وحتى الان انجزت كتابي الطهارة والصلاة وقدمتهما لاجل ان
يقيما ويلحظ ما فيهما من نقاط الضعف، بل لعله قد شرع في
تدريسهما كتجربة بحيث تبرز نقاط الضعف الموجودة فيهما،
وقد قيل لي انه لابد ان اقوم انا بتدريسهما لانهما اعمق من
كتاب «دروس تمهيدية» واكثر دقة، وباعتبار ان المدرس الذي
يريد ان يقوم بتدريسهما يجب ان يكون محيطا بجميع النكات
الموجودة فيهما والا فان التجربة لا تكون ناجحة؛ فمن هذا
الباب طلب مني ان امارس شخصيا تدريس هذا الكتاب حتى
يفهم من قبل مجموعة من الطلاب كي يمكنهم ان يقوموا هم
او المدرسون الاخرون بتدريسه بعد جلاء النكات الموجودة فيه. فقه اهل البيت: من الملاحظ الاقتصار في الاهتمام على مادتي الاصول والفقه (والفلسفة موخرا) في الحوزة مع عدم الاهتمام بالكثير من المواد العلمية الاخرى، سواءكان لها صلة مباشرة بعملية الاجتهاد كالدراية والرجال والتفسير، او غير مباشرة كالعلوم الانسانية وسائر العلوم التي لها طابع عصري؟ الجواب: ان ما اشير اليه في السوال قضية مهمة جدا، بل نحن نقول اكثر من ذلك: ينبغي على الحوزة ان توكد على جوانب اخرى، كعلم الاجتماع وعلم النفس؛لان رجل الدين وطالب العلم في الحوزة سوف يعيش مع المجتمع وفي داخله لا في عزلة عنه كما هو عمل بعض الناس الذين يقتضي عملهم العزلة عن المجتمع، كعلماء الفيزياء والكيمياء مثلا، فالعالم في هذا المجال يلزم مختبره ويولف ويكتب بدون ان يحتك مع المجتمع. فنحن نحتاج هذه العلوم حتى نعرف كيف نتعطى مع المجتمع، وهذا امر مهم جدا.
والاطلاع على هذه العلوم الحديثة لا اقول انه يجب ان يكون
معمقا ولكن يبقى هناك قدر مهم من الاحاطة يجب ان يتوفر
عند الطالب، وهذا يشمل باقي العلوم الاخرى سواء في الكلام او
الفلسفة، ويشمل ايضا اللغات الاجنبية وخصوصا اللغة
الانجليزية، فهذا امر مهم ويجب ان يشجع الطلبة على هذه
الناحية، وفي الواقع عندنا نقص كبير من هذه الناحية خصوصا
بعد هذا الانفتاح الذي حصل بسبب هذه الثورة المباركة في
الجمهورية الاسلامية، فنحن نحتاج الى مجموع هذه العلوم.
ونسال الله
-
عزوجل
-
ان يوفق الحوزة العلمية في هذا المجال،
وتتغلب على نقاط الضعف تدريجيا بحوله وقوته عز وجل.
فقه اهل البيت:
شكرا لكم على اتاحة هذه الفرصة. فضيلة الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي اعداد: التحرير
فقه اهل البيت:
تنطلق بين فترة واخرى دعوات الى التجديد واعادة النظر في
مناهجنا الحوزوية وكنتم ممن يحمل هموم هذه الدعوة ومن
العاملين بها ولكم اسهامات قيمة في هذا المجال. ونظرا لاهمية
الموضوع وتجاربكم الغنية فيه، نود استطلاع رايكم في جملة
من المحاور نبدؤها بالسؤال التالي: ما رايكم في التجديد لبرامج الحوزات العلمية؟ الجواب: التجديد في اوضاع الموسسات التعليمية امر طبيعي، عرفته المجتمعات البشرية منذ ان كانت تلكم الموسسات وحتى الان وسيستمر الى ان يرث اللهالارض ومن عليها.
والحوزة العلمية بما انها موسسة تعليمية لا تختلف عن سواها
من الموسسات التعليمية الاخرى، وتاريخها الطويل الذي يمتد
لاكثر من الف عام اي من يوم بدات في مسجد النبي(ص) في
المدينة المنورة، ومنه انتشرت الى العديد من المساجد
الاخرى في الحواضر الاسلامية الاخرى يشهد لخضوعها
لظاهرة التجديد، وانك لتجد ما يشير الى ذلك في اجازات
الرواية المحررة وبخاصة المطولة منها بذكر اسماء الكتب التي
قراها الراوي (المجاز) عن الشيخ المروي عنه(المجيز)، فانها
يفهم منها ان كتبا كانت تقرا كمقررات دراسية ثم حل محلها
كتب اخرى، فمثلا كان الطالب يقرا في القديم لتعلم الفقه
ودراسته كتاب (من لايحضره الفقيه) للشيخ الصدوق وكتاب
(تهذيب الاحكام) للشيخ الطوسي، ثم بعد ان الف الشيخ
الطوسي كتاب (المبسوط) في الفقه الاستدلالي و(النهاية)
في الفقه العملي حلا في الدرس الفقهي محل الفقيه
والتهذيب، ثم حل محل المبسوط (المعتبر) ومحل النهاية
(الشرائع) وكلاهما للمحقق الحلي، ثم كانت كتب العلامة
الحلي (التبصرة) و (النهاية) و (القواعد) و (المختلف) و
(التذكرة) و (المنتهى).
وانتهى الامر موخرا الى (الروضة البهية في شرح اللمعة
الدمشقية) للشهيدين العامليين و (المكاسب) للشيخ
الانصاري.
وكذلك الشأن في اصول الفقه، فقد بدا بمختصر المفيد
فذريعة السيد وعدة الشيخ الى معارج المحقق فمبادى
وتهذيب العلامة، حتى كان اخيرا دور كفاية الاخوند.
فالدعوة الى التجديد، وكذلك تحقيق وتحقق التجديد، شيء
غير مستغرب، ولا ضير فيه، ولا ضرر منه. فقه اهل البيت: في رايكم اين يكون التجديد؟ الجواب: التجديد قد يكون في البرامج كما كان هذا في المحاولات المعاصرة، ومن ابرزها انشاء موسستين في النجف الاشرف، هما:
-
دورة السيد الحكيم: فقه اهل البيت: من هم اهم من ساهم في تجديد المقررات الدراسية من العلماء المعاصرين؟ الجواب: من الذين ساهموا في التجديد في عصرنا هذا: 1- الشيخ محمد رضا المظفر: ويمتاز هذان الكتابان بتوفرهما على عنصري التعليم والتربية، وهما العنصران المطلوب توفرهما في المقرر الدراسي.
2- السيد محمد تقي الحكيم:
3- السيد محمد باقر الصدر:
وحيث ان الحياة تطورت في اساليبها ووسائلها ومختلف
ثقافاتها تبعا لتطور حضاراتها حتى اصبح الانسان المسلم
المعاصر ابعد مدى في نظرته للمستقبل واوسع شمولية في
استقطابه لما يدور حوله لم يعد امام المبلغ الاسلامي الا ان
يتطور في الاسلوب والوسيلة ليكون بمستوى متطلبات
المعاصرة من تجديدوسواه.
وقد كان سيدنا الصدر لهذا يحمل هم الحوزة العلمية وهم الطالب الديني ويصرف الشيء الكثير الكثير من تفكيره في
دراسة المشكلة ووضع الحلول لها.
ومن بعض الاعمال التي قام بها في هذا المجال:
4- الشيخ محمد جواد مغنية:
5- الميرزا علي المشكيني:
6- الشيخ جعفر السبحاني:
7- عبد الهادي الفضلي:
وقد قرر اكثرها في اكثر من حوزة وجامعة ومعهد، وهي:
-
بقي ان اشير - هنا الى شيئين، هما: فقه اهل البيت: هل لديكم برنامج دراسي تقترحونه للتعليم الحوزوي؟ الجواب: اقترح لاجل ان نرتفع بالدرس الحوزوي والى مستوى رسالة الحوزة العلمية من تخريج متخصصين بالفقه مجتهدين ومبلغين اقترح ان نطور البرنامج الدراسي الحوزوي الى التالي:
تقسيم المراحل الدراسية في الحوزة العلمية الى ثلاث، هي: المرحلة الاولى: 7- احدى اللغات الحية.
المرحلة الثانية: 4- علوم البلاغة. المرحلة الثالثة: فقه اهل البيت: كيف يتم على رايكم اختيار المقرر الدراسي؟ الجواب: يتم هذا بتشكيل لجنة علمية من اساتذة الحوزة يتمتع اعضاوها بالخبرة الكافية لمعرفة توافر الكتاب على الشروط المطلوب توافرها في المقررالدراسي.
سماحة الاستاذ السيد كمال الحيدري اعداد: التحرير فقه اهل البيت: في ضوء التجديد المناهجي المستمر في المجال التعليمي والاكاديمي باعتبار ان تجربة المنهج تمثل تجربة بشرية قابلة للمراجعة والتطوير والنقد، ما هوتقويمكم للمناهج الدراسية في الحوزات العلمية في ظل ثنائية التبديل والتطوير المناهجي؟ الجواب: قبل ان اجيب على السؤال اشير الى مقدمة نطرح فيها السؤال التالي: ما هو دور الحوزة في حياة الامة؟
من الواضح ان الدين هو مشروع لتغيير حياة الامة، فالاسلام لم يات ليغطي البعد الفقهي او العقائدي او الروحي او الخدمي،
وانما هو مشروع لتغيير حياة الامة بكاملها، فهو معني بكل
الابعاد التي تهم حياة الامة، وهذه الابعاد فيها البعد العقائدي
والفقهي والفكري، اضافة الى الابعاد الادارية والاجتماعية
والعلاقات الدولية مما يهم الانسان في حياته.
نلاحظ في القرن الاخير ان المجتمعات الغربية لم تكن فيها
مرجعيات لبناء الامة في هذه الابعاد، او اذا كانت فهي في اطر
ضيقة كالكنيسة التي شهدت تراجعا عن قيادة الامة، فتقدمت
عندئذ الجامعات لتتبنى حركة التغيير الى الامام. هذا في العالم
الغربي.
واما في مجتمعاتنا - خصوصا في الاوساط الشيعية - فقد كانت
الحوزات في القرون الماضية تعنى بجميع الجوانب
والمجالات، وتعالج وتدرس مختلف التخصصات مما هو وراء
العلوم الدينية، كمجال الرياضيات والطب والهندسة والفلك
والموسيقا وغيرها، بل كان لها قصب السبق في ذلك، كما
نلاحظ ذلك في تراث ابن سينا والمحقق الطوسي وغيرهما.
ولكن في المئة سنة الاخيرة التي دخلت فيها الجامعات الغربية
مجتمعاتنا - ولاسباب موضوعية - انفصلت هذه العلوم عن كيان
الحوزة شيئا فشيئا. واهم الاسباب الموضوعية في ذلك هو ان
الحوزات ترتكز في دراساتها على البعد التجريدي، في حين ان
هذه الاختصاصات ترتكز على الاساس التجريبي. على انه في
السابق ايضا كانوا يتعاملون مع هذه العلوم من الزاوية التجريدية،
فالفلكيات كان التعامل معها كما هو التعامل مع الفلسفة.
في ضوء ذلك، تمحضت الحوزات في اطار تفسير الدين، فكانت
مهمتها الاساسية تفسير الدين، ونعني بالدين: تلك المنظومة
المتكاملة التي عنيت بها الايات والروايات، اي الدين في اطاره
العام الشامل للكلام والتفسير وغيرهما من العلوم. فكان نتاج
تلك الطبقة آنذاك شاملا لجميع العلوم، فكان من يكتب الفقه
هوالذي يكتب في الكلام والتفسير والاصول وهكذا، كما نلاحظ
ذلك في تراث الشيخ الطوسي والسيد المرتضى والشيخ المفيد
والعلامة الحلي والمحقق الحلي واضرابهم.
اذا، دور الحوزات العلمية هو انها المفسر الرسمي للدين
ومصدر تحديد النظريات الدينية، فمن يريد فهم الدين لابد ان
يسال هذه الجهة الرسمية، فهي في هذا تشبه المراكز
والجامعات المعنية بتفسير الامور العلمية التجريبية.
فالبعد الاجتماعي اذا كان فيه راي للدين لابد ان تفسره
الحوزة والمتصدي للعلم الشرعي، وهكذا اذا اريد ان تحدد
النظرية السياسية من وجهة نظر الدين، فان المعني هو
المتخصص في الدين؛ ولذا رفض اصحاب هذا الاتجاه من
خارج هذا الاطار ليقدم قراءته في الدين ويحدد موقفه، ومن
الواضح ان المقصود هو الانطلاق في معالجة هذه الامور من
منطلقات دينية، والا فان من ينظر ويقدم قراءته في هذه الامور
بمعزل عن الرؤية الدينية كثير، ولا كلام لنا معه. فقه اهل البيت: وهذا يعني ان الاولوية في البحث ليست لتحديد اشكالية المنهج والمعالجات المنهجية بالدرجة الاولى، وانما هي لتحديد الدور الذي جاء الدين ليضطلع به ومن ثم تحديد دور الحوزات بعد ذلك بالدرجة الثانية، وبالدرجة الثالثة تحديد المنهج الذي يلبي حاجات هذا الدور ومستلزماته؟ الجواب: نعم، بالضبط. فقه اهل البيت: فما رايكم اذا في المحاولات المطروحة لتغيير الكتب الدراسية في الحوزة؟ الجواب: المشكلة في اطارها العام لا تكمن في استبدال كتاب بكتاب آخر (كاستبدال الرسائل بالحلقات مثلا)، وان كان هذا جزءا من المهمة ولكنه ليس الجزءالمهم منها، وانما الجزء المهم من عملية تغيير الكتب الدراسية هو تغيير منهجيتها بما يتلاءم والدور الذي يجب ان تضطلع به. توضيح ذلك: ان الحوزات العلمية - خصوصا في النجف الاشرف - قد ابتعدت في الفترة الاخيرة عن الابحاث التفسيرية والكلامية ورد الشبهات الفكرية والفلسفية، بل وحتى الدينية، كمسالة ان الدين فيه صلاحية ادارة الحياة او لا؟ وهل ان الدين اساسا معني بادارة المجتمع وتنظيم الحياة وشؤونها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ام انه معني بالجانب العبادي من حياة الانسان مقتصرا في الجوانب الاخرى على اعطاء الرؤى العامة دون الخوض في التفاصيل؟
قد يقال:
ان الاسلام لم يقدم نظرية عامة في هذه المجالات وانه اكتفى بالرؤى العامة، مثلا:
الشارع كان يمكنه ان يعطي
للانسان خطوطا عامة في مجال العبادات بتوجيه الانسان
توجيهات عامة، ولكنه تدخل في ادق التفصيلات في العبادات
لتحديدها، فالسؤال مطروح في النظرية السياسية وهل ان
الاسلام اعتنى بتحديدها بالشكل الذي اولاه للعبادات؟ اذا كان
الامر كذلك فما هي الادلة على ذلك؟ هذه دعوى مطروحة
فعلا، ولا نريد الان مناقشتها.
وعليه فالدين اما الا يتكفل تقديم النظريات السياسية
والاجتماعية وغيرها، فيكتفي بالرؤى العامة ويوكل التفاصيل
الى الخبرة البشرية وتجاربها، واما ان يتبنى اعطاء هذه
النظريات في مجال العلاقات الدولية والحكم والسياسة
والاجتماع بحيث تعالج نظريته الاقتصادية مسائل التضخم
والبطالة وغيرها من المعضلات الاقتصادية. وعليه فلابد ان
يعين الدين موقفه من هذه القضايا. فقه اهل البيت: اليس يرجع السبب في هذه الابحاث عندنا الى ابتعادنا عن الحكم ومجالات الحياة وعدم كونها موضعا للابتلاء لينصب البحث عليها من قبل الفقهاء ويتطور وتاخذ مضمونا تفصيليا كما عليه سائر المباحث؟ الجواب: في الحقيقة هذا معناه انكم تؤيدون الاتجاه الثاني، وهذا ما نريد معرفته، فهل الدين يتبنى الاتجاه الثاني الذي يفترض انه يقدم اجابات ومعالجات لكل هذه الابعاد؟
فاذا قلنا انه لا يوجد هكذا
التزام ديني، فينتج ان الحوزات العلمية بالتبع غير معنية بذلك، بل الدين يعطي معايير عامة
كمبدا العدالة مثلا، اما ان هذه العدالة هل تتحقق بالنظام الديمقرطي او بالنظام الفردي؟ فهذا ما اوكل الدين شانه الى
التجربة الانسانية، ومن خلال نظرية «الصواب والخطا» نصل
الى ما يفيد المجتمع ويخدمه.
هذه مقدمة مهمة، فاذا قبلنا بان للدين نظرياته في مجال
الاجتماع والسياسة والحياة بكل مجالاتها، فلا شك ان مفسري
الدين هم الذين يقومون بذلك، فاذا لم يتدخل هؤلاء لاي سبب
من الاسباب (موضوعية ومنطقية كانت او غير موضوعية)
وسكتوا عن ذلك، فهل يعني ذلك ان الاخرين سوف يسكتون
عن ذلك؟ من المؤكد ل؛ لان هذه القضايا حياتية تتطلب
اجابات ومعالجات محددة، وحركة الحياة لا تتوقف بسكوتنا،
والغير سوف لا ينتظرنا، بل سيقدم نظرياته وقراءاته في هذه
المجالات باسم الدين، وليس من حقنا ان نحظر عليه هذه
القراءة، بل من حق الشخص ان يقدم قراءته الخاصة، ولكن ليس
بامكانه منع الاخرين من ذلك، وهذا ما حصل، حيث قدم بعض
المفكرين قراءاتهم في هذه المجالات، مثل الجابري ونصر
حامد ابو زيد وشحرور وعلي حرب في العالم العربي، وسروش
في ايران.
فاذا تكلمنا على الاتجاه الاول كان معنى ذلك ان الاسلام لم
يتعامل مع هذه المجالات؛ وذلك لطبيعتها السيالة غير الثابتة،
وليس لقصور فيه، بعكس العبادات فانها امور ثابتة، او انه لم
يتدخل في ذلك لكي لا يكبح تطور البشرية وتجاربها الحسية،
اي انه اتاح الفرصة للبشرية في ممارسة دورها.
وهذا كله معناه ان المناهج الدراسية الحوزوية يجب ان تنسجم
مع هذا الاطار الفكري ليتحدد الموقف سلفا وتقوم المناهج
الحوزوية على هذا الاطار لاحقا،وهذا ما يلزم توجيه طالب
العلم به وتعريفه برسالة الدين وحدودها ورسالة الحوزة بعد
ذلك. ويتبنى علم الكلام الجديد او ما يسمى بفلسفة الدين ذلك، حيث يطرح هذا التساؤل: ماذا نريد من الدين؟ هل نريد منه حل المشاكل التكنلوجية او الفكرية؟ فقه اهل البيت: هل هذه الثنائية تحتم علينا اما الالتزام بتبني الاسلام للنظريات في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسات المالية وموارد الدولة كالخمس والزكاة وغيرها، او الالتزام بالاهمال المطلق لها، ام ان هناك حالة وسطا تفرض علينا البحث التفصيلي عما تدخل الاسلام فيه والامصار على العمومات في المواردالاخرى؟ الجواب: هذا السؤال من الاسئلة الاساسية التي لا يسع المجال للاجابة التفصيلية عليه، لكن سنكتفي ببيان اجمالي: وحينئذ، ينفتح الباب امام الكثير من الموضوعات والاحكام، كالاحتكار - مثلا - الذي يتعلق بعناوين خاصة؛ حيث انه وفق النظرة المذكورة لا يمثل قانونا كلياعاما، وكذلك الربا الذي تعني اخذ الزيادة ضمن شروط خاصة، ولكن هل كانت حالة التضخم قائمة في المجتمع آنذاك كما عليه اليوم في عالمنا الاقتصادي؟ ففي زماننا الحاضر اذا اقرض زيد عمرا مئة دينار وتضخمت القيمة، فهل اذا اخذت الزيادة لاجل التضخم يكون ذلك ربا؟ اذا كان المعيار القيمة فلا يكون ربا، واذاكان المعيار النقد بما هو نقد من دون نظر الى قيمته فهو ربا. وفي الحالة الاولى البحث في الصغرى لا في الكبرى؛ لان الربا حرام، ولكن الكلام هل ان هذا منه او ليس منه؟
اذا، ملاحظة عناصر الزمان والمكان هي من اهم المسائل في
علم الاصول، وهو ما يسمى ب «علم الاصول الحديث»، على
وزان «علم الكلام الجديد» الذي استجدت فيه مسائل كلامية
جديدة. طبعا هذا نطرحه من حيث المبدا، اما القواعد
والضوابط فلابد من ملاحظتها ومراعاتها في محلها، والا اذا لم
تعمل الضوابط لما استقر حجر على حجر.
وعليه فان القدر المتيقن من دور الدين بحسب الاتجاه الاول
هو المجال العقائدي والتشريعي والتفسيري وبناء الانسان
والمجتمع في هذه المجالات.
ومن اهم هذه المحاور هو محور التوحيد والعقائد، وايضا محور
بناء الانسان اخلاقيا وسلوكيا، وكذلك المحور الذي يهتم
بتنظيم علاقات الانسان بربه والاخرين من ابناء مجتمعه
والنظام الكوني. فهاهنا اذا محاور ثلاثة:
فمثلا محور التوحيد والفكر الذي يدير الحياة اليوم بمعناه
الواسع لا العقائد بمعناها التقليدي، بل علم الكلام الجديد
والقديم، فهل منهجنا في الكلام تجريبي اوعقلي او نقلي او
عرفاني؟ فالمهم تحديد المنهج المتبع في تحقيق هذه الرؤية،
وهذا ما تعنى به نظرية المعرفة التي لم تبحث بشكل اساسي
في حوزاتنا وان كانت هناك اشارات في بعض بحوث علم
الاصول عند الحديث عن المنهج الاخباري او بحوث الفلسفة
في مسالة الوجود الذهني او في مسالة العلم، ولكنا لم ندرس
هذه النظرية كنظرية متكاملة.
ولناخذ شاهدا على ذلك: يقرر المنطق الارسطي ان انتاج
المعرفة وزيادتها يكون عن طريق القياس، وهو السير من العام
الى الخاص ومن الكلي الى الجزئي،وهذا هو الذي نقده الفكر
الغربي بانه حينئذ يؤدي الى توقف حركة الابداع الفكري وعدم
تطور الفكر البشري؛ لان هذه الجزئيات مستبطنة دائما في
الكليات،فالفكر البشري لا يتوالد برايهم، ومن هنا اتجهوا الى
منطق الاحتمال؛ لانه ينتج دائما شيئا جديدا ويقرر حالة عامة وكلية بعد الاستقراء
للجزئيات، وهذاالاستقراء الناقص لم يقبله المنطق الارسطي الا مع وجود القياس الخفي. والان نأتي الى بحوثنا العقائدية، فنسال: هل للعقل دور في المجال العقائدي او لا؟
يحدد المنهج الاخباري دور العقل بدائرة ضيقة جدا لا تتجاوز
مسائل معدودة بعدد الاصابع، بينما المنهج العقلاني يقرر سعة
هذا الدور، فلابد في المرحلة الاولى من الانتهاء من الخلاف مع
الاتجاه الاخباري، وفي المرحلة الثانية لابد ان ننتهي من
الخلاف مع الاتجاه العرفاني الكشفي، حيث ان اصحاب هذا
المسلك يرفضون دور العقل ايض؛ اذ يستندون في منهجهم
الى معطيات الكشف والشهود لا العقل. فاذا دخلت دائرة
البحث العقلي ياتي هذا النزاع المشار اليه بين المنهج
الاستقرائي والمنهج الاحتمالي حول توالد المعرفة.
اذا، لابد من تحديد المنهج المعرفي للدخول في العلوم، ولذا جعل علماؤنا من الاصول
منهجا معرفيا للفقه، مثلا: التواتر حجة، ولكن على اي اساس معرفي؟ المنهج الارسطي يرى
حجيته باعتبار ان اجتماع هذا العدد من المخبرين يمتنع
تواطؤهم على الكذب، فالاساس عنده انه امر بديهي، بينما
المنطق الاحتمالي آكالمنطق الذي اسسه السيد
الشهيد(قدس سره) يرى انه ليس بديهيا، بل انه قضية
استقرائية. فاذا كان منهج الانسان ارسطيا ولم يتم هذا المنهج
لوجودالاشكالات والنقود التي يوجهها المنطق الاحتمالي على
مرتكزاته وقواعده، فهل تسلم كثير من القضايا والمسائل في
علم الكلام والفقه والاصول والرواية والنص القرآني مما بني على حجية التواتر
الارسطي من هذه الزعزعة لحجيتها، نظير
التشكيك في حجية خبر الثقة الذي تنبني على اساسه اكثرية
مسائل الفقه، فاذا جاء من يشكك فيه كصاحب القوانين لانه
انسدادي فلا قيمة حينئذ لخبر الثقة؛ لان قيمته فيما اذا كنا
انفتاحيين. فالحوزات العلمية لابد ان تبدا من هن؛ اي من
تحديد الاساس المعرفي. ومن هنا قد التفت استاذنا الشهيد فبدا البحث من نظرية المعرفة، وبنى كل جهده العلمي على الاسس المنطقية ونظرية المعرفة، ليبني عليه جهده الفقهي والاصولي والمنطقي، فراى ان نسبة كبيرة من نتائج العلوم لا يمكن تفسيرها على اساس المنطق الارسطي في توالد المعرفة؛ فلذا جاء وبنى اساسا جديدا في الاسس المنطقية للاستقراء، هذه المحاولة التي لا نعرف عنها وعن آثارها كثيرا مع اننا من ابناء هذه المحاولة!
فاذا، باب الابواب ومفتاح العلوم الذي يحتاج اليه الطالب في
الحوزة العلمية هو نظرية المعرفة، ولا اقل من ان يلتفت ويتنبه
الى انه يجب ان يختار احد هذين المنهجين ولو تقليدا لا
اجتهادا. بعد تحديد المنهج لابد من تاسيس القواعد التي يفهم وتستنبط منها المسائل الاعتقادية. ولكن لابد من تحديد مواد الاستدلال والاستنتاج، فاثبات ان الله بسيط وغير مركب يعتمد على الاعتقاد باصالة الوجود؛ والا فعلى اصالة الماهية لا يمكن نفي التركيب عنه، وهذا عبارة اخرى عن شبهة ابن كمونة. فمن هنا ينفتح باب جديد يطلق عليه القواعد العقلية، فما هي هذه القواعد العقلية للدخول في البحث العقائدي؟
يمكن ان نقول تارة: نحن نؤسس لهذه القواعد من جديد في
حوزاتنا العلمية ونترك وراء ظهورنا هذه الفلسفات اليونانية
والفارسية، ويمكن ان نقول اخرى: نحن لا نؤسس وانما ناخذ
من صدر المتالهين الذي اسس لهذه القواعد العقلية لكي
نستنبط المسائل العقلية من القرآن والسنة، واذا لم يكن صدر
المتالهين فكانت اوهيجل او غيرهم من الفلاسفة الذين اسسوا
هذه القواعد العقلية التي تراجعت انت في الحوزة عن تاسيسها.
من هنا تتضح ضرورة البحث العقلي في الحوزات العلمية
لمواجهة الشبهات التي لا يقف بوجهها النص بل العقل. فقه اهل البيت: اذا، ما هو تصوركم عن المناهج الدراسية في ظل هذه الرؤية؟ الجواب: رايي انه لابد من معالجة النقص الموجود في المناهج، فهذه المناهج ناقصة وقاصرة؛ لانها اقتصرت على الفقه بمعناه الاخص، دون الفقه الاكبر:(ليتفقهوا في الدين)، والدين لا يساوي الفقه، فلابد من توسعة الرؤية للدين، هل الدين هو الفقه فقط ام الاعم؟ لابد ان نعتني بتلك الابعاد؛ ولذا طرحت مسالة توليد العلم والمعرفة اخيرا في الرسالة التي رفعها ثلة من الفضلاء الى قائد الثورة دام ظله احساسا بحاجة الحوزات العلمية الى طرح هذه البحوث، وعليه ينبغي توسيع دائرة المعرفة الدينية ومساحاتها ليشمل المعرفة اولا ثم القواعد العقلية ثم العقائدية. فقه اهل البيت: في الحقيقة انكم نقلتم دائرة البحث الى ما هو اوسع من مفروض السؤال، وهو تحديد ابعاد وخطوات المنهج العلمي الذي يجب اعتماده في الحوزة بما يتناغم ومتطلبات الواقع المعاصر ليكون منهجا حيا وفاعلا. ولكن في عودة الى علم الفقه، ما هو المنهج الفقهي المقترح في ضوء الرؤية الواسعة التي تفضلتم بطرحها؟ الجواب: في الواقع - وكما تفضلتم - نحن حاولنا ان نوسع دائرة الاشكالية اكثر مما هو في مفروض سؤالكم؛ والذي اتصوره هو انه لابد - مبدئيا - من تعريف الفقه الذي نقصده، فهل المقصود منه الفقه الذي يؤمن لنا كل متطلبات الحياة الانسانية، او الفقه الذي يؤمن المتطلبات الفردية؟ وهذا ما يصطلح عليه سيدنا الشهيد الصدر(قدس سره) بالفقه الاجتماعي والفقه الفردي، وفي تصوري ان مقصود سيدنا الاستاذ اوسع من هذا؛ اذ ليس مراده البعد الاجتماعي خاصة، انما مراده ماهو اوسع من ذلك، كالبعد السياسي، والاجتماعي، وفقه العلاقات الدولية، وفقه الطبيعة، وفقه علاقة الانسان بالطبيعة، وغيرها من المسائل. فاذا بنينا على اننا لسنامسؤولين اساسا عن اقامة دولة في زمن الغيبة وبطبيعة الحال سوف ينصرف البحث الفقهي الى البعد الفردي فحينئذ لا معنى للسؤال عن فقه الدولة او عن فقه السياسة او عن نظام الحكم او عن فقه الاعلام او عن فقه العلاقات الدولية، او فقه الحرب والسلام.
ولعل فقه الامامية - في الاعم الاغلب - عاش هذه الحالة
لاسباب لا اريد ان ارجعها جميعا الى البعد النظري؛ اذ لعل
هناك اسبابا موضوعية وواقعية ادت الى مثل هذا الفقه، فلهذا
عندما ناتي الى ابواب الفقه الفردي، ككتاب الطهارة والصوم
والحج وغيرها، نجد العشرات بل المئات من المجلدات التي
كتبت، الامر الذي نجد عكسه في ابواب الحدود والامر
بالمعروف ونظائرها، حيث لم يكتب فيها سوى كتب صغيرة، بل
نجد جملة من الاعلام حذفوا هذه الابواب من رسائلهم العملية،
ويرجع السبب في ذلك الى انهم لم ينظروا الى الفقه الا من
هذا البعد الضيق. اما اذا بنينا على المبنى الاخر وهو مبنى السيد الامام الخميني(قدس سره) وجملة من الاعلام المعاصرين كسيدنا الشهيد الصدر(قدس سره) من ان الفقه هواساس الدولة، وهو اساس النظام، وهو الذي يستطيع ان يدير المجتمع في مختلف المجالات، فبطبيعة الحال يكون لنا حديث آخر، وهو انه ما هو المنهج المقترح؟
الذي افهمه من الناحية النظرية - وبقطع النظر عن امكان
ذلك او عدم امكانه؛ اذ لسنا في مقام بيان البعد التطبيقي
والبعد العملي للنظرية - ان الفقه الاسلامي لاتنحصر وظائفه
بمعالجة البعد الفردي للانسان، بل دائرته اوسع من ذلك
بكثير، والدليل على ذلك الايات والروايات التي تكلمت عن
تلك الحقيقة، وخصوصاعندما نرجع الى سيرة النبي
الاكرم(ص) وسيرة الامام امير المؤمنين(ع) وسيرة الامام
الحسن(ع) حيث تصدوا لقيادة الامة وادارتها، وحاولوا ان
يحكموا الامة على اساس الاسلام وفقه القرآن.
اذا، سوف ينصب حديثي على هذا البعد من الناحية النظرية؛
لانني من المعتقدين ان الاسلام لديه القدرة على التصدي
لادارة حياة الانسان في مختلف الابعاد،وبناء على هذا التصور،
فان المنهج المقترح لابد ان نتحدث فيه من زاويتين: الزاوية الاولى: الانطلاق من الواقع المعاش لا من الذهنية التجريدية، فلا ينبغي لنا ان نجلس في دوائرنا العلمية وحوزاتنا الفقهية ونتكلم في المسائل الفقهية التجريدية.
وبعبارة اخرى: نحن اذا كنا نريد ان نتكلم عن فقه العلاقات
الدولية المعاصرة فان لها فقها في زمن العولمة هو غير فقهها
في زمن غير العولمة، وقس على هذا في فقه القضاء، حيث
جدلية الفقه الاسلامي وميثاق حقوق الانسان العالمي الذي
لابد ان توقع عليه الدولة الاسلامية، وهكذا عشرات المسائل
القضائية المستجدة التي يؤكد مسؤولو الجهاز القضائي في
الجمهورية الاسلامية على ضرورة بحثها فقهيا لعدم بحثها
سابقا في كلمات المتقدمين، بل من المؤسف ان نجد ان
هناك مسائل لا زالت تطرح في باب القضاء مع انها لا علاقة لها
بواقعنا المعاصر، وهذا الامر نلاحظه ايضا في باب الحج، فانه
تطرح فيه مسائل بعيدة عن الواقع.
اذا، نحن اذا اردنا ان نطرح في حوزاتنا العلمية المسائل التي
ترتبط بفقه الدولة وبفقه الحكم والسياسة وبفقه العمل والعامل
في الواقع الاجتماعي المعاصر عندنا،وايضا فقه الطب والجراحة
التجميلية وبيع الاعضاء، الى عشرات العناوين الاخرى التي
تطرح بخصوصها الاسئلة من قبل المختصين في تلك
المجالات والتي يقف الانسان حائرا امامها ولا توجد ثمة ارضية
من الجانب العلمي في حوزاتنا العلمية؛ لعدم تنقيحنا اي شيء
منه؛ لا قواعدها العامة ولا مفرداتها الخاصة، فلابد ان تكون
حوزاتنا العلمية بمستوى حاجات الامة لكي تكون لها القيادة
والريادة والامامة العلمية في هذا المجال، ولابد ان تكون سباقة
لبحث هذه المسائل كما كانت سباقة في باب الطهارة والصوم، بحيث ان اي فرضية تفرض نجد
ان البحث الفقهي قد استوعبها بحثا واعطى فيها نظريات متعددة.
فالمسالة الاولى الجديرة بالالتفات اليها جيدا هي ان فقهنا اذا
اردنا ان يكون فقها عصريا قادرا على الاستجابة لمتطلبات
الحياة، لابد ان يكون فقها منطلقا من حاجات الناس وواقعهم،
بجميع مجالاته وابعاده.
وهنا ياتي دور تلك الروايات التي تقول «العارف بزمانه لا تهجم
عليه اللوابس»؛ اي لا يكفينا بعدئذ الجلوس في بيوتنا او في
حوزاتنا لنطالع الكتب، بل لابد ان ننطلق من الواقع او نبحث
عن الواقع حتى نستطيع ان نعرف هذا الواقع ومشاكله، ثم
نعنون هذه المسائل في حوزاتنا العلمية، ثم نقدم لها اجابات
بحسب مايمكن من البحث العلمي قرآنا وسنة واجماعا، وغير
ذلك من الطرق والمناهج المتبعة.
وانني على يقين ان الوزارات والدوائر الحكومية اليوم لديها
مئات بل آلاف المسائل المرتبطة بالحلال والحرام تتطلب رايا
فقهيا من الفقيه ومن الحوزات العلمية، فلابد من جمع هذه
القضايا ودراستها في حوزاتنا العلمية بدلا من بحث طهارة اهل
الكتاب ستة اشهر، وبحث تعريف علم الاصول والوقوف
عنده سنتين او ثلاثة، او نقف عند بحث مقدمة الواجب اربع
سنوات، او نقف عند اقسام الاستصحاب كذا سنة، لابد ان ندخل
في ابحاثنا الفقهية هذه العناوين الجديدة حتى تطرح في حوزاتنا العلمية وتعطى فيها نظريات تنسجم مع واقع الحياة
الذي نعيش فيه وتستطيع ان تستجيب لمتطلبات العصر. الزاوية الثانية: والتي هي في نظري مهمة وبحاجة ملحة الى بحث دقيق هي ان هناك بحثا ذكره السيد الشهيد الصدر(قدس سره)، ويعد من الابحاث الاساسية ويرتبط بفلسفة العلوم، وهو ان كل علم له منطق خاص يختص به. والمراد من المنطق الخاص هو: تلك الموجهات العامة لعملية الاستدلال في ذلك الفرع من فروع المعرفة، فالباحث في التاريخ مثلا يحتاج في تحقيقه لمسالة من المسائل التاريخية الى منهج يوجه له عملية الاستدلال لتحقيق تلك المسالة التاريخية،فهو لا يستطيع ان يبحث المسالة التاريخية في المختبر ولا من خلال الادلة التجريدية الفلسفية او الادلة الرياضية؛ لان المسائل التاريخية لها منهجها الخاص ومنطقها الخاص وموجهاتها الخاصة التي توجه عملية الاستدلال لتحقيق مسالة من المسائل. وهكذا في المسائل الفلكية وغيرها. وهذا المنطق الخاص موجود في كل علم؛ فان لكل علم منطقه الخاص؛ ومن هنا ذكروا ان المنطق منطقان: منطق عام ومنطق خاص، فالمنطق العام هو: المنطق الارسطي الذي نتصوره عادة،وان كان هناك ايضا انحاء اخرى من المنطق كمنطق الاحتمال، فان المنطق العام لا يختص بالمنطق الارسطي وان كان العقل الاسلامي يتصور انه لا طريق للتفكيرالا من خلال ادوات المنطق الارسطي وقواعده، وهذا ما اراد السيد الشهيد(قدس سره) ان يبينه في كتابه الاسس المنطقية للاستقراء؛ وهو ان طريقة التفكيروطريقة توليد المعارف لا تختص بالمنهج الذي ذكره المنطق الارسطي، وانما هناك منهج آخر، ولعله يوجد منهج ثالث او رابع لم نكتشفه بعد.
وعندنا منطق خاص وموجه خاص يختص بعلم دون آخر،
فالذي يريد ان يدخل علم التفسير - مثلا - عليه ان يقف على
الموجهات العامة لعملية فهم كتاب اللهسبحانه وتعالى، من
قبيل انه لابد ان يعرف ان ظهور القرآن الكريم حجة او لا، ولابد
ايضا من الاضطلاع باللغة العربية وقواعدها، ولابد ان يعرف دور
العقل في فهم القرآن. فهذه مجموعة قواعد لا تختص بية دون
اخرى، وانما هي قواعد عامة مختصة بعملية تفسير كتاب الله
تعالى. وهكذا الامر في بقية العلوم.
والفقه ايضا غير مستثنى من ذلك؛ فان للفقه قواعده الخاصة
في عملية الاستنباط الفقهي، فعندما يريد الفقيه ان يستنبط
مسالة وحكما شرعيا لواقعة معينة يوجدعنده نوعان من
العناصر كما عبر السيد الشهيد : عناصر مختصة بتلك
المسالة، وعناصر مشتركة او موجهات عامة تجري في هذه
المسالة وفي غيرها، من قبيل حجية خبر الواحد، ومن قبيل
حجية الظواهر، ومن قبيل الاستصحاب، والبراءة، ونحو ذلك،
وهذا ما نعبر عنه بعلم الاصول، وهو ليس علما آخر في قبال
علم الفقه كما اعتقده؛ اذ ليس عندنا اكثر من علم واحد
وعملية واحدة؛ هي عملية استنباط الحكم الشرعي، ولكن
عندما ناتي الى هذه العملية نجد ان فيها نوعين من العناصر
والموجهات: موجهات نعبر عنها بالمشتركة، وموجهات
مختصة، فصار عندنا علمان، وهذا هو الذي سبب حصول اللبس
عند بعض الاعلام؛ حيث تصور انه يوجد هناك علمان لكل
منهما موضوع ومحمولات، وليس الامر كذلك، وانما العلم
المصطلح عليه بعلم الاصول هو جزء من عملية الاستدلال
للحكم الشرعي واستنباطه.
وعلى هذا الاساس، فاذا قبلنا انه يوجد هناك تفاعل بين
العناصر المشتركة والعناصر المختصة بحيث يؤثر تطور اي
واحد منهما على الاخر؛ بمعنى انه اذاتطورت العناصر
المشتركة والموجهات العامة فان العناصر الخاصة سوف تتطور،
وكلما تولدت عندنا عناصر او موجهات في عملية الاستدلال
وهي عناصرعامة ومشتركة نحيلها الى علم الاصول ليبحثها
ويعطينا فيها رايه، اذا، هناك تفاعل بين الذهنية الفقهية وبين
الذهنية الاصولية، وتطور اي واحد منهما يؤثر على الاخر،
فتطوير العملية الفقهية ياتي نتيجة تطوير القواعد الاصولية
(العناصر المشتركة)؛ لانها كلما ازدادت دقة وعمقا اثرت على
العملية الفقهية، ولنضرب مثالاعلميا لذلك: لقد كان الكثير
من الفقهاء السابقين يقولون بوجوب ازالة النجاسة اذا دخل
الانسان المسجد ووجد نجاسة فيه؛ باعتبار ان وجوب الازالة
فوري ثم ياتي بالصلاة؛ لان الامر بشيء يقتضي النهي عن ضده،
فاذا صلى مع وجود النهي تكون صلاته باطلة. ولكنك تجد
المسالة بعد زمان الميرزا قد عولجت، فقالوا:تجب عليه الازالة،
الا انه ان لم يزل النجاسة يوجد عنده امر بالصلاة على نحو
الترتب. وهذا التمييز بين باب الترتب وباب التعارض باعتبار ان
التعارض كان موجودا ولكن الترتب الذي اوجده الميرزا لم يكن
واضحا.
والان لنجمع بين الزاويتين او البعدين فنقول: ان فقهنا ليس
فقها تجريديا وثابتا بحيث تبحث فيه المسائل التي كانت تبحث
قبل الف سنة، نعم، كما يوجد في فقهنا بعد ثابت يوجد فيه ايضا
ابعاد متغيرة، وانما صارت متغيرة لان الفقه كما قلنا في
الزاوية الاولى لابد ان ينطلق من الواقع، وبما ان الواقع متغير
ومتطورفبطبيعة الحال سوف تستجد عناوين فقهية جديدة،
وكلما جاءت هذه العناوين الجديدة فبطبيعة الحال سوف تولد
لنا عناصر اصولية مشتركة جديدة، اذا، علم الاصول الذي نقرؤه
في حوزاتنا العلمية مع الرؤية التي نحملها عن الفقه قادر
على ان يستجيب على تطور الواقع، ويعتبر الفقه التقليدي احد
الاسباب بوجه تطور علم الاصول.
اذا، صارت لدينا حلقة متداخلة ومترابطة جد؛ فنحن عندما
ندعي المنهج المقترح في تغيير المناهج ليس المقصود تغيير
المناهج على مستوى الالفاظ، ولذلك فانا اعتقد ان الكثير من
المشاريع التي حدثت في المئة سنة الاخيرة كانت تغييرا
للمناهج على مستوى العبارة لا المضمون، ومن هذا القبيل:
كتاب اصول الفقه للمظفر الذي لا يختلف عن الكتب الاصولية
السابقة في المضمون الا في بعض المسائل النادرة، نعم، الذي
تغير فيه فهرسة الكتاب. وكذلك كتابا الفصول والقوانين فقد
كتبا بلغة لا يفهمها الطالب. واما حلقات السيد
الشهيد(قدس سره) فان فيها تغييرا مضمونيا لكن على مستوى
ما ابدعه السيد الشهيد، والافالمطالب المذكورة فيها هي
نفسها الموجودة في الكفاية والرسائل وفي كلمات الميرزا
والمحقق الاصفهاني، ولكن كتبت بلغة جديدة اسهل واوضح
من اللغة الموجودة في الكفاية.
فتغيير المناهج ان كان المقصود منه انه ماذا نفعل لتكون
العبارة اكثر سلاسة ووضوحا واكثر فهما للطالب المعاصر فانا لا
ارى ان هذه مسالة تحتاج الى ذلك، واذا كان المقصود منه
تغيير المضمون فان ذلك متوقف على التحول الذي يحصل في
المجال الفقهي، وما لم يحصل عندنا ذلك التغيير فلا معنى
لتغيير المنهج. وعندما نرجع الى فلسفة العلم ونلاحظ مراحل
تطور بعض العلوم نجد - عادة - انها بعد ان تكاملت مضمونيا
ووصلت الى مرحلة عالية من التكامل فان الاعلام الذين جاؤوا
بعد تلك المرحلة اهتموا بالبعد الصياغي لها دون المضموني؛ اذ لم يبق عندهم شيء في المضمون ليغيروه، فانصب همهم
على البعد الصياغي.
ومن هنا فانا اعتقد اننا في الخمسين او المئة سنة الاخيرة لم
يحصل لدينا - في كثير من الاحوال - توليد وانتاج على مستوى
المضمون لا في الاصول ولا في الفقه،وعندما يكون هناك انتاج
جديد فهو ليس بمستوى المرحلة بحيث يستطيع ان يستجيب
لحاجات ومتطلبات الامة ومشاكل الواقع الذي نعيشه والذي
ندعي ان الاسلام قادر على حل مشاكله، وهذا مما يؤسف له. فقه اهل البيت: نجد في العقود الاواخر من تاريخ علم الاصول توسعا وتطورا في مباني ونظريات هذا العلم، فهل اثر ذلك على الفتوى والنتيجة الفقهية؟ الجواب: نحن نرفض هذه الدعوى؛ باعتبار ان المدارس الاصولية التي حصلت في الخمسين او السبعين سنة الاخيرة اي منذ زمن الشيخ الانصاري او الوحيد البهبهاني الى يومنا الحاضر كانت في الاعم الاغلب النظرية الفقهية والمضمون الفقهي ثابتين، لذا لا يمكن التمييز كثيرا عند مراجعة رسالة عملية الفت قبل سبعين او ستين او مئة سنة بين المبنى الفقهي والاصولي المعتمد في تلك الاونة والمبنى الاصولي المعتمد الان؛ لانه من ناحية المضمون نجده متقاربا جدا.
نعم، الذي اختلف عندنا هو ان ذاك كان يقول بالحرمة استنادا
الى الاجماع، ولكن هذا الاجماع بطل عند الشيخ الانصاري او
عند مدرسته فاستعيض عنه بالسيرة،لكن المسالة بقيت كما
هي عليه، والذي تبدل فيها هو دليلها او تخريجها الفني او
صياغتها الاستدلالية، والا فان مضمونها بقي على ما هو عليه؛
لذا فان التطورالذي حصل في علم الاصول كان على هذا
المستوى فقط؛ يعني انه نحاول ان نجد ادلة، كما ذكر ذلك
السيد الشهيد(قدس سره) بشكل واضح وقد اشرت اليه في
مقدمة كتاب لا ضرر ولا ضرار عن السيد الشهيد(قدس سره)
فيقول: اننا عندما نرجع الى كلمات السابقين نجد ان
الاستدلال بالسيرة لم يتردد على لسان السابقين الا نادرا، واما عندما ناتي الى
المتاخرين والمعاصرين نجد كثيرا من المسائل الاصولية فضلا عن الفقهية يتم الاستدلال
بها من خلال بحث السيرة، وقداستحدث السيد الشهيد بابا في علم الاصول تحت عنوان بحث
السيرة، وهذا العنوان لم يكن في كتب الاصوليين السابقين، ويعلل السيد الشهيد هذه
الظاهرة آفيقول: ان سببها هو ان السابقين كانوا يستدلون على هذه المسائل التي نستدل
اليوم عليها بالسيرة اما بالاجماع او بالشهرة او باعراض الاصحاب او عملهم وغيرذلك
من عشرات القواعد الاصولية التي ان صح التعبير تغطي من الناحية النظرية تلك
المسالة الفقهية، ولكن بعد الشيخ الانصاري وبعد مدرسته بدا
النقدالشديد وهدم جملة من تلك المباني؛ من الاجماع والشهرة وعمل الاصحاب واعراضهم،
حيث وجدوا هذه المسائل الفقهية عارية من الدليل، فبدل ان يرجعواويناقشوا هذه
المباني الفقهية ذهبوا الى تاسيس مبان اصولية تغطي
هذه المسالة؛ لذا نجد ان السيد الخوئي؛ كثيرا ما يختلف من
الناحية الاصولية والرجالية مع الاخرين، لكن عندما ناتي الى
فقهه نجد انه لا يختلف الا نادر؛ وذلك لان البحث الاصولي لم
يكن واقعا بالذات بحيث اذا تغير تغير على اساسه الفقه، وانما
آفي الاعم الاغلب كان لتغطية المسائل الفقهية.
|