كلمة النحرير

اطلالة حول
 تشخيص موضوعات الاحكام

رئيس التحرير

الحكم.. الموضوع.. المتعلق.. تعابير وقورة طالما ترددت على الالسن في الاوساط الحوزوية.. اصطلاحات رصينة كثر ما تقرع اسماعنا بايقاعاتها المنشطة.. انهاالادوات المفهو مية التي نتعامل بها يوميا في صناعة الاستنباط.. وجميل ان تتاصل مثل هذه المعاني وتتركز في الاذهان حتى في عادياتنا ومحاوراتنا الجوالمساعدعلى التمحض فيما الرتيبة لخلق ندرسه من معارف الدين الحنيف.. وفيما نتلقاه من علوم الشريعة الغراء.. فليس من الصحيح ان يتاخر المتعلم عن ملاحقة المطالب العلمية لانشغاله بتصور هذا الاصطلاح اوذاك.. وربما يحرم الدارس احيانا من متابعة البحث بسبب توقفه عند عقبة بعض المعاني الاولية.. وربما يجمع اذياله تضجرا مما يحسه في نفسه من عجز عن مواصلة الطريق غافلا عما لديه من استعداد ولياقة..

ان ما استهللنا به من المصطلحات الثلاثة بالرغم من جلائها ووضوحه.. لكن مع ذلك ليس علينا من باس في المرور السريع عليها والنظر اليها عن كثب.. فالحكم: هو التشريع الصادر من الله تعالى لصياغة الحياة.. والموضوع: هو ما يكون مصبا للحكم وموطئا له.. والمتعلق: هو الفعل الذي يطلب من المكلف ايجاده او اجتنابه بعد توجه الحكم اليه.. ففي مثل وجوب الحج على المستطيع.. يكون الوجوب حكم.. والمستطيع موضوع.. والحج متعلق.. ولو انعمنا النظر لعرفنا ما للموضوع من دور اساس في الحالة التشريعية.. فنراه في مرحلة الجعل والتقنين عمادا للحكم.. اذ هو بمنزلة العلة للحكم المحمول عليه.. ونحس بضرورته القصوى في مرحلة الفعلية المحركة للمكلف صوب الامتثال وايجاد المتعلق.. فانه بتحقق الموضوع خارجا يدخل الحكم مرحلة البلوغ والفعلية.. والا يظل الحكم قابعا في لائحة الجعل قاصرا عن دفع المكلف واثارته في سبيل الامتثال والتنفيذ..

وهنا يقال عادة: ان بيان وشرح الحكم الشرعي من اول مهام المشرع نفسه.. فهو المعني بتوضيح احكامه وتشريعاته لحرصه على ايصالها لمكلفيه.. والا اصطدمت قاطرة التشريع بجدار اللغوية المنكرة التي ينزه عنها الحكيم.. كما انه ليس من وظيفته التصدي لبيان موضوعات احكامه بما هو مشرع.. بل ان ذلك امر موكول بحثه والفحص عنه الى المكلف.. وايضا لا ريب في ان تحصيل المتعلق يقع على عاتق المكلف الذي هو عبارة اخرى عن تحقق الطاعة والامتثال واجراء الاحكام عملياً..

الى هنا يبدو كل ذلك سليما ومقبولا لا غبار عليه.. ولكننا اذا استرسلنا مع هكذا نحو من البيان المدرسي الساذج.. وجارينا هذا النمط من الطرح فسوف نصل في نهاية الخط ـ بمقتضى الشكل الاول من القياس الارسطي ـ الى استنتاجات خطيرة ذوات امتدادات عقيدية وثقافية غير مرضية.. وسننتهي الى انحدارات مفاجئة تترك آثارا ميدانية مذهلة لم تكن في الحسبان.. وسنقع في مفارقات التردد بين «نعم» و «لا» لعدم المكنة من تبرير احداهما فني.. مما قد يضطرنا الى الاستعانة بالخطابة او الشعر او الجدل للتعويض عن بضاعة البرهان.. ويلجئنا الى سد الفراغ الذي تركه الاستدلال بما شئنا من الذوقيات التي لا تعدو ان تكون ظنوناوترجيحات فاقدة للاعتبار ومجردة من التوثيق والتصديق الشرعي.. ومما ينبهنا على خطورة ابعاد هذه الاشكالية وحساسية مؤداه.. هو فذلكتها اليوم في صياغة فاقع لونه.. الا وهي ان الفقيه - باعتباره الناطق رسما باسم الشرع الاقدس هل يعد تشخيص موضوعات الاحكام من ضمن مسؤولياته ووظائفه؟ او لا ان ذلك كله يترك امره للمكلف.. فهو المسؤول عن ذلك.. والفقيه يقوم بالقاء الاحكام الى مقلديه ليس الا؟

في البدء نطل هنا على اتجاهين بارزين لننظر كيف يحددان الموقف:

الأول ـ الاتجاه الذي يصر على حصر حركة الفقيه في دائرة استنباط الاحكام وبيانها فقط.. وليس له ان يتخطاها وما ينبغي له.. لان هذه هي المساحة التي يكون للتخصص الفقهي تاثير فيه.. ولذا يفتح له الباب هنا على مصراعيه ليمارس دوره دون ان يزاحمه في ذلك احد.. فكما انه لا معنى لتسويغ تطفل غير المتخصص في الفقه على امر لا يحسنه ولا هو من اهله.. كذلك لا داعي لان يتعب الفقيه نفسه في المناقشة والبحث في المصاديق والامثلة التي ترجع دائما الى نكات اجنبية عن الفقاهة.. فانه لا علاقة بين عملية تشخيص موضوعات الاحكام وبين الخلفية الفقهية.. اذ ان نسبة الفقيه في قدرته وقابليته على تشخيص الموضوعات كنسبة غيره اليه.. فهو وغيره على حد سواء في ذلك..

بل ليس من المبالغة في شيء القول بان الامر قد يكون احيانا على العكس.. كما هو الحال في بعض الاوقات التي يستعان فيها بخبرات علمية او عملية او فنية خارجة عن حوزة الفقه في تحديد بعض الموضوعات الدقيقة وغير البينة للعرف.. نظير التشخيص الطبي.. فان الطبيب ربما يشخص كون الصوم ضرريا بالنسبة الى شخص معين.. او ان استعمال الماء يسبب آثارا وخيمة لمريض ما.. وهكذا.. وهذا ما لا يتمكن منه الفقيه عادة.. الا اذا ضم تخصصا آخر الى جنب تخصصه في علوم الشريعة.. اذا.. فاية غضاضة في وضع عرش الفقه موضعه اللائق به.. بل ليس من الصحيح تحميل الفقه ما لا يطيق باقحامه في متاهات مبهمة يكثر العثارفيها والاعتذار منه.. سيما مع زحمة الحياة وتراكم ملابساته.. ومع اتساع رقعة العلاقات وتشابكه.. ومع تنوع الاختصاصات وتعدده.. فهل من المعقول ان يحيط الفقيه بكل ذلك بل بجله؟! اذا فلا عيب في الفقيه اذا ما حدد مجال تحركه.. ومنع الاغيار من التجاوز على ما في حوزته.. وترك الميادين الاخرى التي لا تتناسب مع شانيته الى المعنيين به..

أولاء لا يسلمون بتمامية اطلاق دور الفقيه وعمومه حتى لتحديد موضوعات الاحكام الشرعية.. فانه لابد له ان يعول حينئذ على ذوي الخبرة.. لا ان يتصدى ويباشر ذلك بنفسه.. فالموضوعات الاقتصادية يترك امر تشخيصها الى علماء الاقتصاد.. وما يرجع منها الى الطب فللاطباء ان يقولوا كلمتهم فيه.. وما تعلق بالامورالسياسية والادارية ندعه لرجال السياسة.. وبذلك نكون قد حفظنا لكل ما يليق به من مقام.. واستفدنا من القدرات العلمية كافة استفادة منطقية لا ريب فيه.. فكل حسب اختصاصه..

ومما يدعم هذا الاتجاه هو ان الادلة التي منحت الفقيه الشرعية في التصدي للكشف عن حكم الله سيما اللفظية منها تدور مدار الحيثية التخصصية.. كما يظهر من هذه الوثيقة المهدوية الشريفة « اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله».. فانه لا يخفى ان حيثية الرواية التي اخذت عنوانا للفقيه والمستنبط هنا لا دخل لها في معرفة الموضوعات كما هو واضح.. وانما تؤثر في عملية اقتناص الاحكام من ادلته.. وهذه النكتة تحدث في اطلاق «الحوادث الواقعة» ثلمة تمنع من انعقاده.. فلا رجوع الى الفقيه في كل واقعة التبست علين.. انما هو في خصوص الوقائع التي لها مساس بحريم الفقاهة لا اكثر..

الثاني ـ وهو الاتجاه الذي ينظر الى الاتجاه الاول بشك وارتياب.. ويقف منه على حذر ووجل مما سيترتب على ذلك من مخاوف خطيرة تهدد مستقبل الكيان الفقهي باسره.. وتؤذن مؤسساته بالخطر.. لان في ذلك نحوا من الالتفاف غير الصريح على الفقيه من اجل الحيلولة بينه وبين الحضور الميداني في الحياة.. وهي خديعة ماكرة في سبيل ابعاده عن الواقع المعاش.. فما عليه الا الافتاء.. اما تحديد موضوعات فتاواه فهو امر ليس بيده.. بل راجع الى الناس.. وما هو عليهم بوكيل.. وهكذا يتم سحب البساط من تحت قدمي الفقيه بمهارة الساحر.. وبطريقة حاذقة للغاية بحيث يمكن احتلال بعض مواقعه دون ان يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فلابد من صد هذا الاستدراج غير السليم.. واعطاء الفقيه كامل الاختيار وتمام الحق في ان يتصدى لبيان الموضوعات كما هو الامر بالنسبة الى الاحكام..

وتقريب هذا الاتجاه بان الفقيه شانه شان اي متخصص آخر لا يستطيع ان يحدد موقفا معينا من دون اتضاح الموضع الذي يصوب حكمه نحوه.. كالطبيب الذي لايمكن ان يحكم على شخص بالمرض او الصحة ما لم يتحدد عنده الحال الفعلية له من خلال مباشرته وتصديه بنفسه للفحص والمعاينة.. وما تمسك به اولئك من عدم ثبوت اطلاق في الادلة اللفظية هو مجرد تكرار للمدعى ذاته بل يمكن دعوى انها على العكس ادل..

فاذا الفقيه لا يصدر حكما ما الا بعد الفراغ من موضوعه.. اجل في الوقت الذي يضطر فيه الى مراجعة ذوي الخبرة في استكشاف حقيقة بعض الموضوعات فانه يرجع اليهم لعلهم يرفدونه باثارة من علم.. ولكن هذا لا يعني الانسحاب طوعا عن موقع من المواقع والتخلي عنه.. لانه ليس ملزما بما يؤدي اليه تشخيصهم على كل حال.. بل فيما لو تولد لديه من ذلك القطع واليقين او الاطمئنان..

والا فلا وقع لما يقولون..

كلمة الفصل ـ لا اجدني قادرا على بسط القول في ذلك على هذه الوريقات.. ولذا فساقنع بالاشارة الاجمالية.. منبها على ما وقع من خلط بذكر ان الموضوع الذي يتشاجر حوله الخصمان ليس المراد منه المصداق الخارجي.. اذ من المعلوم ان ذلك لا يهم الفقيه من حيث هو كذلك.. فهذا مما يتكفل به المكلف.. ومحل البحث هو الموضوع الكلي الذي يكون محطا ومتكاء للحكم الشرعي.. وتشخيص ذلك تارة يكون بيد الفقيه فيما لو كان للشارع المقدس نظر خاص في ذلك الموضوع - ولوكان عرفيا - سواء كان تشخيصه تقريبيا او تحقيقيا كما هو في اغلب الحالات.. واخرى يصب الشارع حكمه على الموضوع بما له من معنى عرفي صرف من دون اعمال نظر فيه فامره يرجع الى ذلك العرف.. الا اذا اختلف فيه العرف ايضا فلابد من الرجوع حينئذ الى الفقيه لتحديد الموقف شرعا بان يتصدى لتحقيق الحال ولومستعينا بالعرف الخاص او العام.. او يحدد الوظيفة العملية.. وبصياغة اخرى: ان الشبهة المفهومية وان كانت موضوعية شكلا وقالب.. الا انها ترجع روحا وقلبا الى الشبهة الحكمية.. وهذا ما يشخصه الفقيه ليس الا.. فهو الذي يحدد ما له مساس باغراض الشارع وباي مقدار.. ولا شك بانه كثيرا ما يعول على الخبرات الاخرى من اجل معرفة بعض الموضوعات - سيما في المستجد منها - غير مستاثر بالامر كله.. وفي هذا الصدد قد تم عقد بعض المؤتمرات والملتقيات التخصصية في مختلف المجالات العلمية: الاقتصادية والحقوقية والطبية والفلكية لتنقيح وعلاج بعض الموضوعات المرتبطة بالاحكام الشرعية..

حيث يتم تسليط الاضواء على ذلك وبمشاركة الفقهاء والمتخصصين ولكن هل ينتهي الامر عند هذا الحد؟! كلا.. بل بقيت حيثيات وابحاث نرغب في اثارتها في فرصة اخرى علنا نوفق لعلاجها بعد ان شاء الله تعالى..

.. ولا حول ولا قوة الا بالله..

بحوث اجتهادية

البنوك
راسة في اقسامها واحكامها

آية الله السيد محسن الخرازي

القسم الثاني

الثاني (من انواع المعاملات البنكية) حساب القرض الحسن:
وهو حساب يفتتحه العميل، ويخول البنك باقراض المبالغ التي يودعها فيه من دون اخذ فوائد. وهذه العملية تتصور على قسمين:

احدهما: ان تكون اعيان الاموال محفوظة عند البنك ويكون البنك وكيلا في اقراضها، ولازمه عدم ضمان البنك عند تلفها ما لم يفرط في حفظها. ومرجع هذا القسم الى ان البنك امين، ولا ضمان على الامين عند التلف لو لم يكن مفرطا كما لا يخفى. ولكن المعهود في الخارج ليس كذلك؛ اذ البنك لا يحفظ اعيان الاموال لاصحابها بل يتصرف فيها بضمان.

وثانيهما: ان يكون الايداع بنحو تمليك الاعيان بالضمان، وهو في الحقيقة قرض للاقراض وليس بامانة، وانما سمي ذلك امانة من جهة ان هذا الاقراض ليس لمصلحة البنك فقط، بل ربما يكون لمصلحة المقرض ايضا؛ فان البنك يحفظ المال من السرقة والتلف بضمانه في الذمة.

وكيف كان، فاشتراط الفوائد في الصورة الثانية محرم؛ لانه ربا محض، واما في الصورة الاولى فاشتراط الفوائد بين البنك والمودعين لا باس به؛ لانه يرجع اما الى اشتراطها لصالح الامين باعتباره حافظا لاعيان الاموال، او الى اشتراطها لصالح المودعين ترغيبا لهم في الاكثار من الايداع.

واما اشتراطها بين البنك والمقترضين فلعله ايضا لا مانع منه؛ لان البنك وكيل في الاقراض وليس بمقرض، فجعل الفائدة للواسطة في الاقراض لا دليل على حرمته. نعم، لو اشترط المقرضون الفائدة على المقترضين من دون واسطة فهو عين الربا.

ثم ان تمليك الاعيان بالضمان ربما يكون من اول الامر، وقد عرفت ان مرجعه الى القرض، وربما ينتهي اليه، كما اذا قصدالايداع والامانة ولكن اذن صاحب المال بان يتصرف الامين في المال تصرفا ناقلا؛ فان قلنا بعدم صحة دخول المعوض في ملك غير مالك العوض بالارتكاز، فمقتضى دلالة الاقتضاء هو انتقال المال قبل التصرف الناقل الى الامين، ومعناه هو القرض قبل النقل. واما ان قلنا بصحة دخول المعوض في ملك غير مالك العوض، فالمال المودع عند الامين يبقى على ملك مالكه، والتصرف فيه تصرفا ناقلا لا يوجب دخوله في ملك الامين قبل المعاملة الا اذا انشا المالك وكالة للامين لنقل المال منه الى نفسه قبل التصرف الناقل، فتدبر جيدا.

وربما يتوهم: ان المال المودع لدى البنوك هو من قبيل العارية الشرعية، فحينئذ يجوز التصرف فيها للمستعير، ولا تكون الفوائد التي يعطيها المستعير للمعير محكومة بالربا، بل هي من قبيل الهبة.

ويدفع هذا التوهم: بان العارية مشروطة ببقاء العين وكون التصرفات غير ناقلة، والا فتخرج عن العارية؛ لعدم بقاء العين كمالا يخفى.

فاذا عرفت ان الايداعات التي لدى البنوك من الاوراق النقدية ترجع الى القرض، فاعلم ان اللازم هو الاجتناب عن شرط الزيادة والمنفعة في ضمن القرض ولو كانت بمثل الجوائز؛ لانه ربا محض كما لا يخفى.

مسائل:
المسالة الاولى: لو شرط المقرض في ضمن عقد القرض ان يصرفه المقترض في جهة خاصة كالنكاح او شراء دار او تاسيس مستشفى وغير ذلك وجب مراعاة ذلك على المقترض، فلو تخلف كان للمقرض فسخ العقد قبل الموعد ان كان القرض مؤجلا،واما اذا لم يفسخ فيبقى المال المقترض على ملك المقترض.

ولو شرط في ضمن العقد ان ليس للمقترض سلطة على صرف ما يملكه بالقرض في غير جهة النكاح مثلا، ففيه اشكال؛ من جهة ان الشرط المذكور مخالف لمقتضى العقد؛ فان المقترض يملك العين المقترضة، ومقتضى قوله (ص): « الناس مسلطون على اموالهم» ((1)) المقترض مسلطا على ماله في صرفه كيفما شاء، فالاشتراط المذكور مخالف لمقتضى الملكية، بخلاف مااذا كان الشرط شرط فعل؛ فانه لا اشكال فيه كما عرفت.

اللهم الا ان يقال: ان الشرط المذكور ايضا يخالف اطلاق السلطة لا اصلها، فلا اشكال بعد شمول ادلة نفوذ الشروط.

والفرق بينهما واضح؛ فان التخلف في شرط الفعل محرم تكليفا، ولا اثر للحكم الوضعي فيه الا خيار التخلف، وهذا بخلاف شرط عدم السلطة على صرف ماله في غير الجهة التي عينت؛ فانه يوجب عدم الانتقال الى غير الجهة المشروطة.

ولو شرط اعطاء الغرامة التهديدية عند التخلف، ففيه اشكال ان رجعت الغرامة الى المقرض؛ فانه يصدق عليه شرط المنفعة،ومن المعلوم انه محرم في عقد القرض.

نعم، لو شرط اعطاء الغرامة التهديدية لاجنبي امكن ان يقال انه صحيح؛ لعدم صدق شرط المنفعة لصالحه، مع ان الادلة ظاهرة في ان المنهي عنه هو شرط شيء يكون لصالح المقرض. ولكنه مع ذلك يكون مشكلا؛ لاطلاق النهي عن الشرط.

ثم ان مقتضى شرط الفعل هو ان تخلفه يوجب العصيان، واما الحكم الوضعي من النقل والانتقالات فلا يمنع عنه شيء؛ لان النهي التكليفي لا يدل على الفساد.

المسالة الثانية: لو اقرض بنك حكومي بنكا اهليا او اقرض اشخاصا، فالواجب مراعاة عدم الوقوع في الربا والاجتناب عن شرط المنفعة باية صورة كانت، كما هو واضح.

واما اذا قام بنك حكومي باقراض الدولة او بالعكس، او اقرض بنك حكومي بنكا مثله، ففي حرمة شرط الزيادة في ضمن القرض اشكال؛ من جهة ان البنوك الحكومية لا مغايرة لها مع الدولة ولا بعضها مع البعض؛ لانه يصدق على الجميع بيت المال، فهي كالشيء الواحد، فحينئذ لا يصدق شرط المنفعة؛ لان المشروط خارج عما يدخل فيه.

اللهم الا ان يقال: ان كل شعبة من الشعب الحكومية تكون مالكة لممتلكاتها؛ ولذا يصدق عنوان القرض على اعطاء شعبة لشعبة اخرى؛ لصدق سائر المعاملات على التبادلات الواقعة بينها، ولا يضر بذلك كون جميع الشعب من اجزاء دولة واحدة اوبيت مال واحد؛ فكما ان مع صدق المعاملات تكون مراعاة شرائطها لازمة فكذلك في القرض يلزم مراعاة شرائطه التي منهاخلوه من شرط المنفعة، وحمل جميع المعاملات الواقعة بينها على صورة المعاملات، بعيد، فتامل.

المسالة الثالثة: لو اقرض البنك شخصا معنونا بعنوان خاص كالسيد او الطالب، فان كان المعنون المذكور سيدا او طالبا فلااشكال، واما اذا لم يكن كذلك فلا يجوز له التصرف فيه؛ لان القرض لا يشمله، بل هو خارج عن مورد عقد القرض.

نعم، لو اقرض احدا بتوهم كونه سيدا او طالبا ولم يكن كذلك واقعا، كان القرض صحيحا وجاز للشخص المذكور التصرف فيه، ولكن يكون للمقرض خيار تخلف العنوان والوصف بعد كشف الخلاف. ونظير ذلك في مسالة الاقتداء بالامام، فانه لو اقتدى شخص بزيد فبان انه عمرو بطل اقتداؤه، بخلاف ما اذا اقتدى باحد بتخيل انه زيد ثم بان انه عمرو فان جماعته صحيحة.

المسالة الرابعة: اذا شرط البنك في ضمن عقد القرض اعطاء اجرة الخدمات، كان ربا محرما؛ لانه شرط منفعة لصالح البنك. وان عكس الامر؛ بان اعطى المقترض اجرة الخدمات وشرط في ضمنه اعطاء القرض، فالاظهر الصحة.

والقول: بان اعطاء القرض يوجب لزوم عقد الاجارة، ولزومه يكون بنفع المقرض، فيصدق حينئذ ان القرض يجر نفعا، غيرسديد؛ لان الموجب للزوم هو العمل بالشرط لا القرض، فالنفع عائد اليه من ناحية الوفاء بالشرط لا من ناحية اشتراط المنفعة في القرض، فتدبر جيدا.

ويلحق به اشتراط اعطاء الاجرة في اول شهر من كل سنة من سنوات الاجارة، فانه شرط في ضمن عقد الاجارة. وكذا لا مانع من ان يؤدي المقترض مبلغا بعنوان اجرة الخدمات مقارنا لاخذ القرض مع استقلال كل واحد منهما عن الخر؛ اذ مع الاستقلال لا يكون القرض بشرط المنفعة.

نعم، هنا اشكال آخر من ناحية الاجارة، وهو ان اللازم في عقد الاجارة هو ان تكون الاجرة الماخوذة في مقابل العمل مساوية لما اعطاه البنك للموظفين او اقل منه، فلا يجوز اخذ الاكثر منه، كما هو الحكم في البيوت والحوانيت، ويدل على ذلك حسنة ابي الربيع عن ابي عبد الله (ع): « ان فضل الاجير والبيت حرام» ((2))، وحسنة ابي المغرا عنه (ع) « ان فضل الحانوت والاجير حرام»((3)). وعليه، فلا يجوز للبنك ان ياخذ في مقابل الخدمات التي يقدمها للموظفين اكثر مما يعطيهم كما لا يخفى.

نعم، يجوز للبنك ان يؤجر نفسه للقيام بالخدمات من دون قيد المباشرة، فياخذ ما يشاء في مقابلها ثم يقوم بانجازها. ومما يشهد على كونه كذلك ان المقترضين يتعاملون مع البنك لا مع الموظفين، والعمل عندما يكون معلوما تقع الاجرة في قباله. ويصح ايضا ان تجعل جعالة للقيام بالعمليات البنكية، كما لا يخفى.

لا يقال: كيف يمكن التعامل مع البنك مع انه من الجهات التي لا يمكن لها تكفل الامور بالمباشرة ؟ ! لانا نقول: يكفي اعتبار العقلاء بكون العمل على ذمة البنك كالديون، ولا يلزم في صحة الاجارة امكان المباشرة، بل يكفي فيهاتسليم العمل بواسطة الموظفين كما لا يخفى.

والاولى ان يعطي المقترض ابتداء مبلغا بعنوان الهبة ليقرضه البنك بدلا من اعطاء الاجرة على الخدمات، واولى منه اعطاء مبلغ قربة الى الله تعالى من دون طلب شيء في قباله، فيقرضه البنك قربة الى الله تعالى.

ويجوز للبنك ان ياخذ اجرة المثل على الخدمات التي يقدمها بعد طلب المقترضين، وبما ان المعاملة واقعة مع البنك لا الموظفين فلا مانع من ان تكون اجرة المثل اكثر مما يعطيه البنك لهم.

المسالة الخامسة: لو شرط البنك في ضمن عقد القرض ان اظهار نظر البنك وتشخيصه في ميزان المطالبات والديون الناشئة من عقد القرض، او في التخلف وعدمه، وغير ذلك من الامور - متبع، وعلى المقترض قبول ذلك ولا حق له في الاعتراض، ففي ذلك اشكال؛ من ناحية ان بعض هذه الشروط تعد من شروط المنفعة في ضمن القرض، مع ان مفاد صريح الاخبار هو المنع من شرط المنفعة في ضمن القرض.

والاشكل من ذلك هو ما اذا شرط في ضمنه ان يكون كل ما انفق البنك في سبيل وصول طلبه على المقترض، فان شرط المنفعة يصدق عليه بوضوح؛ لزيادة ذلك على راس المال، واللازم هو عدم اشتراط هذه الامور.

نعم، يمكن القول بالضمان ولو لم يشترط اصلا فيما اذا كان المقترض سبب الخسارة، كما اذا كان استيفاء الدين منحصرا في انفاق تلك المبالغ بعد امتناع المقترض من الاداء من دون اعسار؛ لبناء العقلاء عليه، وعدم الردع عنه.

المسالة السادسة: اذا شرط البنك في ضمن عقد القرض انه يتوجب على المقترض الالتزام بالمقررات المذكورة في العقد، فلواقدم المقترض على امر يؤدي الى توقف اجراء عملية الاقراض فعليه ان يدفع للبنك معادل ما اخذه مجانا وبلا عوض، كان في ذلك اشكال؛ من جهة ان هذا الشرط وان كان بعنوان الغرامة التهديدية لكنه شرط منفعة، فيكون محرما بالنصوص.

نعم، لو شرط البنك على المقترض الا يكون مقترضا من محل آخر والا (عند انكشاف الخلاف) صار القرض المؤجل حالا، صح ذلك، قضاء للشرط المذكور في ضمن عقد القرض، وعدم لزوم زيادة على راس المال.

المسالة السابعة: لو شرط البنك في عقد القرض الذي هو من العقود اللازمة انه لو اخر المقترض دفع بعض الاقساط عن وقتهالصار القرض المؤجل حالا، كان ذلك صحيحا؛ لانه شرط مشروع في عقد لازم، ويشمله قوله (ص): «المؤمنون عند شروطهم».

ولا يصدق على هذا الشرط انه شرط منفعة؛ اذ لا يزيد به راس المال، كما تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع)في الرجل يكون عليه دين الى اجل مسمى، فياتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا وكذا واضع لك بقيته، او يقول: انقدني بعضا وامد لك في الاجل فيما بقي؟ فقال: « لا ارى به باسا ما لم يزد على راس ماله شيئا؛ يقول الله عز وجل (فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)» ((4)).

نعم، لو شرط البنك على المقترض انه في صورة التاخير يحق للبنك اخذ سائر المطالبات او اخذ الخسارات، فهو محل اشكال؛لصدق عنوان شرط المنفعة عليه كما لا يخفى.

ويظهر مما ذكر حكم ما لو شرط البنك على المقترض انه لو اخر دفع الاقساط عن موعدها المقرر فعليه ان يدفع مبلغا يعادل - مثلا - 12% زائدا على الاقساط، فان هذا الشرط ان كان مرجعه الى الاذن في التاخير مع اداء المبلغ المذكور فهو عين الربا ويكون محرما، وان لم يكن كذلك بل كان غرامة تهديدية على التاخير حتى يلتزم بدفع الاقساط في مواعيدها، فهو وان امكن ان يقال انه خارج عن كونه زيادة في مقابل الامهال ما دام لم يكن ذلك حيلة ربوية، الا انه مشكل؛ من جهة صدق شرط المنفعة على الشرط المذكور ولو كان بعنوان شرط الغرامة التهديدية، وعليه فتشمله الادلة الناهية عن اشتراط المنفعة في عقد القرض؛ اذ لا يمتنع اجتماع عنوان شرط المنفعة مع شرط الغرامة التهديدية.

المسالة الثامنة: لا فرق في اشتراط المنفعة في ضمن عقد القرض بين التصريح به عند الاقراض وبين ايقاع العقد مبنيا عليه،فلو كان قانون البنك اعطاء النفع في القرض واقرضه مقرض مبنيا عليه كان محرما، والزيادة الماخوذة لا تكون قابلة للانتقال بل ترد الى البنك.

ولو فرض في مورد لا يكون الاقراض بشرط النفع او مبنيا عليه واعطى المقترض الزيادة عن طيب نفس، جاز اخذ الزيادة.

ومن ذلك يظهر ان الجوائز التي يعطيها البنك للبعض عن طريق القرعة ترغيبا لهم في الايداع والقرض ونحوهما هي محللة ولا مانع منها.

ولو شرط المقرض الزيادة ولم ينو المقترض الا نفس القرض، فاصل القرض صحيح؛ لان الشرط شرط فقهي لا اصولي ،وعليه فلا يتقيد اصل القرض بالشرط. ولو اجبره المقرض على دفع الزيادة كان ذلك محرما، ولم تنتقل الزيادة اليه؛ لان شرط الزيادة ربا محرم، ويلزم رد الزيادة الى المقترض ان كان معلوما، والا فيتصدق عن صاحبه لغير السادة باذن الحاكم.

المسالة التاسعة: لا يجوز للمقرض ان يشترط على المقترض في عقد القرض بان يقرضه مبلغا مماثلا للمبلغ الذي اقرضه اياه، فضلا عن اشتراط الضعف؛ لصدق شرط المنفعة على ذلك كله، وهو محرم بالنص الدال على النهي عن مطلق الشرط بين المقرض والمقترض.

نعم، لو لم يشترط المقرض ذلك وكان داعيه من الاقراض هو ذلك فلا باس به، كما اذا علم ان المقترض يقرض من يقرضه ضعف ما اقترضه منه، فيعمد الى اقراضه بداعي ذلك من دون شرط او بناء عليه.

وعليه، يحرم ما هو متعارف من قيام البعض باقراض البنك قرضا طويل الامد بشرط ان يقرضه البنك ضعف ذلك.

ومما ذكر يظهر ما في «البنك اللاربوي» حيث قال - ما محصله -: يجوز للبنك ان يشترط على كل مقترض ان يقرضه لدى الوفاءمقدارا يساوي مجموع ما يعطيه البنك من الاجور بعنوان التامين على القرض الذي يدفعه الى العميل وما يعطيه اجرة لكتابة الدين ونحوها باجل يمتد الى خمس سنوات مثلا، بدعوى انه ليس في ذلك اي مانع شرعي، لانه ليس من الربا.

ويمكن انجاز الشرط بصورة يصبح فيها ملزما للمشترط عليه، وبذلك يحصل البنك على كمية مساوية لما الغاه من عناصرالفائدة الربوية، ولكنه لا يعتبر نفسه مالكا لها بدون مقابل، وانما هو مدين بها لعملائه، غير انه دين لا يطالب به الى اجل طويل. وهذا يتيح للبنك اللاربوي ان يودع تلك الكمية في البنوك التي يسوغ لنفسه اخذ الفائدة منها ويتقاضى الفوائد عليها من تلك البنوك طيلة خمس سنوات مثلا، وكلما حل الاجل المحدد سحبه واعاده الى العميل الذي اخذه منه وفاء لدينه((5)).

وذلك لان شرط القرض المذكور في ضمن عقد القرض هو شرط منفعة في نفسه، ويشمله عموم المنع من مطلق الشرط بين المقرض والمقترض كما لا يخفى.

ثم انه اذا فرضت الزيادة بازاء نفس الاقراض لا في مقابل المال المقترض، امكن ان يقال: ان الزيادة تخرج بذلك عن كونها ربا.

واشكل عليه الشهيد الصدر (قدس سره) قائلا: « ان الارتكاز العقلائي قائم على كون الدرهم ( الزائد ) في مقابل المال المقترض،لا في مقابل نفس الاقراض وجعله بازاء عملية الاقراض مجرد لفظ»((6)).

ثم اذا جعلت الزيادة بعنوان الجعالة بازاء تسديد الدين، فان كان التسديد المذكور مشتملا على جهد زائد على مجرد دفع المال الى الدائن كما اذا احتاج الى ارسال المبلغ الى بلد آخر فلا اشكال، والا فقد اشكل عليه الشهيد الصدر (قدس سره): بان تسديدالدين ليس له مالية اضافية وراء مالية نفس المال الذي دفعه بعنوان الوفاء، فلا يتحمل البنك ضمانا آخر لنفس عملية التسديد،فاذا لم يتصور الضمان لم تصح الجعالة ((7)).

وفيه تامل؛ لعدم لزوم المالية الاضافية في مورد الجعالة، بل يكفي ان يكون العمل امرا عقلائيا.

المسالة العاشرة: اذا اشترط البنك على المصنع في ضمن عقد القرض انه ان مات احد الشركاء قام مقامه شخص آخر مع الاستجازة من البنك واعطاء سهم الميت لوارثه، ففي ذلك اشكال؛ من انه شرط منفعة في عقد القرض، ويشمله عموم الادلة الناهية عن الشرط في ضمن القرض.

هذا، مضافا الى ان الوارث بعد موت مورثه يصير مستحقا لعين تركته، فكيف يجوز شرط انتقاله الى الغير من دون اجازة من الوراث او وليهم او وصيهم؟!

اللهم الا ان يقال: ان ذلك مشروط على الميت في زمان حياته، ولكنه لا يخلو من اشكال؛ لان المالك له التصرف في مدة حياته، واما بعد صيرورة الشيء ملكا للورثة فليس له التصرف فيه، فتامل.

نعم، لو اشترك البنك مع الشركاء ارتفع اشكال الربا، ولكن تبقى سائر الاشكالات، فلا تغفل.

واما توهم حق الشفعة فلا مجال له بعد اختصاصه بباب البيع كما هو واضح.

المسالة الحادية عشرة: اذا اشترط البنك او اي مقرض آخر على المقترض ان يتحمل دفع كل ما يتعلق بالمال المقترض من رسوم او ضرائب او وجوه شرعية، ففي ذلك اشكال؛ لانه شرط ربوي تشمله الادلة الناهية عن الربا كما لا يخفى.

المسالة الثانية عشرة: لا يجوز للبنك الامهال في اداء القروض والديون الحالة بشرط الزيادة، فلو امهل كذلك كان محرما، ولاتثبت الزيادة ولا الاجل؛ لان تاجيل الثمن الحال بل مطلق الدين - بازيد منه، ربا عرفا؛ فان اهل العرف لا يفرقون في اطلاق الربا بين الزيادة التي تراضيا عليها عند المداينة كان يقرضه عشرة باحد عشر الى شهر وبين ان يتراضيا بعد الشهر الى تاخيره شهرا آخر بزيادة.
ولذلك ادعى في الجواهر عدم الخلاف في انه لم تثبت الزيادة ولا الاجل، بل هو الربا المحرم ((8)).

المسالة الثالثة عشرة: يجوز النقل والانتقال بالنسبة الى الحقوق العقلائية، ومن ذلك ما اذا اودع شخص في البنك مبلغا من دون شرط الى مدة، فان له اخذ ضعف ما اودعه فيه بحسب ما بنى عليه البنك، فيجوز له ان ياخذ شيئا في قبال هذا الحق،وينتقل الى الغير ان لم يكن الاخذ المذكور حقا مباشريا.

بخلاف ما اذا كان الحق المذكور من جهة الاشتراط في ضمن القرض، فانه لا تجوز المعاملة عليه بعد كون الحق المذكورمصداقا للربا، وقد عرفت ان الزائد لا اعتبار له شرعا وان كان معتبرا عرفا.

ومن ذلك ايضا ما اذا كان صاحب الحساب الجاري مستقيما في معاملاته وملتزما باداء ديونه بشكل منتظم، فيقوم البنك بتقديم امتيازات خاصة له يتمكن من خلالها ان ياخذ من البنك مبالغ معينة بعنوان القرض، فان كانت هذه الامتيازات مختصة به بحيث لا تقبل الانتقال فلا تصح المعاملة على هذا الحق؛ لكونه مما لا ينتقل، كحق المضاجعة، وان لم تختص به وكانت قابلة للانتقال فتجوز المعاملة عليها بالمراضاة؛ فانه من الحقوق.

لكن بعد اخذ الامتيازات لا يجوز نقلها الى الغير بزيادة فيما اذا كان الانتقال بعنوان القرض؛ لكونه ربا محرما، كما انه ليس للبنك اخذ الزيادة بعد اعطاء الامتيازات؛ لانه قرض.

نعم، لو كان اعطاء الامتيازات بعنوان المشاركة ونحوها فلا اشكال في اخذ الربح بحسب النسبة في الشركة كما لا يخفى.

المسالة الرابعة عشرة: الاقوى صحة اصل القرض في القروض الربوية؛ لان المحرم هو الزيادة؛ اذ لا دليل على فساد اصل القرض، فالمسالة مبتنية على مفسدية الشروط الفاسدة. وحيث ان المقرر في محله ان الشرط الفقهي هو الالتزام في ضمن الالتزام، فهو لا يوجب فساد الالتزام الذي في ضمنه؛ لعدم تعليق الالتزام المذكور على الشرط الفاسد، والا كان الشرط شرطااصوليا، والمفروض ان الشرط شرط فقهي؛ لان انشاء المشروط فيه مفروغ عنه، ولا يكون معلقا على الشرط حتى يكون شرطا اصوليا، وعليه، ففساد الشرط لا يستلزم فساد المشروط فيه كما لا يخفى.

ثم انه لا خيار للمقرض؛ لتخلف شرطه؛ لان الشرط محرم، والشرط المحرم لا يوجب الخيار. واما الزيادة فهي محرمة ولايجوز التصرف فيها؛ لقوله تعالى: (واحل الله البيع وحرم الربا) هذا مضافا الى النصوص التي منها صحيحة محمد بن قيس: « ولا ياخذ احد منكم ركوب دابة او عارية متاع يشترط من اجل قرض ورقه»((9)).

هذا كله على المشهور من ان الشرط الاصولي يوجب التعليق، واما على القول بكون الشروط في القضية الشرطية مفروضة الوجود وان كانت اصولية، فيكون الحكم فعليا ايضا، فلا تعليق على هذا المبنى كما لا يخفى.

المسالة الخامسة عشرة: في حكم الاوراق المسماة بالاوراق القرضية: لا يخفى عليك ان الحكومة قد تقوم باصدار مثل هذه الاوراق من جهة قلة النقود الموجودة في بيت المال، فان كان ذلك من دون اشتراط ربح في مقابله فهي من القرض الحسن، والا فهي محكومة بالحرمة؛ لاشتراط الزيادة فيها كما لا يخفى.

ومما ذكر يظهر حكم التعامل بالاوراق القرضية بشرط المشاركة فانه محرم؛ لان شرط المشاركة في ضمن القرض شرط منفعة، فيشمله ادلة حرمة الربا.

واما اوراق الاسهم المتداولة في الشركات والابنية والمعامل وغيرها فلا اشكال فيها اذا كانت حاكية عن الشركة الحقيقية. نعم، لا يجوز مطالبة الربح قبل حدوثه، ولكن يجوز اعطاء الشركة مبلغا في كل شهر بعنوان على الحساب والقرض الحسن حتى يعلم مقدار الربح، فيؤخذ القرض منه بحسابه.

ومقتضى الشركة هو تقسيم الربح والخسارة بمقدار كل سهم، ولكن يجوز شرط زيادة الربح او شرط كون الخسارة على احدهما؛ لانه لا يخالف مقتضى العقد بل يخالف مقتضى اطلاق العقد، فيعمه « المؤمنون عند شروطهم».

المسالة السادسة عشرة: في التعهد والضمان: اذا اقترض شخص ثم ضمنه ضامن، فلا اشكال في جواز رجوع البنك الى الضامن ان ضمنه ضمانا شرعيا وانتقلت ذمة المدين الى ذمة الضامن بالضمان الشرعي؛ فان المدين حينئذ يكون هو الضامن لا غير.

واما ان ضمنه ضمانا عرفيا وتقبل مسؤولية الاداء مع اشتغال ذمة المدين، فيتخير البنك في اخذ حقه بين الرجوع الى اي واحدمنهما او الى كليهما معا؛ قضاء لعقد الضمان؛ لكونه واجب الوفاء بادلة نفوذ العقود والعهود، والرجوع الى احدهما لا يمنع من الرجوع الى الآخر.

نعم، لو ضمنه ضمانا عرفيا وتقبل مسؤولية الاداء في صورة عدم اداء المدين، فلا يجوز الرجوع الى الضامن الا في فرض عدم اداء المدين؛ قضاء للاتفاق والضمان. وقد صرح بذلك في تحرير الوسيلة، فراجع((10)).

هذا كله فيما اذا كان الضمان بعد ثبوت الدين. واما اذا كان قبل ثبوت الدين - كما اذا حصل الضمان قبل اخذ القرض - واشتغال ذمة المقترض ففيه اشكال ان اريد بالضمان الضمان الشرعي، ووجه الاشكال هو اعتبار ثبوت الدين في صحة الضمان الشرعي؛ ولذا حكي عن التذكرة الاجماع على بطلان الضمان لو لم يكن ثابتا، حيث قال - في المحكي عنه -: «ولو قال لغيره: مااعطيت فلانا فهو علي، لم يصح...عند علمائنا اجمع»((11)).

والسر في ذلك ان الضمان الشرعي هو اشغال ذمة الضامن بما اشتغلت به ذمة المضمون عنه، والاشغال المذكور يتم بانتقال ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن، فاذا لم تكن ذمة المضمون عنه مشغولة بشيء حال الضمان فكيف تصير ذمة الضامن مشغولة؟! ولذا لا يتحقق قصد الضمان بالنسبة الى الضمان الشرعي، ولا مجال للاخذ بعمومات الضمان بعد عدم تحقق موضوعه.

نعم، لو اريد من الضمان معناه العرفي - بمعنى قبول مسؤولية الاداء للمضمون له في فرض عدم اداء المضمون عنه الدين الآتي - فلا اشكال في امكانه ووقوعه، ويصح الاستدلال له بالعمومات الدالة على نفوذ العقود، كقوله تعالى: (اوفوا بالعقود)؛ لانه عقد بين الضامن والمضمون له؛ اذ الضمان العرفي ليس موضوعه ضمان ما ثبت حتى يشكل فيه بانه في حال الضمان لاثبوت لشيء،بل هو بمعنى التعهد للاداء بالنسبة الى مطلق الدين ولو الدين الذي سيوجد، وحيث انه عهد وعقد وشرط، فيمكن التمسك بعموم وجوب الوفاء بالعقود او العهود او الشروط.

قال السيد المحقق اليزدي (قدس سره) في الضمان قبل ثبوت الدين: «ويمكن ان يقال بالصحة اذا حصل المقتضي للثبوت وان لم يثبت فعلا بل مطلقا؛لصدق الضمان، وشمول العمومات العامة وان لم يكن من الضمان المصطلح عندهم». ((12))

لايقال: ان الضمان العرفي المذكور هو ضمان تعليقي، اذ هو معلق على عدم وفاء الضامن، وهو باطل، كما هو الظاهر من التذكرة حيث قال: « يشترط في الضمان التنجيز، فلو علقه بمجيء الشهر او قدوم زيد لم يصح... ولو قال: ان لم يؤد اليك غدافانا ضامن، لم يصح عندنا، وبه قال الشافعي؛ لانه عقد من العقود، فلا يقبل التعليق كالبيع ونحوه» ((13)).

لانا نقول - كما افاد السيد المحقق اليزدي في ضمان العروة -: « ( الشرط ) السابع: لا دليل عليه ( اي اعتبار التنجيز ) بعد صدق الضمان وشمول العمومات العامة الا دعوى الاجماع في كلي العقود على ان اللازم ترتب الاثر عند انشاء العقد من غير تاخير، اودعوى منافاة التعليق للانشاء.

وفي الثاني ما لا يخفى ( ضرورة صحة الانشاء المعلق في جملة من الموارد؛ كالوصية التمليكية والنذر المعلق على شرط، فلامنافاة بين التعليق والانشاء ).

وفي الاول منع تحققه في المقام». ((14)) وتوضيح ذلك: ان الاجماع دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن. هذا مضافا الى ان اثر العقد هو التعهد بالمال وكون مسؤوليته عليه، وهو حاصل بنفس العقد، ولا يضر بفعلية المسؤولية تعليق الوفاء على عدم وفاء المضمون له، ولا ينافي ذلك ما عليه المذهب من ان الضمان هو نقل الذمة الى اخرى لا ضم الذمة الى الذمة؛ لان ما عليه المذهب هو الضمان الاصطلاحي، واما العرفي فلا يمنع عنه مانع بعد شمول العمومات والاطلاقات.

والضمان العرفي شائع؛ فان اصحاب الجاه والشان يضمنون المجاهيل من الناس من دون ان يقصدوا بذلك انتقال المال بالفعل الى ذممهم، بل يريدون بذلك تعهدهم وقبول مسؤولية المال عند تخلف المضمون عنه عن ادائه ((15)).

فروع:
الاول: لا اشكال في الضمان فيما اذا كان مورد الضمان ومدته معلومين. واما اذا لم يكن مقدار الدين وجنسه معلومين فالاقوى ان مقتضى العمومات هو الصحة؛ حيث لم يعتبر فيها كون مقدار الدين وجنسه معلومين. ويؤيده ما رواه فضيل وعبيد عن ابي عبد الله (ع) قال: « لما حضر محمد بن اسامة الموت دخل عليه بنو هاشم، فقال لهم: قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم، وعلي دين، فاحب ان تقضوه عني. فقال علي بن الحسين (ع): ثلث دينك علي. ثم سكت وسكتوا، فقال علي بن الحسين (ع): علي دينك كله. ثم قال علي بن الحسين (ع): اما انه لم يمنعني ان اضمنه اولا الا كراهة ان يقولوا: سبقنا» ((16)).

وربما يتوهم اعتبار العلم بمقداره وجنسه مع الاستدلال بنفي الغرر والضرر.

ولكن فيه - كما افاد السيد المحقق اليزدي (قدس سره) -: انه مردود بعدم العموم في الاول؛ لاختصاصه بالبيع او مطلق المعاوضات، وبالاقدام في الثاني. وهو جيد.

ثم فصل السيد اليزدي (قدس سره) بعد ذلك بين الضمان التبرعي والاذني؛ فيعتبر في الثاني دون الاول؛ اذ ضمان علي بن الحسين (ع) كان تبرعيا، واختصاص نفي الغرر بالمعاوضات ممنوع، بل يجري في مثل المقام الشبيه بالمعاوضة اذا كان بالاذن مع قصد الرجوع على الذن. وهذا التفصيل لا يخلو عن قرب.

ويمكن ان يقال: انه لا عموم للنهي عن الغرر، كما ان حديث « لا ضرر» لا يشمل المقام؛ لان الحديث وارد مورد الامتنان، وعليه فمورده هو ما اذا لم يقدم على الضرر، وموارد الضمان مما قد اقدم عليها الضامن وان كان اذنيا؛ اذ له ان يسال عن مقداره وجنسه، فاذا لم يسال عنهما فقد اقدم عليه بنفسه. وعليه فلا فرق بينهما في خروجهما عن عموم نفي الضرر ونفي الغرر، فلامجال للتفصيل بين كون الضمان تبرعيا او اذنيا.((17))

الثاني: يجوز التعهد بالضمان العرفي في مدة معينة، كما يجوز ان يتعهد من دون تعيين مدة، كان يقول الضامن: اني متعهدومسؤول بالنسبة الى ديون زيد من اي ناحية كانت في مدة معاملاته مع البنك؛ اذ لا دليل على تعيين المدة، بل اللازم هو الا يكون التعهد بالضمان سفهيا.

الثالث: يجوز اشتراط كيفية الرجوع في عقد الضمان والتعهد؛ فان اشترط انه بالخيار في الرجوع بين المتعهد والمدين فله ذلك. وان اشترط الرجوع الى المتعهد على تقدير عدم تمكن المدين من الاداء فليس له الا ذلك. وان اشترط اخذ الدين من الودائع التابعة للمتعهد جاز له ذلك. وان اشترط ادامة الضمان مع تغيير افراد الشركة او الاكتفاء بما يعينه البنك في المحاسبات من دون حاجة الى تفحص الضامن وتحقيقه وغير ذلك من الامور، فيلزم مراعاتها بحسب ما اشترطت في ضمن عقد التعهدوالضمان. كل ذلك لعموم ادلة النفوذ، كقوله تعالى: (اوفوا بالعقود)، وقوله (ص): «المؤمنون عند شروطهم».

الرابع: لا يبطل التعهد المذكور بموت المدين او حجره او افلاسه، بل اللازم على المتعهد ان يبقى على تعهده حتى اداء ديون المدين.

الخامس: لا يجوز بعد عقد التعهد والضمان نقض العقد او ابرام عهد آخر مع شرائط تنافي التعهد الاول، والا فالثاني محكوم بالبطلان؛ اذ الوفاء بالاول يمنع من شمول العموم للثاني.

السادس: لا يجوز للبنك ان يشترط على المتعهد والضامن اعطاء شيء في مقابل تاخير المضمون عنه في الاداء؛ فانه شرط منفعة في القرض؛ اذ لا فرق في ذلك بين ان يكون الشرط المذكور على المقترض او المتعهد؛ لانه على كل تقدير يرجع الى شرط المنفعة المنهي عنه في القرض او الدين الملحق به. وتسمية ذلك بشرط الغرامة التهديدية - بدعوى ان المقصود منه هوردع المقترض عن التاخير لا تجويز التاخير - لا تنافي صدق عنوان شرط المنفعة عليه ايضا كما مر مرارا. وعليه، فيشمله اطلاق او عموم ما دل على ان حلية القرض مشروطة بما اذا لم يكن فيه شرط منفعة لصالح المقرض، ولا ينافي ذلك ما في بعض الروايات من ان حلية القرض مشروطة بما اذا لم يكن بينهما شرط؛ بدعوى ان الممنوع هو الشرط بين المقرض والمقترض لامطلق الشرط؛ لما عرفت من تقييد الحلية في بعض آخر منها بنفي مطلق الشرط. وعليه فان بعض الروايات يدل على اثبات الربا بمطلق الشرط، وبعض آخر منها يدل على اثبات الربا بشرط بينهما، وحيث ان كلا القسمين مثبت للحكم ولم تثبت وحدة الحكم فيكون مقتضى القاعدة هو اثبات الربا في كليهما، فلا تغفل.

السابع: اذا مات الضامن، فبناء على الضمان الشرعي وهو نقل ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن فالضامن مدين، وعلى الورثة اداء ديونه، بل تحل ديونه المؤجلة بالموت، فيجب اداؤها.

واما اذا كان الضمان عرفيا، فبموت الضامن مع بقاء المضمون عنه لا يصير الدين المؤجل حالا، بل يبقى المؤجل مؤجلا. وهل يجب على الورثة اداء الديون من مال الميت عند عدم اداء المضمون عنه ام لا ؟ يمكن القول بالاول؛ لانه في صورة عدم اداء المضمون عنه يصدق عليه الدين، ومقتضى قوله تعالى: (من بعد وصية او دين) ان الارث بعد اداء الدين. وعليه، فاذا مات الضامن ولم يؤد المضمون عنه الدين الى المضمون له، فتبقى ذمة الضامن الميت مشغولة بدين المضمون عنه، فيشمله مثل قوله تعالى: (من بعد وصية او دين). وعدم صدق الدين بالفعل عليه عند الموت فيما اذا كان الدين مؤجلا لا يضر مع صدقه عليه عند عدم اداء المضمون عنه؛ فان صدقه عند عدم الاداء يكفي في شموله.

هذا، مضافا الى امكان ان يقال: ان مع عدم الاداء واقعا في وقته يصدق الدين عليه في الواقع عند الموت ايضا وان لم يعلم به، الا اذا لم يؤد الدين في وقته، فعدم اداء المضمون عنه يكشف عن دين الميت حين الموت، بل مع العلم بعدم الاداء ايضا يصدق الدين حين الموت.

ويؤيد ما ذكرناه - من ان الضمان في تركة الميت -: وضوح الحكم بالضمان فيما اذا مات الغاصب وكان الوارث بصدد ردالمغصوب من دون افراط او تفريط فتلف المغصوب، فان مقتضى قوله (ص): « على اليد ما اخذت حتى تؤديه» هو ضمان الغاصب الميت لتلف المغصوب، فضمان المغصوب يكون في تركة الغاصب، ولا يضر بذلك عدم صدق العدوان على يدالوارث؛ فان الضمان ليس عليه بل على مورثه وهو الغاصب.

 

 

الصفحة التالية