الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

محمد بن يعقوب الكليني، عن اسحاق بن يعقوب قال: سالت محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) ان يوصل لي كتابا قد سالت فيه عن مسائل قد اشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (ع):

«اما ما سالت عنه ـ ارشدك الله وثبتك ـ من امر المنكرين لي من اهل بيتنا وبني عمنا: فاعلم انه ليس بين الله غ وبين احد قرابة، ومن انكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح.

اما سبيل عمي جعفر وولده: فسبيل اخوة يوسف (ع).

اما الفقاع: فشربه حرام، ولا باس بالشلماب.

واما اموالكم: فلا نقبلها الا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع؛ فما آتاني الله خير مما آتاكم.

واما ظهور الفرج: فانه الى الله تعالى ذكره وكذب الوقاتون.

واما قول من زعم ان الحسين (ع) لم يقتل: فكفر وتكذيب وضلال.

واما الحوادث الواقعة: فارجعوا فيها الى رواة حديثنا؛ فانهم حجتي عليكم، وانا حجة الله عليهم.

واما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن ابيه من قبل -: فانه ثقتي، وكتابه كتابي.

واما محمد بن علي بن مهزيار الاهوازي: فسيصلح الله له قلبه ويزيل عنه شكه.

واما ما وصلتنا به: فلا قبول عندنا الا لما طاب وطهر. وثمن المغنية حرام.

واما محمد بن شاذان بن نعيم: فهو من شيعتنا اهل البيت.

واما ابو الخطاب محمد بن ابي زينب الاجدع: فملعون، واصحابه ملعونون، فلا تجالس اهل مقالتهم؛ فاني منهم بريء وآبائي(ع) منهم براء.

واما المتلبسون باموالنا: فمن استحل منها شيئا فاكله فانما ياكل النيران.

واما الخمس: فقد ابيح لشيعتنا، وجعلوا منه في حل الى وقت ظهور امرنا؛ لتطيب ولادتهم ولا تخبث.

واما ندامة قوم قد شكوا في دين الله غ على ما وصلونا به: فقد اقلنا من استقال، ولا حاجة في صلة الشاكين.

واما علة ما وقع من الغيبة: فان الله غ يقول: (يا اءيها الذين آمنوا لا تسالوا عن اءشياء ان تبد لكم تسؤكم) ((156)). انه لم يكن لاحد من آبائي الا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، واني اخرج حين اخرج ولا بيعة لاحد من الطواغيت في عنقي.

واما وجه الانتفاع بي في غيبتي: فكالانتفاع بالشمس اذا غيبتها عن الابصار السحاب، واني لامان لاهل الارض كما ان النجوم امان لاهل السماء.

فاغلقوا ابواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم، واكثروا الدعاء بتعجيل الفرج؛ فان ذلك فرجكم، والسلام عليكم يا اسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى».((157))

4 ـ اسناد التوقيع:
للتوقيع طريقان الى محمد بن يعقوب الكليني مؤلف الكافي: الطريق الاول ذكره الشيخ الصدوق في كتابه كمال الدين وتمام النعمة، حيث كتب يقول:
«حدثنا محمد بن محمد بن عصام الكليني قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني، عن اسحاق بن يعقوب قال...».

اما الطريق الثاني، فقد ذكره الشيخ الطوسي في كتابه الغيبة قائلا: «اخبرني جماعة، عن ابي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه وابي غالب الزراري (وغيرهما)، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن اسحاق بن يعقوب...»((158)).

وبالتالي، فان محل الاختلاف في هذين الطريقين هو ما قبل الكليني محمد بن يعقوب؛ حيث ان من حدث عن الكليني في طريق الشيخ الصدوق هو محمد بن محمد بن عصام الكليني، اما من حدث عنه في طريق الشيخ الطوسي فهم: جعفر بن محمد بن قولويه وابو غالب الزراري وغيرهما، الى جماعة، الى الشيخ الطوسي.

5- البحث الفقهي حول التوقيع:
يتركز البحث الفقهي حول التوقيع على امرين: الاول هو البحث السندي؛ لندرس سند التوقيع بحسب الموازين والقواعدالرجالية؛ لمعرفة وثاقة السند ومدى ثبوته وجواز الاعتماد عليه. والثاني هو البحث الدلالي؛ لنرى ما هي دلالة التوقيع الشريف؟ وما الذي يفهم منه؟

أ ـ البحث السندي:
كما ذكرنا، فان الاعتماد على نص التوقيع الشريف يتوقف على ملاحظته سنديا، وذلك من خلال البحث في جميع المعطيات التاريخية التي تحيط بزمن صدور النص ورجاله وما تختزنه من قرائن قد تصل الى مستوى انها تزرع في انفسنا وثوقا بصدورالنص؛ اي ان تراكم تلك القرائن نوعا وكما يكون لدينا وثوقا بصدور النص من الامام المعصوم(ع).

ان الوثوق يمكن ان يتعلق برجال الرواية كما يمكن ان يتعلق بالصدور، وذلك اذا ما وصلنا الى الاطمئنان بان نصا ما في بنيته ومضمونه لا يمكن عادة صدوره الا من المعصوم (ع)، او من خلال المعطيات التي رافقت صدور النص وما يرتبط منها بروايته، وهذا الاخير اي ملاحظة المعطيات والظروف التاريخية يتطلب تنقيبا بمستوى يمكن له ان يكتشف تلك القرائن المكونة للوثوق، وهذا ما يحتاج الى ترتيب جملة من المقدمات التي لابد من الاشارة اليها:

المقدمة الاولى: ان الكليني قد كان على درجة عالية من التثبت، وكان يتحرى الدقة فيما يرويه من روايات اهل البيت (ع)، حتى انه لم يذكر في الكافي الا ما آمن بصحته عن الصادقين(ع).

المقدمة الثانية: ان رواية اهل البيت قد كانت ضالته، ولذلك طاف البلاد وبقي عشرات السنين يبحث عنها ولا يخفى شدة حرصه في طلب روايتهم.

المقدمة الثالثة: انه كان قادرا على معرفة حال التوقيع ومدى صحة انتسابه الى الامام الحجة (ع)، وذلك اما من خلال معاينته للتوقيع، واما من خلال معرفته بحال اسحاق بن يعقوب، او تحريه منه عن كيفية حصوله عليه، وما سوى ذلك من طرق.

المقدمة الرابعة: ان حدث التوقيع يقتضي من الكليني اهتماما خاصا؛ لما يتضمنه التوقيع من مسائل ومطالب مهمة، ولكونه نصا صادرا من المعصوم (ع) في غيبته.

المقدمة الخامسة: ان الكليني قد حدث بالتوقيع ولم يهمله؛ فلو عرف الكليني زيف تلك الدعوة لاهمل التوقيع ((159)).

والنتيجة التي تستفاد من هذه المقدمات هي: ان الكليني لما كان قادرا على معرفة حال التوقيع ومع ذلك اقدم على التحديث به،فيكشف ذلك عن ان الكليني كان مطلعا على صدور التوقيع، والا لما حدث به ورواه، وهذا يجعلنا نطمئن بصدور التوقيع؛ لانه من المستبعد جدا ان يقدم الكليني على روايته من دون التحقق منه، وهذا التحقق: اما ان يوصله الى زيف دعوى صدور التوقيع فلا يقدم على التحديث به، او يوصله الى كونه صادرا من المعصوم (ع) وبالتالي سوف يقدم على روايته، وهذا ما حصل فعلامن الكليني.

بل اذا اردنا ان نجمل الطرق التي تساعدنا على الوصول الى ذاك الاطمئنان بصدور ذلك التوقيع مع الاختلاف في مستوى مايساهم كل منها في ذاك الاطمئنان، فيمكن ان نعدد كلا من الطرق التالية:

1- اقدام الكليني على التحديث به:
وهذا ما بيناه اعتمادا على المقدمات التي ذكرناها والتي توصلنا الى تلك النتيجة السابقة؛ من ان مجرد اقدام الكليني على التحديث به يبعث على ذلك الاطمئنان، وهو يعود الى معرفتنا بشخصية الكليني العلمية من جهة، ومقدرته على تحري حال الراوي، ودعواه وصول التوقيع اليه من جهة اخرى، الامر الذي يدعونا الى الاعتقاد باقدام الكليني على فحص التوقيع ومايرتبط به.

2- دراسة نص التوقيع:
ان دراسة التوقيع في نصه وبنيته تدعونا الى الايمان بان نصا كهذا في بنيته وفي لغته وفي مسائله التي اشتمل عليها لا يصدرالا من الامام المعصوم (ع)؛ لانه من البعيد جدا على غير المعصوم ان يبدع نصا كهذا في قوته وبنيته ومسائله.
وقد اشار بعض العلماء صريحا الى هذه القضية، فيقول السيد محمود الحسيني الشاهرودي (قدس سره) في كتاب الحج :«وكيف كان، فلا ينبغي الاشكال في اعتبار سنده، لدلالة التوقيع على علو شان اسحاق وسمو رتبته بعد ملاحظة ما في متن التوقيع من شواهد الصدق والصدور» ((1
60)).

3- لا يخفى ان اقدام كبار العلماء على تدوين التوقيع الشريف في كتبهم الروائية يعضد هذا المطلب، وان كان التعويل بشكل اساسي هو على ما ذكرناه آنفا، وما يؤدي اليه من الاطمئنان بصدور التوقيع.

ب ـ البحث الدلالي:
اي فيما يرتبط بدلالة التوقيع الشريف، حيث يستظهر من قوله (ع): «واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا ؛فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليهم»، ان الامام المعصوم (ع) قد جعل الفقيه حجة له على الناس، وهذه الحجية المجعولة ليست مقيدة في الاطار الفتوائي والا لنص الامام على ذلك، بل هي تشمل الجانب الفتوائي وما عداه من امور ترتبط بالولاية العامة؛ اذ ان اطلاق الحجية وعدم تقييدها يستفاد منه مطلق ما كان للامام الحجية فيه على الناس الا ما خرج بدليل، او علمنا انه من مختصات الامام على اساس ارتباطه بصفة العصمة التي تختص بالامام المعصوم (ع)، فهذه الامور ليست مشمولة في الحجية المعطاة للولي الفقيه.

ان المقابلة ما بين الحجية الثابتة للفقيه والحجية التي هي للامام المعصوم (ع) يفهم منها تلك الدائرة الواسعة من الحجية، وخصوصا اذا نظرنا الى ظرف صدور النص من حيث هو ظرف غيبة الامام المعصوم (ع).

6 ـ الاشكالات المطروحة على التوقيع:
وجهت اشكالات عدة الى الاستدلال بالتوقيع الشريف، وقد تناولت هذه الاشكالات الجانب السندي كما تناولت الجانب الدلالي،وان كان معظمها متركزا على الجانب السندي لجهة كون اسحاق بن يعقوب مجهولا، ما يؤدي بالتالي الى سقوط التوقيع عن الحجية؛ ولذا كان لابد من تعرف تلك الاشكالات مبتدئين بالسندية منها :

أ ـ الاشكالات السندية:
ان المشترك الذي يحتاج الى البحث في طريقي الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي هو اسحاق بن يعقوب؛ لانه وان كان طريق الشيخ الصدوق يحتاج الى البحث فيما يرتبط بمحمد بن محمد بن عصام الكليني، لكنه يمكن لنا ان نعفي انفسنا من هذا البحث؛لان طريق الشيخ الطوسي الى محمد بن يعقوب الكليني في غاية الاعتبار، فتبقى ضرورة البحث في السند من جهة اسحاق بن يعقوب.

وهذه جملة من الاشكالات التي لابد من التطرق اليها في بحثنا هذا:

الاشكال الاول: ان الكليني لم يتناول ذكر التوقيع الشريف في كتابه الكافي، وهو ما يدل على انه لم يكن معتبرا في نظره؛ اذ لوكان ينظر اليه بعين الاعتبار لذكره في كتابه الذي ذكر فيه ما كان من «الثار الصحيحة عن الصادقين (ع) والسنن القائمة التي عليها العمل».

اما القول: بان عدم ذكره له انما هو بسبب التقية، فهو خلاف التحقيق؛ لان بقية التوقيعات قد نقلت في مختلف الكتب الشيعية، والتوقيع الشريف نفسه نقل في العديد من الكتب المذكورة.

والجواب:
أولا: ان ما قيل من ان عدم ذكر الكليني له في الكافي ليس من باب التقية؛ حيث انه ذكر هذا التوقيع (وغيره) في بقية الكتب،كما في كتاب الشيخ الصدوق «كمال الدين» وكتاب الشيخ الطوسي «الغيبة» هو خلاف التحقيق؛ لانه عندما نتحدث عن التقية فربما تصدق التقية في عصر ما لشخص ما ولا تصدق لشخص آخر في ظرف آخر، فقياس عصر الشيخ الكليني على عصرالشيخ الصدوق وعلى عصر الشيخ الطوسي غير دقيق.

ثانيا: ان عصر الشيخ الكليني هو عصر الغيبة الصغرى، حيث كان الاتصال بالامام المهدي (ع) يتم من خلال سفرائه، وكان هؤلاء السفراء هم الطريق الموصل الى الامام، اما عصر الشيخ الصدوق وكان معاصرا للشيخ المفيد (رحمه الله) فهو متزامن تقريبا مع بدايات الغيبة الكبرى، حيث انتهت السفارة وتوفي جميع السفراء، مما يعني ان تلك الابواب الموصلة الى الامام المهدي (ع) لم تعد موجودة.
وان الحساسية السياسية الملازمة لقضية الامام المهدي (ع) قد توفرت ظروف تراجعها، فضلا عن ان الظروف السياسية والاجتماعية التي استجدت في عصر الصدوق قد اختلفت الى حد بعيد عن الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت في عصر الكليني، هذا في عصر الشيخ الصدوق (المتوفى 381 هـ)، ومن باب اولى ان يكون عصر الشيخ الطوسي (المتوفى 460 هـ) اقل حساسية وخطورة فيما يرتبط بقضية المهدوية والاتصال بالامام المهدي (ع).

ثالثا: ان ذكر التوقيع في كتاب الكافي الذي يمكن ان يصل الى كثير من الناس سوف يؤدي في نهاية المطاف الى وصول التوقيع نفسه الى يد السلطة العباسية بحيث يمكن معرفة الطريق الموصل الى الامام المهدي(ع)؛ الا وهو شخص محمد بن عثمان بن سعيد العمري، وهذا ما ينافي الحكمة من غيبة الامام(ع)؛ حيث صرحت روايات عدة انه غاب خوفا على نفسه من القتل.

وان قيل: ان هذا الاحتمال منتف؛ لانه قد كان معلوما للجميع آنذاك ان هؤلاء السفراء هم الابواب الموصلة الى الامام المهدي (ع)وانهم يلتقون به، وبالتالي فان قضية التوقيع لن تقدم ولا تؤخر شيئا في هذا المضمار.

فالجواب: انه وان كان معلوما ان السفراء هم الابواب الى الامام (ع)، لكنه فرق بين ان يبقى هذا الامر مجرد كلام يتداوله الناس وبين ان يصل اثبات فعلي وقطعي بيد السلطة وهو نص التوقيع يفيد ان لقاء قد حصل بين محمد ابن عثمان بن سعيد العمري (رضى الله عنه) وبين الامام المهدي (ع) من اجل قضية اسحاق بن يعقوب؛ اذ اننا نقطع بان السلطة العباسية كانت تطلب الامام اشد الطلب، ويدل على ذلك شواهد تاريخية عدة، وبالتالي فلو ثبت لديها ان احد الاشخاص كمحمد بن عثمان - يلتقي بالامام (ع) ويعرف مكانه وانه يمكن ان يوصلها اليه، فقد كان من الطبيعي ان تقدم على اتخاذ جميع الاجراءات التي يمكن ان توصلها اليه. ومن هذاالباب، فقد كان تصرفا عقلائيا وحكيما من محمد بن يعقوب الكليني الا يروي التوقيع في الكافي تحسبا لما اسلفنا((161)).

رابعا: فضلا عما ذكر، هل يمكن الجزم بان الكليني لم يذكر هذا التوقيع في احدى مدوناته؟ ذلك ان عدم ذكره في الكافي لايعني انه لم يذكره في كتاب آخر له، فلربما يكون قد ذكره في كتاب «رسائل الائمة» او في اي كتاب آخر من سائر كتبه.

والذي يؤكد هذه الحقيقة ان اولئك المصنفين كانوا يتعاملون مع النصوص (الرسائل) الواردة عن الائمة وادراجها في مدونات خاصة تحت عنوان رسائل الائمة وغيره ((162)).

ويمكن ان نضيف الى ما ذكرناه: وجود الفرق بين كتاب الكافي الذي كان مكتوبا ليصل الى عموم الناس، وبالتالي تترتب عليه تلك المحاذير؛ اشبه ما يكون بالرسائل العملية حيث لا يمكن اخفاؤها، وبين كتاب رسائل الائمة الذي يمكن ابعاده عن التداول بين عموم الناس، فلا تترتب عليه تلك المحاذير.

الاشكال الثاني: ان اسحاق بن يعقوب فضلا عن كونه غير موثق لم يكن كثير الرواية؛ ولذا لا يمكن عده من المشاهير؛ اذمجموع ما نقل عنه من الروايات ثلاث روايات، واحدة فقهية وروايتان لم تدرجا في الروايات الفقهية.

الجواب: ان اسحاق بن يعقوب وان لم يكن كثير الرواية لكن جملة امور تدفعنا الى الاطمئنان بصدور التوقيع من الامام المهدي(ع)، وبالتالي وثاقة اسحاق بن يعقوب، ومن تلك الامور :

أولا: ان دعوى اسحاق بن يعقوب هي دعوى مهمة في غاية الاهمية؛ من حيث وصول رسالة موقعة من الامام المهدي (ع) اليه بواسطة السفير الثاني للامام المهدي (ع) محمد بن عثمان بن سعيد العمري، ومن ان تلك الرسالة تتضمن جملة من المسائل المشكلة والمهمة.

ثانيا: لقد كان متيسرا معرفة ما اذا كان اسحاق بن يعقوب يمتلك تلك الرسالة او لا، وما اذا كانت تلك الرسالة بخط الامام او لا،وما اذا كان التوقيع الذي وقعت به الرسالة توقيع الامام او لا، وهو يعني امكان معرفة مدى صدق الدعوى او زيفها.

ثالثا: لقد تضمنت دعوى اسحاق بن يعقوب وصول الرسالة اليه من محمد بن عثمان بن سعيد العمري، وبالتالي كان ممكنامعرفة صحة تلك الدعوى وعدمها من محمد بن عثمان بن سعيد نفسه او من السفراء اللاحقين عليه، على فرض انه ادركته الوفاة قبل وصول التوقيع الى الكليني او قبل وصول الكليني الى بغداد، لكنه لا شك في ان الكليني كان موجودا لفترة من الزمن ليست قليلة اثناء وجود السفراء في بغداد؛ ولذا عرف بالسلسلي البغدادي نسبة الى درب السلسلة في بغداد.

وبالتالي، فالنتيجة هي ان الدوافع الذاتية للبحث في التوقيع الشريف موجودة لدى الكليني، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لقدكان قادرا على معرفة زيف تلك الدعوى وعدمه؛ لما يتمتع به من خبرة علمية في الروايات وخطوطها وبنيتها ودرايتها. ومن جهة ثالثة، فان الظروف الموضوعية كانت مساعدة للكليني على تحري حال الراوي، او تحري حال الرواية، او سؤال السفراء انفسهم.

هذا اذا لم يكن اسحاق بن يعقوب الاخ الاكبر لمحمد بن يعقوب الكليني، كما ذهب الى ذلك العلا مة التستري في كتاب قاموس الرجال؛ حيث ان اسم اب كل منهما يعقوب، كما ان جد محمد بن يعقوب الكليني اسمه اسحاق، ومن عادة الكثيرين تسمية الولد الاكبر باسم الجد، وهو ما يشير الى ان اسحاق بن يعقوب هو الاخ الاكبر لمحمد بن يعقوب. كما ان في النسخة التي لدى العلا مة التستري من كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق يوجد في خاتمة التوقيع عبارة: «والسلام عليك يا اسحاق بن يعقوب الكليني»؛ ما يعني انهما من قرية واحدة هي «كلين».

الاشكال الثالث: ان مجرد نقل الكليني للتوقيع لا يدل على وثاقة اسحاق بن يعقوب؛ لان القول بوثاقته يعتمد على مبنى كون نقل الثقة عن رجل يدل على وثاقته، وهو مبنى غير معتبر ، ولا يمكن الاعتماد عليه.

الجواب: ان ما نذهب اليه هو ان رواية الكليني للتوقيع يستفاد منها ان التوقيع قد صدر من الامام المهدي (ع)؛ وذلك لمجموع النقاط التي ذكرناها آنفا.

ب ـ الاشكالات الدلالية:
توجد جملة من الاشكالات التي طرحت حول دلالة التوقيع الشريف، وفيما يلي نستعرض اهمها :

الاشكال الاول: ان المراد بـ«رواة حديثنا» هم المحدثون الذين يروون الحديث، وليس المراد منهم الفقهاء بالمصطلح المتداول اليوم. وهل يمكن ان نعطي الولاية العامة لراوي الحديث الذي يعتني بالرواية وجمعها وحفظها والتحديث بها؟!

الجواب: ليس المراد براوي الحديث من كان له معرفة بالروايات على نحو حفظها والتحديث بها حتى لو كان ذلك من دون دراية بها وفهم لها وهذا ما ينطبق على المعنى اللغوي لراوي الحديث بل المراد من راوي الحديث معناه الاصطلاحي ؛ وهو المعنى الذي كان يفهم من راوي الحديث آنذاك؛ حيث كان المراد منه ليس مجرد من روى الحديث بل من رواه عن فقه ودراية، وهوالفقيه في مصطلحنا المعاصر.

الاشكال الثاني: ان الالف واللام في قوله (ع): «الحوادث الواقعة» للعهد وليست للاستغراق؛ اي ان المراد حوادث معهودة بين السائل والمجيب، وبالتالي لا يمكن لنا ان نستفيد ان الامام المهدي (ع) قد اعطى الولاية للفقهاء في مطلق الحوادث والقضاياالاجتماعية والسياسية، بل جل ما يمكن القبول به هو اعطاء ولاية ما في تلك الحوادث المعهودة لا اكثر.

الجواب: ان مورد البحث بالنسبة لنا هو جواب الامام (ع)، حيث اطلق الامام تعبير «الحوادث الواقعة» ولم يقيدها بحوادث معينة، وليس في المقام ما يصلح للتقييد، خاصة ان جواب الامام هو جواب كتبي قد يصل الى كثير من القراء معزولا عن اسئلة اسحاق بن يعقوب، فلو اراد الامام حوادث معينة لكان من الحكمة تحديد تلك الحوادث، فضلا عن ان السبب الذي يستدعي الارجاع الى الفقهاء في عصر الغيبة الصغرى موجود ايضا في عصر الغيبة الكبرى، وهو ان جملة من القضايا الاجتماعية والسياسية تتطلب وجود من ترجع الناس اليه فيها، وقد ارجعهم الامام فيها الى رواة الحديث؛ اي الفقهاء.

الاشكال الثالث: قد يتمسك البعض بعموم التعليل الذي يستفاد من قوله (ع): «فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله» ليقول بعموم الولاية المعطاة من الامام للفقيه، لكن القدر المتيقن بمناسبة الحكم والموضوع هو الاحكام الشرعية للحوادث، ومع وجود هذاالقدر المتيقن لا يمكن الذهاب الى عموم الولاية، بل يصبح هذا القدر المتيقن قرينة على انصراف العموم الى ولاية الافتاء،وبالتالي فان التوقيع لا يدل على الولاية العامة.

الجواب: ان القول بوجود تلك المناسبة بين الحكم والموضوع هو قول غير صحيح؛ لان تحديد تلك المناسبة واطرافها يجب ان يتبع ما يفهم من ظاهر التوقيع، ولا يوجد في التوقيع ما يمثل قرينة على صرف ذلك العموم عن عمومه، فوصف الرواة ليس وصفا تقييديا بمعنى الامر بالرجوع الى الرواة في خصوص الروايات، بل هو وصف موضوعي؛ اي ان الامر بالرجوع الى الرواة من ناحية كونهم موضوعا للرجوع، لكن في اية مساحة وفي اي مجال فهو ما يستدعي بيانا زائدا يتكفل ذلك التحديد.

كذلك لا يمكن الاستفادة من تعبير «الحوادث الواقعة» للقول بانها قرينة على كون ذلك الرجوع في خصوص الاحكام الشرعية؛لان نص التوقيع لم يقل بالرجوع في احكام الحوادث، بل ارجع اليها من دون التقييد بجانب معين، وهو ما يفهم منه مطلق الارجاع في تلك الحوادث؛ اي ان التوقيع لم يقل: «ارجعوا في احكام الحوادث»، بل ارجع الى الرواة في اصل تلك الحوادث. يضاف الى ذلك ان الرجوع الى الفقهاء في الاحكام قد كان من الامور الواضحة في المجتمع الشيعي آنذاك، وقد تقدم على التوقيع الوارد الى اسحاق بن يعقوب تلك العبارة التي تفيد انه اراد ان يسال عن جملة من المسائل المشكلة.

وبالتالي، نستطيع القول: انه مع عدم وجود قرينة تفيد اطلاق الحجية بل ان فقه الرواية يقود الى اطلاقها، هذا من جهة. ومن جهة اخرى، لو اخذنا بعين الاعتبار الظروف الموضوعية المحيطة بزمن صدور التوقيع حيث كان الامام (ع) على اعتاب الغيبة من خلال حل مشكلة الفراغ القيادي، فقد كان من الضروري ان يبادر الامام المهدي (ع) الى علاج تلك المشكلة من خلال الارجاع الى الفقهاء في مجمل الامور التي كان يتصدى لها هو بنفسه، وهو ما يشكل قرينة اضافية على ان الارجاع الى الفقهاء لم يكن في خصوص الاحكام الشرعية، بل كان فيما هو اعم من ذلك.

وفي الختام، لابد من القول: ان التوقيع الشريف وان كان محلا لنقاشات كثيرة واشكالات عدة، لكن يمكن دفع تلك الاشكالات بما يقود الى ان التوقيع يدل على تلك الولاية العامة للفقيه في قضايا الاجتماع السياسي وشؤون المجتمع العامة، اما من الناحية السندية فان الاخذ بعين الاعتبار تلك الظروف الموضوعية التي كانت سائدة آنذاك يورث الاطمئنان بصدور التوقيع من الامام المهدي (ع).

دراسات وبحوث

الاجماع في الفكر الشيعي

الاستاذ جعفر الساعدي

 نظرة عامة حول الاجماع :

لابد قبل الدخول في بحث الاجماع من القاء نظرة عامة حول تاريخ الاجماع، والخلاف القائم بين الاصوليين والاخباريين في حجيته، بالاضافة الى دوره في عملية الاستنباط؛ وذلك لما لهذه البحوث من تاثير في تكوين صورة اجمالية حول حقيقة الاجماع تمهيدا للدخول في مسائله الاصلية.

السابقة التاريخية للاجماع:

ان اول اجماع اتخذ دليلا في تاريخ الاسلام هو الاجماع المدعى في سقيفة بني ساعدة التي اجتمع فيها عدد من الصحابة بعد وفاة النبي (ص) مباشرة - وقبل ان يتوجه المسلمون لدفنه - لانتخاب الخليفة الاول، رغم وصايا النبي (ص) المتعددة على خلافة الامام علي (ع) في مناسبات مختلفة واماكن متعددة، والتي كان اهمها وصيته له في واقعة الغدير حين اجتمع عدد كبير من المسلمين، فاستمعوا الى ما قاله النبي (ص) في تعيينه علي بن ابي طالب (ع) وصيا من بعده فبايعوه، وكان من المبايعين ابو بكر وعمر.

لكن تطور الاحداث وتدخل بعض الصحابة والمتخلفين عن جيش اسامة ادى الى تغيير الاوضاع لصالح ابي بكر.

وقد شكل هذا الانتخاب سابقة خطيرة في تاريخ الاسلام لم يسمح بتكررها عمر نفسه، وذلك عندما قال: «قد بلغني ان قائلامنكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ ان يقول: ان بيعة ابي بكر كانت فلتة، الا وانها كانت كذلك، الا وان اللهعزوجل وقى شرها، وليس فيكم اليوم من تقطع اليه الاعناق مثل ابي بكر» ((163)).

ثم اوصى بقتل من يعود لمثلها قائلا: «الا فمن عاد لمثلها فاقتلوه» ((164)).

وعلى اية حال، لما كانت بيعة ابي بكر ليس لها ما يبررها من الكتاب والسنة، اضطر الجمهور الى توجيهها واعطائها طابعا شرعيا عن طريق الاجماع، فذكروا لذلك عدة مقدمات، وهي:
أولا ـ ان المسلمين من اهل المدينة او اهل الحل والعقد من اهل المدينة اجمعوا على بيعة الخليفة الاول.
ثانيا ـ ان الامامة من الفروع وليست من الاصول؛ حتى لا يصح تعلق الاجماع بها.
ثالثا ـ ان الاجماع حجة في مقابل الكتاب والسنة، فلابد من الاخذ به كما يؤخذ بالكتاب والسنة((165)).

ثم توسعوا بعد ذلك فاعتبروا الاجماع دليلا يستند اليه في جميع المسائل الشرعية الفرعية((166)).

لكن هذا الكلام غير صحيح؛ لان الاجماع مهما كانت درجة اعتباره لا يمكن التمسك به اذا كان مخالفا للكتاب والسنة، ولما كان النبي (ص) قد نص على خلافة الامام علي (ع)، فلا يصح بعد ذلك الاخذ باجماع مخالف في نتيجته لذلك النص.

هذا اذا لم نقدح في اصل تحقق الاجماع وانعقاده؛ والا فان التاريخ اكبر شاهد على ان الاكثرية الساحقة من المسلمين لم تكن قدشاركت في بيعة ابي بكر، بل لم تطلع عليها الا بعد فترة من الزمن، فكيف يمكن دعوى الاجماع عليها؟!((167))

تعريف الاجماع:

الاجماع لغة: الاتفاق او العزم على امر ما ((168)).

وفي الاصطلاح: الاتفاق الذي من شانه اثبات حكم شرعي معين ((169)).

وكل ما ذكروه من تعاريف ترجع في حقيقتها الى هذا التعريف (((170))، فقد عرفه الشيعة الامامية بانه: الاتفاق الكاشف عن راي المعصوم ((171))، او اتفاق من كان الامام من جملتهم ((172))، او اتفاق من كان قوله معتبرا ((173)).

وعرفه الجمهور بانه:اتفاق الخلفاء الراشدين ((174))، او((175))، او هم والتابعين ((176))، او مجتهدي امة الصحابة محمد (ص)((177))، او اهل الحل والعقد ((178))، او الامة نفسها على امر من الامور الدينية ((179)).

الفرق بين «الاتفاق» و «عدم الخلاف» و «الاجماع»:

يختلف المقصود من الاتفاق باختلاف موارد استعماله، فقد يطلق ويراد به معنى يختلف عـن الاجماع وعدم الخلاف، كما لو قالوا ((180)): «لا خلاف في المسالة الكذائية، بل ادعي عليها الاتفاق، بل قيل: انها اجماعية»، فان في ذلك دلالة على ان للاتفاق مرتبة متوسطة بين الاجماع وعدم الخلاف في درجة الكاشفية.

وقد يطلق ويراد به معنى يرادف عدم الخلاف، كما لو نسب الاتفاق الى شخص - مثلا - مع ان في عبارته ليس الا عدم الخلاف فقط((181)).

وقد يطلق ويراد به معنى يطابق الاجماع الكاشف عن قول المعصوم، كما لو استبدلوا ((182)) الاتفاق بالاجماع في مقام حكايته ونقله عن آخرين ولم يكن في عبارتهم الا الاتفاق.((183))

وهناك موارد نادرة استعمل فيها الاتفاق واريد به مرتبة اعلى من الاجماع، ولعله لكون الاتفاق لا يحصل الا بالوفاق التام، بخلاف الاجماع الذي يمكن ان يكون كاشفا عن راي المعصوم مع وجود مخالف لا يعتنى برايه ((184)).

ولابد من الاشارة اخيرا الى انصراف الاتفاق الى الاجماع الكاشف عن الحكم الشرعي اذا لم تكن هناك قرينة تمنع من انصرافه اليه، ولعله لكثرة استعماله فيه.

قال الوحيد البهبهاني في بعض مسائل المعاملات: «ان في شمول العرية ((185)) لما في البستان لعله هو المستفاد من اصل اللغة، فيشملها اطلاق بعض الاخبار، ولعل هذا مستند الاتفاق، مع ان الاتفاق كاف؛ لان الظاهر انه الاجماع»((186)).

ولابد من الاشارة الى ان اهل السنة هم الذين اسسوا الاجماع، وبواسطته تميزوا به عن الشيعة، فلولا اهل السنة ما ظهر الاجماع، ولولا الاجماع ما ظهروا ولا تميزوا عن الشيعة.

قال الشيخ الانصاري: «ان اهل السنة هم الاصل للاجماع، وهو الاصل لهم» ((187)).

موقف الشيعة من الاجماع:

لم يتحرج الاصوليون من الشيعة من تبني فكرة الاجماع والاستدلال به في كثير من الابحاث الفقهية، ولم يمنعهم مجرد كون المؤسسين له من اهل السنة؛ لان الاجماع وان لم يكن دليلا مستقلا بذاته باعتقادهم، الا انه يمكن ان يكون كاشفا عن قول المعصوم اذا توفرت فيه الظروف المناسبة كما سوف يتضح ذلك من خلال البحوث المقبلة ان شاء الله تعالى ومن هنا تمسك بالاجماع وعمل به علماء عاصروا الائمة(ع) ((188))، بل صرح بحجيته الفضل ابن شاذان في كتابه الايضاح ((189)).

واما الاخباريون((190)) من الشيعة، فقد رفضوا التمسك بالاجماع عندما لاحظوا ان بدايته كانت غير مشروعة؛ لاعتقادهم بانه من البدع التي لا اساس لها في واقع الشريعة.

قال المحدث البحراني ما حاصله: لا شبهة ولا ريب في انه لا مستند لهذا الاجماع من كتاب ولا سنة، وانما حدث مجاراة لمذاق العامة ومخترعاتهم، وقد تبعهم في ذلك جملة من اصحابنا، كما تبعوهم في جملة من اصولهم في مواضع عديدة.((191))

وعلى اية حال، لقد رفض الاخباريون ان يكون الاجماع كاشفا عن قول المعصوم مهما بلغ عدد المجمعين، واستدلوا على عدم حجيته بالرسالة الطويلة التي ارسلها الامام الصادق (ع) لاصحابه، والتي ورد فيها انه: «قد عهد اليهم رسول الله (ص) قبل موته،فقالوا: نحن بعدما قبض الله عزوجل رسول الله (ص) يسعنا ان ناخذ بما اجتمع عليه راي الناس بعد قبض الله رسوله (ص) وبعدعهده الذي عهده الينا مخالفا الله ولرسوله (ص)، فما احد اجرا على الله ولا ابين ضلالة ممن اخذ بذلك وزعم ان ذلك يسعه...»((192))((193)).

وعندما ادرك الاخباريون ان هناك اجماعات كثيرة ادعاها العلماء في كلماتهم - كالشيخ الطوسي والسيد المرتضى وغيرهما - اضطروا الى توجيهها وتاويلها بانها اجماعات منعقدة في خصوص الخبرين المتعارضين، وهي مما لا كلام في حجيتها فيهماباعتقادهم؛ وذلك لقول الامام الصادق (ع): «ينظر الى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكمنا به، المجمع عليه عند اصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك؛ فان المجمع عليه لا ريب فيه...»((194)).

وقد نقل السيد نعمة الله الجزائري عن بعض مشايخه ان الاجماعات والاتفاقات الحاصلة قبل زمان السيد المرتضى والشيخ الطوسي لم تكن الا اجماعات على نفس الاخبار التي كانوا ينقلونها في كتبهم؛ اذ لم يعهد من هؤلاء الاعلام كتابة رسالة تختلف عباراتها وتفريعاتها عن النصوص الشرعية((195))، ولذا قال بعضهم: «ان المتقدمين كانوا اذا اعوزتهم النصوص في مسالة رجعوا فيها الى فتاوى علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (قدس سره) وغيره» ((196)).

لكن الانصاف ان هناك اجماعات كثيرة لا يمكن تفسيرها الا باجماع الفتوى، وقد ادرك المحدث البحراني ذلك وحاول التنصل منه حيث ذكر انهم كثيرا ما كانوا يستسلقون الاجماع مجازفة، ويقيدونه احيانا بقولهم: «ان تم» و «ان ثبت»، واما في مقام التحقيق فكانوا يمزقونه تمزيقا ويجعلونه حريقا.((197))

لكن الوحيد البهبهاني لم يقتنع بهذا الكلام، معتبرا ان القدماء كالمتاخرين عملوا بالاجماع وآمنوا بحجيته؛ بدليل استدلال الكليني ((198)) به في بعض المسائل، بالاضافة الى عدم تجويزه العمل بالاخبار الصحيحة المخالفة له ((199)). بل ان الفضل بن شاذان كما قلنا وكذا غيره من الفقهاء والمتكلمين المعاصرين للائمة المعصومين(ع) كانوا يعتقدون بحجيته ويتجنبون مخالفته ((200)).

وكذا الحال في العلماء غير المعاصرين للائمة كالاسكافي ((201)) وابن زهرة الذي قيل انه استدل بالاجماع في مسائل كثيرة بلغت ستمئة وخمسين مسالة ((202))، وحتى الشيخ المفيد - الذي حصر مصادر التشريع في كتابه التذكرة ((203)) بالقرآن والسنة - استدل بالاجماع واستند اليه في سائر كتبه الفقهية ((204)).

الا ان الظاهر ان اول من قننه ورسم معالمه السيد المرتضى الذي اكد على ان الاخذ به يبتني على اساس دخول الامام (ع) في المجمعين ((205)).

ثم جاء الشيخ الطوسي بعده ليضيف اليه مباني جديدة في الحجية ، كالمبنى اللطفي والتشرفي ((206))، الى ان وصل دورالمتاخرين ((207)) الذين طرحوا المبنى الحدسي للاجماع الذي لا يشترط في كشفه عن راي المعصوم اتفاق الجميع على راي واحد.

ولابد من الاذعان بان هناك من الاعلام من تجاهل الاجماع واعرض عن الاستدلال به في آثاره الفقهية المنقولة الينا، كالجعفي مثلا، الا ان ذلك قد يكون لوجود ادلة اخرى كان يراها كافية لاثبات المطلوب، لا لعدم حجية الاجماع في هذا المجال.

اقسام الاجماع((208))

هناك اقسام متعددة للاجماع نحاول فيما يلي استعراضها:

1 ـ الاجماع المحصل والمنقول:
الاجماع المحصل: هو الاجماع الذي يقوم الفقيه بتحصيله والتحقق من وجوده بنفسه.

واما الاجماع المنقول: فهو الذي يعتمد فيه على نقل الخرين وتحصيلهم له، سواء كان النقل بواسطة ام بغير واسطة، فاذا بلغ النقل حد التواتر سمي اجماعا متواترا.

2 ـ الاجماع البسيط والمركب:
الاجماع البسيط: هو الاتفاق على قول واحد بالمطابقة، كالاجماع على نجاسة فضلة ما لا يؤكل لحمه، فالمدلول المطابقي له هونجاسة فضلة ما لا يؤكل لحمه.

واما الاجماع المركب: فهو عبارة عن اتفاق العلماء على نفي القول الثالث رغم وجود الخلاف بينهم.

3 ـ الاجماع المدركي والتعبدي:
الاجماع المدركي: هو الاجماع الذي يوجد مدرك ودليل يصلح لان يكون منشاء له، وذلك من قبيل اجماع القدماء على انفعال ماءالبئر بالنجاسة الذي استندوا فيه الى روايات متعددة خالفهم فيها المتاخرون لعدم اعتمادهم عليها، ويسمى هذا الاجماع ايضا بالاجماع المستند.

واما الاجماع التعبدي: فهو الذي لا يوجد دليل يصلح لان يكون منشاء له؛ ولذا سمي تعبديا ((209)).

4 ـ الاجماع القولي والعملي:
الاجماع القولي: هو اتفاق المجتهدين في الفتوى.

واما الاجماع العملي: فهو عمل المجتهدين وتصرفهم المعبر عنه احيانا بسيرة العلماء.

5 ـ الاجماع السكوتي والصريح:
الاجماع السكوتي: هو تصريح بعض علماء عصر واحد براي في مسالة، وسكوت آخرين عنه بعد اطلاعهم عليه.

واما الاجماع الصريح فبالعكس؛ بمعنى تصريح الجميع برائهم واعلانهم عن توافقهم.

6 ـ الاجماع التقديري:
وهو افتراض حصول الاجماع على تقدير حصول امر آخر، كالاجماع على لزوم العمل بالاحتياط على تقدير انسداد باب العلم والعلمي في معظم مسائل الفقه.

وهناك اقسام ((210)) اخرى للاجماع لوحظ فيها المبنى الذي تقوم على اساسه حجيته، وذلك كالتالي:

1 ـ الاجماع التشرفي:
وهو الاجماع الذي يقوم على اساس تشرف الاوحدي من الاعلام بخدمة الامام(ع) في عصر الغيبة، فياخذ الحكم منه ثم يدعي الاجماع عليه. وانما سمي اجماعا لان الامام (ع) وان كان واحدا لكن سلوكه يمثل السلوك الديني للامة والفقهاء، فالاجماع التشرفي خارج عن حقيقة الاجماع وماهيته، وانما يطلق عليه مسامحة.

2 ـ الاجماع الدخولي (التضمني):
وهو اتفاق جميع العلماء حتى الامام (ع) ولو في عصر من العصور على امر من الامور الدينية. وانما سمي دخوليا لدخول الامام في جمعهم وموافقته لرايهم.

3 ـ الاجماع التقريري:
وهو الاجماع الذي يقوم على اساس تقرير الامام وسكوته عما توصل اليه المجمعون اذا كانوا مصيبين، وارشادهم الى الحق وصرفهم عما توصلوا اليه من باطل اذا كانوا مخطئين.

4 - الاجماع اللطفي:
وهو اتفاق العلماء الكاشف عن راي المعصوم (ع) على اساس حكم العقل بوجوب اللطف على الله في عباده بالزام وليه باظهار الحق لهم.
ومن هنا يظهر الفرق بين الاجماع التقريري واللطفي؛ فان وجوب بيان الاحكام على الامام يكون في الاول بحكم الشرع وفي الثاني بحكم العقل.

ويختلف الاجماع اللطفي عن التقريري في نقطتين:
الاولى: ان وجوب الارشاد في الاجماع التقريري ليس مختصا بالامام(ع)، بل يعم جميع المسلمين، وانما يقوم الامام وحده بالارشاد في مورد الاجماع لانه اعرف بالحكم الواقعي من غيره. واما الارشاد في الاجماع اللطفي فهو مختص بالامام (ع).
الثانية: ان وجوب الارشاد في الاجماع التقريري انما يكون بحكم الشرع، بخلاف الاجماع اللطفي الذي قلنا بان وجوب الهداية والارشاد فيه يبتني على حكم العقل العملي ((211)).

5- الاجماع الحدسي:
وهو الاجماع الذي يؤدي الى الكشف عن الحكم الشرعي كشفا قطعيا او قريبا منه على اساس النظر والاجتهاد. ويدخل في هذاالقسم كشف الاجماع عن قول المعصوم بالملازمة وحساب الاحتمالات.

وقد يطلق ويراد به كل ما كان في مقابل الحس، كالاجماع اللطفي مثلا.

المبنى في حجية الاجماع

هناك مبنيان مهمان في حجية الاجماع:
احدهما: المبنى الاستقلالي السني،
والآخر: المبنى الكشفي الشيعي.

ونعني بالاستقلالي: التوصل بالاجماع الى الحكم الشرعي بنفسه بغض النظر عن كشفه عن راي المعصوم (ع)، وعليه يكون الاجماع من الادلة الاربعة.

واما الاجماع الكشفي: فهو الذي يكشف عن الحكم الشرعي بالكشف عن راي المعصوم، فهو على هذا المبنى لا يكون من الادلة الاربعة؛ لانه تابع للسنة وكاشف عنها، فلا معنى لكونه في عرضها.

ونحن نحاول فيما يلي دراسة كل واحد من هذين المبنيين على حدة.

1- المبنى الاستقلالي السني:
لقد اختار اهل السنة هذا المبنى واعتبروه اساسا لاستنباطهم الفقهي، الا انهم اختلفوا في انه هل هو كاشف قطعي عن الحكم الواقعي ام انه دليل تعبدي محض؟((212)) واما الادلة التي ذكروها فالمهم منها الكتاب والسنة:

أما الكتاب:
فقد استدلوا بعدة آيات:
منها: قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) ((213))، حيث قالوا: ان الاجماع من مصاديق سبيل المؤمنين؛ فلابد من العمل به واتباع ما يترتب عليه من احكام بناء على هذه الآية.

واورد عليه: بان الآية الشريفة لا علاقة لها بمسالة الاجماع، بل هي ناظرة الى معصية الرسول وشق عصا المسلمين والكفربعد الايمان وما يترتب عليه من العذاب الاخروي، فسبيل المؤمنين هو الاجتماع على طاعة الله وطاعة رسوله (ص)؛ لان المقصود به سبيلهم بما هم مجتمعون على الايمان، فيكون اتباع غير سبيل المؤمنين هو الخروج من الايمان الى الكفر؛ لان تعليق الحكم على وصف مشعر بعليته ((214)).

وقد اعترف الغزالي بان الآية لا علاقة لها بمسالة الاجماع، وفسر سبيل المؤمنين بانه الجهاد والدفاع عن النبي (ص) ونصرته في قبال الكفار ((215)).

ومنها: قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)((216)) بتقريب: ان الاجماع هو حبل الله، فيجب الاعتصام به ، ولايجوز التفرق بالتمسك بخلافه.

ويرد عليه: ان الآية الكريمة حثت على الوحدة وعدم ايجاد التفرقة بين صفوف المسلمين، لا قبول كل راي من الخرين لمجرداجتماعهم عليه واتفاقهم بخصوصه ((217)).

واما السنة :
فقد استدلوا باحاديث كثيرة ادعي تواترها معنى، وهي تشترك في مضمون واحد، وهو «لا تجتمع امتي على خطا»((218))، فاستنبطوا منها عصمة الامة من الخطا والضلالة، فيكون اجماعهم كقول المعصوم (ع) حجة ومصدرا مستقلا لمعرفة حكم اللهتعالى.

لكن هذه الاحاديث لا تنفع في حجية الاجماع؛ لعدم تماميتها سندا ودلالة :

اما سندا؛ فلانها ضعيفة حتى عند اهل السنة انفسهم؛ لان بعض هذه الروايات مروية عن ابي خلف الاعمى الذي شهد بضعفه جملة من علمائهم((219))، وبعضها مروية عن قضمضم الذي شكك بعضهم في سند روايته واعتبرها مرسلة((220)).

واما دلالة؛ فلان المفهوم من الاجتماع هو اجتماع كل افراد الامة، فلا تثبت عصمة البعض لمجرد التقائهم واجتماعهم على امرمن الامور كما حدث في بيعة السقيفة.

والواقع ان من المستبعد جدا تحقق اجتماع الامة بكل طوائفها واشخاصها في الاعصار والامصار الا في ضروريات الدين كوجوب الصلاة والزكاة التي هي ليست من الامور التي تحتاج في اثباتها الى الاجماع، بل هي ثابتة بقطع النظر عنه.((221))

2- المبنى الكشفي الامامي:
وهو الذي قالت به الامامية، واعتبرته من الناحية الشكلية احد الادلة الاربعة مماشاة للنهج الدراسي في اصول الفقه عند اهل السنة؛ اي انهم لا يعتبرونه في الواقع دليلا مستقلا في قبال الكتاب والسنة، بل يتمسكون به اذا كان كاشفا عن السنة وقول المعصوم (ع)، فالحجية ليست للاجماع بل لقول المعصوم المنكشف بواسطة الاجماع اذا كانت له اهلية الكشف.

قال الخراساني:

وليست العبرة بالاجماع
من حيث نفسه بلا نزاع
ما بيننا بل لانكشاف قد ذكر
فعادم الكشف به لا تعتبر
((222))

ولذا فقد توسع الامامية في اطلاق كلمة الاجماع على اتفاق جماعة قليلة لا يسمى اتفاقهم في الاصطلاح اجماعا؛ باعتبار ان اتفاقهم يكشف كشفا قطعيا عن قول المعصوم، فيكون له حكم الاجماع، بينما لا يعبؤون بالاجماع الذي لا يكشف عن قول المعصوم وان سمي اجماعا في الاصطلاح ((223)).

وبذلك اتضحت نقطة الخلاف الجوهرية بين النهج السني والامامي.

ثم ان البحث في الاجماع على اساس المبنى الكشفي تارة يكون بلحاظ الكشف الحسي، واخرى بلحاظ الكشف الحدسي. ((224))

اما الاول ـ فهو الاجماع الكاشف عن الحكم الشرعي كشفا قطعيا عن طريق الاتصال بالامام المعصوم واخذ الاحكام الشرعية منه((225)).

وهذه الطريقة من الكشف تنطبق على الاجماع الدخولي (التضمني) والتشرفي معا.

ولا اشكال في حجية الاجماع الدخولي من الناحية النظرية، وانما الاشكال في وقوعه؛ لان الاجماعات المنقولة في كتب الفقه ليست من هذا القبيل قطعا. واما الاجماع التشرفي فهو نادر الوقوع ان لم نقل لا وجود له.

واما الثاني ـ الاجماع الحدسي فهو الاجماع الذي يؤدي الى الكشف عن الحكم الشرعي كشفا قطعيا او قريبا منه يقوم على اساس الحدس والنظر والاجتهاد ((226)).

فالحدس في الحقيقة هو العلم الحاصل من غير طريق الحواس الظاهرة ((227)).

وقد تبنى هذه الطريقة من الاجماع معظم المتاخرين ((228)) ، بل قد تكون هي طريقة المتقدمين في اكبر الظن ((229))، وانما اظهروه بصورة الاجماع الدخولي وغيره مماشاة لاهل السنة الذين طرحوا الاجماع واعتبروه شاملا لقول المعصوم(ع)((230)).

ثم ان الكشف عن الحكم الشرعي بواسطة الاجماع الحدسي قد يكون بالعقل العملي، وقد يكون بالعقل النظري ((231)).

الاول ـ الكشف على اساس العقل العملي:
والمقصود من العقل العملي: هو حكم العقل بحسن شيء بمعنى انه ينبغي فعله، او قبح شيء ينبغي تركه ((232)).

والكشف على اساس ذلك يمكن تحققه بواسطة الاجماع اللطفي فقط الذي هو عبارة عن اتفاق العلماء الكاشف عن راي المعصوم(ع) على اساس حكم العقل بوجوب التلطف على الله تعالى باظهار الحق بواسطة وليه (ع).

وتبنى هذه النظرية الشيخ الطوسي ((233)) وجماعة قبله وبعده ((234)).

وتقوم فكرة الاجماع اللطفي على قاعدة مذكورة في الكتب الكلامية مفادها: ان من اللطف ان يكون المكلف اقرب الى فعل الطاعة وابعد من فعل المعصية مع وجود حظ له في التمكين بما لا يبلغ حد الالجاء ((235)).

ومحصل القاعدة: هو انه لابد وان تكون - الى جانب قدرة المكلف على اداء التكليف - عناية الهية تساعده على الطاعة وترك المعصية مع عدم بلوغها حد الالجاء والاجبار، وذلك يعني انه لابد من ايجاد ظروف مناسبة لتكميل النفوس المستعدة للهداية وسوقها الى مناهج الصلاح؛ ببعث الرسل، وانزال الكتب، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر((236)).

ويمكن الاستفادة من هذه القاعدة وتطبيقها على مسالة الاجماع بصور مختلفة:

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية