ويؤيد ما ذكرناه ايضا: وضوح الحكم بالضمان في تركة الميت فيما اذا باع شخص بعض الاشياء مع ضمانها الى مدة ثم مات ثم حدث موجب الضمان؛ فضمانه يكون في تركة الميت، ويجب على الورثة اداء ذلك من تركة الميت. نعم، لو جعل الضمان العرفي مقيدا بزمان حياة الضامن، فان الضمان يرتفع بالموت بلا كلام، ولم اجد المسالة معنونة في كلمات الاصحاب، والله العالم. الثامن: اذا مات المدين المضمون عنه بالضمان العرفي، صار
دينه المؤجل حالا بالموت، فيقع الكلام حينئذ في ان الضامن
هل يجب عليه اداء دينه عند الموت، او له ان يؤخر الاداء الى
وقت الاجل؟ المذكور في بعض الكتب المتعرضة للعمليات
البنكية ان مقتضى المادة (405) من قانون التجارة (الايراني)
هو عدم لزوم الاداء على الضامن عند حلول الدين بالموت او
الافلاس، بل له ان يؤخر الى وقت الاجل((18)). ولا يخفى عليك أولا: ان الضمان تابع لكيفية التعهد في عقد الضمان، فان تعهد بالاداء عند وقت الاجل فله ذلك، وان تعهد بالاداء عند حلول الدين في اي وقت كان فمقتضى التعهد المذكور هو اداؤه عند حلوله بالموت، ولا يجوز له التاخير عن وقت الحلول. وعليه، فاطلاق القول بجواز تاخير الاداء غير سديد.وثانيا: ان حلول الدين بالموت صحيح، ولكن لا يحل الدين
بالافلاس، فما وقع في المادة المذكورة من حلول الدين بالافلاس كما ترى. قال في تحرير الوسيلة: «يحل الدين المؤجل بموت المديون
قبل حلول اجله - الى ان قال -: لا يلحق بموت المديون تحجيره
بسبب الفلس، فلو كان عليه ديون حالة وديون مؤجلة يقسم
ماله بين ارباب الديون الحالة، ولا يشاركهم ارباب المؤجلة»
((19))؛ لماعرفت من توسعة معنى الضمان؛ فانه ليس الا
التعهد وادخال الشيء في العهدة، سواء كان الشيء مالا او عملا، وهو اعتبارعقلائي يشمله عمومات نفوذ العقود والعهود،
واطلاق «المؤمنون عند شروطهم»، وغير ذلك. التاسع: لا فرق في الضمان بين ان يكون: ضمان الشركة في
المناقصة او المزايدة، او ضمان حسن العمل بالتعهد، او
ضمان اتمام العمل، او ضمان استرداد ما يعطيه المؤجر قبل
العمل، او ضمان استرداد النسبة المتبقية لدى صاحب العمل
من مبلغ الضمان، او ضمان ترخيص البضائع من الجمرك، او
ضمان اداء الديون في وقتها، او غيرها من موارد الضمانات؛ لانهاجميعا ضمانات عرفية؛
اذ الضمان كما ذكرنا آنفا ليس الا التعهد وادخال الشيء في العهدة، وهو اعتبار يقره العقلاء، ويشملها عمومات نفوذ العقود، و«المؤمنون عند شروطهم». وتوضيح ذلك: ان المراد من ضمان الشركة في المناقصة او
المزايدة: هو ضمان يرفق مع طلب المشاركة في المناقصة
اوالمزايدة، ويعطيه المتقدم بالطلب لصاحب العمل او البضاعة
عند طلب المشاركة فيهما، ففي صورة رد طلبه يرد الضمان
الى البنك للابطال، واما اذا قبل طلبه فالضمان يبقى الى ان
يبرم العقد النهائي، ويبدل بضمان آخر هو ضمان حسن العمل
بالتعهد،ويكون هذا الابدال الزاميا، ونسبة مبلغ ضمان حسن
العمل بالتعهد ازاء اصل مبلغ التعهد هي الربع. ويبطل ضمان حسن العمل بالتعهد ايضا
عقيب تاييد صاحب العمل للعمل المنجز وكونه مطابقا للمواصفات المتفق عليها ولو لم
يحضر المتقدم بالطلب للمشاركة في المناقصة او المزايدة بعد قبول طلبه. والمراد من ضمان اتمام العمل: هو الضمان الذي يتعهد به
العامل بعد اتمام العمل لكي يطمئن صاحب العمل وغيره
باتقان عمله. والمراد من ضمان الاسترداد: هو ضمان استرداد ما يعطيه
المؤجر قبل العمل لتوفير ما يتطلبه العمل من مواد وادوات
ومايحتاجه العامل من اموال خلال العمل، فلو لم يتمكن
العامل من العمل بحسب ما اشترط عليه صاحب العمل استرد
الاخير مااعطاه للعامل قبل العمل، واما لو اتى بالعمل طبق الاتفاق الواقع بينهما
فيخصم ذلك من حساب العامل. والمراد من ضمان استرداد النسبة المتبقية من مبلغ الضمان:
هو ضمان البنك استرداد ما تبقى لدى صاحب العمل - كعشر المبلغ المتفق عليه - عقيب اتمام
العمل والاطمئنان بجودة العمل المنجز من قبل العامل. والمراد من ضمان الترخيص واضح؛ فان البنك يعطي حق الجمرك ويرخص البضاعة، ثم ياخذ ما ضمنه واعطاه للجمرك عن صاحب البضاعة بحسب الاتفاق الواقع بينهما. وربما يضمن بنك بنكا آخر؛ سواء كان بنكا داخليا او خارجيا(( 20)).بل يجوز تعلق الضمان بنفس العمل، كما اذا ضمن البنك او شخص ثالث القيام بالعمل عند
عدم قيام العامل به. ثم ان ما ياخذه البنك او احد الاشخاص في مقابل الضمان انما
ياخذه من المقترض ان كان الضمان من قبل البنك
الوسيط للقرض، او العامل ان كان الضمان من قبل البنك الوسيط لصاحب المال. ولذا قال السيد الشهيد الصدر (قدس سره) في المضاربة: «وعميل البنك اللاربوي يدفع
هذه الزيادة في مقابل ما وفره له البنك من ضمان لراس المال وتحمل لتبعات الخسارة» ((21)). ويجوز للبنك ان يطالب عميله الذي يطلب الاقتراض منه
بضمان من شركة التامين، وهو - كما في البنك اللاربوي - طلب
مستساغ؛ لان صاحب المال من حقه ان يمتنع عن الاقراض ما
لم يات الخر بالكفيل الذي يقترحه صاحب المال، ولا يدخل هذا في الامتناع عن الاقراض
بدون زيادة ليكون من الربا المحرم. ونظرا الى ان العميل هو المؤمن لا البنك، فهو الذي يدفع اجور التامين الى شركة التامين مباشرة او بتوسط البنك.((22)) العاشر: لا اشكال في جواز جعل شيء في قبال ضمان الديون
بعنوان الاجرة على عملية الضمان، مضافا الى حساب
التكاليف الاخرى المترتبة عليه من اجور التسجيل والمطالبة والابلاغ وغير ذلك؛ فان
عملية الضمان عملية مرغوبة وقابلة لجعل شيءبازائها، كما ان التسجيل والمطالبة والابلاغ هي من
الامور التي تعطى الاجور بازائها، وللبنك ان ياخذ في مقابلها
شيئا بناء على ما مر من ان الاعمال المذكورة لم يعتبر فيها
المباشرة، وعليه، فالبنك طرف للحساب وليس موظفي
البنك، ولا يلزم الربا من اعتبار شيء في مقابل هذه الامور؛
لان الماخوذ ليس في قبال القرض، بل في قبال القيام بعملية الضمان وبازاء التسجيل
والمطالبة والابلاغ. نعم، لو شرط اداء مبلغ ما - كعشرة بالمئة مثلا - فيما لو تاخر المضمون عنه عن اداء ما ضمنه البنك له عن وقته، امكن الاشكال فيه كما مر مرارا؛ فانه وان سلمنا كونه من باب الغرامة التهديدية ولكن يصدق على هذه الغرامة انها شرط منفعة في مقابل الدين، ومقتضى اطلاق ممنوعية شرط النفع في قبال القرض والدين هو عدم جوازه، فلا تغفل. فيتحصل: ان الماخوذ عند الضمان ازاء نفس الضمان والعمليات الجارية عليه لا حرمة فيه، والضمان عمل عقلائي يرغبه الناس لحل مشاكلهم، وهو ليس اقراضا بل هو قبول مسؤولية الشيء او العمل في وقته، وهذه المسؤولية مرغوبة عند العقلاء، ويعطى المال بازائها. فاذا اتضح ذلك في ضمانات البنوك، امكن القول بجواز جعل شيء في مقابل ضمان الافراد ايضا،
فتدبر جيدا. والولاية السياسية والقضائية دراسة في ضوء الفقه الاسلامي آية الله الشيخ محمد مهدي الصفي نمهيد: وكان الراي الفقهي في هذه المسالة بين السلبية المطلقة لدى بعض الفقهاء، والايجابية المنفتحة لدى آخرين، والتفصيل في مراتب الولاية، وهو راي اكثر فقهاء المذاهب الاسلامية المعاصرين في هذه المسالة. وقد حاولت في هذه الدراسة القاء نظرة فقهية حول هذه المسالة في منصبين: الولاية العامة، والقضاء. ولعلي اجد فرصة في هذه الدراسة لتبيين التصور الاسلامي في
موقع المراة في المجتمع، وهو امر آخر غير الحكم
الشرعي الفقهي، وبينهما صلة وعلاقة، ولكن ليس من الضروري ان تتطابق هاتان المسالتان
دائما. ولابد ان نعرف في مقدمة هذا البحث: ان الولاية والامارة
ومنصب القضاء وسائر المناصب الاخرى التي يمنح اصحابها
الحق في اتخاذ القرار وممارسة النفوذ في شؤون الخرين، لابد
ان تتم باذن من الله تعالى؛ ذلك ان الاصل الاولي في نفوذ
ولاية احدعلى آخر هو النفي بالتاكيد، فليس لاحد على آخر
نفوذ وسلطان الا باذن الله تعالى وامره، ومن دون ذلك لا يحق لاحد ان يتولى امر
القرار والولاية والسلطان في امور الخرين الا بالاستناد الى اذن او امر صريح من
الله تعالى. ففي كتاب الله تعالى نواجه اصلين لا يمكن المناقشة
والتشكيك فيهما: الاصل الاول: ان الحكم والولاية في حياة الانسان
الله تعالى
فحسب، او من ياذن الله تعالى ويامر بولايته، يقول تعالى: (...
ان الحكم الا الله...) ((23)). الاصل الثاني: انكار اي نسبة واسناد الى
الله تعالى فيما يتولا ه
الله تعالى من حياة الناس الا باذن صريح منه تعالى، ومن دون ذلك تكون نسبة شيء الى
الله من الافتراء عليه عزوجل. يقول تعالى: (... قلء الله اذن لكم ام على الله تفترون) ((27)). فلا يصح ولا يجوز ان ينسب الانسان الى الله تعالى حكما او اذنا
او امرا الا ببينة وبرهان، ومن دون ذلك يكون مفتريا على الله.وهذا هو الاصل الثاني
باختصار. والولاية والامرة وممارسة النفوذ والسلطان في شؤون الخرين
انما هي من شؤون الله تعالى بالتاكيد، ومن المواضع
التي خصها الله تعالى لنفسه من الحكم والولاية في حياة الناس، ولم ياذن لاحد ان
يتولا ها الا بامره واذنه بصريح القرآن. وولاية المراة وممارستها لشؤون الولاية على كل المستويات كالرجال في هذه الدائرة
التي خصها الله تعالى لنفسه. فاذا حكم الفقيه بجواز تولي المراة للولاية واجاز لها بحكم
الشرع ممارسة شؤون الولاية والامرة والسلطان والقرار في
حياة الخرين، فلابد ان يكون ذلك مستندا الى اذن صريح من
الله تعالى؛ تطبيقا لقوله تعالى: والرجال والنساء في هذه النقطة سواء. وسوف نلقي نظرة حول ما يتمسك به القائلون بالحظر
والحرمة، واشتراط الذكورة في الولاية، ونناقش بعد ذلك هذا الاصل الذي ذكرناه هنا في
مقدمة هذا البحث. الفصل الأول - ولاية المراة استدلوا على حظر الولاية العامة على المراة بالادلة الثلاثة:
الكتاب والسنة والاجماع، وفيما يلي دراسة للادلة الثلاثة
المتقدمة ومناقشتها: الدليل الاول - الاحتجاج بالقرآن الكريم: 1 ـ (الرجال قوامون على النساء): ولا اشكال في استفادة هذا المعنى من الآية الكريمة على نحو
الاجمال، وانما الكلام في دائرة هذه القيمومة؛ فهل
تختص بالحياة الزوجية، ام تعم الحياة الزوجية والشؤون السياسية والقضائية ايضا؟
وقد استفادوا من الآية الكريمة عموم قيمومة الرجال على النساء داخل الاسرة وخارجها. كلمات المفسرين: وقال ابن كثير «يقول تعالى: (الرجال قوامون على النساء) اي:
الرجل قيم على المراة؛ اي هو رئيسها وكبيرها، والحاكم عليها
ومؤدبها اذا اعوجت، (بما فضل الله بعضهم على بعض) اي: لان
الرجال افضل من النساء، والرجل خير من المراة؛ ولهذا كانت
النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الاعظم» ((32)). وقال الرازي: «اعلم ان فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة - الى ان قال: - وان منهم الانبياء والعلماء، وفيهم الامامة الكبرى والصغرى والجهاد، والاذان، والخطبة». ((33)) ويقول العلامة الطباطبائي وهو افضل من وجه دلالة الآية
الكريمة على عموم قيمومة الرجال على النساء في تفسير هذه
الآية -: «وعموم هذه العلة يعطي ان الحكم المبني عليها اعني قوله:(الرجال قوامون على النساء) غير مقصور على الازواج؛
بان تختص القوامية بالرجل على زوجته، بل الحكم مجعول
لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط
بها حياة القبيلين جميعا. فالجهات العامة الاجتماعية التي
ترتبط بفضل الرجال كجهتي الحكومة والقضاء مثلا اللتين
يتوقف عليهماحياة المجتمع، وانما يقومان بالتعقل الذي هو
في الرجال بالطبع ازيد منه في النساء، وكذا الدفاع الحربي
الذي يرتبط بالشدة وقوة التعقل، كل ذلك مما يقوم به الرجال
على النساء. وعلى هذا، فقوله :(الرجال قوامون على النساء) ذو اطلاق تام»((34)). المناقشة: ويدل على ذلك: الرواية التي يذكرها المفسرون في قصة نزول هذه الآية، فقد رووا في شان نزول الآية الكريمة: ان امراة من الانصار نشزت على زوجها، فلطمها، فانطلق ابوها معها الى النبي (ص)، فقال: افرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي (ص) : «لتقتص من زوجها». فانصرفت مع ابيها لتقتص منه، فقال النبي (ص): «ارجعوا، فهذا جبرائيل اتاني». وانزل الله هذه الآية، فقال النبي (ص): «اردنا امرا واراد الله امرا، والذي اراد الله خير». ورفع القصاص ((35)). تفسير الآية الكريمة: اما التعليل التكويني: فهو قوله تعالى: (بما فضل الله بعضهم
على بعض) ((36))، ولا اشكال ان هذا التفضيل تكويني
وليس بتشريعي؛ فليست الذكورة فضيلة في دين الله وهبها الله
للذكور ولم يهبها للاناث ((37))، وانما خصص الله تعالى
الذكور من الجنسين بمؤهلات لم يرزقها الاناث، وهذه المؤهلات تجعل الذكور في موقع
القيمومة في الحياة الزوجية. وليس هذا التفضيل في التكوين بمعنى ان الله تعالى خص الذكور من الجنسين بالتفضيل
في كل شيء من المؤهلات
الانسانية، فلا دلالة لقوله تعالى: (بما فضل الله بعضهم على
بعض) على ذلك، ولا يدل عليه الواقع التكويني للجنسين،
وهو امر واضح لايمكن النقاش فيه؛ فان الله تعالى خص الانثى
من الجنسين بتفضيل في تكوينها لا يوجد في الذكور، فهي
تمتلك من الرقة والجمال والعاطفة والجاذبية وغير ذلك مما لا
يمتلكه الذكور، وفضل الله الذكور على الاناث بالشدة والقوة والغلظة والقدرة على
المواجهة ما لا تمتلكه الاناث. وهذه الخصال التي فضل الله بها الاناث على الذكور تؤهلهن
لادوار في الحياة لا يتمكن الذكور من ادائها، كما ان الخصال
التي فضل الله تعالى بها الذكور على الاناث تؤهلهم لادوار في
الحياة لا تتمكن الاناث من القيام بها، وكل منهما تفضيل في
التكوين،احدهما يخص الاناث، والخر يخص الذكور، غير ان
التفضيل الذي خص الله تعالى به الذكور على الاناث يؤهلهم
للتصدي للاعمال الصعبة التي تتطلب المواجهة والصمود
والصبر والمقاومة، والخصال التي خص الله بها الاناث تؤهلهن للشطر الخرمن الحياة
الذي يتطلب الدعة والسكون والعاطفة والرقة. اذا، فالتفضيل التكويني حالة متعادلة موزعة على الجنسين بصورة متوازنة، والتعبير القرآني: (بما فضل الله بعضهم على بعض) دقيق؛ اذ لو قال مثلا: «بما فضل الله الرجال على النساء» لاختلف الامر؛ لان التعبير الاول يشير الى تفاضل متعادل موزع بين الجنسين: (بعضهم على بعض) والثاني يشير الى تفضيل الرجال على النساء، والذي ورد في القرآن هو الاول. هذا عن التعليل الاول.((38)) والتعليل الثاني قوله تعالى: (وبما انفقوا من اموالهم)، وهو
تعليل تشريعي اقتصادي يختص بالحياة العائلية بالتاكيد، فلايجب على الرجال الانفاق
على النساء الا في الحياة الزوجية. والآية الكريمة تعتبر ذلك التفضيل في التكوين وهذا الانفاق الواجب في الحياة الزوجية
علة للحكم القرآني: (الرجال قوامون على النساء). التفاسير الثلاثة للاية الكريمة: التفسير الاول: هو قيمومة الرجال عامة على النساء عامة:
(الرجال قوامون على النساء). التفسير الثاني: قيمومة الرجال على النساء في اية علاقة
مشتركة بينهم، كعلاقة الحياة الزوجية، والعلاقة في
الاعمال المشتركة بين الرجال والنساء، ومن ذلك علاقة الولاية
والادارة، فيكون للرجال في كل هذه العلاقات موقع القيمومة على النساء. التفسير الثالث: ان تختص هذه القيمومة بالحياة الزوجية فقط، فيكون للرجال حق القيمومة على النساء في مساحة
محدودة من الحياة الزوجية، وليس في كل هذه المساحة بالضرورة. ولا نتصور للاية الكريمة تفسيرا رابعا. اما التفسير الاول: فلا يمكن ان يقول به من يفهم معنى القيمومة. والتفسير الثاني لا يصح بالتاكيد، ولم يقل به فقيه، ومعنى هذا
- التفسير ان صح - ان يكون الرجال هم القوامين على النساء
في كل علاقة مشتركة بين الجنسين، فاذا اشترك رجل وامراة
في تجارة كان للرجل حق القيمومة، ولا يجوز لامراة ان
تستخدم رجلا او تستاجره لعمل من الاعمال؛ لانها تمارس
بذلك نوعا من القيمومة على الرجل في هذه العلاقة المشتركة. وهذا ما لايمكن ان يقول
به فقيه على الاطلاق. فلم يبق - بالضرورة - غير التفسير الثالث، وهو تحديد القيمومة بالحياة الزوجية لا في كل مساحة الحياة الزوجية بل في مساحة محدودة، كالخروج من البيت في خصوص ما ينافي حقوق الزوج من المعاشرة الزوجية، وهي مساحة محدودة في الحياة الزوجية، وامثال ذلك. مناقشة عموم العلة في الآية الكريمة: والجواب على ذلك أولا: ان التعليل المذكور في
الآية الكريمة
ليس بمعنى التفضيل المطلق للرجال على النساء؛ ولذلك
عبرت الآية عن ذلك بـ(بعضهم على بعض)، وقد سبق الكلام في ذلك. وثانيا: ان التعليل الخر الوارد في
الآية الكريمة يخص الحياة
الزوجية: (وبما انفقوا من اموالهم)، والنتيجة: تتبع العلة
ذات الخصوصية (اخص التعليلات). وثالثا: تعميم القيمومة للرجال على النساء بمعنى عموم
التعليل يؤدي الى الحكم بنفي مشروعية قيمومة النساء على
الرجال مطلقا، الا ما خرج بدليل، وهو امر غير مالوف للفقهاء،
وليس بوسع فقيه ان يقول: ان الآية الكريمة تنفي مشروعية
قيمومة النساء على الرجال الا ما ثبت خلافه بدليل، فيحتاج الامر في مشروعية استخدام
النساء للرجال الى دليل خاص. ورابعا: ان صح ذلك، فما المانع من ولاية النساء على النساء، وقضاء النساء للنساء؟! 2-
(وللرجال عليهن درجة): يقول الرازي في التفسير الكبير: «ان الرجل ازيد في الفضيلة من النساء في امور، احدها العقل، والثاني في الدية، والثالث في المواريث، والرابع في صلاحية الامامة والقضاء والشهادة» ((40))
المناقشة: فالاسرة، اذا، شركة متوازنة متعادلة بين الرجل والمراة
يتقاسمون فيها الحقوق والواجبات بصورة متعادلة، غير ان
الرجال يتميزون عن النساء في الاسرة بدرجة، فيختص الرجال
بحقوق من دون النساء، من قبيل «حق الطلاق» الذي يختص به الرجل. ووقوع الآية في سياق
آيات الطلاق يؤكد هذا المعنى الذي شرحناه. وما ذكرناه واضح لا يحتاج الى شرح وبسط. واذا تجاوزنا هذا الظهور في الآية الكريمة فان كلمة (درجة) فيها مجملة، والقدر المتيقن منها هو حق الطلاق وامثاله، وبسطها وتعميمها على سائر المواقع الاجتماعية يحتاج الى اثبات، ومن دون دليل واضح لا يمكننا اثبات اختصاص الرجل بالولاية دون النساء((41)). فالآية الكريمة: بين الظهور في الحقوق والواجبات في دائرة
الاسرة، فيكون معنى الدرجة اختصاص الرجل ببعض الحقوق
في هذه الدائرة، وبين الاجمال الذي لا ينفع في تعميم الدرجة
للولاية والامرة الا بدليل، فيكون المرجع في هذه الحالة هو الدليل. 3و4-
(اومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين)
((42))، و (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى...)((43)):
واستدلوا بهذه
الآية على نفي
شرعية حق المراة في القضاء. وفي الآية الثانية يامر الله تعالى نساء النبي (ص) بالقرار في
بيوتهن، وقد عاب اصحاب رسول الله (ص) عائشة خروجها من بيت رسول الله (ص) لقتال
علي (ع). والآية الكريمة وان كانت تخاطب زوجات النبي (ص) الا انها
تشمل المؤمنات كافة بهذا الحكم، فلا اختصاص لزوجات
رسول الله(ص) بهذا الحكم، والامرة والولاية والقضاء هي من الامور التي تتطلب
الخروج من البيت والتحرك فيما بين الرجال. المناقشة: فان الآية الاولى وردت في الانكار على المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله، ثم تبين الآية الكريمة ان البنات والنساء ميالات الى الزينة والاناقة والتجمل، غير راغبات في الدخول في الخصام، وغير مهيئات نفسيا للدخول في الخصام، وهو حق وصحيح، ولكن هذا وحده لا يكفي في القول بحظر الامرة والولاية على المراة، ولا يصح ان يستند اليه فقيه في القول بتحريم الامرة والامامة والقضاء على المراة، وانما يبين الله تعالى لنا تكوين الرجل والمراة على نحو العموم. وكم من امراة افضل من كثير من الرجال في التصدي للشؤون الاجتماعية والسياسية والقضائية وفي امر القيمومة! والآية الكريمة لا تعني - بتاتا - ان كل رجل افضل من كل امراة، وليس معنى
الآية ان المراة
لا تقوى على التصدي بسبب هذه الخصلة التي تدخل في تكوينها. فهذه الآية في النساء نظير قوله تعالى في الناس عموما؛ رجالا
ونساء: وامثال ذلك من اليات التي تبين للناس نقاط الضعف في
تكوينهم، ومع ذلك فليس في هذه اليات ان الانسان لا يقوى
على التصدي. ولا شك ان نقاط الضعف في تكوين النساء للعمل
السياسي والاجتماعي والقضائي اكثر، ولذلك نجد ان
الرجال يبرزون في هذه المجالات حتى عند غير المتدينين،
وفي الحضارات الغربية المتحللة اضعاف النساء، وهو دليل
واضح على اختلاف تكوين النساء عن الرجال، وعلى ان مقدرة الرجال للتصدي اكثر من
مقدرة النساء. ولكن هذا حكم عام يذكره القرآن، ويؤكده الواقع الانساني التاريخي والاجتماعي. على ان استفادة التحريم من آيات في كتاب الله من مثل هذه اليات امر عسير. نعم، هذه اليات المباركة تصلح لتاييد الراي بالحرمة اذا ثبت هنالك دليل من كتاب الله تعالى او سنة رسول الله (ص) على التحريم. واما الآية الثانية: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية
الاولى) فهي في اغلب الظن خاصة بزوجات رسول الله (ص)
؛لان الله تعالى يريد لهن ان يحافظن على كرامة رسول الله
(ص) في حياته ومن بعده، والدخول فيما يدخل فيه الناس يعرضهن للكثير من الاذى. والى ذلك تشير بل تصرح الآية السابقة عليها: (يا نساء النبي لستن كاحد من النساء...)، ولا اقل من احتمال اختصاصها بزوجات النبي(ص)، وهذا الاحتمال وحده يكفي لابطال الاستدلال بها على تحريم خروج النساء مطلقا من بيوتهن، فلا مانع من ان تخرج المراة من بيتها اذا كانت غير متبرجة وباذن زوجها ان كان لها زوج، ولا اعرف فقيها يقول بحرمة خروج المراة المتزوجة من بيتها اذا كان باذن زوجها، ولا يقول فقيه بحرمة خروج المراة غير المتزوجة من بيتها اذا كان خروجها طبقاللموازين الشرعية: غير متبرجة، وغير متهتكة، وبصحبة محارمها عند من يشترط هذه الصحبة. ولا اشكال في ان شرط خروج المراة من بيتها الا تكون متبرجة
متهتكة، وان يكون باذن زوجها ان كان لها زوج. فليس في كتاب الله تعالى دليل واضح وصريح على ان المراة لا يجوز لها التصدي للشؤون الادارية والسياسية والقضائية الدليل
الثاني - الاحتجاج بالسنة: 1 - رواية «لن يفلح قوم ولوا امرهم امراة»: قال: لما بلغ رسول الله (ص) ان اهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: «لن يفلح
قوم ولوا امرهم امراة»((47)). ورغم ان الرواية لم ترد في مصادر الامامية مسندة، غير ان
اشتهار الرواية وتضافر روايتها عن رسول الله (ص) يجبر
ضعف سندها، ويطمئن الانسان بصدورها عن رسول الله (ص). ولم ترد الرواية بصيغة النهي لتكون من قبيل الاحكام المولوية،
وانما فيها ارشاد الى خسران وهلاك القوم الذين تتولاهم امراة. فاذا عرفنا ان ولاية المراة خسران، وجب علينا بحكم العقل ان نتجنبه؛ فان دفع الضرر
واجب بحكم العقل. ولا يبعد القول بدلالة هذه الجملة بالالتزام العرفي على حكم
مولوي تحريمي وحكم وضعي بعدم جواز ولاية المراة؛ فان
الرواية بصدد الانكار على من اوكلوا امرهم الى النساء وولوهن
الولاية والامرة في حياتهم، ويفهم الناس من هذا الانكار النهي عنه من الناحية
التكليفية وبطلان هذه الولاية والامرة من حيث الحكم الوضعي. راي معاصر: يقول صاحب هذا الراي: «ونحب ان نلقي نظرة اعمق على
الحديث الوارد، ولسنا من عشاق جعل النساء رئيسات للعمل،
اورئيسات للحكومات، اننا نعشق ان يراس الدولة او الحكومة اكفا انسان في الامة. وقد تاملت في الحديث المروي في الموضوع، مع انه صحيح سندا ومتنا، ولكن ما معناه؟ عندما كانت فارس تتهاوى تحت مطارق الفتح الاسلامي كانت
تحكمها ملكية مستبدة مشؤومة: الدين وثني، والاسرة المالكة
لاتعرف شورى، ولا تحترم رايا مخالفا، والعلاقات بين افرادها
بالغة السوء؛ قد يقتل الرجل اباه او اخوته في سبيل مربه، والشعب خانع منقاد. وكان في الامكان ـ وقد انهزمت الجيوش الفارسية، واخذت
مساحة الدولة تتقلص ـ ان يتولى الامر قائد عسكري يوقف
سيل الهزائم، لكن الوثنية السياسية جعلت الامة والدولة ميراثا
لفتاة لا تدري شيئا، فكان ذلك ايذانا بان الدولة كلها الى ذهاب. في التعليق على هذا كله قال النبي (ص) كلمته الصادقة، فكانت وصفا للاوضاع كلها. ولو ان الامر في فارس شورى، وكانت المراة الحاكمة تشبه «جولدا مائير» اليهودية التي حكمت اسرائيل، واستبقت
دفة الشؤون العسكرية في ايدي قادتها، لكان هناك تعليق آخر على الاوضاع القائمة...» ((56)). المناقشة: اذا، يمكن الاستناد الى هذه الروايات في حظر ولاية المراة
وبطلانها، غير ان القدر المتيقن منه بل المفهوم من قوله: «ولواامرهم امراة» و «ملكوا امرهم امراة» و
«ملكتهم امراة» هو
الولاية العامة، اما الولايات الفرعية المتشعبة من الولاية العامة والقضاء فلا
تفهم من هذه الرواية. 2 ـ رواية مناهي المراة: وهذه الرواية ضعيفة من حيث السند، وفي سندها اكثر من مجهول، ولا يمكن الاعتماد عليها. على ان الفقرات المتقدمة والمتاخرة عن عبارة «ولا تولى المراة القضاء، ولا تلي الامارة» هي اما مكروهات او مستحبات او رفع الوجوب، وكل ذلك من اختصاصات النساء. وفي هذا السياق، فالحكم فيها حكم تكليفي، والقدر المتيقن منه الكراهة بقرينة السياق، ولا يفهم منه حكم وضعي؛ بمعنى اشتراط الذكورة في القضاء والامارة. وعلى اية حال، فان الرواية تصلح لتاييد الدليل ان كان هناك
دليل، ولا تصلح للدلالة؛ لضعف سندها وسياق متنها. 3 ـ وصايا النبي (ص) لعلي (ع) في مناهي المراة: والرواية ضعيفة من حيث السند، وحماد بن عمرو وانس بن
محمد اللذان يسند اليهما الصدوق (رحمه الله) الرواية
مجهولان، وطريق الصدوق اليهما ضعيف. والرواية تجمع بين مجموعة من نقاط، فيها الكراهة، ونفي
الاستحباب، ونفي الوجوب، وهذا السياق يتقدم فقرة «ولا
تولى القضاء» ويتاخر عنها، فهي لا تصلح لاكثر من التاييد. 4 ـ رواية «هلكت الرجال حيث اطاعت النساء»: والرواية ضعيفة ـ حسب موازين الجرح والتعديل عند فقهاء اهل السنة ـ ببكار بن عبد العزيز بن ابي بكرة الذي قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف، وقال ابن عدي: ارجو ان لا باس به، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم. ((61)) على ان النفس لا تسكن الى متن الراوية؛ حيث يدخل البشير على رسول الله (ص) وراسه في حجر زوجته عائشة، فعندما يبلغه الخبر يقوم (ص) من موضعه فيسجد الله شكرا! وثمة طائفة اخرى من الروايات من هذا السنخ لا تابى المناقشة
سندا ودلالة. ولا يمكن الاستناد اليها كدليل، ويمكن الاستفادة منها في التاييد. الدليل الثالث - الاجماع: واما فقهاء السنة فقد صرحوا بالاجماع في هذه المسالة: وقال امام الحرمين الجويني: «واجمعوا ان المراة لا يجوز ان تكون اماما» ((63)). ومن المعاصرين صرح صاحب كتاب الفقه على المذاهب
الاربعة باتفاق الفقهاء على ذلك ((64)). وليس لفقهائنا المتقدمين دعوى للاجماع في هذه المسالة (الامارة والولاية) كما قلنا، اما في القضاء فقد ادعى صاحب الجواهرعدم الخلاف في اشتراط الذكورة في القاضي((65)). وسوف تاتي مناقشة هذا الاجماع. فاذا تم الاجماع فهو بالضرورة اجماع على اشتراط الذكورة في الامام والوالي؛ لان القضاءمن اهم شؤون الوالي والامام، وهو احد اهم سلطات الامام، فاذا تم بالاجماع اشتراط الذكورة في القاضي فهي شرط في الامام والحاكم ايضا. ولكننا تاملنا في مصادر هذا الاجماع فلم نتحقق من وجود اجماع عند الامامية على اشتراط الذكورة في القضاء. وسوف نتحدث عن ذلك عند بيان جواز او حرمة تصدي المراة للقضاء تكليفا وبطلانه وضعا. ونحن وان كنا لا نعرف في المتاخرين من فقهاء الامامية مخالفا لهذا الراي ممن يعبا برايه من الفقهاء، غير اننا لا نعرف للمتقدمين من فقهاء الطائفة تصريحا بالاجماع او طرح هذه المسالة فيما وصلنا من كتبهم. ولا يكون عدم الخلاف في المتاخرين او الاجماع عندهم حجة ان لم يكن الاجماع موصول الحلقات الى عصر المعصومين (ع) ؛وذلك ان راينا في حجية الاجماع يختلف عن راي جملة من المذاهب الاسلامية، فلم يثبت عندنا ما روي عنه (ص): «لا تجتمع امتي على خطا» ((66))، وليس هنا موضع مناقشة هذه المسالة. وحجية الاجماع عندنا تعتمد على وجود نصوص صريحة من
المعصوم (ع) بالحكم، عرفه المتقدمون وافتوا مجمعين
بموجبه، وقد فقدت تلك النصوص منذ عصر المتقدمين من
الفقهاء، ودلت عليها فتاوى الفقهاء؛ فان هذه الفتاوى عندما
تلتقي مجتمعة على حكم واحد دون ان نعرف لها دليلا في
كلام الفقهاء نطمئن بوجود نصوص صريحة قد فقدت، وبقيت هذه الفتاوى هادية الى تلك
النصوص التي فقدناها في عصر الظلم والاستبداد والاضطهاد السياسي والعلمي. وبناء على هذا الراي، فان فتاوى الفقهاء في التفريعات الفقهية
التي نجدها في كلمات اواخر المتقدمين من الفقهاء
والمتاخرين منهم لا تكون حجة على الحكم الشرعي حتى اذا
كانت متفقة على الراي والحكم؛ وذلك ان عصر هذه الفتاوى
لا يتصل بعصرالمعصوم حتى نكتشف عن هذا الطريق اتصاله
بعصره. وعليه، فان عدم الخلاف بل حتى الاجماع في المسائل والتفريعات المتاخرة لا
يكون حجة بالمعنى العلمي لهذه الكلمة. نظرة اجمالية حول شرعية ولاية المراة: ولكننا نعود مرة اخرى الى البحث عن هذه المسالة بالاجمال
بعد التفصيل؛ فان الرؤية الاجمالية للادلة قد تختلف عن
الرؤية التفصيلية. وقد اشرت الى ذلك فيما سبق، حيث قلت:
ان هذه الادلة تصلح للتاييد ولا تصلح للاحتجاج؛ فان الادلة
التاييدية عندما تجتمع فقد تصلح من حيث المجموع
للاحتجاج، وما نحن فيه من ذلك؛ فان اليات الكريمة
المتقدمة، وما تقدم من الحديث عن رسول الله (ص) وعن اهل
بيته (ع)، وما تقدم من اشتهار هذه المسالة على لسان الفقهاء -
حتى اننا لا نعرف في فقهاءالامامية فقيها يذهب الى جواز تولي
المراة للولاية والامامة ممن يعبا برأيه ((67)) - بالاضافة الى
اجماع فقهاء اهل السنة على ذلك، كل هذه المجموعة تبعث
في نفس الانسان الاطمئنان بان الشريعة تشترط الذكورة في
الولاية والامامة، وتحاول ان تجنب المراة الدخول في هذا
المعترك الذي يعرض الانسان للكثير من المتاعب والفات، وفي الوقت نفسه فان هذه
المسالة تعتبر ضرورة من ضرورات الحياة لا غنى للانسان عنها. وليس بوسع الفقيه - بعد جولة كاملة في ادلة هذه المسالة
وحججها، وسيرها التاريخي من عصر الرسالة الى اليوم،
وتوافق الفقهاء على ذلك، وانعقاد سيرة المتشرعة عليه - ان
يقول غير ذلك. وقد تعاقبت خلال هذه العصور حكومات ودول
كثيرة تحكم باسم الاسلام، وان كانت تشط عنه كثيرا، فلا نجد
لديها ما يخالف هذه السيرة، ولا نعرف امراة تصدت للامامة
والخلافة والولاية العامة في عهود الخلافة الاسلامية، رغم
سلطان كثير من نساء قصور الخلافة الاموية والعباسية
والعثمانية ونفوذهن الواسع في شؤون الولاية والخلافة. كل
ذلك يكشف عن حالة فقهية مستقرة لدى المسلمين في
اشتراط الذكورة في مسالة الامامة والولاية، وتجنيب المراة هذه المساحة من الصراع
والمتاعب والمنافسات. ولا يستطيع فقيه اتم دراسة هذه المسالة - بما ذكر لها من الحجج، وفي سيرها التاريخي - ان يحكم بشيء غير هذه النتيجة، ما لم يكن متهورا في الفتوى والراي، والتهور في الفتوى امر لا يحمده الفقهاء. بيد ان هذه النتيجة التي انتهينا اليها تخص الولاية والرئاسة العامة والولايات والرئاسات التنفيذية العامة، واما الرئاسات التي تتفرع وتتشعب منها في الشؤون الادارية فلا يمكن الجزم بها من خلال هذه الادلة؛ فان الحديث النبوي المشهور ظاهر في الولاية العامة، والدليل الاجمالي الذي تمسكنا به هو من سنخ الادلة اللبية، فلا يمكن ان نتمسك باطلاقه في اثبات عموم الحظر،والقدر المتيقن منه هو الولاية العامة وما يقرب منه من المسؤوليات التنفيذية العامة. اما ما دون ذلك من المسؤوليات والولايات والاعمال، فليس
في الادلة المتقدمة ما يدل على حظرها على المراة، وذلك
مثل التصدي لرئاسة الدوائر، وادارة الاعمال، والترشيح
للمجالس التشريعية (البرلمان) والمجالس البلدية،
والمشاركة فيها،والتمثيل الدبلوماسي، والحضور والمشاركة
في الاذاعة والتلفزيون، والتدريس في المدارس والجامعات،
وادارتهما، وادارة المستشفيات، والطبابة، والتمريض،
والتصدي للمسؤوليات الامنية التي تناسب وضعها الانثوي في
الاطار الذي يضعها الاسلام فيه وما يشبه ذلك ضمن ملاحظة
امرين: الامر الاول: والخطاب في هذه الآية المباركة يعم النساء في اكثر احكامها، فلا يجوز اطلاق القول في
تصدي المراة للمسؤوليات الاجتماعية من دون ان ناخذ بنظر الاعتبار كل هذه القيود
والاطر والداب والاحكام والالزامات التي الزم الله تعالى بها المراة او رغبها
فيها. الامر الثاني: ولهذا السبب يعتبر الاسلام خدمة هذه المؤسسة تعادل الخدمة في كل ساحات الحياة عامة
خارج هذه المؤسسة. وقد خلق الله تعالى الجنسين بعضهم من بعض، وفضل الله بعضهم على بعض؛ ليتكاملوا في بناء الاسرة، واعد الله للمؤسسة الاولى المراة، واعد الرجل للمؤسسات الاخرى التابعة صلاحا وفسادا للاسرة. وجعل دورهما مع بعض؛ بعضه يكمل بعضا، فيكتمل دور
المراة بدور الرجل، ويكتمل دور الرجل بدور المراة.
|