الاستاذ الشيخ علي الرباني ما هي العلوم الدينية؟
العلوم الدينية هي العلوم التي تبحث قضايا الدين ومفاهيمه.
العلوم التمهيدية:
للاحاطة بالعلوم المذكورة يتوجب على طالب العلم دراسة
علوم اخرى هي بمثابة العلوم التمهيدية، وهي عبارة عن:
ولا شك فان الاطلاع على سيرة المعصومين(ع) وتاريخ
حياتهم من الابعاد العلمية والعملية المختلفة امر ضروري
ولازم. ولذا يمكن عد علم ديني آخر هو«سيرة المعصومين(ع)».
ثغرات النظام التعليمي ومعالجتها:
للنظام التعليمي الحوزوي مزاياه الخاصة التي يتميز بها عن
سائر الانظمة التعليمية الاخرى، ومن تلك المزايا: ولكن لما كان المنطلق هو سد الثغرات ومعالجة النواقص في النظام التعليمي واصلاحه، فانا نشير الى طرف من هذه النواقص: 1- عدم توفر الاستاذ الموجه الذي يمكن للطلاب الاستنارة بتوجيهاته لاختيار الطريق الصحيح والابتعاد عن مواطن الحيرة وضياع المواهب لديهم. 2- اهمال بعض العلوم الدينية الاساسية كالعقائد والكلام. 3- العناية المركزة ببعض العلوم التمهيدية كاصول الفقه. 4- عدم تناسب بعض المواد الدراسية مع المرحلة الدراسية التي تدرس فيها، كما نلاحظ ذلك في علم المنطق الذي يدرس مع انه من العلوم الغامضة في مرحلة المقدمات ودراسة الادب العربي. 5- التكرار في دراسة بعض الدروس عدة مرات والاكتفاء بدراسة بعضها مرة واحدة مع اهمية تكرارها. فمثلا علم الاصول يتم تدريسه كرارا مع ان الكثير من الاراء الواردة في كتاب المعالم مثلا مناقش فيها في المراحل الدراسية العليا. وعليه فان دراسة مثل هذه الاراء لا يعدو ان يكون دراسة لتاريخ العلم لا شيئا آخر. في حين نجد ان علم المنطق الذي ينبغي ترسيخ قواعده الكلية والضرورية في ذهن الطالب والذي يعد من الضروري تكرار دراسته لا يدرس الا مرة واحدة وفي مرحلة لا تتناسب وهذا العلم الدقيق! 6- عدم توفر اكثر الكتب الدراسية على الحالة المنهجية العلمية المطلوبة؛ وذلك لعدم وضعها من قبل مؤلفيها لغرض الدراسة. 7- عدم دراسة تاريخ العلوم الاسلامية، مع ان هذه المسالة في غاية الاهمية في العصر الراهن. وهذا نقص آخر في نظامنا التعليمي. 8- عدم دراسة سيرة المعصومين(ع) وتاريخهم كمادة دراسية مقررة بشكل رسمي. 9- وضع بعض المقررات الدراسية من دون الاخذ بنظر الاعتبار دراسة مقدماتها اللازمة، وابرز مثال لذلك علم الكلام، حيث انه يتم تدريسه قبل دراسة المنطق والقواعد الفلسفية. علما بان دراسة واستيعاب المباحث المرتبطة بالمعرفة الالهية والتوحيد امر في غاية التعقيد، وقد تكون خارجة عن دائرة الامكان.
10-
قصور المنهج الدراسي لدراسة القرآن الكريم وتفسيره،
فتفسير «جوامع الجامع» مثلا وان كان تفسيرا قيما في ذاته،
ولكنه لا يلبي المطلوب. المقترحات: 1- اختيار نخبة من ذوي الاختصاص والتجربة والذوق ليكونوا اساتذة في مجال التوجيه والاشراف. 2- الاعتراف الرسمي ببعض العلوم المهملة كالكلام والتفسير. 3- اعداد مقرر دراسي للمنطق في ثلاثة مقاطع هي: الابتدائية والمتوسطة والعليا. 4- الاقلال من دراسة بعض الدروس وتكرارها واستبدال ذلك بدراسة تاريخ ذلك العلم. 5- توفر المقرر الدراسي اضافة لجامعيته ومستواه العلمي على المنهجية في محتواه وشكله، وهذا ما يمكن تحقيقه باختيار ثلة من الاساتذة الكفوئين. 6- ينبغي وضع وتدوين مقررات دراسية تتكفل تاريخ كل علم بحسب سيره التاريخي الخاص وطبقات العلماء فيه، وتدريس ذلك كدرس الزامي.
7-
فيما يرتبط بعلم الكلام اقترح
-
ومن منطلق تجربتي
ومعلوماتي في هذا المضمار
-
الامور التالية:
8- كما اقترح في مجال دراسة التفسير ما يلي:
9- التخصص في الفروع الدينية والذي تم تطبيق بعضه يعد
من الضرورات اللازمة((248)).
10- كتابة رسالة علمية في مختلف العلوم والمعارف؛ لما
لذلك من اثر في تاهيل الطلاب وتنمية قابلياتهم العلمية.
11- اعداد الكادر التدريسي وتقديم الدعم المادي والمعنوي
لهم. وهذه نقطة ينبغي مراعاتها في عملية اصلاح النظام
التعليمي للحوزة.
12- من الامور اللازمة في هذا المجال الاشراف على طباعة
ونشر الكتب الدراسية وجعلها في متناول الطلا ب بسعر
مناسب.
هذا ما اردت اقتراحه وطرحه في هذا الصدد، آملا ان اكون قد
ساهمت ولو بخطوة صغيرة في طريق اصلاح النظام التعليمي
في الحوزة، وساكون بخدمة الزملاءوالافاضل في مرحلة
التطبيق اذا حالفنا التوفيق الالهي للقيام بذلك.
النظام التعليمي
بين الحوزة والجامعة السيد حسن فاطمي: مقدمة:
أ- ليس الغرض من هذا المقال الانتقاص من النظام الحوزوي
او الجامعي، بل المقصود هو المقارنة بينهما، وبيان ترجيح
خصائص كل واحد منهما على الاخر.
ب- النظام التعليمي المذكور لكل من الحوزة والجامعة هو ما
يمثل الحالة العامة فيهما، وهذا لا ينفي وجود ما هو خلاف
ذلك.
ج- المراد بـ«النظام التعليمي في الحوزة» هو الحالة التقليدية
السائدة.
د- ان مطمح نظر الكاتب هو العلوم الاسلامية التي تدرس في
الجامعات؛ اذ للعلوم غير الاسلامية نظامها الخاص بها الذي قد
يعوزنا الاطلاع عليه. علما بان المقارنة بين النظام التعليمي
للعلوم الدينية بغيرها من العلوم امر ليس له مبرراته المنطقية.
وسنذكر أولا خصائص كل من النظامين بشكل اجمالي، ثم
نعرض لدراسة ذلك تفصيلا.
خصائص النظام التعليمي في الجامعة:
1- عدم حرية الطالب في اختيار الاستاذ.
2- التعيين المسبق من قبل الجامعة لموضع الدرس والمقرر
الدراسي الذي يدرسه الاساتذة.
3- قصر الفترة الدراسية.
4- يلزم طلاب الجامعة بالامتحانات الدورية، كما يطبق نظام
الغياب والحضور للالزام بالحضور في الدرس.
5- منح شهادة التخرج.
6- الغالب في الكتب الجامعية توفرها على الصياغة المطلوبة
والمنهجية اللازمة.
7- مواصلة الدراسة في كل مادة تكون في الاسبوع اللاحق.
8- بالاضافة الى اختلاف موضوعات المواد الدراسية فانها لا
تدرس في ساعة مقررة يوميا، بل قد يكون الدرس صباحا في
هذا اليوم وقد يكون عصرا في اليوم التالي.
9- لا تتحمل الجامعة مسؤولية تجاه المتخرجين.
خصائص النظام التعليمي في الحوزة:
1- حرية الطالب في اختيار الاستاذ.
2- حرية الاستاذ في اختيار الموضوع والكتاب الذي يريد
تدريسه.
3- يدرس الطالب - كمعدل يومي - درسين او ثلاثة دروس
يوميا، ويواصل الدرس في اليوم التالي في نفس الساعة
المقررة.
4- لا يوجد سقف زمني لانتهاء الدراسة الحوزوية؛ ولذا لا
معنى للتخرج من الحوزة.
5- بالرغم من متانة الدروس والمواد الدراسية المقررة، الا انها
غير خالية من النقص.
6- نظام الحضور والغياب.
7- تدفع الحوزة مرتبات المتخرجين منها ما داموا ملتزمين
بالدراسة.
الدراسة الحرة وسلبياتها:
من اهم الفوارق بين النظامين الجامعي والحوزوي هو حرية
الدراسة في نظام الحوزة وتحديد قابليات الطلا ب والاساتذة
في الجامعة فليس للطالب الجامعي الحرية في اختيار الاستاذ
ولا الامتناع عن حضور المحاضرة. كما انه ملزم باداء
الامتحانات في كافة المواد الدراسية.
وهذا بعكس الطالب الحوزوي فانه حر في اختيار الاستاذ وفي
حضور المحاضرة.
من جهة اخرى فان تعيين الموضوع والكتاب يتم من قبل
الجامعة، في حين ان اساتذة الحوزة يختارون بحرية الكتاب
والموضوع الذي يدرسونه، وكذلك في تعيين وقت الدرس
ومكانه.
وفيما يلي اشارة الى ايجابيات الدراسة الحرة ثم ناتي على ذكر
السلبيات:
1- تطوير قابليات الاستاذ:
ولكن الامر مختلف في الجامعة، فان الاستاذ فيها قد يكرر
تدريس المادة للمرة المائة من دون ان يطور نفسه. ومن هنا
فان عملية التدريس في الجامعة بذاتها لاتنمي مواهب الاستاذ،
بل لابد للاستاذ من اشفاع ذلك بالبحث والتحقيق خارج
الدرس، وهو امر قليل الوقوع خارجا.
2- الحيوية في التدريس:
ان المشاهد لدور المدرس في الحوزة يلمس فيه عنصر
الحيوية اكثر مما يلمسه في مدرس الجامعة، وليس ذلك الا
لحرية الاول في انتخاب المقرر الذي يريدتدريسه وكون المادة
التي يدرسها اقرب الى ذوقه وارادته، ولذا نلاحظ ان الغالب في
اساتذة الحوزة هو توفرهم على النشاط والحيوية والتفاعل في
عملية التدريس، بعكس نظام الجامعة الذي تفرض فيه المادة
الدراسية على الاستاذ، وقد يتفق ان يدرس مادة لا يحسنها
ولكنه لا يرفضها حفاظا على موقعه ووظيفته.
3- جهد الاستاذ:
وافضل الأساليب لكسب رضاه هو التسامح في اعطاء الدرجات
ووضع الاسئلة الواضحة، وبذلك يضمن عدم الاعتراض على
طريقة التدريس ولا مستوى الدرس ولا اتلاف الوقت ولا طريقة
الشرح ولا غير ذلك.
4- تطابق اختيار الاستاذ مع قابلية الطالب:
ومن هنا فان اجلال طلاب العلوم الدينية لاساتذتهم كبير
وكبير جد؛ لان الاختيار تم بطواعيتهم الا ان الامر مختلف في
نظام الجامعة، فان الاستاذ يعين من قبل المسؤولين فيها.
1- تصدي من لا اهلية له: 2- عدم تكافؤ المستوى العلمي للحضور:
وبعبارة اخرى:
3- ازدحام بعض الدروس:
4- الغياب من الدرس:
5- الاضرار التي تتحملها الحوزة:
لكن من جهة اخرى نجد ان السر في تفوق العلماء وتقدمهم في
طلب العلم هو نفس وجود هذا النظام التعليمي الحر الذي
يحكم الحوزة.
ان اعتبار وجود هذا الصنف من الطلبة من ذوي المستويات الدراسية المحدودة ضررا او
خسارة تتحملها الحوزة اعتبار خطى في نفسه؛ وذلك لان الصحيح اعتبار هؤلاء من
المتخرجين من الحوزة ولكن في مراحل نازلة. وعليه فان من
معايب النظام الحوزوي عدم الافادة من المتخرجين منها. ومن
الطبيعي ان الدرجة والشهادة اذا كانت هي المحور والمدار فان
المستوى العلمي سوف يتراجع، ويبدا الطالب حينئذ باهمال
الدراسة وعدم تطوير المستوى العلمي والانصراف الى مثل هذه
الامور.
ومن الملاحظ في هذا المجال ان مسالة الدرجة عندما طرحت
في الحوزة بادى ذي بدء كان الطلاب ينظرون الى هذه
المسالة بنظرة دونية، ولكن نظرتهم اليوم قدتغيرت باتجاه
التعامل الجدي مع هذا الموضوع.
ان وضع البرامج والخطط غير الصحيحة في الحوزة يؤدي بلا
شك الى تخريب الحوزة والعبث بها، ووقتئذ لا يمكن تصحيح
الخطا ويكون الرجوع الى الحالة الاولى صعبا او غير ممكن.
لقد ثبت بالتجربة عدم مصداقية القول بان من ينال الدرجات العالية في الامتحانات
فانه سيحظى بمستقبل علمي زاهر، وان
من لا ينال ذلك سيلاقي مستقبلا مظلما وفاشلا. كلا ، فان
الكثير من العلماء من كان في بداية امره بطيئا في التعلم
والاكتساب، ولكنه سرعان ما حقق قفزات علمية كبيرة.
ولذا نجد ان بعض الباحثين المطلعين على النظام الحوزوي
والنظام الجامعي معا، وهو الدكتور السيد جعفر الشهيدي يدعو
النظام الجامعي للاقتداء والاخذبالنظام الحوزوي فيما بعد
مقطع البكالوريوس والدكتوراه وحذف القيود والعراقيل التي
تؤخر الوضع العلمي للطالب. فلو كانت هذه القيود حالة ايجابية
مقبولة لما تمت الدعوة الى ذلك.
نعم، يمكن تقويم الوضع العلمي للطلاب بمطالبتهم بالبحث
والدراسة والتحقيق لاحراز دراستهم في الحوزة، كما ان من
المناسب ايضا ان تتم الدراسة في مراحلها الاولى طبقا لبرنامج
دراسي مقرر ومنظم.
قياس مع الفارق: يلاحظ بعض الاساتذة المحترمين في الحوزة على النظام الحوزوي فيقول: ان تسعين بالمائة من طلاب الجامعة في فرع الطب مثلا يصلون الى هدفهم ويصبحون اطباء وينالون هذه الشهادة، ولكن الوضع في الحوزة ليس كذلك، فان عشرة بالمائة من الطلاب لا يصلون الى درجة الاجتهاد!
والجواب هو: انه هل من الصحيح ان نقارن بين فرع من فروع
الدراسات الدينية مع فرع الطب مثلا؟ لابد اولا من ملاحظة ما
يتطلبه فرع الطب من وقت ومايتطلبه الاجتهاد من وقت ثم
الحكم على هذا او ذاك. وعليه، ففي مثل هذه الصورة هل يمكن اعتبار الحوزة نظاما تعليميا فاشلا؟ وهل ان النجاح منوط بنيل درجة الاجتهاد فقط؟!
ان من اخطائنا هو انا نعد من ينال شهادة البكالوريوس في
العرف الجامعي ثم يتوظف في حقل التدريس في التربية
والتعليم فردا ناجحا وموفقا، فيما لا نعتبرالامر نفسه فيمن
يمارس نفس الدور في الحوزة بعد دراسته سنين طوال في
الحوزة! وهذه مفارقة خاطئة نقع فيها في تقويم كلا الدورين.
منح الشهادة:
يشكل نيل الشهادة الدراسية في المراكز المانحة لها تمام
الهدف من العملية الدراسية؛ ولذا لا تجد مجالا طبقا لهذا
المقياس للمراجعة للمصادر الثانوية لزيادة المعلومات حول المادة الدراسية. ويرجع
الى الكتاب كمقرر دراسي ما دام دخيلا في الامتحان. كما ان الدروس تقرا بشكل سطحي
قابل للنسيان بعدالامتحان وينتهي كل شيء.
ان المقصود من وراء الانجرار للدعوة لمنح الشهادة في الحوزة
هو منحها لكل مرحلة ومقطع دراسي فان هذا سوف يؤدي الى
اعتماد النظام الجامعي وتطبيقه في الحوزة، الامر الذي
تنعكس مردوداته السلبية على المستوى العلمي للحوزة. ولكن
في الوقت ذاته نجد ان مسالة منح «الشهادة» قد اكتسبت
موقعها في الاوساط الحوزوية.
ولذا يقترح وكما طرح ذلك قائد الثورة الاسلامية، حيث دعا
الى تحديد سنوات مرحلة «السطوح» وضبط دروسها في برنامج
دراسي منظم ثم منح الشهادة(البكالوريوس) لخصوص هذه
المرحلة دون ما بعدها من مرحلة البحث الخارج والدراسات
العليا، فان الحوزة في هذه المرحلة تتحمل مسؤولية
مصارف الطالب (راتبه الشهري) اذا اراد الاستمرار بالدراسة في
مرحلة البحث الخارج، ويقوم الطلاب فيها من خلال المقابلة
العلمية والبحوث التي يقدمونها. وبهذا فانه يمكن ان يتخرج من
الحوزة من يرغب في اخذ الشهادة، وكذلك يخرج منها من لا
يجد في نفسه اهلية الدراسة، فلا يبقى الا من يريد مواصلة
البحث وطلب العلم.
فترة الدراسة:
تعتبر الفترة الدراسية في الحوزة فترة طويلة. فالطالب الذي
يدرس لمدة ثلاثين عاما ويقتصر دوره على التلقي والدراسة لا
يمكن ان يتخرج محققا، كما انه لواراد اقتحام المعترك
الاجتماعي بعد هذه المدة الطويلة فانه يعتبر متاخرا في ذلك.
وفي المقابل نجد ان من مزايا النظام الجامعي هو قصر مدة
الدراسة.
مساندة المتخرجين:
قلنا آنفا بان الدراسة تؤمن جزء من عملية الوصول الى احد
التخصصات العلمية، والجزء الاخر يقع على عملية التحقيق
والبحث.
واما الجامعة فمن مميزاتها انها تساند خريجيها ولا تتركهم.
فالمتخرجون من الجامعة اما ان يعملوا في وظيفة معينة او
يمارسوا التدريس (في المدارس الاعدادية او الجامعة)
وتدريسهم للمادة يكون بتعيين مسبق من قبل جهة مسؤولة
وبشكل مكرر.
ومن جهة اخرى فان حالة النمو والتطور العلمي تتوقف عند
هؤلاء، حيث يقتصر عملهم على ذلك ويتركون ممارسة البحث
والتحقيق العلمي، ومن هنا نقول بان عملية التنمية العلمية
تصاب بالركود والتوقف لدى اكثر خريجي الجامعات.
ان الطالب الحوزوي اذا ادرك ان الدراسة لم تعد تطوره وتنمي
قابلياته، فان الجدير به ان يتوجه الى ميدان البحث والتحقيق
وتنمية رصيده العلمي، ولابد ان يقترن هذا مع استمرار المزايا
المادية وعدم انقطاعها. ولذا فان من المناسب عدم حصر
المقياس في اخذ المزايا والمرتب الشهري على الدراسة فقط
كما هومبنى الكثير من مراجعنا العظام بل لابد ان يكون
المقياس على الاشتغال الحوزوي الاعم من حضور الدرس.
نتائج البحث:
1- اعتبار الدراسة الحرة من اشهر مميزات النظام الحوزوي،
والغاؤها يعتبر ضربة قاصمة للحوزة.
مسالتان فقهيتان تحقيق: السيد محمد جواد الجلالي
الشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني،
والد الشيخ البهائي، هو من اشهر علماء جبل عامل الذين اخذوا
على عاتقهم نشر العلوم الاسلامية في الاقطار التي رحلوا اليها.
ولد سنة (918 هـ)، وتوفي سنة (985 هـ). ونسبه ينتهي الى
الحارث الهمداني صاحب الامام امير المؤمنين(ع).
لازم المؤلف شيخه الشهيد الثاني (ت 965 هـ) في الحضر
والسفر، وارتحل الى مختلف البلاد الاسلامية في سبيل نشر
الحديث النبوي الشريف، ومن تلك البلادحلب الشام وخراسان
وهرات ومكة، واستوطن اواخر ايامه في البحرين حتى وافاه
الاجل المحتوم في سنة (985 هـ).
وقد اشاد المترجمون بمكانته العلمية وفضله وعلمه وورعه،
فمما قال عنه الحر العاملي في امل الامل: «كان عالما ماهرا،
محققا مدققا، متبحرا جامعا، اديبامنشئا شاعرا، عظيم الشان
جليل القدر، ثقة ثقة، من فضلاء تلامذة شيخنا الشهيد الثاني.
وقد اجازه الشيخ الشهيد الثاني اجازة عامة مطولة
مفصلة»((249)).
ومما ذكر فيه استاذه الشهيد الثاني الذي هو اعرف بحاله
في اجازته الكبيرة له: «ثم ان الاخ في الله، المصطفى في
الاخوة، المختار في الدين، المرتقي عن حضيض التقليد الى
اوج اليقين، الشيخ العالم الاوحد، ذا النفس الطاهرة الزكية،
والهمة الباهرة العلية، والاخلاق الزاهرة الانسية، عضد الاسلام
والمسلمين، وعزالدنيا والدين...»((250)).
وفي الرياض ما ملخصه: «كان فاضلا كاملا في جميع العلوم ولا
سيما الفقه والتفسير والحديث والعربية، صرف ايام شبابه في
خدمة الشهيد الثاني، وكان في تصحيح الحديث والرجال
وتحصيل مقدمات الاجتهاد وكسب الكمال مشاركا له ومساهما
معه... وقد توجه هذا الشيخ في زمن السلطان الشاه
طهماسب الصفوي من جبل عامل مع جميع توابعه واهل بيته
الى اصفهان، واقام بها ثلاث سنين مشتغلا بافادة العلوم الدينية
وافاضة المعارف اليقينية... ثم ان شيخ الاسلام في عصره الشيخ
علي المنشار عرض على السلطان خبر ورود هذا الشيخ الى
اصفهان، فكتب السلطان بخطه الى الشيخ حسين هذا، وارسل
له الخلعة، وطلب حضوره الى بلدة قزوين مقر سلطنته في تلك
الاوقات، ولما توجه هذا الشيخ الى قزوين ووصل الى السلطان
عظمه وبجله غاية التعظيم والتبجيل، وجعله
شيخ الاسلام((251)) بقزوين. واستمر على ذلك سبع سنين،
وكان يقيم بها صلاة الجمعة بدل الظهر؛ لانه كان ممن يعتقد
وجوبها عينا.
ثم امره السلطان بالتوجه الى هرات لارشاد اهلها، فتوجه اليها
واقام بها ثماني سنين، وتشيع خلق كثير ببركة
انفاسه(قدس سره) بهرات ونواحيها، وقد توجه الى حضرته
الطلبة، بل العلماء والفقهاء من الاطراف والاكناف من اهل ايران
وتوران؛ لاجل مقابلة الحديث واخذ العلوم الدينية.
ثم توجه هذا الشيخ بعد مدة من الزمان من هرات الى قزوين،
واسترخص من السلطان لزيارة بيت الله لنفسه ولولده، فرخص
له ولم يرخص لولده الشيخ البهائي»((252)).
ومن هذا النص يظهر ان المؤلف وولده كانا كارهين لمنصب
«شيخ الاسلام»، فتخلص منه الاب دون ولده.
ولادته ووفاته:
في رياض العلماء ايضا انه: ولد اول محرم الحرام سنة ثماني
عشرة وتسعمئة، وكتب ولده الشيخ البهائي بخطه الشريف
تحت مولد ابيه: «انه انتقل الى دار القرارومجاورة النبي والائمة
الاطهار في ثامن ربيع الاول سنة اربع وثمانين وتسعمئة،
وكان عمره ستا وستين سنة وشهرين وسبعة ايام». ولما بلغ نبا وفاته الشيخ البهائي رثاه بقصيدة، منها:
يا جيرة هجروا واستوطنوا هجرا مشايخه واساتذته:
في لؤلؤة البحرين: «كان الشيخ حسين يروي عن جملة من
المشايخ، منهم وهو اعظمهم واشهرهم ومن كثرت ملازمته
له وقراءته عليه الشيخ الجليل زين الدين بن علي بن احمد
المشهور بالشهيد الثاني... ومنهم السيد حسين بن جعفر
الكركي»((253)).
تلامذته والراوون عنه:
روى عنه كثير من اهل العلم والفضل، ومن اشهرهم: ولده بهاء
الملة والدين الشيخ محمد المعروف بالشيخ البهائي، وولده
الاخر ابو تراب عبد الصمد بن الحسين بن عبد الصمد، والشيخ
العالم ابو محمد بن عناية الله المشهور ببايزيد البسطامي
الثاني، وغيرهم.
مؤلفاته:
له من المؤلفات اكثر من ثلاثين رسالة، اهمها:
هذه الرسالة:
تضم هذه الرسالة مسالتين فقهيتين جرى الحديث عنهما في
محضر السلطان الشاه طهماسب الصفوي((254)) في اواخر
شهر ذي القعدة من سنة (968 هـ) اي قبل (17) عاما من وفاة
المؤلف. والمسالتان هما:
وتمتاز هذه الرسالة - بالاضافة الى بيان كيفية الاستدلال على
الاحكام الشرعية - بانها تلقي بعض الضوء على الاجواء العلمية
التي كانت تسود مجالس السلاطين في العصور الغابرة، وكيف
انها كانت مجمعا لفضلاء العصر، واندية للمباحثات والمناظرات
العلمية، فقد اشار المؤلف في اول الرسالة الى ان البحث في
المسالتين قد جرى في محضر السلطان طهماسب وحضور
جمع من افاضل العصر الذين كانوا يصرون على تاييد راي
المشهور في المسالتين والتشنيع على من يخالفه، بينما ذهب
المؤلف الى ابداء راي جديد في المسالتين؛ ولاجله اقدم على
تحرير هذه الرسالة.
والنسخة الاصل لهذه الرسالة موجودة في مكتبة مجلس
الشورى الاسلامي بطهران ضمن المجموعة المرقمة (1836)،
ولكن جرى التحقيق على المصورة المحفوظة في مكتبة مركز
احياء التراث الاسلامي بقم برقم (923) والمجموعة تحتوي
على رسائل عديدة، وهذه الرسالة تقع في الصفحات (215
228) من هذه المجموعة. والله من وراء القصد بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله كما ينبغي لجلاله وجماله، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد وآله.
وبعد، فيقول فقير رحمة الله الغني «حسين بن عبد الصمد
الجباعي»: لما تشرفت بالحضرة العلية الشاهية((255))، لا
زالت عالية اللواء، غالبة على الاعداء الى يوم الدين، وذلك في
اواخر ذي القعدة سنة ثمان وستين وتسعمئة، مع جماعة من
الاصحاب، وقع الكلام في مسالتين، فتكلم فيهما بعض الاخوان
بما هوالمشهور بين المتاخرين، غير ناظرين الى ماخذهم في
ذلك، بل مقتصرين على النقل عنهم، و [لما]((256)) كان
للفقير وقوف على ان ادلتهم لا تنهض بمدعاهم، ذكرت خلاف
ما نقلوه وقويته، فاستنكروا ذلك واستهجنوه، فبينت بهذه
الكلمات الحال ليزول الاشكال، وعلى الله الاتكال. المسالة الاولى ان الحصر((257)) والبواري((258)) اذا اصابها بول او نجاسة رطبة وجفت بالشمس، فهل تطهر ام لا؟
ذهب اكثر المتاخرين الى طهارتها، واستدلوا على ذلك بثلاث
روايات: الاولى: ما رواه محمد بن احمد، عن العمركي، عن علي بن جعفر، عن اخيه موسى(ع) [في حديث]، قال: سالته عن البواري يصيبها البول، هل تصلح الصلاة عليها اذا جفت من غير ان تغسل؟ قال: «نعم، لا باس»((259)). الثانية: ما رواه احمد بن محمد، عن موسى بن قاسم وابي قتادة جميعا، عن علي بن جعفر، عن اخيه(ع)، قال: سالته عن البواري يبل قصبها بماء قذر، ايصلى عليه؟ قال: «اذا يبست فلا باس»((260)). الثالثة: ما رواه احمد بن محمد((261))، عن علي بن الحكم، عن عثمان بن عبد الملك، عن ابي بكر الحضرمي، عن ابي جعفر(ع) قال: «يا ابا بكر، ما اشرقت عليه الشمس فقد طهر»((262)). هذا جميع ما استدلوا به من الروايات، ولم اقف في التهذيب ولا غيره على رواية اخرى تساعدهم بعد غاية التتبع.
وذهب ابو القاسم بن سعيد((263)) صاحب [الجامع لـ]
الشرائع((264)) وقطب الدين الراوندي((265)) الى انها باقية
على التنجيس، وانما يجوز الوقوف عليها والصلاة. وهو الحق
الذي لا ينبغي العدول عنه، ودليلنا عليه: العقل، والنقل،
والاحتياط. اما العقل: فان هذه البارية بعد اصابة البول نجسة قطعا، فلا يجوز الحكم عليها بالطهارة الا بدليل قطعي او شرعي، فيستصحب حكم النجاسة عليها. وسنبين ان رواياتهم لا تنهض بمدعاهم. واما النقل: فما رواه في الصحيح احمد بن محمد، عن محمد ابن اسماعيل بن بزيع قال: سالته عن الارض والسطح يصيبه البول او ما اشبهه، هل تطهره الشمس من غير ماء؟ قال:
وهذا انكار لطهرها على ابلغ وجه، واذا لم تطهر الارض التي لا
تنقل ويعسر تطهيرها في الاغلب، فعدم طهر البواري التي
تنقل ويسهل تطهيرها اولى.
وما رواه عمار بن موسى عن ابي عبد الله(ع)، قال: سالته عن
الشمس هل تطهر الارض؟ قال: «اذا كان الموضع قذرا من
البول او غير ذلك فاصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة
على الموضع جائزة، وان اصابته الشمس ولم ييبس الموضع
القذر وكان رطبا فلا تجوز الصلاة عليه حتى ييبس، وان كانت
رجلك رطبة اوجبهتك رطبة او غير ذلك منك ما يصيب ذلك
الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس، وان
كان غير الشمس اصابه حتى ييبس فانه لا يجوز ذلك»((267)).
وهذه الرواية صحيحة صريحة في بقائها على نجاستها وان
يبست بالشمس، وصريحة في جواز الصلاة عليها اذا يبست
بالشمس او بغيره؛ فقد توافق العقل بالنقل والاحتياط على
عدم طهرها بالشمس.
اما ما استدلوا به من الروايات فلا تنهض بمدعاهم، ولا يجوز
العدول به عما يحكم به العقل والنقل والاحتياط.
اما الرواية الاولى((268)) فغير صحيحة ولا صريحة في
مدعاهم.
اما أنها غير صحيحة؛ فلان في طريقها محمد بن احمد، وهو
مجهول؛ لاشتراكه بين جماعة((269)) بعضهم فاسق وبعضهم
غير شيعي وبعضهم ثقة.
واما انها غير صريحة في الطهارة فواضح؛ لان مضمونها انه
يجوز الصلاة عليها اذا جفت، ونحن نقول به كما تقدم في
روايتنا اما مع طهارة موضع الجبهة اومطلقا، ويكون ذلك من
قبيل العفو، وهذا لا يستلزم طهارتها بوجه كما لا يخفى.
واما الرواية الثانية((270))، فكذلك غير صريحة؛ فانه ساله عن
الصلاة عليها اذا يبست، ولم يذكر ان ذلك بالشمس، بل على
كل حال، وانتم لا تقولون به، ولايجوز ان يكون المراد انها
يبست بالشمس؛ لانه يكون في قول الامام غرر وتاخير للبيان
عن وقت الحاجة، وذلك لا يخفى على المعصوم كما تقرر
في الاصول((271))، فتكون هذه الرواية مؤيدة لها في جواز
الصلاة عليها اذا يبست بالشمس او بغيرها، وانها لا تطهر بذلك.
ان قلت: ان علي بن جعفر كان فقيها، فكيف يسال عن الصلاة
عليها فقط وهو امر واضح؟! فيكون سؤاله انما هو عن طهارتها.
قلت: ليس الامر واضح؛ فان الخلاف بيننا وبين السنة وبين فقهائنا ايضا في جواز
الصلاة على الشيء النجس اذا لم تتعد
نجاسته الى ثياب المصلي او الى بدنه مشهور معروف من
قديم الايام، فاراد علي(رضى اللهعنه) ان يحقق الامر من اخيه،
كما هو عادته. واما الرواية الثالثة((272))، فانها وان كانت صريحة في الطهارة الا انها اكثر ضعفا وابعد عن الصحة من الروايتين الاوليين بمراتب؛ لان في طريقها احمد بن محمد، وقد تقدم وصفه((273))، وعلي بن الحكم مشترك بين ثلاثة((274)) ضعيفان وواحد ثقة، وعثمان بن عبد الملك مجهول بين العلماء والرواة((275))، لاندري اثقة ام فاسق ام كافر، ومن هذه صفته كيف يعتمد على روايته ويخرج بها عن الاصول المقررة المجمع عليها؟!
وايضا: مضمونها ان ما اشرقت عليه الشمس فقد طهر، وهذا عام
في كل المنقولات، فمن اين خصصتموه بالبواري؟! ولا يجوز
ان يكون مراده(ع) من هذا اللفظ البواري فقط؛ لما يلزم من
الغرر والتغليط للمؤمنين وتاخير البيان عن وقت الحاجة الذي
لا يجوز شرعا ان يقع اليوم من امثالنا، ولو وقع من احدنا مثله
لانكرعليه كل احد وعده مخبطا((276))، فكيف يقول ذلك
الباقر(ع)؟! هذا لا يتخيله موفق.
واني لاعجب من قدم الايام ممن ذهب من متاخري علمائنا الى
طهرها، وهو مخالف للدليل العقلي، والقواعد الاصولية،
والاحتياط، والنقل الصحيح الصريح الذي قدمناه، المتضمن
لبقائها على نجاستها، ونحن نجدهم لا يعتمدون على مثل هذه
الروايات اصلا اذا عارضها دليل العقل فقط ويطرحونها ولا
يجوزون العمل بها، ويقولون: لا نترك الدليل العقلي القطعي
بالاخبار الضعيفة، وكذا اذا تعارضت الروايات يقدمون الصحيح
على الضعيف، فكيف قدموا هنا الروايات الضعيفة على الروايات
الصحيحة والدليل القطعي؟! ان هذا لمن اغرب الغرائب.
وايضا: لم يزل علماؤنا(رحمهم الله) يتحرون الاحوط ما امكنهم،
وكثيرا ما تصح الرواية بحكم من الاحكام ويكون الاحوط
خلافها، فيتركون العمل بها ويعملون بالاحوط؛ لانه طريق
سلامة لا خطر فيه ولا اثم، فكيف عدلوا هنا عن الدليل القطعي
والنص الصحيح والاحتياط بمثل((277)) هذه الروايات
الضعيفة التي لاتفيد علما ولا عملا، ولهذا قيل: اي مجتهد سلم
من منتقد؟ واي شخص سلم من نقص؟ وفقنا الله واياكم للعمل
بما يحبه ويرضاه، انه جواد كريم. المسالة الثانية هل يجوز صرف مال الامام(ع) حال الغيبة لفقير السادة سواء كان ذلك خمسا او نذرا؟
فاقول: مال الامام في يومنا هذا ينقسم الى قسمين: [ الاول]((278)) الانفال، كرؤوس الجبال، وبطون الاودية، وميراث من لا ميراث له، وقد اباحو [ه] لشيعتهم، [و] ليس محل البحث.الثاني: حصته من الخمس، فبعضهم قال: يدفن((279))، وبعضهم قال: يلقى في البحر((280))، وبعضهم قال: يحفظ ويوصى الى ثقة((281))، وبعضهم قال:يكون في الانفال مباحا للشيعة((282))، وبعضهم قال: يصرف الى فقراء السادة على سبيل التتمة؛ لان عليه ان يكمل لهم اذا كان ظاهرا، فكذا اذا كان غائبا((283)).
وقد ورد بكل هذه الاقوال خبر او اخبار عنهم(ع)((284)).
وعمل جميع متاخري علمائنا واكثر المتقدمين على القول
الاخير وان كانت رواياته ضعيفة؛ لانه يوافق القول الذي قبله،
وهو قول الشيخ المفيد((285)) وابن حمزة((286))، بل
احوط؛ لانا اذا قلنا: انه مباح للشيعة كالانفال، فصرفه لفقراء
السادة احوط؛ لانهم شيعة، ولانهم وجدوا الاقوال الاخر تؤول
الى اعدام المال بغير فائدة، سيما القائه في البحر؛ فانه اتلاف
محض، وكيف يتلف مال الغير بحديث غير صحيح يخالف
الاصول المجمع عليها؟ وكذا الايصاء به يؤول الى العدم؛ لان
الثقة قليل الوجود خصوصا مع تعدد المراتب وتطاول الازمنة
وتكثر المال، واين المال المحفوظ له من حين الغيبة الى اليوم
مع كثرة شيعته وتقيدهم وسعة اموالهم؟! خصوصا في الزمان
القديم في مثل الكوفة وسر من راى وخراسان ونحو ذلك،
والخبر الذي جاء «ان الكنوز تفتح له اذا ظهر»((287)) ضعيف
لايجوز الاعتماد عليه في تضييع مال الغائب، فوجدوا صرفه الى
فقراء السادة انسب بكرمه.
واستعدوا للجواب له اذا سالهم: لم صرفتم مالي الى السادة؟
فيقولون: قد اختلفت الروايات عنكم، ولم يقم لنا دليل قاطع
على واحد منها، ووجدنا صرفها الى بني عمك اليق بكرمك
وشفقتك، وخير من تضييع مالك، وقد جاء عنكم به النقل،
فاعتمدنا عليه ثقة بسعة كرمك، وصونا لمالك عن الاتلاف بغير
فائدة، وسددنابه حاجة بني عمك الفقراء المحتاجين بين
اعدائهم الذين يرق لهم قلوب شيعتكم، ولو كنت ظاهرا
لرحمتهم واكرمتهم وواسيتهم((288)) بما عندك.
هذا عذر واضح لا غبار عليه، وهو اولى بقبول العذر من كل
احد؛ لعلمه بالحال وسعة رحمته. فصل بقي البحث هنا انه هل يجوز صرف ماله المنذور حال الغيبة الى فقراء السادة، ام لا؟
لم اقف في النذر بخصوصه لفقهائنا على كلام لا بالجواز ولا
بعدمه، والذي يقتضيه الدليل ويقوى عندي: جواز ذلك اذا قلنا
بجواز صرف حصته من الخمس اليهم، كما هو الاقوى دليلا
والاشهر بين علمائنا، وعليه اجماع المتاخرين.
وتحقيق ذلك يتوقف على مقدمة، وهي: ان صرف حصته من
الخمس على فقراء السادة هل يجوز لغير المجتهد؟ قد صرح
علماؤنا [بان]((289)) ذلك لايجوز لغير المجتهد اذا كان
حاضر؛ لانه وكيل الامام ونائبه، فيقضي عنه الحقوق التي
يجب عليه قضاؤها لو كان ظاهرا.
وهل يجوز
ـ
عند تعذر المجتهد ـ لعدول المؤمنين صرف ذلك؟ قد صرح الشهيد(رحمه الله) في قواعده بجواز
ذلك، بل جوز لهم تعطي كل ما يتعطى المجتهد الا سماع الدعاوى((290))،
ويلوح من استدلاله ان ذلك واجب عليهم؛ لقوله تعالى:
(وتعاونوا على البر والتقوى)((291))، والامر للوجوب. ويدل
على الجواز قوله تعالى: (ما على المحسنين من
سبيل)((292))، وقوله(ع): «والله في عون العبد ما دام العبد
في عون اخيه»((293))، وقوله(ع): «كل معروف
صدقة»((294)).
واذا جاز ذلك وجب؛ لانه حينئذ من قبيل
الحسبة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجب على كل
احد؛ مجتهدا كان او
لا؛ لان اكل مال اليتيم والغياب والاوقاف
ونحو ذلك وتضييعه حرام، فيجب على كل احد منع المتعدي
عن ذلك، وحفظ مال اليتيم والغائب والوقف، وصرف ذلك في
مصرفه على من حصل في يده مجتهدا كان او لا.
وقد صرح العلماء بذلك في موارد لا تحصى، وفي بعض
المواضع قالوا: ان كان المجتهد حاضرا وجب دفع ذلك
اليه((295))، وفي بعضها لم يوجبوا ذلك، وكل ذلك صريح
فيما ادعيناه من جواز صرف مال الغائب في المصرف الشرعي
لمن حصل في يده مجتهدا كان او لا، اماما كان الغائب او غيره،
خمسا كان او نذر؛لان الدليل قائم، والفرق تحكم بارد.
نعم، ان كان حاضرا تحتم دفعه اليه، حتى انه نقل عن فخر
الدين ولد العلا مة وعن ابن فهد رحمهما الله تعالى((296)):
انه يجوز للفقيه غير المجتهد ـ عند تعذر المجتهد
ـ
جميع ما
يجوز للمجتهد حتى سماع الدعاوى والحكم بين الناس؛ لئلا
يتعطل احكام الله تعالى. ولا يخفى قوة ذلك. وليس في هذا ولا
فيما قلناه مخالفة لكلام العلماء المتقدمين ولا المتاخرين؛ لانه
لم يصرح احد منهم بان ذلك لا يجوز عند تعذر المجتهد ايضا،
وصرحوا بانه «حال الاضطرار يجوز فيه مالا يجوز حال
الاختيار»، وان «الضرورات تبيح المحظورات»((297))، ونحو
ذلك مما هو منقول من كلام الائمة(ع) ومشهور بين العلماء.
فيكون كلام العلماءكلهم موافقا لكلام هذين الفاضلين وكلامنا
في المعنى، غاية الامر انهم لم يصرحوا به بخصوصه، بل اعطوا
قاعدة كلية؛ لان المجتهد[ين] كانوا كثيرين جدا في زمانهم
ولم يقع لهم عدمه؛ فلهذا لم يتكلموا في هذه المسالة
بخصوصها، والمتاخرون لما قل المجتهدون في زمانهم وامكن
عدمه صرحوا بذلك؛ لئلا يتعطل الاحكام، حتى ان الشهيد؛
يظهر منه في قواعده: انه يجوز لعدول المؤمنين اخذ الزكوات
والاخماس من الممتنعين وصرفها في مصارفها، ولم يفرق بين
حصة الامام وغيره ولا خفاء في وضوح ذلك بعد ما قررناه
قال(رحمه الله): «لو منع من ذلك لفاتت مصالح صرف تلك الاموال في
مصارفها، وهي مطلوبة الله تعالى»((298)). وعلل ذلك بما نقله
عن بعض العامة؛ وهو انه لا شك ان القيام بهذه المصالح اتم
من ترك هذه الاموال بايدي الظلمة ياكلونها بغير حقها
ويصرفونها في غير مصرفها((299))، وهذا واضح جلي، بل
تاخيرها يؤدي الى تلفها وان كانت عند ثقة على تطاول
الازمنة، كما لا يخفى على أحد. فصل
اذا جاز لعدول المؤمنين ذلك، وقلنا بجواز صرف حصته حال
الغيبة الى فقراء السادة، جاز صرف المنذور اليهم ايض؛ لعدم
الفرق بين المالين، حيث انهم استدلوا على جواز صرف حصته
اليهم بروايتين مقتضاهما انه يجب عليه ان يكمل لهم قدر
كفايتهم من عنده، وهو اعم كما لا يخفى. الاولى: ما رواه بعض اصحابنا((300)) قال: «الخمس من خمسة اشياء الى ان قال: فهو يعطيهم على قدر كفايتهم، فان فضل شيء فهو له، وان نقص عنهم ولم يكفهم اتمه لهم من عنده؛ كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان»((301)). الثانية: ما رواه بعض اصحابنا عن ابي الحسن الاول(ع)((302)) الى ان قال: «ونصف الخمس الباقي بين اهل بيته؛ فسهم لايتامهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لابناء سبيلهم؛ يقسم بينهم على الكفاف والسعة ما يستعينون((303)) به في سنتهم، فان فضل عنهم شيء (يستغنون عنه)((304)) فهو للوالي، فان عجز او نقص عن استغنائهم كان على الوالي ان ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وانما صار عليه ان يمونهم؛ لان له ما يفضل((305)) عنهم»((306)).
فهاتان الروايتان وان لم تكونا من الصحاح لكن قد عمل بهما
اكثر العلماء، واذا عمل بهما يجب ان تجريا على عمومهما، ولا
يجوز تخصيصهما بغير دليل. وقد تضمنتا شيئين: الاول: وجوب الاتمام عليه؛ لقوله في الاولى: «اتمه لهم من عنده» وقوله: «كذلك يلزمه النقصان»، وقوله في الثانية: «كان على الوالي ان ينفق [من عنده...]((307)) وانما صار عليه ان يمونهم»، وعليه يفهم منهما الوجوب. الثاني: ان ذلك لا يتقيد بكونه من الخمس؛ لان قوله في الروايتين: «من عنده» عام في الخمس وغيره، فالمخصص بان ذلك من الخمس يحتاج الى الدليل؛والا كان تخصيصا بغير مخصص، وقد صرح العلماء بان الاتمام يجب عليه، ولم يخصوا ذلك بكونه من الخمس، قال المحقق في الشرائع: «وقيل: بل تصرف حصته الى الاصناف الموجودين ايض؛ لان عليه الاتمام عند عدم الكفاية، وكما يجب ذلك مع وجوده فهو واجب عليه عند غيبته. وهو الاشبه»((308)). فقد صرح بالوجوب ولم يخص ذلك بالخمس.
|