشهرة ببعض صيغهما، اي غير
السيرة العقلائية التي ادرجت عند صاحبي الرسائل والكفاية في
دليل الاجماع.
وبهذا يظهر ان بحثنا السالف يمكنه ان يوظف معياريا في اطار
محدد وفق ما بيناه، فان ثبت التنديد المذكور زمن الحضور
كان دالا في المقام، والا فتضعف قيمته بشكل بين دون ان
تزول.
الحوزات العلمية وتطوير سماحة آية الله السيد علي الخامنئي عرف لاية الله السيد الخامنئي في الاوساط الحوزوية آراؤه القيمة وافكاره الرائعة فيما يتعلق بتطوير المؤسسة الحوزوية ورسم الخطوط العريضة لها في حركتهاالعلمية والاجتماعية والسياسية.. وهو دام ظله بالرغم من مهامه الجسيمة يرصد هذه الحركة ويتابع مسارها ويحدد منازلها.. ولذا نجده يرفدها بين الفينة والاخرى ببنات افكاره الحصيفة وذلك من خلال كلماته التي يوجهها في زياراته الى الحوزة العلمية وبحوثه العليا التي يلقيها.. واهم ما تتميز به هذه الافكار: الاصالة.. الاصلاح.. التاسيس.. الشمولية.. المعاصرة.. التحليل الموضوعي والعلمي (*).. وقد سبق وان نشرت مجلة فقه اهل البيت(ع) في عددها الثالث احد اهم كلماته واجمعها في هذا الصعيد.. وهي تنشر في هذا الملف الخاص كلمة طرح فيها سماحته رؤى ومعالجات قيمة في المناهج الدراسية في الحوزة..
(*) انظر: كتاب «الحوزة العلمية في فكر الامام الخامنئي» اصدار
معهد الرسول الاكرم العالمي للشريعة والدراسات الاسلامية،
وهذا البحث هو نص الكلمة التوجيهية التي القاها سماحته دام
ظله امام جمع من طلبة البحث الخارج بتاريخ 12/ ربيع
الاول/1412هـ (: 21/9/1991 م).
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
وآله الطاهرين، ولعنة الله على اعدائهم اجمعين.
عن امير المؤمنين(ع) انه قال: «الفقيه كل الفقيه من لم يقنط
الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من
مكر الله»((196)).
طبعا، هناك احاديث قريبة من هذا المعنى، وخلاصة هذه
الاحاديث هي ان الفقيه هو الذي يبين للناس الحقيقة كما هي،
لا الذي ييئس الناس بتحميلهم المشاق او بادخال بعض
المفاهيم المنحرفة لقصر نظره، ولا الذي يؤمن الناس من
المكر الالهي باتباع الهوى واعتماد آراء لا اساس لها في الاصول،
فيشجع الناس على ارتكاب المعاصي، فلب الفقاهة هو فهم
حقيقة الدين والشريعة وبيانها للناس. ولكن رايت من اللازم في
البداية ان اعرض بعض الامور التي ارجو ان تكون ان شاء الله
مفيدة للسادة الحاضرين، ولمن يطلع عليها وساتناولها
بالترتيب:
أولا- دور الحوزات العلمية:
يجب دراسة دور الحوزات العلمية والتحقيق فيه سواء في
الماضي او الحاضر او المستقبل، والذي جعلنا نختار الحوزة
العلمية من بين كل المجاميع الروحانية،هو ان الحوزة تعتبر
مزرعة علماء الدين ومنبت رجال الفقه. وقد استطاعت هذه
الحوزات: أولا: ولفترات طويلة حفظ الدين وبيانه، فلولا جهود الحوزات العلمية من اول قيامها والى الان، لما بقي من الدين والحقائق الدينية شيء، فبقاء الدين مرهون للجهود العلمية للحوزات. ثانيا: كان للحوزات دور مهم في تقوية الالتزام الديني لدى الناس، فمن هذه الحوزات نهض العلماء المبلغون يروجون ويرسخون القيم الدينية بين الناس كماتمكنوا من توجيه المجتمع توجيها فكريا. فمنذ الف سنة مضت والى الان اي بعد مرحلة تدوين الحديث وحتى ابتداء مرحلة الاستدلال ولحد الان استطاعت الحوزات العلمية توجيه الفكر الديني للناس، والمحافظة على الدين واشاعة الروحية الدينية. ثالثا: كان للحوزات وعلى طوال التاريخ تاثير في المسائل السياسية، وقد راينا هذا الامر في تاريخنا الماضي، فمثلا في فترة العلامة الحلي(رحمه الله)، الذي كان له مدرسة متجولة، وكان يحرك الطلاب معه في المدن والبلاد بكل سهولة وقبله في زمان الشيخ الطوسي(رحمه الله)، وتلامذته الكبار الذين انتشروا في آفاق العالم الاسلامي في الشرق والغرب، وفي مدن الشام، وطرابلس ومناطق اخرى، وكذلك في زمان السيد المرتضى(رحمه الله)، وفي الازمنة القريبة من زماننا كالفترة التي سبقت الشيخ الانصاري(رحمه الله)، في زمان المرحوم كاشف الغطاء(رحمه الله) حيث كانت الحوزات العلمية آنذاك مؤثرة في التحولات الجارية في حياة الناس، ومن ثم تلامذة الشيخ الانصاري،كالمرحوم الميرزا الشيرازي، ومن بعده الاخوند الخراساني وسائر العلماء الذين تعرفون دورهم في القضايا التي جرت قبل الحركة الدستورية، واثناءها، وبعدها وحتى الان. والذي يدعو للاسف ان هذا الامر يجهله كثير من الناس، وهذه المسائل هي ضمن البحوث التي لم تحظ باهتمام المحققين.
يجب ان يطلع الناس على هذه الامور فانها والله الحمد
مدونة ومكتوبة، وكذلك في زماننا ايضا، فان تحرك الشعب،
وقيام الثورة الاسلامية، وبناء المجتمع على اسس اسلامية كان
بواسطة الحوزات العلمية، فلقد كان الاستاذ في الحوزات
العلمية هو الطليعة والقائد، وكان الطلاب وفضلاء الحوزة في
كل البلاد بمثابة جنود لذلك القائد.
ثانيا- تطوير برامج الحوزة:
ان اقامة الحكومة الاسلامية لم يكن بالامر السهل؛ فانه لم
يتحقق على طول تاريخ الاسلام منذ الصدر الاول والى يومنا
هذا، وحتى بعد انتصار الثورة الاسلامية والى اليوم، فان حضور
ومشاركة الاساتذة والطلاب عبر المراحل المختلفة التي مرت
بها الثورة، كان واضحا. وهذا يعني ان للحوزة العلمية دورا
حيويا في المجتمع من جهات مختلفة، وهو دور يجب ان يحظى بالاهتمام؛ اي ان يتوفر اشخاص يتولون ذلك،
ويجمعون المواد اللازمة ويقدمون في هذا الصدد افكاراجديدة.
هذه مسالة، والمسالة الثانية هي اننا الان نملك كنزا بهذه
العظمة وهو الحوزات العلمية، والذي هو ملك للعالم الاسلامي
ولعلماء الاسلام ايضا.
ولو ان مثل هذا الكنز الغالي كان موجودا لدى اية جماعة اخرى
في العالم، لرايتموهم كيف يسهرون ليل نهار للمحافظة عليه،
ولا يغفلون عن تقويته وتوجيهه لحظة واحدة. ان العلماء الكبار
واصحاب الفكر يفكرون ويخططون لكيفية الاستفادة من هذه
الذخيرة العظيمة. اما نحن، فما هو حجم تخطيطنا
للحوزات العلمية؟ ومن الذي يتولى التخطيط؟ وكم يصرف
الكبار وخيرة العلماء من اوقاتهم في التخطيط والبرمجة
للحوزة؟ وهل يتم التخطيط للحوزات العلمية كما يخطط
لدائرة حكومية صغيرة او لامر من امور الحياة او لجامعة
صغيرة؟ بالتاكيد لا، فمن الممكن ان يفكر شخص ما في امر
دراسته، وفي نوع المسائل التي يطرحها في السنة الدراسية،
ويفكر في طريقة العرض، وكذلك في المصادر التي يراجعها
في البحث، ولكن، اين هذا من امر التخطيط؟ كم عدد
الحوزات العلمية في البلد؟ هل تجدون عبر تاريخ الشيعة حوزة
علمية مثل الحوزة العلمية في قم اليوم؟ الحوزات العلمية في
النجف، قم، اصفهان، مشهد، وتبريز وغيرها، وكذاالحوزات
العلمية الكبيرة على طول التاريخ، لم تكن كالحوزة العلمية
في قم اليوم بما فيها من عظمة وازدهار. يجب تشكيل لجان
خاصة للتخطيط والبرمجة تدرس وتحقق بصورة مستمرة
مسيرة الحوزات العلمية، وتضع الخطط والبرامج العلمية
للمستقبل.
ثالثا- الفقه في الحوزات:
يجب ان يتطور الفقه والفقاهة في الحوزات من حيث العمق،
فانهما يجب ان يكونا اكثر عمقا منه في زمان الشيخ الطوسي؛؛
اي انه نواجه افكارا ونظريات مختلفة وبلغ الزمن عمقا ودقة
خاصة، والفقه في زمان المحقق الثاني صار اعمق بكثير قياسا
الى فقه العلامة، وكذلك فقه الشيخ في المكاسب اكثر عمقا
من السابقين. علينا توسيع قاعدة التعمق بالفقه. والتعمق لا
يعني تناول الحواشي، والهوامش، والزوايا والتعليقات الزائدة،
بل هو معالجة المسائل ووضعها موضع التفحص والتحقيق
باستعمال الطرق والاساليب الجديدة، والذي يعمل في ميدان
البحث والتحقيق يمكنه معرفة هذا الاسلوب في البحث. ان
الفقه في زماننايجب ان يكون اعمق من الفقه في زمن الشيخ
وتلامذته الذين كانوا مشايخ المرحلة السابقة؛ يجب تجنب
الرؤية السطحية في الفقه، والا نفكر ابدا في المسائل السطحية، بل يجب ان نعطي الفقه عمقا، وهذا بعد من ابعاد تطور
الفقاهة.
اما البعد الاخر لتطور الفقه، فهو سعته وشموليته لمسائل
الحياة، اي اننا يجب ان لا نكتفي ببعض ابواب الفقه التي لها
اهمية فردية وليس لها اهمية اجتماعية.مثلا، تلاحظون حجم
الكتب المؤلفة في باب الطهارة بخلاف باب الجهاد، او القضاء،
او الحدود والديات، او المسائل الاقتصادية في الاسلام. ولو
اجريتم مقارنة في ذلك، فستجدون ان ما كتب في باب الطهارة
اكثر بكثير مما كتب في المسائل الاخرى، وحتى في كتب
بعض العلماء لا تجد كتابا للجهاد، فصاحب الحدائق لم يجد من
الضروري ان يتطرق الى باب الجهاد، والذي هو من اسس
الاسلام والشريعة، وطبعا دورة كتاب الحدائق لم تكتمل ولم
تستوعب كل الابواب، ولكن المؤلف تجاوز المحل الذي يجب ان
يبحث فيه الجهاد، حيث انه تناول بحث الجهاد في آخر كتاب
العبادات، ولكنه لم يبحثه قبل الدخول في المعاملات والعقود.
والكثيرون اتخذوا هذا المنهج ايضا، فالمرحوم النراقي لم يبحث
في الجهاد، وطبعا هناك علماء بحثوا ذلك ولكن بصورة
مختصرة جدا، ولم يستخدمواتلك النقاط العلمية الظريفة
والدقيقة التي ترونها في بعض الكتب.
يجب علينا توسيع دائرة الفقه، ويجب ان يتطور فقهنا من حيث سعة مستوى الفقاهة فيشمل
كل مسائل الحياة، فهناك اليوم الكثير من المسائل غير واضحة من الناحية الفقهية،
ويمكن القول بان بعض ابواب الفقه التي بحثها القدماء وبينوا احكامها، احتوت مسائل
لم يبحثها المتاخرون. فلو راجعتم، مثلا، مبسوط الشيخ(رحمه
الله)
او تحرير العلامة، ستجدون فروعا اكثر مما في
كتب الفقهاء الذين جاؤوا بعدهما، لا سيما الفقهاء القريبين من
زماننا، حيث اعطوا للفروع اهمية اقل، في حين ان كل فرع من
هذه الفروع يتناول دورا معينا. فالتامل بصورة جيدة في احكام
الاجارة بمقياس عالمي، وكذلك استنباط وبيان احكام وانواع
واقسام العقود من الشريعة المقدسة، يبين الاحكام السابقة غير
واضحة لنا اليوم؛ فمثلا عقد المضرابة الذي لم يكن يحظى
عندنا من قبل بالاهمية، يمكن تشكيل نظام ادارة البنوك بناء
عليه، لماذا لا نقوم باجراء البحوث اللازمة في الكتب الفقهية
وابوابها المختلفة كي نحصل على اساليب مختلفة لادارة
شؤون الناس؟ وعلى هذا فالفقه، فضلاعن العمق، يجب ان
يتطور من حيث السعة والشمولية والاسلوب.
الاسلوب الفقاهتي الذي عرض آنفا يحتاج تهذيبا، وابتكارا
وتطورا، ويجب ادخال افكار جديدة لزيادة فاعليته. والخلاصة:
ان اساس الفقاهة يجب ان يتطور في الابعاد الثلاثة التي
عرضناها.
رابعا- العلوم الاخرى:
على الرغم من ان الاساس في الحوزات العلمية هو الفقاهة،
فانه يجب عدم الغفلة عن العلوم الاساسية الاخرى، وعلى
سبيل المثال يجب ان لا نغفل عن القرآن، وعلوم القرآن، وفهم
القرآن، والانس بالقرآن. يجب ان يكون القرآن جزءا من دروس
الحوزات وعلى طلابنا في الحوزات حفظ القرآن، او جزء منه
على الاقل، وعليهم الانس به، فالكثير من مفاهيم الاسلام هي
في القرآن، ولو اقتصرت دراستنا على الفقه فقط فلن تتوفر لنا
الفرصة لدراسة علوم القرآن. ان الانزواء عن القرآن الذي حصل
في الحوزات العلمية وعدم استئناسنا به، ادى الى ايجاد
مشكلات كثيرة في الحاضر والمستقبل، كذلك فان البعد عن
القرآن يؤدي الى قصرالنظر.
وقد كنت اقول في درس التفسير الذي كنت اعقده في مشهد:
انه وللاسف، قيل: ان بامكاننا بدء الدراسة ومواصلتها حتى نمنح
اجازة الاجتهاد من دون ان نراجع القرآن ولو مرة واحدة، اي
دروسنا ومنهجنا التدريسي قد رسم بطريقة بحيث ان الطالب
من اول تعلمه ودراسته، وان لم يكن قد راجع القرآن ولو مرة
واحدة، مع هذا يمكن طي الطريق والوصول الى الاجتهاد، لماذا
هكذا؟ لان دروسنا لا تعتمد على القرآن، وقد ترد في الفقه
بعض الايات القرآنية ولكن لا تدرس ولا تبحث بشكل مستفيض
كما يجري في الروايات. ولهذا يجب الاهتمام بعلوم القرآن
والمسائل المتعلقة بالقرآن، ومجموعة المسائل المنضوية تحت
عنوان العلوم القرآنية التي تنشر الان، والتي كتب عنها السلف
كتبا كثيرة.
والان، ومن حسن الحظ، هناك اهتمام جيد بالقرآن لدى
البعض ولو بشكل نسبي. ان تفسير القرآن علم مستقل وكذلك
معرفة الحديث وعلم الحديث بالشكل الذي ينتهي الى الغور في
هذا العلم، والى تنظيم وترتيب فهارس خاصة ومسائل مبوبة،
وللاسف نحن اليوم محرومون منها. وفي علم الرجال ايضا يجب
البحث والدراسة، فعلى الرغم من وجود الكتب الجيدة فان
الطالب يشعر بوجود فراغ كبير في هذا العلم، فعن طريق علم
الرجال يمكننا الحصول على الحجة في باب السنة. والتاريخ
مهم جدا كذلك؛ حيث يمكن الاستفادة منه في مجال الفقه،
فالكثير من المسائل الفقهية ترتبط بالتاريخ ولكننا لم نهتم
بهذا الترابط ولم نحاول اكتشافه، وبالطبع فانني اطرح التاريخ
هنا بعنوان علم مستقل من العلوم الاسلامية، والذي يجب
العمل والبحث فيه. وكذلك الفلسفة التي رغم انتشارها
في الحوزات، لكن يمكن القول انها مهجورة في الواقع، ولهذا
ينبغي ترويج الفلسفة في الحوزات، وليست الفلسفة ان ناخذ
كتاب الاسفار او المنظومة ونقراهما من البداية الى النهاية
فحسب، بل ان التبحر في الفلسفة يعني ان الانسان يستطيع
الاطلاع على جميع الافكار الفلسفية الموجودة في العالم،
والتي تتقدم باطراد، والتسلح بفلسفتنا في قبال الفلسفات
الخاطئة، ولو عثرنا في تلك الفلسفات احيانا على نقطة
ايجابية، يجب الاستفادة منها، وبهذه الصورة تتطور الفلسفة،
على العكس فيما اذا كانت مجرد عرض لافكار وكلمات الكبار،
عند ذلك لا تكون لها قيمة؛ الفلسفة يجب ان تبلغ بنا المعرفة
الكاملة، يجب ان نرى ماذا يحصل في المجتمع البشري عبر
مجالات المعرفة.
يجب ان تطرح اعمال وافكار وطرق واساليب جديدة في
الحوزات، وبصورة مستمرة. ويجب الاهتمام بعلم الكلام ايضا،
فان الكلام الذي يلزم اليوم للدفاع عن العقائد الدينية هو غير
المباحث الكلامية السابقة، فمثلا شبهة ابن كمونة ليست
مطروحة اليوم حتى نرد عليها، ولكن هناك شبهات كثيرة في
الاذهان وفي المجتمع البشري وعلى الحوزات العلمية معرفة
هذه الشبهات ثم التصدي لها. على الحوزات في كل زمان ان
تكون هجومية في مقابل الفلسفات والاتجاهات
الفكرية والمذاهب المنحرفة. وعليه، فان هذه الاقسام الدراسية
يجب ان يعتنى بها، ويجب اعداد متخصصين لهذه العلوم،
وعلى الحوزات ان تعير اهمية لهذا الموضوع.
يجب تثمين جهود المتخصصين، سواء في الكلام او في التفسير
او في التاريخ، كما كان الامر في الماضي البعيد. ان المرحوم
العلامة الطباطبائي(قدس سره) لو حصر اهتمامه بالفقاهة
لاصبح بالتاكيد مرجع تقليد(قدس
سره)
فهو ان لم يكن اكبر علماء عصره،
فبالتاكيد ليس باقل منهم. لكنه ترك الفقاهة للمتخصصين بها.
ففي ذلك الزمان، كان المرحوم آية الله البروجردي في قم
مشغولا بالفقاهة وكذلك الاساتذة بعده، فجاء المرحوم
الطباطبائي وتناول الفلسفة فاحياها في الحوزة، ووسع
هذا العلم في وقت لم يكن للفلسفة شان يذكر في الحوزة
العلمية بقم؛ فاعد تلاميذ في المعارف والفلسفة، وطبعا كان
الامام الخميني(قدس سره) قد مارس الفلسفة قبله ولكن
بدائرة محدودة، ولطلبة معينين، ولكنه وسع دائرة الدروس
وصرف عمره في الفلسفة.
هكذا يجب ان تكون الحوزات، يجب ان لا يتوجه الجميع الى
الفقاهة فقط، على الطلبة ان يعرفوا ان من يسلك طريق
التخصص في التاريخ، او التفسير، اوالفلسفة، او الكلام، او علوم
القرآن او بقية العلوم الاسلامية، فقد سلك طريقا قيما، ولعلمه
وتخصصه مكانة محترمة.
خامسا- الحوزة والمعارف العالمية: على الحوزة ان تطلع على ما يحصل في العالم من تطورات في جميع المسائل التي لها ارتباط بالعلوم الاسلامية وان تتفاعل معها. فمثلا تطرح اليوم في مباحث العلوم الاجتماعية مفاهيم جديدة، ولهذه المفاهيم ارتباط بدائرة عمل علماء الدين. ولنفرض ان المفاهيم الاجتماعية الماركسية تاتي وتدخل المجتمعات وتصبح وسيلة لبث الافكار المادية، والمباحث الاجتماعية، او المسائل الاقتصادية او الفلسفية لماركس؛ هذه البحوث مع انها مرتبطة ببعضها، ولكنها في الوقت نفسه تمثل مقولات منفصلة ، فالمادية، والاشتراكية العلمية، والاقتصاد، والطبقات الاجتماعية وتحولاتها التاريخية القائمة على اساس الاشتراكية التي رسمهاماركس، هي مقولات مختلفة، ولكن هذه المسائل الاقتصادية والمفاهيم الاجتماعية تاتي وتؤثر في الذهن الفلسفي لمخاطبها، عندها تبدا الحوزة العلمية مساعيها لترد على الهجمة المادية والتصدي لها، لماذا لا تهتم منذ البداية بما يجري في العالم وبالافكار التي تطرح للبشرية كي تستطيع التهيؤ لها مسبقا؟ لماذاتمر مئة سنة على موت ماركس، وبعد ان انتشرت افكاره في كل مكان ومنها ايران مما ادى ببعض شبابنا ان يكونوا شيوعيين وينكروا الله تعالى، ثم ناتي الان ونكتب ونرد على تلك الافكار الملحدة؟
لو كانت الحوزات العلمية قد التفتت الى الافكار المادية،
والاقتصادية، والاجتماعية للماركسية (والتي ليس لها الان
وجود)، او اية نظرية ملحدة ومنحرفة اخرى وهي في طور النمو
والانتشار، لكانت الحوزات قد نجحت في عرض الافكار
الاسلامية الصحيحة. وكانت في موقع الدفاع - بل كان يمكنها
ان تكون في موقع هجومي دوما -.
وعلى هذا، فان الحوزات العلمية عليها ان تواجه الافكار التي
لها مساس بالمسائل الاسلامية في الوقت المناسب؛ فالمنطق
الديالكتيكي مثلا قد طرح في العالم مدة طويلة؛ حيث جاء
رجل اسمه (هيجل) بديالكتيكية انتشرت في انحاء العالم، وبعد
ان استطاع ان يقطع شوطا، اخذنا في نقد الديالكتيك والرد
عليهم، وهذاتعامل انفعالي، بل نكون دوما اصحاب موقف فعال
تجاه القضايا. سادسا - الحوزة والطرق الحديثة في البحث والتحقيق: يجب ان تطلع الحوزة على الطرق الحديثة في الدراسات والبحوث، والذي نقصده من البحوث والدراسات هو التعمق في البحوث، اي ما نسميه في الحوزة بالتحقيق. الدراسة العرضية والسطحية للموضوع والتعمق فيه؛ اي البحث عن الموضوع في السطح والعرض، والبحث عنه في العمق، كلا هذين النوعين من الابحاث له اليوم اساليب حديثة، فالاساتذة يقومون بتوجيه الطلاب ويجري التحقيق بصورة جماعية، والتحقيق والدراسة الجماعية هي اكثر اطمئنانا من الدراسة الفردية؛ اذ تقل فيها الاختلافات ويزداد التقدم. هذه الاساليب يجب استخدامها في الحوزة.
لقد كان لدينا في الحوزة دوما اسلوب الدراسة والبحث
الفردي، واعتقد انه لا تزال الاساليب الفردية معمولا بها، طبعا
نفس هذه الحلقة الدراسية التي تلاحظونها هي عمل فردي،
فصحيح ان مئة شخص او الف شخص يحضرون في الدرس،
يخاطب الاستاذ بشكل مستقل، فيذهب كل طالب بعد انتهاء
الدرس ليطالع بنفسه ولوحده. وحتى مباحثاتنا العلمية، فانها
قائمة على الطريقة الفردية، ففي يوم ما يصبح هذا الطالب
استاذا لغيره، فيصبح هو المتكلم ويكون الاخر مستمعا، وفي يوم
آخر يكون الامر بالعكس، وهذا العمل ليس عملا جماعيا بل
عمل فردي. وبالطبع، فان لهذا العمل الفردي جوانبه الايجابية،
ويجب ان لا تذهب حسنات هذاالاسلوب في العمل التحقيقي،
ولكن الاساليب الدراسية والتحقيقية بالطريقة الجماعية
اصبحت امرا معمولا به في العالم، فلماذا لا نستفيد من هذه
الاساليب؟على الحوزات التفكير في ذلك.
سابعا- الحوزة والتخصص:
على الحوزة ان تتجه نحو التخصص، ولحسن الحظ فان هناك
الان خطوات اولية في هذا المجال، ولكن يجب بذل جهود
اكثر، يجب تشخيص جدول زمني،وتحديد وقت معين لايصال
الحوزة الى الشكل المطلوب في التخصص.
لحد الان، ينحصر التخصص في الحوزة العلمية في قم
بفرعين: احدهما علم التفسير، والاخر علم الكلام، هذا المقدار
لا يكفي، الا انه جيد كخطوة اولى، ولكن يجب ان يحمل
التخصص على محمل الجدية اكثر لما في العلوم الاسلامية من
سعة وشمول، يجب التخصص حتى في الفقاهة، والمعاملات
والعبادات، وان كانت هذه الموضوعات مرتبطة مع بعضها،
ولكن في الوقت نفسه لكل منها باب مستقل، ويمكن ان يكون
لكل باب منها متخصص. ينبغي الجدية في امرالتخصص في
الاصول، وابواب الفقه، ومراتب التخصص والاساليب الاخرى
في الحوزة.
ثامنا- التخطيط والبرمجة الفردية:
على كل طالب حوزوي ان يخطط لمستقبله العلمي والفقهي،
يجب ان لا يبقى اي طالب حوزوي يدرس بلا هدف، طبعا
هناك فترة للدراسة؛ حيث يدرس الطالب الكفاية حتى يصل
درس الخارج، وبعد درس الخارج يريد ان يكون مجتهدا، ولكن
بعد ذلك يجب عليه التخطيط للمستقبل.
لكل شخص ذوق معين، واستطاعة معينة، فمن الممكن ان
تحصل له ظروف خاصة، عليه ان يخطط لها مسبقا ويهيى
نفسه، اذ ليس من الصحيح ان يبقى الطالب مدة (15) سنة او
(20) سنة في الحوزة بلا هدف، متنقلا من هذا الدرس الى
ذاك، وبالتالي يضعف فلا يبقى فيه فائدة لا للناس ولا لنفسه.
تاسعا- تهذيب الاخلاق في الحوزات العلمية:
ان مسالة تهذيب الاخلاق في الحوزات العلمية تعتبر من اهم
المواضيع، وبما اننا تحدثنا عن هذه المسالة مرارا وتكرارا، لذا لا
اريد التفصيل فيها، فتهذيب الاخلاق يتناغم مع بساطة الحياة،
مع الاعراض عن زخارف الدنيا، ويجب التعامل معها بجدية.
لا يصح ان يفكر الطالب الحوزوي بان يركب سيارة شخصية
تنقله من بيته الى محل الدرس الذي لا يبعد مسافة شارعين.
السيارة لماذا؟ لقد كان الاساس في البناء الاول للحوزة قائما
على الزهد وعدم الاعتناء بالزخارف الدنيوية.
|