وجعلهما الله متفاضلين بالصفات والمواهب؛ ليؤدي كل من الجنسين دوره الذي خصه الله تعالى به داخل الاسرة وخارجها:(بما فضل الله بعضهم على بعض). وادل شيء على ما نقول هو الواقع الانساني في السابق والحاضر؛ حيث نجد ان اكثر حضور المراة واهتمامها ونشاطها داخل البيت، واكثر حضور الرجل واهتمامه وحركته خارج البيت. ولا ننفي ان هناك اميرات، وملكات، وحاكمات، ورئيسات، وزعيمات احزاب سياسية، ولكن ذلك لا يغير الحقيقة التي ذكرناها. ويدل على ذلك ان خلافه دائما بحكم الاستثناء في السابق والحاضر الانساني. وليس معنى ذلك ان تصدي المراة للعمل خارج البيت لا يجوز، فهو امر جائز بالتاكيد في الحدود التي اقرها الاسلام، وعلى
كل المستويات التي لم يصلنا حظر في الشريعة منها في كل ما
ذكرناه وشرحناه سابقا من المواقع التي يجوز ان تتصدى لها
المراة. ولكن من الحق ايضا ان النظرة العامة في الشريعة للمراة انها
خلقت لرعاية مؤسسة الاسرة، وان هذه المؤسسة (الام) في
حياة الانسان اولى بها وبنشاطها وكفاءاتها ومواهبها، وقد اعد
الله تعالى الرجل وخلقه للشطر الخر من الحياة. واختلاف تكوين الرجل عن المراة ليس بمعنى تفضيل الرجل على المراة في التكوين، والشاهد على ذلك: ان الناس لا يختلفون - على كل مذاهبهم في دور المراة وموقعها من الحياة السياسية والاجتماعية - في ان المراة ليست مؤهلة بحسب تكوينهاللدخول في المباريات الرياضية الثقيلة، مثل تسلق الجبال الصعبة، وكرة القدم، والمصارعة، والملاكمة، وفي الانزال الجوي في الحروب، واستعمال الاسلحة الثقيلة.ولكن لا يقول احد - مطلقا - بان المؤهلات الجسدية التي تمكن الرجل من الدخول في هذه المباريات والاعمال العسكرية دون المراة تفضل الرجل على المراة تفضيلا مطلقا.كلا، بل هو من قبيل التنوع التكويني بين الجنسين الذي
يؤدي الى التنوع بينهما في الادوار والاداء في ساحة الحياة؛
فان المراة قادرة على ما لا يقدر عليه الرجل، كما العكس، فهما
متكاملان؛ بعضهما من بعض، وبعضهما يكمل دور البعض
الآخر. هذا من حيث تكوين الجنسين ودورهما في الحياة. واما من حيث الثواب والاجر والقرب والقيمة عند الله تعالى،
فهما سواء في مقاييس الطاعة والتقوى والاعمال الصالحة،
واجرها وثوابها فيما تقوم به في مساحة اختصاصها واهتمامها
التكويني اجر الرجل وثوابه في كل ما اختص به دونها وفضل
فيه عليها؛ من الجهاد والامامة والولاية والامرة والقضاء
والتصدي للاعمال العامة، اجرا كاملا من دون نقص. واليك حديث رسول الله (ص) مع اسماء بنت يزيد الانصارية
وافدة النساء الى رسول الله (ص) كما رواه البيهقي في السنن،
فانه جدير بالتامل والتفهم؛ لفهم واقع نظرة الاسلام الى المراة
ودورها في الحياة. حديث رسول الله (ص) الى وافدة النساء: فالتفت النبي (ص) الى اصحابه بوجهه كله، ثم قال: «هل سمعتم مقالة امراة قط احسن من مساءلتها في امر دينها من هذه ؟»، فقالوا: يارسول الله، ما ظننا ان امراة تهتدي الى مثل هذا ! فالتفت النبي (ص) اليها، ثم قال لها: «انصرفي ايتها المراة، واعلمي من خلفك من النساء: ان حسن تبعل احداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله». فادبرت المراة وهي تهلل وتكبر استبشارا ((70)).ما تقتضيه الاصول العملية: يذهب الفقهاء قولا واحدا الى التمسك بالاصول النافية في حالة
الشك، فان الولاية والنفوذ والسلطان هي من الامور التي
تحتاج الى جعل من الله ودليل على الجعل، ولا تتم ولاية انسان
على آخر الا بموجب الدليل، وكلما شككنا في الدليل فالاصل
عدم ولاية انسان على آخر، وعدم نفوذ حكمه فيه. وهو كلام
وجيه لا اشكال فيه. واول من لجا الى هذا الاصل - فيما نعرف - هو شيخ الطائفة الشيخ الطوسي (رحمه الله)، حيث قال في حظر الولاية والامرة والقضاء على النساء:«دليلنا: ان جواز ذلك يحتاج الى دليل؛ لان القضاء حكم شرعي، فمن قال: تصلح له، يحتاج الى دليل شرعي»((71)). ويقول الشيخ صاحب الجواهر (رحمه الله) في حظر القضاء على المراة: «مؤيدا بنقصها عن هذا المنصب، وانها لا يليق بهامجالسة الرجال ورفع الصوت بينهم، وبان المنساق من نصوص النصب في الغيبة غيرها، بل في بعضها التصريح بالرجل، ولا اقل من الشك، والاصل عدم الاذن»((72)).ويقول صاحب كتاب دراسات في ولاية الفقيه في الرجوع الى الاصل حال الشك: «هذا مضافا الى ان مجرد الشك كاف في المقام؛ اذ الاصل كما عرفت عدم ثبوت الولاية لاحد على احد».((73)) اقول: انما يصح ذلك ان لم تكن لدينا عمومات او اطلاقات لفظية تشمل الرجال والنساء في شؤون الامرة والولاية والقضاء، وليس الامر كذلك؛ فهناك طائفة من العمومات والاطلاقات تشمل الرجال والنساء على نحو سواء، ففي مقبولة عمر بن حنظلة: «انظروا الى من كان قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف احكامنا، فارضوا به حكما؛ فاني قد جعلته عليكم حاكما»((74)).وكذلك قوله (ع): «العلماء ورثة الانبياء»((75))، و «الفقهاء حصون الاسلام»((76))، وقوله (ع): «اللهم ارحم خلفائي» ثلاث مرات قالوا: من خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال: «الذين يروون حديثي وسنتي»((77))، و«الفقهاء امناء الرسل».((78)) ولا شك في ان هذه النصوص مطلقة تشمل الرجال والنساء معا، وتذكير الضمائر لا يسقطها عن الاطلاق ما لم يجتمع ضميرالمذكر وضمير المؤنث في كلام واحد، وما لم تكن هناك قرينة تدل على ارادة خصوص المذكر، وفيما عدا ذلك تستعمل ضمائر التذكير في المذكر والمؤنث على نحو التغليب، مثل اليات المصدرة بـ(يا ايها الذين آمنوا)؛ فان المقصود بالذين آمنوا الجنسان معا بلا ريب.بل قد تستعمل كلمة الرجل من باب التغليب في الرجال والنساء على نحو سواء، نحو قوله تعالى: (وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه...) ((79))، ونحو قوله تعالى: (...فيه رجال يحبون ان يتطهروا...) ((80 ))، وقوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله...) ((81))، وقوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ...) ((82))، وامثال ذلك في كتاب الله. وهذه المسالة راجعة الى اللغة، ولا علاقة لها بالنظرة الفوقية الى الرجال.والناس ياخذون باصالة الاطلاق في حواراتهم بلا اشكال، فاذا
ورد الحكم في النص على موضوع مطلق من دون تقييد
،وشككنا في ان المراد الجدي للمتكلم من الموضوع هل هو
الاطلاق او التقييد، فان طريقة الناس في الحوارات الجارية
فيما بينهم هي التمسك بالاطلاق بـ«مقدمات الحكمة»
المعروفة، وهذا هو ما يسميه علماء الاصول بـ«اصالة الاطلاق»، وهي من «الاصول اللفظية» مقابل
«الاصول العملية»،
ومقدمات الحكمة تامة هنا ((83))، فتجري اصالة الاطلاق بلا
اشكال. وعندئذ تتقدم هذه المطلقات على الاصول النافية التي وردت في كلام الفقهاء تحت عنوان «الحكومة»؛ فان موضوع الاصول النافية في هذه المسالة هو الشك في ثبوت الولاية والامرة والقضاء للمراة. وهذه المطلقات ـ بدليل اصالة الاطلاق ـ ترفع هذا الشك، غير ان هذا الرفع لا يتم حقيقة ووجدانا، ولكن بمقتضى اعتبار هذه السيرة من قبل الناس في حواراتهم وقد امضاه الشارع ولم يرفضه، فتتقدم هذه المطلقات على تلك الاصول، ولا يبقى مع وجودامثال هذه المطلقات مجال للرجوع الى الاصول النافية المتقدمة، والله اعلم. الفصل الثاني ـ شرعية تولي المراة للقضاء المشهور عند فقهاء الامامية هو الحظر وعدم الجواز. وجمهور فقهاء اهل السنة على ذلك، ولم يخالفهم في ذلك غير محمد بن جرير الطبري وابي حنيفة. وفقهاء اهل السنة ينفون صحة هذه النسبة اليهما، وعليه تكاد تتفق كلمات فقهاء اهل السنة على حظر القضاء على المراة. وقد استدلوا على ذلك بطائفة من اليات من كتاب الله، وطائفة من الروايات، كما استدلوا على ذلك بالاجماع. الدليل الاول ـ الآيات: الدليل الثاني ـ الروايات: 1 ـ معتبرة ابي خديجة: والرواية من حيث السند تامة، الا انه لا دلالة في الرواية على
حظر القضاء على المراة الا قوله (ع): «رجل منكم»، وقد سبق
ان ناقشنا دلالة كلمة «الرجل» على حظر القضاء على المراة؛
فانها تطلق في اللغة العربية على الرجال والنساء سواء من
باب التغليب. وقد ورد في كتاب الله: 2 ـ وصية النبي (ص) الى علي (ع) في مختصات النساء: وقد ناقشنا الرواية من حيث السند والدلالة، فلا نعيد. والنهي الوارد في هذه الرواية - بقرينة السياق - ليس من «نهي العزيمة» بمعنى «الحظر والحرمة»، وانما النهي هنا - بقرينة السياق - بمعنى رفع الوجوب او الحرمة (الترخيص في الوجوب والترخيص في الحرمة)، او رفع الاستحباب والكراهة، وقرينة السياق شاهدة على ما نقول، فراجع الرواية في وسائل الشيعة((89)) للتاكدمن ذلك. على اننا ناقشنا من قبل اعتبار سند الرواية، وعرفنا ان الرواية ضعيفة بمجهولين يروي عنهما الصدوق(رحمه الله)، بالاضافة الى ان طريق الصدوق اليهما ضعيف، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية البتة.3 ـ «لا تملك المراة ما يجاوز نفسها»: وقد رواها الحر العاملي (رحمه الله) في وسائل الشيعة ((90))
عن محمد بن يعقوب الكليني في الفروع ((91)) بطريقين،
وعن الشريف الرضي في نهج البلاغة مرسلا، وعن الصدوق في
الفقيه ((92))، واسنادها جميعا ضعيفة. ورواية الشريف الرضي في النهج مرسلة، ودلالتها غير تامة؛
فان تعليل النهي عن تمليك المراة امر غيرها في قوله (ع): «مايجاوز نفسها» - بان ذلك انعم لحالها، وارخى لبالها، وادوم
لجمالها... - واضح في ان النهي بمعنى الكراهة، وليس نهي
الحظروالحرمة، ولا نستبعد ظهور الجملة في النهي الارشادي
مقابل النهي المولوي. ومما لا شك فيه ان المراة يجوز ان تستخدم الرجال لاعمالها
التجارية، وتامرهم وتنهاهم، ولا يقول فقيه بحرمة ذلك عليها
، مع ان مثل هذه الممارسات للنساء مشمولة للنهي المتقدم،
ولا اقل من احتمال ان يكون النهي للكراهة بالقرينة المتقدمة،
فتسقط الرواية عن الاستدلال. ولكن الرواية تكشف عن اصل هام في الاسلام، وهو ان الله
تعالى اعد المراة للشطر الثاني من الحياة، وهو رعاية
مؤسسة الاسرة والمحافظة عليها، وليس من شان المراة ان
تتولى الادارة والامارة والسيادة والسلطة، وتدخل في الحرب
والسلم؛ فانها لم تخلق لذلك، وهذا ما لا يختلف فيه احد،
ويقره الواقع الانساني في التأريخ. ولكن هذا شيء آخر غير الحظر والحرمة، انه يصلح تاييدا
للحظر والحرمة ان وجد هنالك دليل عليه، والا فهو ارشاد الى
طبيعة تكوين المراة النفسي والعقلي، ومساحتها التي خلقها الله تعالى لها من الحياة. 4 ـ «لا تطيعوا النساء»: وهذه الرواية رواها الحر العاملي (رحمه الله) عن الصدوق في من لا يحضره الفقيه((93)) وعلل الشرائع((94)) والامالي.((95)) وقد رواها الصدوق في العلل والامالي عن علي بن احمد بن عبد الله، عن ابيه، عن جده احمد بن ابي عبد الله (البرقي)، عن ابيه، عن محمد بن ابي عمير، عن غير واحد، عن الصادق(ع)، عن امير المؤمنين (ع) ((96)). والرواية ضعيفة. وعليه فلا يمكن الاستناد الى هذه الروايات. وسوف ياتي في نهاية هذا البحث دراسة الروايات المشعرة بالانتقاص من قيمة المراة، مثل هذه الرواية، وعليه فلا نتوقف عند هذه الرواية اكثر من هذا الحد. الدليل الثالث - الاجماع: قال الشهيد الثاني في التعليق على كلام المحقق في الشرائع: «هذه الشرائط عندنا موضع وفاق»((98)). وقال المحقق النجفي في الجواهر في التعليق على كلام المحقق في الشرائع: «بلا خلاف اجده في شيء منها، بل في المسالك: هذه الشرائط عندنا موضع وفاق»((99)). واشترط الشيخ النراقي في مستند الشيعة الذكورة في القضاء، وادعى على ذلك الاجماع قال: «ومنها الذكورة بالاجماع»(( 100))
اجماع فقهاء اهل السنة: وقيل: ان ابن جرير الطبري يجوز ان تكون المراة قاضية في
كل ما يجوز ان يكون الرجل قاضيا فيه؛ لانها تعد من اهل
الاجتهاد((105)). وناقش القاضي ابو بكر بن العربي في نسبة هذا القول الى ابن جرير الطبري، قال: «ولم
يصح ذلك عنه، ولعله نقل عنه»((106)). كما نقل عن ابي حنيفة القول بجواز تولي المراة للقضاء فيما تصح منها شهادتها. يقول الماوردي في الاحكام السلطانية: «قال ابو حنيفة: يجوز ان تقضي المراة فيما تصح فيه شهادتها، ولا يجوز ان تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها»((107)). وقد جرى نقاش طويل حول راي ابي حنيفة في جواز تولي المراة القضاء، فانكر ذلك الاحناف، ونفوا ان يكون لابي حنيفة مذهب يخالف الجمهور في هذه المسالة ((108))، ولا نحب ان ندخل في تفاصيل هذه المسالة. ومهما يكن من امر، فان جمهور اهل السنة يذهبون الى عدم جواز تولي المراة للقضاء، ولم يثبت ما ادعاه البعض من مخالفة ابن جرير الطبري وابي حنيفة للجمهور في هذه المسالة ((109)) الاجماع عند فقهاء الامامية: وقد شك في ذلك من قبل المحقق الاردبيلي (رحمه الله) فقال: «واما اشتراط الذكورة فذلك ظاهر فيما لم يجز للمراة فيه امر، واما في غير ذلك فلا نعلم له دليلا واضحا. نعم، ذلك هو المشهور، فلو كان اجماعا فلا بحث، والا فالمنع بالكلية محل بحث؛ اذلا محذور في حكمها بشهادة النساء مع سماع شهادتهن بين المراتين مثلا بشيء مع اتصافها بشرائط الحكم».((110)) وقال المجلسي الاول في روضة المتقين: «اذا كانت المراة عالمة وتوفرت فيها جميع الشروط اللازمة للقضاء، لا مانع من قضائها بين النساء والمحارم من الرجال»((111)). ولا نجد اشارة الى اشتراط الذكورة في القضاء في كلمات المتقدمين من فقهاء الامامية(رحمه الله) عدا الشيخ الطوسي في الخلاف((112)). بينما لم يشر الشيخ (رحمه الله) الى هذا الشرط في المبسوط والنهاية((114)). ((113)) ولم يذكر الشيخ المفيد في المقنعة((115)) شرط الذكورة في
القضاء، كما لم يشترطها من المتقدمين من الفقهاء كل من
ابي الصلاح الحلبي كما في الكافي((116)) وابن زهرة في((117))
وسلا ر في المراسم((118)) فيما يجب من
الغنية
شروط القضاء. ومهما يكن من امر، فلم يثبت لنا اجماع فقهاء الامامية في اثبات هذا الشرط. وقد ذكرنا من قبل ان اتصال حلقات الاجماع في كلمات
المتقدمين من الفقهاء من شروط حجية الاجماع، ومن دون
ذلك لا يثبت الاجماع. نعم، لا شك في ان هذا الراي هو الراي المشهور عند فقهاء الامامية، كما ذكر ذلك المحقق الاردبيلي (رحمه الله)، وهو احوط الراء في هذه المسالة، والله العالم المسدد. الفصل الثالث
دراسة للنصوص عندما نستعرض النصوص الاسلامية نلتقي طائفة من النصوص
في كتب الحديث لا تخلو عن ايحاء او تصريح بالانتقاص
من قيمة المراة من الناحية الانسانية: وقد عرفنا بعض هذه النصوص، وعرفنا انها ضعيفة من حيث
السند. ونود هنا - في خاتمة هذا البحث - ان نسلط الضوء على هذه الروايات لنبحث عن قيمتها العلمية في الاحكام الفقهية، وفي تقديم صورة عن قيمة المراة وموقعها الانساني في الاسلام؛ فان لهذه الروايات اداءين اثنين: الحكم الشرعي اولا، وتصوير الاطارالعام للتصور الاسلامي عن قيمة المراة وموقعها في الاسلام ثانيا. وكلاهما مهم وحري بالتوقف والتامل؛ فان الاحكام الفقهية تستند الى الله تعالى مباشرة، ولا يجوز اسناد الحكم - اي حكم - الى الله ما لم نتاكد ونطمئن بسلامة نسبة الحكم الى الله تعالى، من حيث استناد الحكم الى الله تعالى ورسوله (ص) وخلفائه ائمة اهل البيت (ع) الذين عدهم رسول الله مرجعا من بعده في الحلال والحرام في حديث الثقلين المعروف ((119)). كما لا يجوز ان نقدم من خلال طائفة من الاحاديث صورة وتصورا عن قيمة المراة وموقعها الانساني في الاسلام ما لم نطمئن بصحة استنادهذه الصورة الى كتاب الله او حديث رسول الله وخلفائه. ومن دون التاكد والوصول الى الاطمئنان العلمي بالطرق
العلمية التي يحددها علماء السنة والجرح والتعديل في تعريف
الحديث الصحيح والمعتبر، لا يصح ان ننسب الى الشريعة حكما
على اساس الروايات، هذا في مجال الاحكام الشرعية. كما لا يصح في مجال المعرفة الدينية والعقيدية ان نقدم لدين
الله تعالى تعريفا، وننسب اليه تقييما، او نسند اليه تصورا معينا -
مثل: «موقع المراة وقيمتها الانسانية في الاسلام»، او غير ذلك
من مسائل المعرفة او العقيدة - دون ان نقطع او نطمئن
بسلامة هذا الاسناد وقطعيته. فان تقديم اي تعريف او تقييم او صورة او فهم عن الاسلام واحكامه انما هو اسناد الى الله تعالى ورسوله، ولا يصح مثل هذا الاسناد الا من خلال ادلة علمية تفيد القطع واليقين ((120)). ولا يكفي ان يكون الدليل ظنيا حتى لو اعتبره الشارع؛ فان هذاالاعتبار انما ينفع في مجال الاحكام الشرعية وليس في مجال المعارف والعقائد الدينية. ولابد لهذا الاجمال من تفصيل وشرح، وهذا التفصيل وان كان يخرجنا عما نحن بصدده من هذه الدراسة، الا انه يضع يدنا على قاعدة علمية شريفة في منهج التعامل مع الروايات والاحاديث غير القطعية في مجال المعرفة والعقائد. معيار الحجية في الروايات في حقلي «المعرفة» و «الحكم»: ونقصد بـ«الحكم»: جميع الاحكام الشرعية التكليفية،
كالامر بالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والانفاق، او
الاحكام الوضعية، كالزواج، والطلاق، والملكية، والشرط،
والمانع، وامثال ذلك. هذان حقلان اثنان في الثقافة الدينية؛ الحقل الاول يتعلق
بالاعتقاد والمعرفة، والحقل الثاني يتعلق بالحكم والتكليف،
والاسلام «معرفة» و «حكم». ففي حقل «المعرفة والعقيدة» لابد من العلم والقطع، وهو
يحصل اما من الدليل القطعي، كالايمان بالله، والتوحيد،
والايمان بالرسالة، والمعاد، والحسن والقبح العقليين. او الدليل النقلي القطعي، مثل: معرفة الصراط، والميزان، وتطاير الكتب، والمعاد الجسماني، وصيانة القرآن من التحريف، ونظر الاسلام في المراة، ونظره في الزهد والدنيا والعلاقة بين الدنيا والآخرة، وامثال ذلك. او الدليل العقلي والنقلي معا، كالامر بين الامرين، والقضاء والقدر، والبداء، وامثال ذلك. ولا تحصل المعرفة والاعتقاد بالدليل النقلي غير القطعي حتى لو اعتبره الشارع، مثل:
«خبر الثقة الواحد» او «البينة»؛ وذلك ان اعتبار الشارع له لا يورث الانسان علما
وعقيدة وقطعا
((121)). والمطلوب في المسائل الاعتقادية والمعرفية العلم
الحاصل بالدليل القطعي، سواء كان الدليل دليلا عقليا او دليلا
نقليا. والدليل الشرعي النقلي يفيد العلم والقطع اذا كان قرآنا، او كان حديثا متواترا، او محفوفا بقرائن تشهد على صحته. واما الحقل الآخر وهو «الحكم» فيكفي فيه الدليل العقلي والدليل القطعي، او الدليل النقلي غير القطعي اذا كان مما اعتبره الشارع، مثل خبر الثقة الواحد، فهو لا يورث - غالبا - قطعا للمكلف، ولكن الشارع اعتبره وجعله حجة على المكلف، ومثل البينة الشرعية، وما يشبه ذلك. واعتبار الشارع له يجعله حجة على المكلف، دون القسم الاول؛ وذلك ان المطلوب في المعارف والعقائد الدينية هو الايمان بما هو واقع من التوحيد والرسالة والوحي والصراط والميزان. ولا نعرف معنى للتعبد الشرعي في مسائل من مثل: القضاء والقدر، والامر بين الامرين، والتوحيد، والرسالة، والمعاد. وحتى لو كانت المسالة من القضايا التي لا تعرف الا من ناحية الوحي كالصراط والميزان وتطاير الكتب الا انه لابد ان يكون الدليل النقلي الكاشف عن ثبوت هذه الحقائق بالوحي دليلا نقليا قطعيا، ولا يكفي الدليل الظني حتى لو كان الشارع قد اعتبره؛لان المطلوب هو الواقع الذي يلزمنا الشارع بالاعتقاد والالتزام به، وهذا الواقع لا يحصل الا بالدليل النقلي القطعي، مثل: الكتاب، والخبر المتواتر، والمحفوف بالقرائن التي تورث القطع. لان اعتبار الشارع للدليل انما يصح فيما يكون بيد الشارع رفعا ووضعا، وهو حقل الاحكام التكليفية والوضعية التي يختص الشارع بها رفعا ووضعا، فيمكن ان يتعبدنا الشارع بطهارة ما يكون نجسا في الواقع، او ملكية انسان لشيء - بموجب قاعدة اليد - حتى لو لم يكن ملكا له. فان هذه الاحكام الوضعية - من قبيل الطهارة والنجاسة والملكية - وكذلك الاحكام التكليفية امرها بيد الشارع رفعا ووضعا،فيصح للشارع ان يلزمنا بقبول الدليل الظني في امثال هذه المسائل، فيما يكون امر وضعه ورفعه بيده. اما مسائل المعرفة والعقيدة فلا تكفي فيها الادلة الظنية حتى المعتبرة منها؛ وذلك ان الدليل الظني لا يورث القطع بواقعية المسائل الاعتقادية والمعرفية وحقانيتها حتى لو كان الدليل النقلي معتبرا شرعا؛ فان اعتبار الدليل غير القطعي في الشريعة انما هو للعمل وليس للعلم والاعتقاد. يقول السيد الطباطبائي في تفسيره «الميزان»: «والذي استقر عليه النظر اليوم في المسالة: ان الخبر ان كان متواترا او محفوفابقرينة قطعية، فلا ريب في حجيتها، واما غير ذلك فلا حجية فيه الا الاخبار الواردة في الاحكام الشرعية الفرعية اذا كان الخبرموثوق الصدور بالظن النوعي، فان لها حجية؛ وذلك ان الحجية الشرعية من الاعتبارات العقلائية، فتتبع وجود اثر شرعي في المورد يقبل الجعل والاعتبار الشرعي. والقضايا التاريخية والامور الاعتقادية لا معنى لجعل الحجية فيها؛ لعدم اثر شرعي، ولا معنى لحكم الشارع بكون غير العلم علما، وتعبيد الناس بذلك»((122)). ويقول المحقق النائيني - كما في تقرير تلميذه المحقق الكاظمي(رحمه الله) -: «لا عبرة بالظن في باب الاصول والعقائد؛ فانه لابدفيها من تحصيل العلم. وفي الموارد التي انسد فيها باب العلم يمكن الالتزام وعقد القلب بها على سبيل الاجمال؛ بمعنى انه يلتزم بالواقعيات على ما هي عليها»((123)). وعليه، فاننا بازاء الروايات الواردة في المعرفة والعقيدة عن
المعصومين(ع) نواجه ثلاث حالات: الحالة الاولى: الادلة التي تورث القطع واليقين بمؤادها، من
قبيل الادلة الواردة بخصوص القضاء والقدر، والامر بين
الامرين، والصراط، والميزان، والشفاعة، والبرزخ، وعذاب
القبر، وصيانة القرآن من التحريف، وامثال ذلك. الحالة الثانية: الادلة غير القطعية التي تتنافى مع ثوابت
الكتاب والسنة، فانها باطلة وزخرف. وقد ورد في احاديث اهل
البيت(ع)تاكيد بليغ على ذلك، مثل قولهم: «ما خالف قول
ربنا لم نقله»، او: «فاضرب به عرض الجدار»، او: «انه زخرف
من القول». الحالة الثالثة: الاحاديث غير القطعية التي لا تفيد علما ولم
تثبت مخالفتها القطعية لثوابت الكتاب والسنة، فيحال علمها
الى اهلها، ونتوقف عندها، فلا نثبت بها معرفة وعقيدة، ولا
تصورا عن دين الله، ولا ننسبه الى الاسلام، ولا نرفضه ونرده
في الحال،ما لم تثبت لنا مخالفته لما عرفنا من كتاب الله
وسنة رسول الله(ص). فان ما ننسبه الى الاسلام من التصورات والمعارف والعقائد انما ننسبه الى الله ورسوله، ولا تجوز هذه النسبة في دين الله الا مع العلم واليقين طبق الضوابط العلمية، يقول تعالى: (قل ءالله اءذن لكم أم على الله تفترون). ولو ان العلماء والباحثين كانوا يعملون طبقا لهذه القاعدة في نسبة الافكار والتصورات والمعارف الى دين الله، لسلم دين الله من كثير من الخلط والتشويش، وبقي نقيا صافيا كما جاء به رسول الله(ص) من عند الله تعالى. ولو ان الباحثين في العقائد والافكار والتصورات كانوا يلتزمون ببعض الضبط والدقة كما يلتزم بهما الفقهاء في معرفة احكام الله، لسلم هذا الدين من كثير مما دخله من التشويش والتشويه، كما سلم الفقه عندنا. العرض على الكتاب والسنة: وقد وردت في ذلك طائفة من الروايات تؤكد هذه المنهجية
العلمية في تمييز الصحيح من غيره. ولابد من ان نضيف: ان
مهمة عرض الروايات على الكتاب والسنة عمل تخصصي لا
يتاتى الا لاصحاب التخصص من الفقهاء، كالدراسة السندية
للرواية. قيمة المراة وموقعها في الكتاب والسنة: ان نظرة واحدة الى هذه النصوص الاسلامية من الكتاب والسنة
تمكننا من تمييز ما صح وما لا يصح من الروايات الواردة
في موقع المراة وقيمتها في الاسلام ((124)). نظرة في احاديث نقصان عقل المراة: وقد وجهه بعضهم: بان هذه المقولة وردت في خطاب لامير
المؤمنين (ع) بعد معركة الجمل. ولكن خصوصية المورد لا تخصص عموم الحكم الوارد في قوله(ع): «ايها الناس، ان النساء
نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول»((125)). واول ملاحظة تلفت النظر في هذا النص تفسير «النقص العقلي» بـ«نقص الذاكرة»، وهو امر يستوقف الانسان. واليك النص كما ورد في نهج البلاغة: «واما نقصان عقولهن فشهادة امراتين كشهادة الرجل الواحد»((126)). وقد ورد حكم شهادة المراة في القرآن، فلنرجع الى الآية (282) من سورة البقرة لنعرف ما هو التفسير القرآني لاعتبار شهادة المراة نصف شهادة الرجل؟ واليك الآية: (... واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامراتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى...). والمقصود بالضلال في قوله تعالى: (ان تضل احداهما): النسيان، من غير خلاف يذكر بين المفسرين((217)). اذا، العقل في هذا النص بمعنى الذاكرة، وبين العقل والذاكرة فرق، فما معنى هذا النص؟ ان توضيح هذا النص يحتاج الى تامل وتوقف، وليس من الصحيح ان نسرع الى القول بان هذا النص يتضمن حكما بنقصان عقل المراة بالنسبة الى الرجل؛ فان النص بنفسه يشهد بان المقصود من العقل شيء آخر غير ما نفهمه اليوم نحن من «العقل». ان العقل هنا بمعنى التذكر والقدرة على التدبير والادارة (
العقلي العملي )، وهذه المقدرة والكفاءة اكتسابية تحصل
نتيجة الممارسة واكتساب الخبرة، وهو امر آخر غير العقل
النظري الموهوب من عند الله والذي يتفاضل به الناس بعضهم
على بعض. ولنوضح ذلك ببعض الامثلة: ان الطبيب ينتبه الى الاخطار الصحية التي تهدد الانسان
بصورة مبكرة افضل من الفلاح، والفلاح ينتبه الى الاخطار
التي تهدد الزرع من الفات النباتية والامطار والرياح والثلوج
اكثر من الطبيب. والتاجر ينتبه الى حركة الاسعار في السوق، ويميز منها الحركة
الصاعدة عن النازلة وعن الحالة السوقية المتذبذبة غير
القابلة للاعتماد، ويعرف متى يشتري البضاعة ويخزنها، ومتى
يبيعها ويصرفها، ومن اين يشتري واين يبيع، ومتى يشتري
ومتى يبيع، اكثر من الطبيب والفلاح. وهذا عقل لا يملكه الطبيب ولا الفلاح، بل يكتسبه التاجر في
السوق كما يكتسبه الفلاح في المزرعة والطبيب في العيادة؛
وذلك نتيجة اكتساب الخبرة والتجربة والممارسة الطويلة في
المضمار الذي يعمل فيه، وهو ما يسمى بعقل التجربة الذي
يكون في مقابل العقل النظري الموهوب، يقول الامام علي (ع) : «العقل عقلان: عقل
الطبع وعقل التجربة، وكلاهما يؤدي الى المنفعة»((218)). وروي عن ابي عبد الله الصادق (ع): «التجارة تزيد في العقل» وعنه (ع) ايضا: «ترك
التجارة ينقص العقل» ((129)). وعن فضيل قال: شهدت معاذ بن كثير قال لابي عبد الله (ع): اني قد ايسرت، فادع التجارة ؟ فقال: «انك ان فعلت قل عقلك» ((130)). وفي رواية اخرى: «لا تتركها ( اي التجارة )، فان تركها مذهبة للعقل» ((131)). وكذلك لكل مهنة وحرفة عقل يخصها، فهناك العقل السوقي
والتجاري، والعقل الزراعي، والعقل المحاماتي والقضائي
،والعقل البوليسي والامني، والعقل الجامعي. وقد ورد في الحديث: «العلم يزيد العاقل عقلا» ((132)). والمراد من العقل في كلام الامام (ع) هو عقل التدبير والخبرة
والتجربة، وهو شيء آخر غير ما نفهمه اليوم نحن من هذه
الكلمة. والآن نستطيع ان نفهم علاقة «العقل» بـ«الذاكرة» في النص
المتقدم من الكلام المروي في نهج البلاغة عن الامام (ع). ان الذاكرة جزء من الخبرة العقلية المكتسبة للانسان، فتختلف ذاكرة الناس من حيث اختلاف اهتماماتهم واختصاصاتهم ،فتتركز ذاكرة الفقيه في الادلة والاقوال والمسائل الفقهية، وتتركز ذاكرة الطبيب في عناوين الادوية واعراض الامراض، وتتركز ذاكرة الاداريين في الشؤون الادارية واسماء الموظفين والوحدات الادارية.. وهكذا. والآن ندخل الى صلب الموضوع: ان المراة بطبيعة تكوينها الانثوي تهتم بشؤون الاسرة الداخلية اكثر مما تهتم بشؤون التجارة والسوق والزراعة والقتال والشؤون السياسية خارج الاسرة. وليس لاحد ان يشك في هذه الحقيقة، ولسنا بصدد ان نقول ان مشاركة المراة في الاعمال السياسية والادارية والامنية صحيح او غير صحيح؛ فان التاريخ الحضاري للانسان يسجل هذه الحقيقة في كل ادوار تاريخ المراة، حتى في حياتنا المعاصرة نجد هذه الحقيقة ضمن دراسة احصائية مقارنة لحضور المراة والرجل في السوق والسياسة والمزرعة والمصنع والقتال والاسرة، نجد ان اهتمام المراة بالاسرة والبيت اوسع من الرجال، واهتمام الرجال بالسوق والمزرعة والسياسة والقتال اوسع من النساء. وليس هذا الاختلاف الواضح في الدور الوظيفي للمراة عن
الرجل حصل عفوا واعتباطا، وانما هو نابع عن الاختلاف
الواضح في تكوين كل من الرجل والمراة. وهذا الاختلاف
التكويني للجنسين ينعكس على ادوارهما في الحياة
الاجتماعية، وعلى اهتماماتهما، فتختلف - بطبيعة الحال
- اهتمامات المراة عن اهتمامات الرجل، ودور المراة عن دور
الرجل. وهذا الاختلاف هو الذي يجعل ذاكرة الرجل وانتباهه للمسائل
الجنائية - مثلا - اقوى من انتباه المراة وذاكرتها؛ ولذلك جعل
اللهتعالى شهادة الرجل تساوي شهادة امراتين، وهذا حكم عام؛ فقد تكون ذاكرة امراة قاضية او محامية او مسؤولة امنية
اقوى من ذاكرة فلاح او طبيب في الشؤون الجنائية، ولا ريب
في هذه الحقيقة بقدر الموجبة الجزئية، الا ان التشريع يستند
دائما الى الحالات العامة لا الحالات الاستثنائية الموضعية. وكما يصح الامر في الذاكرة والاستذكار والانتباه، يصح كذلك
في عقل التدبير، سواء كان التدبير تدبيرا سوقيا او سياسيا
اوعسكريا او اداريا؛ فان الرجل اقوى على التدبير في السوق
والسياسة والقتال؛ لطبيعة تكوينه التي تنعكس على ادائه
ودوره في الحياة، واهتمامه بشكل عام. ولا ينافي ذلك
الاستثناءات الحاصلة هنا وهناك بالنسبة الى بعض النساء - في
السابق والحاضرممن مارسن ادوارا سياسية وعسكرية واسعة،
مثل: جرة الدر، وملكة تدمر، وست الملك ملكة مصر،
وفاطمة الشريفة ملكة اليمن، وشاندبي بي ملكة الهند،
والرئيسات في عصرنا..فان هذا كله حق، ولكن من الحق ايضا
ان هذه الحالات لا تشكل قاعدة، والقاعدة هي ما ذكرنا،
ومناقشة هذا الحكم العام والتشكيك فيه من المغالطة التي لا
توصل صاحبها الى فهم صحيح وواضح لهذه المسالة،
والاختلاف الواضح في الساحة السياسية والاقتصادية
والعسكرية والادارية لحضور الرجل والمراة يكشف
عن الاختلاف في تكوين الجنسين. وليس معنى ذلك ان المراة اقل عقلا واقل كفاءة في العلم
والمعرفة من الرجل. وليس معنى الآية المتقدمة من سورة البقرة انه لو افترض تكافؤ
الرجل والمراة في تخصص ما - كالرياضيات مثلا - واختلفا
في مسالة من المسائل فنقدم راي الرجل على المراة، او نجعل
راي الرجل مقابل راي امراتين. اذا، المقصود بنقصان العقل في هذه الروايات النقص الحاصل في التدبير والتجربة والخبرة في الحقول الادارية والاجتماعية والسياسية والجنائية؛ نتيجة انصراف المراة الى الشطر الخر من الحياة، وهو رعاية الاسرة وتحصينها والمحافظة على كيانها، وانصراف الشطر الاكبر من اهتمام المراة الى هذا الحقل الكبير الواسع والحساس الذي خصها الله تعالى برعايته والاهتمام به اكثر من الرجال. نظرة في حديث الترغيب عن مشاورة النساء: ولكن في كنز العمال وردت العبارة مع زيادة «الا من جربت بكمال»((134))، وفي بعض المتون:
«الا من جربت بكمال عقل»((135)). وقد ورد مثل ذلك في استشارة الرجال كما في استشارة النساء عن رسول الله (ص): «استرشدوا العاقل»((136)). وعن علي(ع): «شاور ذوي العقول» ((137)). وعنه(ع): «خير من شاورت: ذوو النهى والعلم واولو التجارب»((138)). وقد استشار رسول الله (ص) ام سلمة في صلح الحديبية، فاشارت عليه، فعمل رسول الله (ص) بمشورتها((139)). وكان رسول الله (ص) يستشير نساءه في زواج بناته((140)). اذا، فليس هنالك ترغيب عن مشاورة النساء بشكل عام، كما ليس هنالك ترغيب في مشاورة الرجال بشكل عام، وانما المسالة هي الترغيب في مشاركة ذوي العقول والتجربة والصدق، ولا يختلف الامر في الرجال والنساء في هذه النقطة. وقد عرفنا شواهد من سيرة رسول الله (ص) في استشارته لزوجاته. على ان هذه الكلمة وردت في نهج البلاغة مرسلة، وفي غيره
وردت بسند ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه. والحمد الله رب العالمين بطاقات الائتمان (الاقراض) الاستاذ الشيخ حسن الجواهري تعريف بطاقة الائتمان: هي عبارة عن بطاقة يصدرها بنك او مؤسسة يجعل صاحبها
متمكنا من الحصول على السلع او الخدمات من دون دفع
مال مباشر، ويكون تسديد اثمان هذه الخدمات: اما بسحب ثمنها من رصيده في البنك او المؤسسة ان كان له رصيد هناك. او بقرض يدفعه مصدر البطاقة لحاملها ويدفعه المصدر الى بائع السلع او الخدمات، ثم يقوم بتسديده حامل البطاقة في مدة معينة. وفي حالة اخلاله بالتسديد في المدة المعينة تحسب عليه فوائد تاخير، وفي حالة اختيار حامل البطاقة تسديد دينه على شكل اقساط فتحسب عليه فوائد ايضا. ويحسم مصدر البطاقة عمولة من ثمن السلع او الخدمات قبل ان يضع الثمن في حساب التاجر في جميع الصور المتقدمة. ومن هذا التعريف للبطاقة الائتمانية (الاقراضية) يتضح: 1- ان المحرم من هذه الصور هو ما كان فيه ربا كما في حالة
تاخير حامل البطاقة عن التسديد في الوقت المحدد وكذا في
حالة اختياره من اول الامر التسديد على شكل اقساط ربوية
للدائن الذي هو مصدر البطاقة ((141)). 2- ان العمولة التي ياخذها مصدر البطاقة من التاجر تكون في
مقابل الخدمات التي يقدمها مصدر البطاقة، مثل ايجاد
عملاء جيدين للتاجر، فهي اجرة سمسرة يستحقها مصدر
البطاقة، او تكون اجرة على وكالة قبض استحقاق قيمة
المبيعات للتاجر ووضعها في حسابه، وارجاع قيمة البضائع
المعادة وخصمها من حسابه عند تبين ان البضاعة غير مرغوبة
او ان السندات غيرصحيحة، او تكون اجرة على الامرين معا من
تقديم خدمات واجرة على الوكالة. 3- ثم ان الصور المحرمة في بطاقات الائتمان (الاقراض) لو اقدم عليها المكلف، فهو وان كان قد اقترف اثما الا ان المعاملات التي قامت بهذه البطاقة هل تكون باطلة؟ اختلف الفقهاء في ذلك: وقد اختلف علماء الامامية ايضا على قولين، والصحيح هو: ان
الشرط الربوي في عقد بطاقة الائتمان هو شرط فاسد؛
للنهي عنه، الا انه لا يخل بشرائط العقد، فاذا كانت شرائط
العقد في بطاقة الائتمان متوفرة فالعقد صحيح، الا ان الشرط
الربوي فاسدومنهي عنه، وهو لا يؤثر على صحة العقد في
بطاقة الائتمان. ومما يمكن ان يكون دليلا ايضا على صحة العقد مع بطلان الشرط للزيادة الربوية فقط: صحيحة ابان عن محمد بن مسلم عن الامام الباقر (ع)، اذ سئل عن الرجل يكون عليه دين الى اجل مسمى، فياتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا وكذا؛ اضع لك بقيته، او يقول: انقدني بعضا وامد لك في الاجل فيما بقي؟ فقال الامام (ع): «لا ارى به باسا ما لم يزد على راس ماله شيئا؛يقول الله عز وجل: (فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)» ((144)). فالامام (ع) لا يرى به باسا ما لم يزد على راس ماله شيئا، فكان الزيادة على راس المال هي التي يكون فيها الباس. اقول: والسؤال هنا: هل هذه العلاقات الثلاثة مترابطة او مستقلة ؟
اختلف الفقه الوضعي في ذلك، فذهب القانون الانجليزي الى
ان هذه الاتفاقات الثلاثة هي عبارة عن عقود ثلاثة منفصلة
لدى استعمال البطاقة، كل واحد من الاطراف الثلاثة طرف في
عقدين من العقود الثلاث ولا يكون طرفا في العقد الثالث. وذهب القانون الامريكي الى كون هذه العلاقات الثلاثة تعد عقدا
واحدا يتكون من ثلاثة اطراف؛ فان الشخص الذي يكون طرفا
رئيسيافي معاملة مالية يكون وكيلا لطرف آخر في نفس تلك
المعاملة، فالبنك الذي عقد عقدا مع حامل البطاقة وعقد عقدا
مع التاجر يكون وكيلا عن حامل البطاقة وعن التاجر في
المعاملة الثالثة التي تقع بين حامل البطاقة والتاجر، فليست
العلاقات الثلاث منفصلة عن بعضها، وهكذا الاطراف الاخرى. اقول: ان هذه العقود الثلاثة لما كانت غايتها واحدة وهي
حصول المعاملة في الخارج واستفادة حامل البطاقة
والتاجروالمصدر فهي دليل على ان العقود الثلاثة مترابطة، لا
يمكن الفصل بينها بايجاد بيع بالبطاقة من دون قرض ومن
دون فائدة للتاجر ولمصدر البطاقة. وعلى كل حال، لابد لنا من دراسة هذه العقود الثلاثة في الفقه
الاسلامي في صورتين:
|