لذا فالبحث الفقهي عندنا لا يوجد فيه شيء جديد؛ باعتبار ان
هذه المسائل التي طرحت الان بحثت وعمقت ووصلت الى
مرحلة التكامل، والاصول عندنا لم يبحث في نفسه حتى نرى مقدار تاثيره على البحث
الفقهي، وانما بحثناه في الاعم الاغلب ليغطي المباني الفقهية عندنا والتي بقيت بلا غطاء
نظري وبلا دليل يمكن الاطمئنان اليه. فقه اهل البيت: من هي الجهة التي تتحمل مسؤولية هذا التغيير الذي نطالب به؟ الجواب: نحن لا نتوقع هذا التغيير من الطبقة الاولى في الحوزة العلمية كالمراجع، وانما نتوقعه من الطبقتين الثانية والثالثة اللتين بداتا تدخلان الواقع الاجتماعي، فوجدت الكثير من متطلبات هذا الواقع لا توجد لها اجابات مقنعة في حوزاتنا العلمية، فلابد من ان ندخل هذه العناصر الجديدة الى حوزاتنا شيئا فشيئا لكي تكون لها القدرة على الاستجابة للواقع الاجتماعي. فقه اهل البيت: هل تعتقدون ان التغيير والمعالجات التي تحصل على يد الطبقة الثانية والثالثة تكون على شكل فردي او جماعي مدروس من قبل مؤسسات تتبنى ذلك؟ الجواب: اعتقد ان توسع العلوم وعمقها ودقتها اصبحت بدرجة يجعلها بحاجة الى تخصص، وهو ما يستوجب عادة عملا مؤسسيا، ولكن الوصول الى تلك المرحلة يستغرق زمنا طويلا، ولذلك انت تجد الان في واقعنا العلمي المعاصر في مجتمعاتنا ان الجهود العلمية ذات طابع فردي بعكس بعض المجتمعات الاخرى التي يلاحظ فيها ظاهرة الجهد الجماعي، فالكتاب وربما المقال الواحد يكتب وقد اشترك فيه جماعة من المحققين والعلماء، فالى ان نصل الى تلك المرحلة نحتاج الى وقت كثير.
فقه اهل البيت:
نشكركم جزيل الشكر على اتاحتكم الفرصة لهذا الحوار.
شكرا لكم. قراءة في بنية المناهج الدراسية الشيخ محمود العيداني تمهيد
يشهد العالم من حولنا تطورا هائلا في جميع جنبات الحياة ،
الامر الذي القى بظلاله - وبقوة - على نمط تفكير الانسان
بصورة عامة، ونزوعه الى وضع كل مفردة من مفردات هذه
الحياة في مكانها المناسب، فاخذ يطلب الدليل على كل ما
يصادفه منها في حياته، وخاصة تلك المفردات التي تتدخل في
نمط هذه الحياة بعرضها العريض، بل نمط حياته على هذه
البسيطة وما بعدها من حياة، فكانت الولادة الطبيعية لمرحلة
جديدة من مراحل التطور هي مرحلة المطالبة بالدليل، بعد
نضوج هذا الانسان وهجرته لمرحلة الاقتصار على المطالبة
بالحكم.
وكان من الطبيعي ان يكون للاسلام بوصفه خاتمة الشرائع
واكملها، وناشر راية التعقل والتفكير المتزن النصيب الاوفى
من اسئلة كانت النتاج القهري لذلك التطور الفكري الهائل،
الامر الذي حتم على المسلمين، لاسيما مفكريهم، ان يدلوا
بدلوهم في هذا السبيل، وهو الامر الذي لا يعد غريبا عليهم،
واعني بهم علماء الشيعة بصفة خاصة، الامر الذي يشهد به ادنى
تفحص في كتبهم وفي جميع المجالات.
هذا، ولكن الانصاف والموضوعية وهما الخصيصتان اللتان
عرف بهما الفكر الشيعي ككل يقتضيان الاعتراف بوجوب بذل
جهد اكبر في بعض المجالات التي تستدعي ابداء المزيد من
الحساسية والنظر، لربما يكون البحث الذي بين يديك واحدا
من تلك المجالات. ما هي المناهج؟
قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: (لكل جعلنا منكم
شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم
في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم
بما كنتم فيه تختلفون)((197)).
قال في لسان العرب في مادة «نهج»: «طريق نهج: بين واضح،
وهو النهج، وطرق نهجة، وسبيل منهج: كنهج. ومنهج الطريق:
وضحه. والمنهاج: كالمنهج، وفي التنزيل: (لكل جعلنا منكم
شرعة ومنهاجا). وانهج الطريق: وضح واستبان وصار نهجا
واضحا بينا. والمنهاج: الطريق الواضح. واستنهج الطريق: صار
نهجاونهجت الطريق: ابنته واوضحته، يقال: اعمل على ما
نهجته لك. والنهج: الطريق المستقيم»((198)).
وفي كتاب العين للفراهيدي: «طريق نهج: واسع واضح. ونهج
الامر وانهج - لغتان - اي: وضح. ومنهج الطريق: وضحه.
والمنهاج: الطريق الواضح»((199)).
وفي مجمع البيان في تفسير الاية الانفة الذكر: «والمنهاج:
الطريق المستمر، يقال: طريق نهج ومنهج؛ اي: بين»((200)). ولئن كانت المعاجم العربية متفقة في معنى المنهج والمنهاج من انه الطريق الواضح البين، فان الامر ليس كذلك عندما ياخذ الكلام منحى آخر هو علم المناهج بالاصطلاح الحديث، وهو العلم الذي ياخذ على عاتقه المفردة الا ولى والاساسية في عملية التعليم، الا وهي (المناهج: Curriculum)، فقد وقع علماء هذا الفن في حيص بيص عندما حاولوا تعريفه، الامر الذي يبدو واضحا جدا لمن كان له ادنى مطالعة لما كتب في هذا الفن، فبعد ان كان التعريف الرائج له حتى عام 1979 هو ما اختاره: (Zais)ا((201)) من انه: «المقررات او المواد الدراسية التي يقررها القائمون على امر التعليم بداية كل سنة دراسية»، اصبح عندالبعض الاخر ومنهم: (شورز وستانلي وسمث Shors & Stanly & Smith)ا((202)): «مجموعة متوالية من الخبرات التي يمكن تحصيلها والتي اعدت سلفا لغرض تعليم الطلاب طرق التفكير والعمل الجماعي». ثم تطور الى ان صار: «كل الخبرات التي يحصل عليها الطلاب مع ارشاد المعلم لهم»، وهوما يراه كل من (كامبل و كاسول: Campell & Caswell)ا((203)). كما انه اصبح في عام 1989 يعني: «كل الخبرات التي يتلقاها الطلاب تحت رعاية المدرسة»، وهو التعريف الذي يختاره (دول: Doll)ا((204)) من ابرز علماء هذا الفن في السنين المتاخرة.
هذا وقد ظهر في السنين الاخيرة نوع جديد من المناهج وهي
التي يسميها بعض اهل الاختصاص (بوندي و ولس:
Bondi & Wiles)ا((205)) حدود
سنة 1993 بالمناهج المستترة: (The
Hidden Curriculum)،
والتي يقصدون بها ذلك الصنف
من المناهج غير المخطط لها مسبقا من قبل القائمين على
سياسة التعليم، الا ان من الواضح ان ذلك لا يعني انه ليس تابعا
لاية موازين، بل المقصود به انه ما يتلقاه الطالب عادة بطريقة
ضمنية غير مباشرة ومن مجموع تراكمات الخبرات في
المدرسة. وان شئت عبرت بما عبر به (مكنيل:
McNeil)ا((206)) بانه «مجموع الممارسات والاثار التعليمية التي
تنتقل الى الطالب من غير ان تكون في الخطة التعليمية
للمدرسة».
ولربما يكون هذا التعريف هو الاقرب لما نراه ورايناه متبعا
في دراستنا الحوزوية لسنين طويلة؛ فان الكتاب المقرر
دراسته في كل مرحلة من مراحلها وان كان مشخصا سلفا ان
بطريقة مدروسة وان بطريقة موروثة الا ان ما يكتنف هذا
الكتاب من جهود علمية تدريسية، يبقى في كل الاحوال تابعا
لما يراه هذا الاستاذ اوذاك مناسبا مع المادة العلمية محل
البحث.
المناهج كموضوع للدراسة والبحث:
ومهما كان التعريف المختار للمنهج، فان دراسة هذا العلم
تبقى تابعة لمعيارين مهمين جدا، وهما: الاول - البنية الجوهرية لهذا المنهج، وهي المواضيع التي يطرحها ويعتني بها.والثاني- البنية التنظيمية التي يطرحها، وهي طرق البحث وممارساتها التي توثر في حصول الغاية المترقبة من ذلك المنهج.
وحصول الغاية من المنهج او عدم حصولها امر مهم جدا كما هو
واضح، الامر الذي يفسر لنا سبب كونه اليوم فرعا مهما من افرع
علم: (هندسة المناهج) والذي يضم بالاضافة الى هذا الفرع
فرعين آخرين هما: وضع المنهج، والاخر تطبيقه وانزاله على
ساحة الواقع والعمل، فهندسة المناهج كما يراه
(بيشامب)((207)) هوكل العمليات الضرورية التي من شانها
ان تفعل من تاثير المنهج، فانه يقوم بانشاء المنهج اولا، ثم
تطبيقه ثانيا، ثم تقييمه اخيرا.
مراحل الدراسة الحوزوية ومناهجها نظرة علمية:
بعد هذه الرحلة القصيرة في عالم المناهج، وفي عالم اصبح يميل كل لحظة الى التجديد؛
التجديد في كل شيء، قد يجد
الانسان نفسه وبلا اي اختيار امام سوال مهم جدا هو: لماذا
هذا الاصرار على مناهج قديمة اكل عليها الدهر وشرب؟
المقصود بالسوال هو كتبنا الدراسية في الحوزة الشريفة، بدءا
بالشرائع، مروراباللمعة والمكاسب، الى غيرها من الكتب
الاخرى، سالت نفسي هذا السوال وانا ادرسها مرة، واطالعها
ثانية، واحفظها ثالثة، واحفظها للاخرين في حلقات التدريس
رابعة، وهكذا الى ان تصل النوبة في السوال الى من هو خارج
الوسط الحوزوي، ابتداء من الانسان البسيط ، الى الطالب
الجامعي واهل الاختصاص من العلوم الاخرى.
في سبيل اجابة علمية لابد من تحديد الهدف أولاً:
ولكي نتوصل الى الاجابة العلمية والمنطقية الناجعة على هذا
السوال، لابد من مراجعة الاليات التي يوفرها لنا علم المناهج
المتقدم الذكر، وقد مضى فيه - قبل قليل - ان من جملة ما
تبتني عليه دراسة اي منهج من المناهج امرين: البنية
الجوهرية، والبنية التنظيمية لذلك المنهج. كما مضى ايضا ما
ذكرناه في المقصودبهندسة المناهج وابتنائه على اسس ثلاثة
هي: البناء والتكوين، والتطبيق، ثم اخيرا تقويم ذلك المنهج.
ولو تاملنا قليلا في كل هذا الذي ذكر، لراينا ما رآه قبلنا بكثير
علماء المنظومة التربوية والمختصون بقسم: (اهداف التعليم)
منهم بصورة خاصة، من ان العصب الحساس فيه هو كون
المناهج ومنها الكتب المقررة الموضوعة للدراسة محققة او
غير محققة لما اريد منها من اهداف، سواء اكانت هذه الاهداف
بعيدة المدى يجب تحقيقها على المدى البعيد ومن مجموع
المراحل، ام كانت من الاهداف القريبة المدى والتي يجب
احرازها في كل مرحلة مرحلة من مراحل الدراسة،مما يعني
بالتالي لزوم تحديد هذه الاهداف تحديدا واضحا جدا لا لبس
فيه، فان كانت مما يحقق هذا الغرض فنعم المناهج والكتب
هي، والا فلابد من التغييرالى ما يحقق تلك الاهداف؛ اذ ليس
من مانع يمنعنا عن ذلك.
لابد من اعمال الدقة في تحديد الهدف:
هذا، وتعتبر الاهداف وتحديدها وصياغتها عملية علمية غاية
في الدقة، ومما تحتاج الى مهارات وقابليات خاصة، كما انها
عملية يجب ان يشترك في بنائهاوتحقيقها وتقييمها كم متنوع
من الطاقات التي لا تتحدد بالقائمين على سياسة التعليم، بل
وبكل تاكيد تتخطاهم الى المدرسين والمشرفين والمدرسة
بل وحتى الطالب، كيف لا؟! وهي غاية العملية التعليمية كلها،
وهذا ما يفسر لنا الاهتمام المنقطع النظير الذي اولاه علماء
المناهج له في ابحاثهم ودراساتهم، فقداهتموا بعد تعريف
الاهداف بتقسيمها وتصنيفها، وانواعها، واسس صياغتها،
وكيفية تطبيقها، وفوائدها، الى غير ذلك مما له صلة بها.
اهمية الاهداف في نجاح العملية التعليمية:
تكمن قيمة الهدف في انه يجعل للعمل معنى، ويعين له
اتجاها، ويحدد له الوسائل والطرق؛ ذلك ان الذي لا هدف له لا
يعرف اين المنتهى، ولا يستطيع الجزم بافضلية طريقة ووسيلة
على اخرى، وفي حالة عدم وجود اهداف تعليمية واضحة،
يفتقد المعلم اساسا سليما لاختيار تصميم الوسائل التعليمية
والمحتوى واستراتيجيات التدريس((208)).
هذا، وقد ذكر التربويون والمهتمون بسياسة التعليم وتخطيطه
وظائف متعددة للاهداف، قد يكون من أهمها:
وبنظرة بسيطة الى هذه النقاط، يتضح لنا حساسية الدور الذي
تلعبه هذه الاهداف في عملية التعليم بكل زواياها.
وعلى هذا، فلابد - للاجابة على ذلك السوال المزبور - من
التامل في مسيرة الطالب العلمية ومراحلها، وتدقيق النظر
فيما يحتاجه لكي يرتقي السلم العلمي شيئافشيئا ، فلا يتيه في
هذه المرحلة او تلك.
وللوصول الى ذلك لابد من تحديد اهدافنا التعليمية نحن ايضا
في الحوزة الشريفة، فنقول:
اما الاهداف البعيدة المدى، فهي ان يصل الطالب الى معرفة
كيف يتعامل مع المعلومة واصلا بها الى حكمه جل وعلا؟ كيف
ياخذ المعلومة ؟ وكيف يفهمها ؟وكيف يتعامل معها؟ وباي
طريقة يعاملها مع غيرها؟ وما هي علاقتها بغيرها من
المعلومات هنا وهناك؟ الى غير ذلك من الامور المتعلقة بها
وصولا الى الغاية والهدف؛ وهو التمكن من مزاولة عملية
الاستنباط بطريقة قائمة على اسس علمية.
واما الاهداف القريبة المدى او الاهداف المرحلية، فاننا
سنذكرها تباعا وفي كل مرحلة من المراحل التي سنقسم
العملية التعليمية له؛ اعتمادا على رؤيتناالشخصية في ذلك.
ونحن - في هذه العجالة - لا نريد ان نذكر ما تحتاجه عملية
الاستنباط من معلومات في مختلف العلوم؛ من النحو والصرف
والمنطق والاصول والرجال وغيرها،بل نقتصر على ذكر الاليات
الكلية لذلك الطريق، والموازين العامة للوصول الى ذلك
الهدف وتلك الغاية، مع اخذ مناهجنا الفقهية مثالا لهذه
الدراسة المتواضعة.
من مميزات الهدف:
وبعد ان اتضح الهدف الاخير وبانت الغاية القصوى
-
وهي
الحصول على ملكة الاستنباط
-
فان من المعلوم الواضح لكل
ذي عينين ان عملية الاستنباط عملية دقيقة؛ مترابطة الاجزاء
والمراحل؛ متداخلة العمليات والحسابات والعلاقات بين هذه
المعلومة وسابقتها ولاحقتها.
المعلومة التي يراد الوصول اليها في عملية الاستنباط ذات
جذور تاريخية ممتدة نافذة الى عقود قديمة وقديمة جدا،
بمقتضى ان اصولها ومراكز القرار فيها غائرة ذلك الغور؛ فاننا
انما نستقيها من عين جرت قديما جدا ولا تزال تجري؛ قرآنا
وسنة وسيرة متشرعية واجماعا وكلمات الفقهاء، وغير ذلك مما
نتعامل معه خلال عملية الاستنباط.
وهذه كلها
-
وخاصة اهمها وهو القرآن والسنة الشريفة
-
قديمة
الاشراق جدا بالنسبة لنا نحن الذين نعيش القرن الواحد
والعشرين.
واذا ما اردنا ان نصل الى عملية استنباط فنية صحيحة، سنجد
انفسنا مضطرين الى الرجوع الى ذلك المعين الصافي وتلك
العين الجارية، وان كانت قديمة جداوتمثل مرحلة بعيدة زمانيا
بالنسبة لمن يعيش زماننا الحاضر.
ولهذا، فلا غرابة فيما اذا قلنا بان المعلومة الفقهية
-
لان كلامنا
في المسيرة الفقهية
-
يتطلب الوصول اليها بذل الطاقة
والجهد العظيمين في تقليب صفحات الماضي قبل صفحات
الحاضر، وهذه نتيجة طبيعية جدا لمن اراد ان ياخذ المعلومة
من العين التي فاضت بها علينا، وهي القرآن والسنة على
الخصوص.
وبهذا، يتضح اول معلم من معالم عملية الاستنباط، فانها
عملية لا يمكن فصلها بحال عن منابعها الطبيعية الضاربة في
القدم، وعلى من اراد الا يكون مقلدا لغيره ان يبذل الوسع
والطاقة للوصول الى عذب معينها واصلها وجذورها، والا لم
يكن الا مقلدا لغيره عالة عليه، مهما علا شانه وارتفع مقامه.
وهذه المسالة
-
وهي مراجعة ومتابعة المعلومة من جذورها
-
لا
يظن بانها عملية بسيطة ساذجة، بل هي عملية تتطلب اعلى
درجات الدقة، واعلى مراتب الجهد
والمطالعة؛ لكي نحيا مع
المعلومة وهي تكبر شيئا فشيئا، وتتطور لحظة فلحظة،
مدققين في ذلك جيدا لمعرفة الصحة والخطا، والتطور
والتخلف، والبناء وغيره،والاتجاه الصحيح وغيره. ولكن، كيف لنا ان نعيش مع المعلومة هذه المراحل، ونحيا معها هذه التطورات، ونشاهدها وهي تنضج شيئا فشيئا؟ وما هو السبيل الى ذلك؟
وهنا تبرز اول مرحلة من مراحل المسيرة، والتي تمثل اول
خطوة من خطوات هذا الدرب الطويل، وهي:
المرحلة الاولى
-
لغة الاختصاص: ان اول خطوة في درب العلم الاختصاصي - في اي اختصاص كان - هي انشاء جسر بين الانسان المتعلم وبين المعلومة التي يريد الوصول اليها في الاختصاص الذي يريد: الفيزياء، او الكيمياء، او الذرة، الى غير ذلك من الاختصاصات المختلفة التي منها الفقه والاستنباط؛ اذ كيف لك ان تفهم ما يقال، وان تلاقح بينه وبين غيره، وتستفيد من خبرة هذا وذاك من نجوم ذلك الاختصاص، وانت لا تملك الطريق الى ذلك؟!
وعلى هذا، فنحن نحتاج
-
اول ما نحتاج اليه في هذه المسيرة
-
الى ان نفهم ما يقال، وان شئت عبرت بقولك: ان نعيش الجو
الفقهي -
في علم الفقه والاستنباط
-
على مستوى المصطلحات
العلمية التخصصية. وحيث اننا نتعامل مع معلومة ذات جذور قديمة وقديمة جدا، ولا غنى لنا من الرجوع الى تلك الجذور لكي نتمكن من فهمها واستيعابها اولا ثم القول الفصل فيها، فاننا مضطرون للاطلاع على تلك اللغة التي يستعملها المتشرعة والفقهاء المتقدمون الاكثر قربا من مصادر الفقه والمعلومة الفقهية الاصيلة؛ علماء الرعيل الاول المبارك لهذه المسيرة البناءة، نحن مضطرون للاطلاع على اقوالهم في المسالة التي نريد الوصول الى نتيجة صحيحة فيها، ونحن مضطرون - للوصول الى ذلك - للاستماع اليهم في كلامهم، وهضم ما يقدمونه من معلومات في هذا المجال، وكيف لنا ذلك ونحن لا ندرك ولا نفهم ما يقولون؟!
لابد من الدخول في اجوائهم، والاطلاع على مصطلحات الفن
والاختصاص، ولا يكفي في ذلك ان نحفظ هذه المصطلحات
كما كنا نحفظه بعض الاحيان بطريقة «الكلمة: معناها»، بل لابد
من الاطلاع على ذلك بطريقة حية.. بنقل مباشر، يعرف
بواسطتها معنى هذه الكلمة منفردة ومجتمعة مع غيرها..
عندما تستعمل في الطريقة الفلانية وعندما تستعمل بطريقة
اخرى.. ان استعملت في الباب الفلاني وان استعملت في الباب
الاخر، الى غير ذلك من الامور.
وهذه الطريقة التي نقتفيها نحن
-
ولسنين متمادية
-
في علم
الفقه والاستنباط ليست بدعا من الامور في علم تلقي
المعلومات، وهذا ما يتضح بادنى تامل في المناهج الدراسية
لجامعات العالم شرقيها وغربيها،خذ مثلا كلية الطب،تجد انهم
وفي السنة الاولى من سني الدراسة فيها يدرسون اللغة
الانجليزية، مع ان من يقبل في هذه الكلية من الطلاب لابد وان
يكون على مستوى عال في هذا المجال؛ والا لما حصل على
مقعده فيه؛ وليس ذلك الا لان هذا الذي يتعلمه اليوم
من هذه اللغة يختلف عما تعلمه الى اليوم منها فانه لغة
الاختصاص، وهكذا الحال في سائر الاختصاصات غير الطب،
حتى علم الحاسب الالي (الكمبيوتر) الذي يعتبر من احدث العلوم
-
كما هو اوضح من ان
يخفى على احد
-
لابد لمن يريد ان يتعلمه ان يفهم اولا وقبل اي شيء آخر لغة ما سيتعامل معه
على طول الخط؛اعني: الحاسب الالي؛ ولهذا فان من جملة ما
لا غنى عن تعلمه هناك هو طريقة الحساب بالالة الحاسبة
المعمولة من الخشب والتي لا تزال تستعمل الى يومناهذا في
بعض البلدان.
الكتاب المناسب لهذه المرحلة:
واذا كانت الغاية (الهدف المرحلي) هي هذه، فما انسب ان
يكون كتاب «شرائع الاسلام» لمولفه النحرير المحقق
الحلي(قدس سره) هو الذي يطالع في هذه المرحلة! فانه قد
حمل من الشهادات العالية والدرجات الرفيعة في هذا المجال
ما لم يحزه غيره من الكتب مهما بلغ مولفه من التحقيق
والتدقيق؛ فان الرجل يمثل المرحلة الفاصلة بين جيلين من
فقهائنا العظام، من تقدم عليه كالمرتضى والطوسي والمفيد
وغيرهم من الفطاحل والعظماء الذين يسمونهم بالقدماء،
ومن تاخر عنه كالعلامة والشهيدين وغيرهم من عظماء هذه
المرحلة، فهو الناطق الرسمي باسم الجميع، والممثل الشرعي
لكل اولئك وخاصة متقدميهم، الامر الذي يجعله
-
مع كفاءته
ولياقته الخاصة في مجاله
-
افضل من يرجع اليه في هذا
المجال، وعندما تقرا له وتفهم ما يريده فانت تقرا للمرتضى
وابن زهرة والطوسي والعلا مة والشهيدين وغير اولئك من
عباقرة المعلومة الفقهية، وابطال عمليات الاستنباط، والرواد
الاوائل الذين بنوا هذا الصرح العظيم لمسيرتنا العلمية الشامخة. نريد من الكتاب في هذه المرحلة ان يطلعنا في جملة ما يطلعنا عليه على الجو الفقهي الذي كان يعيشه هولاء وهم يصوغون هذه العبارة وتلك.. وهم يستعملون هذا المصطلح وذاك.. هذه الكلمة والعبارة والجملة والفتوى وتلك.. كيف يتعاملون مع هذا اللفظ وباي حدود.. يقدمونه تارة ويوخرونه اخرى.. يركبونه مع هذا اللفظ الاخر مرة ومع ذاك مرة اخرى، كل ذلك عن عبارة لطيفة وسياق لائق وطريقة عربية متينة تحمل كل مميزات وخصائص اللغة العربية الاصيلة التي تمثل العنفوان من بين اللغات الكثيرة المتناثرة، وهل هناك افضل من كتاب الشرائع للمحقق الحلي الذي يعطيك المعلومة الفقهية الرصينة بقالب عربي يزهو بكل اطياف والوان قوة اللغة ومصطلحاتها وآلاتها، ويختلف كل الاختلاف مع ما نقرؤه هذه الايام في بعض الرسائل الغاية في التعقيد، والبعيدة - غالبا - عما يريده القارى منها؟! ويتضح السر اذا:
وبهذا يظهر السر في دراستنا لكتاب الشرائع في بداية الطريق،
واولى الخطوات في مسيرتنا الفقهية اننا نطلبه ونستهدفه على
قدمه، ففي بعض الاحيان نطلب القديم لانه قديم ونترك
الحديث لانه حديث، فنحن
-
في ذلك
-
كطلاب الاثار التي
تزداد قيمتها كلما ازداد عمرها وكلما كانت تمثل مرحلة
تاريخية اقدم، كما هو
المعروف.
في هذه المرحلة الاولى نريد كتابا يلبي ما ذكرناه من مطالب،
ولا نصر على ان يكون كتاب الشرائع، فليكن كتابا آخر غيره
شرط الا يكون كتابا لا يمثل تلك المرحلة، ولا يجعل الطالب
يعيش الجو الفقهي ذاك من حيث آلات ايصال المعلومة؛
اعني: الالفاظ والمصطلحات، واين كتاب الشرائع من مراجعة
رسالة عملية لا تمثل الا طريقة تعبير صاحبها الذي يعيش معنا
او سبقنا شيئا ما؟! هو كتاب عظيم، الا ان غايتنا ومطلبنا
وهدفنا لا يتحقق من خلال ما كتب لنا في هذه
الرسالة الشريفة، فهذا شيء، وذاك شيء آخر، فكما انك لن تكون
شاعرا الا بمراجعة بحور الشعر القديمة والعيش في اجوائها
الساحرة، ومراجعة الشعر القديم من المعلقات وغيرها، ولا يكفي
مراجعة ما كتب حديثا مهما كان رصينا منمقا حلوا، فكذلك
الامر فيما نحن فيه طابق النعل بالنعل، فافهم وتامل ولاحظ
واغتنم، فماذكرناه هنا في الفقه يجري بلا اي فرق في غيره من
العلوم، كالطب والهندسة والفيزياء وغيرها.
نعم، تبقى كلمة الفصل في تحقيق هذه الغاية او عدم تحقيقها
بيد الاستاذ الحاذق الذي يمكنه تحمل هكذا مسوولية ضخمة
جد؛ كونه يعمل في مرحلة غاية في الاهمية من مراحل العملية
التعليمية؛ الا وهي بناء الاساس لكل ذلك البناء العظيم في
المراحل القادمة من مراحل هذه العملية، فان كان هو نفسه لا
سمح الله
-
من غير المتكلمين بتلك اللغة
-
اعني اللغة العلمية
فكيف يمكن ان نتصور انه سيكون ناجحا في عمله؟! وهذا ما
يفسر الاهمية العظمى لتوفير هكذا معلمين، كمايترجم
الاصرار على الا يتبوا هذا المقعد الشريف الا من كان اهلا له،
كما ان هذه النقطة بالذات هي التي تعظم المسوولية على
القائمين بامر التعليم في الوقت نفسه، فان من اهم تلك
المسووليات هو اعداد برامج خاصة في توفير هذه الكوادر،
كتلك التي يوفرها القائمون على امر التعليم في سائر
المجالات العلمية((210)).
المرحلة الثانية
-
لغة التفكير والتنظير:
فاذا انهينا المرحلة الاولى، وخطونا الخطوة الابتدائية في هذه
المسيرة العلمية، وصرنا نفهم ما يقولونه ونعرف ما يعرفونه،
اصبحنا ممن يعيش الجو الفقهي الثمين الذي كان يعيشه
القمم في اختصاصهم وعلومهم، آن الاوان لكي نخطو الخطوة
الثانية المهمة التي ما كانت الخطوة الاولى السابقة الا طريقا
اليها،وجسرانعبر فوقه يوصلنا لها، وهذه الخطوة هي ان نعيش
ذلك الجو الفقهي على مستوى التفكير والاستنباط
والاستنتاج. ليس لنا ان نكون مجتهدين او مجددين الا بان نطلع على نمط تفكير المرتضى وطراز تفكير الطوسي، وكيف كان يتعامل المحقق والعلا مة وغيرهما من الفطاحل مع المعلومة الفقهية، وكيف كانوا يجرون التفاعلات الفقهية والاصولية عليها على ساحة التطبيق والاستنباط، وبدون ذلك لن نتقدم خطوة جديدة واحدة، وبلا ان نطلع على تجارب اولئك العباقرة لن نعرف جذور المسالة في جو الاستنباط، وبدون ذلك كيف يمكننا ان نتوصل الى جواب صحيح ناجع عن المسالة المطروحة فعلا على بساط البحث مهما كانت جديدة بنت وقتها؟!
هذه النقطة بالضبط، هي التي تلزمنا بمراجعة تجارب عمالقة
الفكر والمذهب واساطين الفن والاستنباط؛ لنتعرف على
جذور الفكرة، وكيفية نشوئها، ومراحل تطورها، والادوار التي
مرت فيه؛ لكي نكون على اطلاع على مراكز الضعف فيها
فنتلافاها، ومراكز القوة فيها فنركز عليها ونقويها ونستفيد منها
في المورد وغيره من الموارد.
نعم، الاطلاع على الجذور العلمية والثقافية للمسالة امر في
غاية الاهمية، ويمثل هدفا من اهداف العملية التعليمية، ولكنه
-
وبلا شك
-
يجب ان يكون فنياوعقلائيا ؛ بمعنى اننا في هذه
العملية يجب ان نراعي في ذلك دائما مدارك الطالب
ومستواه العلمي، وما دمنا نتعامل
-
فعلا
-
مع طالب مبتدى
تخرج للتومن المرحلة الاولى من مراحل المسيرة، فاننا
مضطرون الى ان تكون الجرعات المعلوماتية متناسبة مع
ذلك، الا اننا نريدها ايضا تمثل وبحق تلك
المرحلة الثقافية الحساسة، والحساسة جدا من ثقافتنا
الاستنباطية والعملية، فنريدها
-
على هذا
-
ان تكون من هذه
الناحية ممثلة للدرجات العليا من هذه الثقافة، ومن شخص
يشهد له الشهادة العظمى بطول الباع وكثرة المطالعة
والاطلاع، وان يكون عالما من الطراز الاول، مختصا محيطا
باساليب الفن والعلم والاستنباط والكروالفر، وقادرا على طرح
الاشكال والتفصي من الاشكال، ونريده ان يكون كذلك على
طول الخط، وفي جميع الابواب، بل في جميع دقائق الباب
الواحد ايضا.
كما اننا
-
وبالاضافة الى جميع مطالبنا هذه
-
نريد ان تكون
عبارته عبارة علمية رصينة بالغة الدقة، بليغة اللغة والالفاظ،
تفرغ عن تلك العقلية الخلا قة، وتترجم لك الفكر الجبار الذي
لن نعبر الى بر عملية الاستنباط الا بفهمه وبعمق الفهم
الكافي الدقيق.
لكي تكون عالما في الفيزياء او الكيمياء او الذرة، لا غنى لك عن
مطالعة افكار العظام في هذا المجال المتقدمين منهم
والمتاخرين، وهذا هو السبب في اصرار
كبريات جامعات العالم
على جعل بعض كتب ابن سينا وجابر بن حيان وغاليلو ونيوتن
وارسطو وغيرهم من عمالقة الفن منهجا من المناهج الدراسية
الاساسية الثابتة لها، ويكفي
-
للتسليم بذلك
-
مراجعة شبكة
(الانترنيت) للاطلاع على ما يدرس اليوم في كليات العالم
الاولى.
الكتاب المناسب لهذه المرحلة: أ- مستوى الفهم والتفقه:
ولو راجعنا اي كتاب استنبطي كتب اليوم او في الزمان
السابق نجد ان الباحث لا يكون باحثا الا اذا كان قد تعلم فن
العوم في بحور تجارب الاخرين، وحازعلى الدرجات العليا في
فهم مقاصدهم وعباراتهم، وخبر كيف يعوم في تلك البحور
ليصل الى بر الامان الذي لا يصل اليه الا من كان مميزا للحق
من الباطل،
وللفرع من الاصل، وللمقدمة من النتيجة، وللا زم
من الملزوم، الى غير ذلك من الاليات المهمة التي لا غنى لاي
باحث - وفي اي مجال - عنها. لابد ان يتعلم الطالب - في هذه المرحلة - كيف يتعامل مع عبارات الاخرين وافكارهم، من اين يبدا؟ الى اين يتجه؟ وكيف يتلقى المعلومة الفقهية؟ وكيف يتعطى معها ايجابا وسلبا؟ كيف ينظر اليه؛ يمينا ام شمالا؟ ما الذي يترتب عليها؟ ما هي الاحتمالات فيها؟ ماذا يترتب على كل احتمال؟ كيف نستنطق الكلمة قبل العبارة؟ والعبارة قبل الفتوى؟ والفتوى وما يحيط بها من جو فقهي افرزها وغيرها؟ كل ذلك نريده في هذه المرحلة، ومن احسن من الشهيد الثاني وهو يقوم بهذه المهمة الصعبة الشديدة!
ويكفي - للبرهنة على ذلك عمليا - ان نراجع الصفحة الاولى
من صفحات ما كتبه شرحا على اللمعة الدمشقية، لنلاحظ ما
يفيض به الرجل من علم واسع واحاطة فذة بالمعلومات
المتعلقة بالموضوع وبتشقيقاته وفروعه، وما يترتب عليه، وهو
ما يشهد له به كل من اطل على سجل الرجل الحافل بكل ما هو
راق من نياشين العلم والشهادة.
ب- مستوى الاستدلال والابداع:
يجب ان يتعلم الطالب - في هذه الفترة - كيفية التعامل مع ما
يلقيه الاخرون من المعلومات على مستوى التدقيق والفرز
العلمي القائم على الدليل والحجة، ولابدان يدقق - ومنذ البدء
- في طرق الاستدلال وكيفية عرضها، وعملية فرز الدليل عما
اقيم عليه الدليل - أي: الدعوى - الى غير ذلك من آليات
البحث الفقهي التي لايستغني عنها اي باحث يريد ان يدلو
بدلوه مستقبلا في هذا البحر الزاخر بانواع الكنوز.
جاء في كتاب: (نحو فهم المناهج المستترة:
Understanding The Hidden Curriculum): «ان من جملة
العوامل المهمة التي تو دي الى انجاح هذه المناهج واعطائها
النتائج المرجوة منها، هو التعاون بين الطالب والاستاذ على
الوصول الى تلك النتائج؛ فان من ثمرات هذا التعاون هو الفهم
الافضل للاسباب والنتائج لكل تصميم يتخذ في
هذاالمنهج»((212)).
وهذا ما يعظم مسوولية اساتذة هذه المرحلة العصيبة المهمة؛
فانها
-
بالاضافة الى دراسة كتاب الشرائع
-
تمثل الحجر الاساس
والعصب الحساس لدراسة الطالب ومستقبله العلمي، وما فاز
من فاز الا بعد اطلاعه على اهمية هذه المرحلة، واهتمامه بها،
واعداد العدة لها، فلا ينبغي الغفلة عن هذه اللبنة الاساسية في
حصن الاجتهاد المنيع، علما ان الكلام لا يختص بهذه المرحلة،
بل هو عام شامل لجميع مراحل المسيرة. على الاستاذ في
جملة ما عليه من مسووليات هذه المرحلة آان يربي في طلابه
روح التحدي، وحب نيل الانتصارات، وفتح كل حصن من
حصون العلم والمعرفة. وهذا ما لا ياتي الا عن طريق اعطاء
الطالب المعلومة اولا،واكسابه المهارات ثانيا، والقدرة على
الفهم ثالثا((213)). ومن الواضح ان هذا لا يعني ان نضيع العمر والوقت الثمينين في دراسة هذا الكتاب، بل المهم ان نتعلم كيف نعوم في هذا البحر، فاذا تعلمنا - بمساعدة استاذنا - ذلك، فلا داعي لبذل وقت اطول فيه، بل يمكننا ان نشرع بتعليم الاخرين ايضا، وما المانع من ذلك؟!
هل من بديل؟
ولا يظن ان هذا الكلام دعوة الى التحجر والتخلف والجمود، بل
وكما مثلنا سابقا في المرحلة الاولى هذا ما يقتضيه تعلم فن
الاستنباط ذي الجذور التاريخية العميقة، والتي لن يكون
الانسان عالما مجتهدا مجددا الا بالاطلاع عليها، والاطلاع
الدقيق ايضا، كمن يريد ان يكون متخصصا في مرض ما مثلا،
فانه لابد له وان يدرس جذور الحالة المرضية، وتركيب العام
المرضي، وتراكيب العلاجات التي قدمت كحل لذلك المرض،
والدراسات التي اقيمت بخصوصه، الى غير ذلك من الامور التي
لن ينجح المتخصص فيها الا بعد ان يطلع اطلاعا دقيقا عليها،
ليكون من اصحاب الراي والتجديد فيها، والا عاش عمره كله
مقلدا وعالة على غيره.
لكي يكون الانسان مجددا، عليه ان يعيش مع الفكرة مراحل
تطورها، كما يعيش الباحث اليوم مراحل تطور خلقة الانسان
خلية خلية، بل اكثر من ذلك وادق، والا فعليه ان يرتضي
لنفسه ان يكون مشاهدا فقط، ان كان لائقا بذلك.
لو اعتدنا على هذا النمط من الدراسة والتتبع والملاحظة،
فلنكن واثقين من اننا سنكون اناسا لائقين في المستقبل، لا
في عالم الفقه فحسب، بل وفي جميع العوالم الاخرى ايضا:
الاصول، الاقتصاد، السياسة، التربية.. الى غير ذلك من الحقول،
بشرطها وشروطها كما لا يخفى. والسر في ذلك هو اننا نضع
ايدينا على مفاتيح عامة للتعامل مع المعلومة مهما كان نوعها.
يقول بعض الباحثين: «يجب على الاستاذ ان يوضح وبصورة
كاملة ما يريد ان يوصله من معلومة للطالب، وما هو الهدف
من ايصال هذه المعلومة، وما الذي سيترتب عليها، وما فائدتها،
وكيف يستطيع ان يستفيد منها للوصول الى اغراضه
العلمية»((214)).
المرحلة الثالثة
-
تنمية المهارات الاستنباطية؛ البناء الجاهز:
ونريد في هذه المرحلة ان نستفيد مما حصل عليه الطالب من
طاقات وآليات وقابليات من سني دراسته السابقة، ونوجهها
الوجهة الصحيحة الفنية، فنقوي فيه بوصلته الفقهية وان كانت
بسيطة ومتواضعة؛ ولهذا، لابد من زرقه بجرعات مركزة من
الفقه الاستدلالي الذي ينمي عنده ادراك الطريق الاستدلالي
بصورة صحيحة.
نحتاج في هذه المرحلة ان ناخذ بيد الطالب لنريه حدائق
وبساتين متنوعة من الاستدلال، ولكننا لا نزال نراعي مداركه
العلمية المتواضعة، فلا نحمله فوق طاقته،
الا اننا
-
وفي الوقت
نفسه
-
نريد ان نربي فيه حسن التدقيق والتامل والاعتماد على
النفس في طرح الافكار وسردها وعلاجها احيانا ان كانت على
غير ما يرام.
لابد في هذه المرحلة من ان نمر بالطالب على عمليات
استنباط كثيرة متعددة ومتنوعة، ولكنها
-
وفي نفس الوقت
-
ينبغي الا تكون طويلة، بل محسوبة المراحل،
مشخصة
الخطوات، معروفة التسلسل، ويا حبذا لو كانت تمثل الان
درجة اعلى من الدقة والتامل والتفصيل والاخذ والرد، وهكذا
من الافضل ان تمثل هذه المرحلة مرحلة متطورة من الفقه
الاستدلالي.
المرور بالطالب بهذه المرحلة الدراسية هو الذي يقتضيه
الاسلوب العلمي الصحيح في فن التدريس، وهو ما تنتهجه
مدارس العالم المتحضر وكبريات جامعاته الحديثة والمتطورة،
فالطريقة هي الطريقة ولكن المواضيع والاليات هي التي
تختلف هنا وهناك، فهناك نظريات وافكار فيزيائية وكيميائية
واقتصادية وغيرهاتشرح للطالب باسلوب مناسب، ثم يدرب
على تطبيقها بصورة عملية في المختبرات المناسبة لكل
اختصاص، وهنا نظريات في الفقه والاصول واللغة وغيرها
مما
له دخالة في تحقق الهدف المنشود من القدرة على فن
الاستنباط الوسيع تشرح للطالب اولا، ثم يدرب على تطبيقها
وتفريعاتها وملحقاتها.
يذكر العالم المعروف (بلوم)
-
الانف الذكر
-
في مستويات
المجال الانفعالي انه يتكون من اربعة مستويات، وهي:
الكتاب المناسب لهذه المرحلة:
في فقه المكاسب
-
وابتداء بالمكاسب المحرمة
-
كل جديد
متالق، وكل كنز ثمين، وكل لولوة ودرة عجيبة معجبة، فيه
من الدرر ما ليس في غيره، واللطيف في الامر هو ان ما فيه من
هذه الدرر لا ينتهي مهما تمادت الايام، فيه طرق من
الاستنباط والاستدلال هي الاساس في ذلك الى هذا اليوم
الذي نعيشه، وفيه من الاسس واللبنات ما يحتاجه فقيهنا الى
هذه اللحظة التي نعيشها، وفيه من الاليات ما لا غنى لاي
باحث عنه.
كل ذلك في كتاب المكاسب، ولكن الفن كل الفن لمن ياخذ
بيد الطالب في هذه المرحلة؛ لكي يجعله ينهل من كل وردة
يمر عليها، ويجعله يلتذ بكل بستان تحط قدماه فيه، ويجعله
يشرب من كل عين ماء معين، سيالة جارية الى يومنا، اجراها
شيخ المشايخ الانصاري واعني بذلك قائد الرحلة المهمة جدا،
والذي بيده ان يكون المرشد الى كل كنز ثمين، والباني لكل بناء
حصين، والغارس لكل شجرة تثمر التعامل الفني مع الفكرة،
وبيده ان يكون المثبط للهمم، المضيع للوقت والجهد والعمر،
واعني بكل ذلك: «الاستاذ».
فكر خلاق:
خلق الله سبحانه العقل مطورا لما يمر على ساحة حساباته، اعط
العقل فكرة وصل اليها عقل آخر هذا اليوم، تجده يطور هذه
الفكرة في نفس هذا اليوم لا غدا،ولكن بشرطها وشروطها كما
لا يخفى، ومن جملة شروطها: القائد اللائق بهذه المرحلة
الحساسة؛ الاستاذ المدقق الذي يعرف من اين توتى الامور.
كتاب المكاسب لم يعد كمنهج دراسي متصف بما يلزم ان
يتصف به المنهج الدراسي من ضوابط وموازين، ولم يولفه
الرجل لذلك، ولكن، وبمعونة الاستاذ
اللائق، يمكن ان يكون
كالف مصنف دراسي.
النظرية العلمية لفن التدريس لا التبرك:
فنحن اذا
-
في هذه المرحلة
-
ننهل من عذب عين العلم
واساسه، ولكن لابد ان تكون الطريقة في ذلك جديدة مواكبة
لتطور العلم والمتعلم، لا ان نبقى جامدين على الطريقة نفسها
التي مر عليها الاسبقون، العين هي العين، ولا ضير في ذلك،
بل اللازم هو ذلك، ولكن ما الملزم في ان نبقى على نفس
الطريق الطويل الذي مربه السابقون؟ ولماذا لا نعمل عقولنا
وانظارنا في ابتكار طرق اخصر؟ طرق لا نظل فيها قرونا حتى
ننسى لماذا مشينا هذا الطريق، نريد طريقا اقل جهدا، واقل
وقتا،
واكثر اطمئنانا وامانا.
وفي هذه المرحلة، المهم ان نحصل على تلك القابلية التي
تمكننا من تلمس الطريق، وتمييز الطرقات عن بعضها، ومعرفة
الغث والسمين منها.. ان نعرف من اين تبدا رحلة الاستنباط
بصورة فنية، ما هي مراحل هذه العملية؟ من اي نقطة ننطلق؟
الى اي صوب نتجه؟ ولماذا نتجه الوجهة الفلانية دون غيرها؟
والى اين نريد؟وبعبارة موجزة جدا: ان نتعلم كيف نبني
باستعمال ادوات بناء جاهزة وفرها لنا غيرنا.
كل هذه الاسئلة نريد جوابا ناجعا عليها، وهذا ما يقدمه لنا
المكاسب، ولكن المكاسب لا يقدمه لكل احد، بل لمن وفقه الله
لمدرس ناجح لائق يعرف الاجوبة كلها عن الاسئلة كلها، عند
ذاك سيكون القائد اللائق الذي لا يوفق الله له كل احد، بل من
ارتضى من خلقه.
تقول بعض الدراسات في هذا المجال: هذا ما نريده في هذه المرحلة الحساسة، فان كان كتاب المكاسب لائقا بهذه المسوولية الخطيرة - بعد الاستعانة بالاستاذ اللائق فالحمد الله وكفى، والا فلا مانع من استبداله بكتاب آخر يغذينا بما اردناه من معلومات بحيث يكون العين المباركة التي تعطي وتعطي وتعطي فتكون الاساس وتكون البناء، لسنا ضد التطويروالتحسين في مناهج الحوزة العلمية المباركة، ولكن هذا ربما لا يتاتى بتغيير الكتاب، بل من تغيير طريقة التدريس نفسها، فانه عمل يدخل ضمن العملية التدريسية حسبما سمعت من التعريف الاحدث للمنهج((216))، فهل جربنا ذلك؟
المرحلة الرابعة
-
التدقيق والتحقيق: ولكن - في بعض الاحيان - هناك من المسائل ما يتطلب القدر الكبير من المراجعة والتحقيق والتامل ومطالعة اقوال مختلفة؛ لغوية وفقهية وعقلية الى غيرها من الاقوال التي يتطلب التعامل معها فنا خاصا ودقة منقطعة النظير حتى من الناحية الفنية والطريقة التسلسلية للبحث، واستعراض هذه الاقوال ودراستها والتامل فيها كل في موضوعه الخاص المناسب، فما العمل حينئذ؟ لاحظ - على سبيل المثال لا الحصر - كيف نقح الشيخ الانصاري مفهوم البيع في اول كتابه المسمى بالمكاسب والبيع! لاحظ كم استغرق ذلك العمل من وقت وجهد عظيمين! وتامل في مقدار ما استعرضه الشيخ من اقوال مختلفة، وعلاجات كثيرة، واشكالات متنوعة جدا، حتى انتهى الى ما ارتضاه؛ من ان ماهية البيع وحقيقته هي: «انشاء تمليك عين بمال»! كل ذلك الجهد العظيم انما هو لتحقيق جواب صحيح عن سوال بسيط جدا، وهو: ما المقصود بكلمة: «البيع» - ومشتقاتها - الواردة في الخطابات الشرعية، كقوله سبحانه وتعالى: (احل الله البيع)؟
|